مستقبل حلف الناتو في ظل الحرب الأمريكية الإيرانية: ما الذي ينتظرنا؟

أُعدّت هذه الورقة بمساهمة مساعدَي الباحث، سلمى الرفاعي وخليل حدادين

أدى اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية عام 2026 إلى وضع التحالف عبر الأطلسي تحت ضغط جديد، ولكن على عكس الأزمات السابقة، لا تكمن أهميتها في التداعيات العسكرية المباشرة بقدر ما تكشفه عن الديناميكيات الداخلية لحلف الناتو. فبينما أظهر الحلف تاريخياً مرونة في مواجهة التهديدات الخارجية، كشف هذا الصراع عن تباين أعمق وأكثر هيكلية بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. فبدلاً من أن يتصرف الناتو كفاعل استراتيجي موحد، بدا متشرذماً، حيث انتهجت الولايات المتحدة نهجاً أكثر حزماً وتدخلاً، بينما تبنت دول أوروبية رئيسية مواقف حذرة ومتحفظة تجاه المخاطر، متأثرة بالهشاشة الاقتصادية والقيود السياسية الداخلية واختلاف تصورات التهديدات. [1]

لقد أبرزت الحرب الحالية هذه التوترات وجعلتها أكثر وضوحاً وأهمية من الناحية السياسية. وعلى عكس فترة ما بعد أوكرانيا، التي عززت مؤقتاً الوحدة عبر الأطلسي من خلال تصور مشترك للتهديد الروسي، فإن الصراع الأمريكي الإيراني يُسلط الضوء على حدود هذا التماسك عندما تتباين الأولويات الأمنية لأعضاء التحالف. [2] تشير التقارير الأخيرة إلى تزايد الإحباط داخل الولايات المتحدة إزاء تردد أوروبا في التوافق التام مع نهجها، إلى جانب مخاوف أوروبية بشأن اتخاذ القرارات الأمريكية بشكل أحادي. ولم تؤدِ الحرب إلى انهيار الحلف، بل دفعت نحو إعادة تشكيل وظيفته داخل النظام الأمني الغربي. [3]

تُجادل هذه المقالة بأن حربًا محتملة بين الولايات المتحدة وإيران عام 2026 ستُسرّع من تحوّل حلف الناتو إلى ترتيب أمني أكثر تشتتًا وتفككًا وظيفيًا. ورغم أن احتمالية تفكك الحلف ضئيلة، إلا أنه يعمل بشكل متزايد كهيكل متعدد السرعات يتسم بمستويات متفاوتة من التماسك السياسي والمشاركة الانتقائية. ويكتسب فهم هذا التحول أهمية خاصة، ليس فقط لتقييم مستقبل دور الناتو عبر تحليل السيناريوهات المحتملة، بل أيضًا لاستشراف كيفية تكيف التعاون الأمني عبر الأطلسي مع بيئة جيوسياسية أكثر تعقيدًا واضطرابًا.

حلف شمال الأطلسي قبل الحرب: وحدة مع وجود انقسامات كامنة

قبل حرب الولايات المتحدة وإيران عام 2026، بدا حلف الناتو متماسكًا ظاهريًا، لا سيما في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022. وقد أعادت تلك الأزمة تنشيط الحلف، مما أدى إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، وتجديد التزام الولايات المتحدة بالأمن الأوروبي، وانضمام أعضاء جدد مثل فنلندا والسويد. وفي قمة فيلنيوس عام 2023، أكد الحلفاء مجددًا على الدفاع الجماعي باعتباره المهمة الأساسية لحلف الناتو، واعتمدوا خططًا دفاعية إقليمية جديدة، مما يشير إلى عودة الوحدة القائمة على الردع. [4]

