حرب حزب الله وإسرائيل وخرائط التحالف والعداء في الداخل اللبناني

يتجاوز المنعرج التاريخي الذي يشهده حزب الله اليوم مشهد الحرب المستمرة والمتقطعة مع إسرائيل منذ ما يقارب ثلاثة أعوام تقريباً ( باستثناء مرحلة وقف إطلاق النار والهدنة التي لم تكن هدنة كاملة، بل أقرب إلى خفض التصعيد، بخاصة من الجانب الإسرائيلي) فالتحدي الآخر الذي لا يقل أهمية ولا خطورة بالنسبة للحزب هو علاقته المتأزمة مع القوى الداخلية اليوم، ومع الحكومة ورئاسة الجمهورية، بخاصة مع قرار الحكومة لبنانية الدخول في مفاوضات مباشرة مع تل أبيب، وهو الأمر الذي حدث فعلاً برعاية أميركية في واشنطن.
التوترات الداخلية لبنانية ليست أمراً جديداً أو طارئاً بل هي جزء لا يتجزأ من الحالة التاريخية والسياسية في البلاد، إنّما الجديد اليوم أنّ حزب الله الذي كانت له يد عليا في كثير من الأحيان في الداخل لبناني، بفعل السلاح الذي يمتلكه أولاً، وقوته الكبيرة داخل النظام السياسي ثانياً، والرافعة الإقليمية له ثالثاً (مع يسمى حلف الممانعة)، أمّا اليوم فيعود العامل الخارجي – كالعادة- ليشكل المعادلة لبنانية وموازين القوى الداخلية من جديد، بعد انهيار العمق السوري لحزب الله المتمثل بنظام بشار الأسد، وفي ضوء انشغال إيران الكبير في الدفاع عن نفسها، وإدارة ترامب المؤيدة لبنيامين نتنياهو التي تحاول إغلاق كل الطرق أمام حزب الله، مما أدى إلى تشكيل حكومة واختيار رئيس جمهورية بعدما كان الأمر صعباً ومستعصياً في أحيان كثيرة في السابق.
هذه الانقسامات لبنانية ظهرت جلية في مرحلة الحرب الأولى (2023) لكنها برزت بصورة أوضح في الحرب الحالية الأميركية- الإيرانية، بخاصة بعد قرار حزب الله دخول الحرب، وهو الأمر الذي لم يحتمله الرئيس لبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام، اللذان قررا الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، بدعوى تجنيب لبنان كارثة كبيرة من جهة، ولرفضهما أن يكون قرار الحرب والسلم بيد حزب الله أو مرتبطاً بإيران ومصالحها، كما يقولان، وبالتالي وصلت العلاقة بين الطرفين (الحزب وغالبية القوى لبنانية الأخرى) إلى مرحلة متقدمة من الأزمة والتوتر، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في الفضائيات لبنانية وحالة الانقسام وتبادل الاتهامات بين الطرفين.
التحدي الأخطر أمام حزب الله لم يعد الحرب مع إسرائيل فقط، بل معركته المتصاعدة مع الداخل اللبناني وتحول موازين القوى الداخلية ضده
من هنا تأتي أهمية قراءة وتحليل مواقف القوى لبنانية المختلفة تجاه حزب الله من ناحية والحرب الحالية من ناحية، وهي المواقف التي تحمل مؤشرات ودلالات مهمة للمعركة الصعبة الأخرى التي يخوضها حزب الله، وربما تتسارع ديناميكياتها في المرحلة القادمة بينه وبين تلك القوى، وبالتالي تفرض على حزب الله خيارات استراتيجية صعبة وغير تقليدية.
يحاول هذا المقال، إذن، رصد وقراءة وتحليل مواقف القوى الرئيسية في المعادلة لبنانية من الحرب الحالية بين حزب الله والإسرائيليين، لما تحمله هذه المواقف من مؤشرات ودلالات للوضع الداخلي لبناني حالياً من جهة والديناميكيات القادمة فيه من جهةٍ ثانية.
حركة أمل : بين دعم المواجهة وضبط التصعيد
يشكّل موقف حركة أمل من الحرب امتداداً لطبيعة تموضعها البنيوي داخل النظام السياسي اللبناني، أكثر مما هو تعبير عن خيار سياسي مستقل ، فالحركة، بقيادة نبيه بري، تتحرك ضمن إطار ” الثنائية الشيعية ” مع حزب الله، مما يفرض عليها قيوداً واضحة في صياغة موقفها [1]، وفي هذا الواقع يصبح من الصعب على الحركة تبني موقف علني متمايز تجاه الحرب، إذ إن أي تباين قد يُفسَّر كتهديد لوحدة التمثيل الشيعي، وهو ما يحمل كلفة سياسية تتجاوز حدود العلاقة الثنائية ليطال موقع الطائفة داخل النظام ككل.