إلا أن التوترات الهيكلية استمرت تحت هذا التماسك الظاهري. أولاً، استمرت الخلافات القديمة حول تقاسم الأعباء في إجهاد العلاقات عبر الأطلسي؛ فبينما ازداد الإنفاق الدفاعي الأوروبي، ظلت هناك فجوات في القدرات والاستعداد، مما عزز مخاوف الولايات المتحدة بشأن عدم تكافؤ المساهمات. [5] ثانياً، أدت الأولويات الاستراتيجية المتباينة إلى تعقيد التماسك: فقد شددت الولايات المتحدة بشكل متزايد على المنافسة العالمية مع الصين، في حين ظلت العديد من الدول الأوروبية تركز على الاستقرار الإقليمي وإدارة المخاطر. [6] ثالثًا، كشفت النقاشات حول الاستقلال الاستراتيجي عن انقسام سياسي أعمق داخل أوروبا نفسها. فقد دعت دول مثل فرنسا إلى مزيد من الاستقلال الدفاعي الأوروبي، بينما ظلت دول أخرى – لا سيما في أوروبا الشرقية – ملتزمة بشدة بالقيادة الأمريكية داخل حلف الناتو. وقد حدّ هذا الانقسام الداخلي من قدرة الاتحاد الأوروبي على العمل كقوة أمنية موحدة إلى جانب حلف الناتو. [7] وأخيرًا، استمرت التوترات بشأن عمليات صنع القرار. فبينما يضمن هيكل حلف الناتو القائم على الإجماع الوحدة، إلا أنه غالبًا ما أبطأ الاستجابات وشجع على تشكيل تحالفات غير رسمية أو مؤقتة خارج أطر الناتو الرسمية. تشير هذه الانقسامات الكامنة إلى أن وحدة الناتو قبل الحرب كانت مشروطة وليست هيكلية – قوية عندما تتوافق تصورات التهديد، ولكنها هشة عندما تتباين.

الحرب كصدمة: التباين في الممارسة

يمثل الصراع الحالي كشفاً صارخاً لحقائق التحالف عبر الأطلسي، مُبرزاً التباينات العملية في ردود أفعال أعضائه. شكّل العمل العسكري الأمريكي الأحادي نقطة تحول رئيسية، إذ تصرفت واشنطن وفقاً لأولوياتها الاستراتيجية الخاصة دون تنسيق مسبق أو انتظار توافق في الآراء بين حلفائها. في المقابل، برز التردد والانقسام الأوروبيان كسمة مميزة للموقف عبر الأطلسي، مما قلّص دور حلف الناتو وجعله مؤسسة مهمشة في سياق هذا الصراع. [8]

سياسياً، اتسعت الفجوة عبر الأطلسي نتيجةً لاختلاف الحسابات الاستراتيجية، ولم  تنظر العواصم الأوروبية إلى التصعيد مع طهران من المنظور الأمريكي نفسه، في حين كانت نظرتها ما اعتبرته تهديداً لأمن الطاقة وعاملاً مزعزعاً للاستقرار في جوارها المباشر. لم يكن هذا التباين مجرد اختلاف في الرأي، في حين تجلى عملياً في غياب المشاركة العسكرية. امتنعت معظم الدول الأوروبية عن الانخراط في العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة، مفضلةً البقاء على الحياد لتجنب التورط في صراع مفتوح قد يمتد إلى أراضيها أو يؤثر على مصالحها الحيوية. [9]

أدى هذا التباين بطبيعة الحال إلى تهميش مؤسسي كبير لحلف الناتو. فلم تُتخذ القرارات الحاسمة داخل الحلف، وتم تهميش آليات التشاور متعددة الأطراف لصالح الإجراءات الأحادية. ويمكن تفسير هذا التباين العميق بغياب تهديد وجودي مشترك. فعندما لا تتوافق المصالح الحيوية تمامًا، تتغلب الاعتبارات الوطنية على التزامات الحلف، وهو ما يفسر نهج أوروبا الحذر وترددها في الانخراط عسكريًا في مسارح عمليات بعيدة عن مسارح عملياتها الرئيسية. .[10]

شرح الانقسام

لم يظهر الانقسام عبر الأطلسي بين عشية وضحاها، هذا الانقسام ما هو الا نتاج ثلاث قوى هيكلية متداخلة، جعلت ثقلها التراكمي هذا التباين الحالي ليس متوقعًا فحسب، في حين كان شبه حتمي عند النظر إليه بأثر رجعي. أولًا، اتسعت الفجوة في الثقافة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وأوروبا إلى درجة غير مسبوقة. تتبنى واشنطن نهجًا تدخليًا قائمًا على نشر القوة العسكرية استباقيًا لحماية مصالحها العالمية، بينما تميل الدول الأوروبية نحو ثقافة استراتيجية تركز على الاستقرار وإدارة الأزمات الدبلوماسية. هذا الاختلاف الجوهري في فهم كيفية صياغة الأمن وتحقيقه جعل من الصعب وضع استجابة عسكرية موحدة لأزمة بحجم الصراع مع طهران. [11]

ثانيًا، لعبت القيود الاقتصادية دورًا حاسمًا في تشكيل موقف أوروبا المتردد. تعاني القارة الأوروبية من هشاشة بالغة في قطاع الطاقة، وتدرك تمامًا أن أي صراع واسع النطاق في الشرق الأوسط سيؤدي إلى صدمات متتالية في سلاسل إمداد الطاقة وأسعارها، مما يزيد من خطر التضخم ويهدد بركود اقتصادي مطول. هذا الواقع الاقتصادي الملحّ يعني أن تكلفة خوض الحرب تفوق بكثير أي مكاسب استراتيجية محتملة، مما يجبر صانعي السياسات على إعطاء الأولوية لحماية اقتصاداتهم. [12] ثالثًا، شكّل التشرذم السياسي الداخلي عقبة إضافية أمام أي تحرك أوروبي حاسم. فقد واجهت العديد من الحكومات الأوروبية ضغوطًا انتخابية وسياسات داخلية معقدة جعلت من الصعب للغاية إقناع الرأي العام المحلي بخوض حرب جديدة. ونظرًا لهذه العوامل مجتمعة، كان التباين حتميًا، إذ لا يمكن لتحالف عسكري أن يعمل بفعالية وتماسك عندما يمتلك أعضاؤه ثقافات استراتيجية متضاربة، ونقاط ضعف اقتصادية متباينة، وأولويات سياسية متنافسة. [13] لكن هذه التفسيرات الهيكلية لا تستبعد المستقبل، بل تحدد معالمه، حيث لم يعد السؤال هو ما إذا كان حلف الناتو سيتغير، على العكس أصبح السؤال كيف، وعلى أي مسار من بين عدة مسارات محتملة سيتطور هذا التغيير.

تحليل السيناريوهات: مستقبل حلف شمال الأطلسي

السيناريو 1: تماسك متجدد (احتمالية منخفضة)

للوهلة الأولى، كان من المتوقع أن يُعزز تصعيد الحرب الأمريكية الإيرانية الوحدة عبر الأطلسي، لا سيما إذا ما تطور الصراع إلى تهديد مباشر للأمن الأوروبي، سواءً من خلال تعطيل تدفقات الطاقة، أو انتشار الصواريخ، أو امتداد عدم الاستقرار إلى الجناح الجنوبي لحلف الناتو، لأن الصدمات الخارجية تاريخيًا غالبًا ما كانت بمثابة محفزات لتلاحم التحالف. مع ذلك، يشير المسار الحالي للصراع إلى أن مثل هذه النتيجة لا تزال مستبعدة. فبدلًا من التقارب حول تصور مشترك للتهديد، كشفت الحرب وعمّقت في كثير من الحالات الانقسامات القائمة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. وكما يشير أحد التقارير، اتسم الرد الأوروبي برفض واضح لتأطير الصراع كجهد غربي جماعي، حيث كان الموقف السائد هو أن هذه ليست حربنا. [14] لا يعكس هذا التردد الحذر الاستراتيجي فحسب، بل يعكس أيضاً القيود السياسية الداخلية والضعف الاقتصادي – لا سيما في سياق الاعتماد على الطاقة ومخاطر الركود.

في الوقت نفسه، كان رد الولايات المتحدة على عدم الانحياز الأوروبي تصادمياً بشكل واضح، مما زاد من تقويض الظروف اللازمة لتجديد التماسك. فقد انتقد الرئيس دونالد ترامب علناً حلفاء الناتو لتقاعسهم عن دعم الجهود العسكرية الأمريكية، مُؤطِّراً تقاسم الأعباء لا من منظور الدفاع الجماعي، انما من منظور التوافق مع الأولويات الاستراتيجية الأمريكية. وعلى نطاق أوسع، كان الدور المؤسسي لحلف الناتو نفسه محدوداً بشكل ملحوظ طوال فترة النزاع. فقد بدأت الولايات المتحدة عمليات عسكرية دون تشاور فعّال ضمن أطر الناتو، وكانت المحاولات اللاحقة لإشراك الحلفاء – مثل الدعوات لدعم العمليات في مضيق هرمز – غير ناجحة إلى حد كبير. [15] إن تهميش هذا التحالف يضعف الآليات التي يمكن من خلالها إعادة بناء التماسك.

السيناريو الثاني: حلف شمال الأطلسي متعدد السرعات (الأكثر ترجيحاً)

يرتكز هذا السيناريو على فرضية أساسية مفادها أن الحلف لن يواجه تفككًا جذريًا، حيث يركز ابضا ان الحلف سيخضع لتكيف وظيفي قسري يحوله إلى هيكل مرن قادر على استيعاب الإرادات السياسية المتباينة لأعضائه. في هذا النموذج، يبرز هيكل أمني جديد، قائم على ما يمكن تسميته بالتعددية في إطار الوحدة، حيث يتخلى الحلف عن طموحه في أن يكون فاعلًا استراتيجيًا موحدًا، ليصبح منصة توفر الدعم اللوجستي والمعايير العسكرية المشتركة. ونتيجة لذلك، ستتشكل عمليًا تحالفات انتقائية داخل هيكل الناتو. ستختار دول مثل بريطانيا وأعضاء الجناح الشرقي السعي إلى تنسيق عملياتي واستخباراتي كامل مع النهج الأمريكي في الصراع، بينما ستقتصر القوى الأوروبية الكبرى مثل ألمانيا وفرنسا على تقديم مساهمات رمزية أو سياسية ضئيلة مع الحفاظ على مناورات دبلوماسية مستقلة. قد يمنح هذا التحول نحو المشاركة المجزأة حلف الناتو مرونة تكتيكية في التعامل مع الأزمات المعقدة، ولكنه في الوقت نفسه يقوض مبدأ التضامن التلقائي ويجعل الدفاع الجماعي يعتمد على تقارب المصالح الوطنية المباشرة، ليتحول الحلف تدريجيًا إلى إطار أمني انتقائي تتحرك داخله الدول وفق حساباتها الوطنية الخاصة، لا وفق التزام جماعي موحد.

السيناريو الثالث: الانحراف الاستراتيجي / فقدان الأهمية

في هذا السياق، يتوقع السيناريو الثالث مسارًا يتسم بتآكل الأهمية المؤسسية لحلف الناتو، مما يجعل الحلف ليس فقط غير فعال، فضلا عن كونه فاقدًا للأهمية في إدارة الأزمات العابرة للحدود الكبرى. ويستند هذا التصور إلى فرضية أن السوابق التي أرتسها الحرب الأمريكية الإيرانية – من الأحادية في واشنطن إلى التردد الهيكلي في بروكسل – ستدفع الجهات الفاعلة إلى الالتفاف بشكل منهجي على أطر التحالف الرسمية لتجنب الجمود البيروقراطي أو الفيتو السياسي. وبدلًا من الاعتماد على آليات التشاور التقليدية، ستتحول مراكز ثقل صنع القرار الأمني ​​إلى تحالفات من الدول الراغبة والتحالفات الأصغر خارج مظلة الناتو، مما يؤدي إلى حالة من الضمور المؤسسي حيث تبقى مكاتب الحلف وقواته، لكن فعاليته الحقيقية تتلاشى لصالح ترتيبات أمنية أكثر مرونة وأقل تقييدًا. وسيؤدي هذا الانحراف الاستراتيجي حتمًا إلى فقدان الغطاء القانوني والشرعي الموحد الذي كان يوفره الناتو، مما يجعل الدول الأوروبية تواجه ضعفًا أمنيًا خطيرًا. مع تراجع مصداقية المظلة النووية الأمريكية المستقرة، ستجد القارة نفسها مضطرة للبحث عن بدائل أمنية وطنية أو إقليمية مجزأة، مما ينهي حقبة الأمن الجماعي المتماسك ويدخل مرحلة جديدة من السيولة الجيوسياسية التي لا يكون للحلف فيها دور قيادي.

السيناريو الرابع: تسريع الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي

يتمثل المحرك الرئيسي لهذا السيناريو في تزايد الشعور بعدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الولايات المتحدة ونزعتها الأحادية. وقد عزز قرار شن عمليات عسكرية ضد إيران دون تنسيق مسبق مع حلفاء الناتو، بالإضافة إلى الضغوط اللاحقة على الدول الأوروبية للتوافق مع أهداف الولايات المتحدة، المخاوف القائمة منذ زمن طويل بشأن عدم تكافؤ العلاقات عبر الأطلسي. وقد أدى تردد أوروبا في المشاركة في الحرب، بدوره، إلى ردود فعل عقابية وقسرية من واشنطن، بما في ذلك التهديدات بسحب القوات والضغوط التجارية، مما زاد من تآكل الثقة في استقرار التزامات الولايات المتحدة. [16] إن تحويل الموارد العسكرية الأمريكية إلى الشرق الأوسط، إلى جانب إعطاء الأولوية للمصالح الاستراتيجية الأمريكية في مناطق أخرى، يُبرز هشاشة البنى الأمنية الأوروبية التي لا تزال تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الضمانات الخارجية. وفي هذا السياق، لم يعد يُنظر إلى الاستقلال الاستراتيجي على أنه مجرد طموح سياسي – لا سيما من قِبل جهات فاعلة مثل فرنسا – أنما أصبح يُنظر إليه بشكل متزايد على أنه ضرورة هيكلية.

في الوقت نفسه، خلقت الحرب قيودًا وحوافزَ للاستقلال الأوروبي. فمن جهة، تحدّ الضغوط الاقتصادية، بما فيها صدمات الطاقة والضغوط المالية، من قدرة الدول الأوروبية على توسيع قدراتها الدفاعية بسرعة. ومن جهة أخرى، تُبرز هذه الضغوط نفسها مخاطر التبعية الاستراتيجية، مما قد يُسرّع الاستثمار في القدرات المحلية والترتيبات الأمنية البديلة. والنتيجة ديناميكية متناقضة: قيود قصيرة الأجل تتعايش مع حوافز طويلة الأجل لمزيد من الاستقلال. ومن المهم الإشارة إلى أن هذا السيناريو لا يعني حلّ حلف الناتو، كذلك أيضا تحوّله إلى تحالف أكثر تفاوتًا وتشرذمًا سياسيًا. ومن غير المرجح أن تتخلى الدول الأوروبية عن حلف الناتو بشكل كامل، لا سيما في ظل التهديدات المستمرة من روسيا. ومع ذلك، قد تسعى هذه الدول بشكل متزايد إلى التحوّط ضد عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الولايات المتحدة من خلال تطوير هياكل موازية، وتعزيز التنسيق الدفاعي على مستوى الاتحاد الأوروبي، وتقليل الاعتماد على الأصول العسكرية الأمريكية تدريجيًا.

التداعيات

تتجاوز تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية على حلف الناتو ديناميكيات العلاقات عبر الأطلسي المباشرة، لتشير بدلاً من ذلك إلى إعادة تشكيل أوسع لهيكلية الأمن العالمي. فعلى المستوى النظامي، يعزز هذا الصراع التحول من أطر الأمن الرسمية القائمة على المؤسسات إلى تحالفات أكثر مرونة وارتجالية. وإذا ما تم تجاوز حلف الناتو بشكل متزايد في الصراعات خارج نطاقه الجغرافي، فإن هذا يشير إلى تآكل تدريجي لدوره كأداة رئيسية للتنسيق العسكري الغربي، لا سيما في الأزمات التي تقع خارج نطاقه الجغرافي والاستراتيجي التقليدي.

بالنسبة للولايات المتحدة، يثير هذا التطور تساؤلات جوهرية حول مستقبل نظام تحالفاتها. قد يوفر الاعتماد على النهج الأحادي أو القائم على التحالفات مرونة عملياتية قصيرة الأجل، ولكنه يُهدد بتقويض تماسك التحالفات على المدى الطويل من خلال إضعاف توقعات التشاور وصنع القرار المشترك. بمرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى نموذج تحالفات أكثر نفعية، حيث يكون التوافق مشروطًا ومحددًا بقضايا معينة بدلًا من أن يكون مؤسسيًا. أما بالنسبة لأوروبا، فإن التداعيات لا تقل أهمية. تُبرز الحرب حدود الاعتماد على الضمانات الأمنية الأمريكية، وتُسلط الضوء على تحديات تطوير قدرات استراتيجية مستقلة. من المرجح أن تواجه الدول الأوروبية ضغوطًا متزايدة لتحديد دورها في الصراعات المستقبلية، ليس فقط من حيث القدرات، وكذلك أيضًا من حيث الإرادة السياسية للتحرك. قد ينتج عن ذلك موقف أمني أوروبي أكثر تمايزًا، حيث تُعمّق بعض الدول تحالفها مع الولايات المتحدة، بينما تسعى دول أخرى إلى مزيد من الاستقلال الاستراتيجي. بهذا المعنى، تُسرّع الحرب تحولًا جاريًا في كيفية تنظيم الأمن والتفاوض بشأنه وممارسته عبر الفضاء عبر الأطلسي.

الخاتمة

لم تُعجّل حرب الولايات المتحدة وإيران عام 2026 بانهيار حلف الناتو، ولم تجعله حلفًا عتيقًا. في الواقع كشفت عن تحوّلٍ جارٍ في هيكله ووظيفته، وعجّلت به. وقد أظهر التباين بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين -المتجذر في اختلاف تصورات التهديدات، والثقافات الاستراتيجية، والقيود السياسية- حدود تماسك الناتو في الصراعات التي تقع خارج إطاره التقليدي. وما يتبلور ليس تحالفًا أضعف رسميًا، على العكس تحالفًا أكثر تشتتًا وتفاوتًا وظيفيًا عمليًا.

يحمل هذا التحوّل تداعياتٍ مهمة على مستقبل الأمن عبر الأطلسي. فالناتو يعمل بشكل متزايد كمنصة مرنة بدلًا من كونه فاعلًا استراتيجيًا موحدًا، حيث تتشكل المشاركة وفقًا للمصالح الوطنية بدلًا من الالتزام الجماعي. ينبغي على الحكومات الأوروبية وضع أطر طوارئ لأمن الطاقة للحد من الهشاشة خلال أزمات الشرق الأوسط، وذلك بالابتعاد عن عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الولايات المتحدة، من خلال تطوير هياكل موازية والاستثمار فيها بشكل أكبر، بهدف تحقيق الاستقرار في حال أثبت الاعتماد على الولايات المتحدة عدم استقراره في الإدارات القادمة أيضًا. يمكن إدارة الأحداث الجارية وصدمة الطاقة بسهولة أكبر بهذه الطريقة، ومن خلال تنسيق دفاعي على مستوى الاتحاد الأوروبي وتقليل الاعتماد التقليدي على الأصول العسكرية الأمريكية بمرور الوقت، يمكن لأوروبا أن تصبح أكثر اكتفاءً ذاتيًا، وهذا من شأنه أن يمكّنها من استيعاب صدمة أي أزمات مستقبلية بشكل أفضل؛ وفي هذا السياق، يبدو أن مستقبل الأمن الأوروبي سيتجه نحو تعميق التنسيق الدفاعي داخل الاتحاد الأوروبي، وتقليل الاعتماد التقليدي على المظلة الأمنية الأمريكية.


[1] Policy Circle Bureau, “NATO Crisis Deepens over US-Iran War Divide,” Policy Circle, April 2026, https://www.policycircle.org/world/nato-crisis-iran-war-transatlantic-rift/.

[2] North Atlantic Treaty Organization, “Relations with the European Union,” last modified June 20, 2025, https://www.nato.int/en/what-we-do/partnerships-and-cooperation/relations-with-the-european-union

[3] Tuvan Gumrukcu, “Turkey Says US Withdrawal from European Security Architecture Could Be ‘Destructive,’” Reuters, April 18, 2026, https://www.reuters.com/world/turkey-says-us-withdrawal-european-security-architecture-could-be-destructive-2026-04-18/.

[4] North Atlantic Treaty Organization, “Vilnius Summit Communiqué,” July 11, 2023, https://www.nato.int/en/about-us/official-texts-and-resources/official-texts/2023/07/11/vilnius-summit-communique.

[5] Taylor, Kristen, Julia Salabert, and Zak Schneider. “NATO Defense Spending Tracker.” Atlantic Council, last updated April 9, 2026. https://www.atlanticcouncil.org/commentary/trackers-and-data-visualizations/nato-defense-spending-tracker/

[6] Royal United Services Institute, “The Future of the Euro-Atlantic Security Architecture,” RUSI, 2023, https://www.rusi.org/explore-our-research/publications/insights-papers/future-euro-atlantic-security-architecture.

[7] Armin Steinbach, “The EU’s Turn to ‘Strategic Autonomy’: Leeway for Policy Action and Points of Conflict,” European Journal of International Law 34, no. 4 (2023): 973–1006, https://doi.org/10.1093/ejil/chad048.

[8] Nick Schifrin et al., “Trump Lashes Out at NATO Allies over Unpopular Mideast War, Widening Transatlantic Rift,” PBS NewsHour, April 1, 2026, https://www.pbs.org/newshour/world/trump-lashes-out-at-nato-allies-over-unpopular-mideast-war-widening-transatlantic-rift.

[9] EU Leaders Reject Military Involvement in Strait of Hormuz amid War on Iran, Al Jazeera, March 16, 2026, https://www.aljazeera.com/news/2026/3/16/eu-leaders-reject-military-involvement-in-strait-of-hormuz-amid-war-on-iran.

[10] All Bets Are Off: Could Iran War Push US-NATO Ties to Breaking Point? Anadolu Agency, accessed May 2026, https://www.aa.com.tr/en/europe/-all-bets-are-off-could-iran-war-push-us-nato-ties-to-breaking-point/3875932.

[11] Sophia Besch, Erik Brown, and Rafaela Uzan, “Rebalancing the Transatlantic Defense-Industrial Relationship: Regional Pragmatism in Northeastern Europe,” Carnegie Endowment for International Peace, December 2025, https://carnegieendowment.org/research/2025/12/rebalancing-the-transatlantic-defense-industrial-relationship-regional-pragmatism-in-northeastern-europe?lang=en.

[12] Simone Tagliapietra, “How Will the Iran Conflict Hit European Energy Markets?” Bruegel, April 2026, https://www.bruegel.org/first-glance/how-will-iran-conflict-hit-european-energy-markets.

[13] Matthias Matthijs, “Europe’s Disjointed Response to the U.S.–Israeli War With Iran,” Council on Foreign Relations, March 6, 2026, https://www.cfr.org/articles/europes-disjointed-response-to-the-u-s-israeli-war-with-iran.

[14] UK in a Changing Europe, “Not Our War? NATO and the Iran Crisis,” accessed May 5, 2026, https://ukandeu.ac.uk/not-our-war-nato-and-the-iran-crisis/.

[15] Gabriel Gavin, “Trump’s Fury at NATO Allies Deepens Transatlantic Tensions,” Politico Europe, accessed May 2026, https://www.politico.eu/article/donald-trump-anger-nato-allies-europe-united/.

[16] Jakub Krupa, “Trump Threatens to Withdraw US Troops from Italy and Spain,” The Guardian, May 1, 2026, https://www.theguardian.com/world/live/2026/may/01/donald-trump-us-troops-italy-spain-germany-nato-europe-latest-news.

زر الذهاب إلى الأعلى