وفي هذا السياق، يظهر التحالف بين حركة أمل وحزب الله ” كتحالف ضرورة ” لا تحالف خيارات ، فالحركة تدرك أن اختلال موازين القوة لصالح الحزب، خصوصاً على المستوى العسكري، قد يحد من قدرتها على منافسته أو تقديم نفسها كبديل داخل البيئة الشيعية ، وعليه، فإن أي تراجع في موقع حزب الله لا يُترجم بأنه مكسب لحركة أمل، وانما قد يؤدي إلى إضعاف الدور السياسي للشيعة بشكل رئيسي ، ومن هنا، يصبح الحفاظ على هذا التحالف أداة وقائية لتفادي سيناريوهين أساسيين : الأول ، الانقسام الداخلي داخل القاعدة الشيعية، والثاني ، تراجع الوزن النسبي للطائفة الشيعية في معادلة التوازنات الطائفيّة اللبنانية الأخرى.
الثنائية الشيعية ليست وحدة موقف بقدر ما هي تقسيم أدوار بين القوة العسكرية وإدارة التوازنات السياسية
وفي ضوء هذه المعطيات ، يبرز دور نبيه بري بوصفه قناة او جسر للتواصل ، أكثر منه فاعلاً صدامياً أو بديلاً سياسياً ، فبري لا يسعى إلى منافسة حزب الله على قيادة الشارع الشيعي، وانما إلى تثبيت موقعه كوسيط بين الحزب وبقية القوى السياسية اللبنانية، وكذلك بين منطق الدولة ومنطق المقاومة ، هذا الدور يمنحه هامشاً سياسياً مهماً، لكنه يفرض عليه في المقابل تبني خطاب متوازن يجنّب الحركة الانخراط في تصعيد مباشر، ويحافظ في الوقت نفسه على قنوات التواصل المفتوحة مع مختلف الأطراف.[2]
أما على مستوى الموقف من الحرب نفسها، فيمكن رصد نوع من التحفظ غير المعلن لدى الحركة ، فالمعطيات تشير إلى أن نبيه بري لا يُبدي حماسة كاملة لمسار التصعيد، خاصة في ظل الكلفة العالية التي تتحملها البيئة الشيعية نتيجة الدمار في الجنوب والضاحية ، إلا أن هذا التحفظ لا يتحول إلى موقف سياسي صريح، وانما يُترجم إلى سلوك عملي يقوم على محاولة ضبط إيقاع التصعيد والدفع نحو التهدئة ، و بذلك، يصبح ” الاعتراض ” داخل حركة أمل سلوكياً أكثر منه خطابياً، بما ينسجم مع حسابات الكلفة السياسية لأي موقف علني معارض.
أما في ما يتعلق بالمفاوضات، فموقع حركة أمل يعكس رؤية حذرة لإدارة الصراع، حيث يرفض كل من حزب الله و حركة أمل الانخراط في مسارات تفاوضية مباشرة بشأن مسألة وقف إطلاق النار ، هذا الرفض لا يعكس معارضة مبدئية لفكرة التفاوض بحد ذاتها ، وإنما اعتراضاً على شروطه وسياقه، خصوصاً في ظل اختلال موازين القوى والضغط العسكري.
حيث يمكن فهم سلوك حركة أمل من خلال التمييز بين وحدة الأهداف مع حزب الله واختلاف الوسائل ، فبينما يشترك الطرفان في هدف حماية موقع الطائفة الشيعية داخل النظام اللبناني، في حين تختلف الأدوات المعتمدة لتحقيق هذا الهدف ، حزب الله يعتمد بشكل أساسي على القوة العسكرية والارتباطات الإقليمية، في حين تميل حركة أمل إلى استخدام أدوات سياسية ومؤسساتية وتفاوضية ، هذا الاختلاف لا يعكس تناقضاً بقدر ما يؤسس لتقسيم الأدوار داخل ” الثنائية الشيعية ” ، حيث تتكامل الوظائف بين العمل العسكري من جهة، وإدارة التوازنات الداخلية من جهة أخرى.
لذا ، يمكن توصيف موقف حركة أمل كاستراتيجية مركّبة لإدارة المخاطر، تقوم على دعم المواجهة ضمن حدود، وتفادي التصعيد المفتوح، والحفاظ على وحدة التمثيل الشيعي، بالتوازي مع السعي إلى حماية الاستقرار الداخلي ، هذا الموقف لا يعكس تردداً بقدر ما يعكس إدراكاً عميقاً لحدود القوة، وتعقيدات النظام اللبناني، وكلفة الخيارات غير المحسوبة.
الموقف السني من حزب الله في الحرب الحالية: بين الجماعة الإسلامية وتيار المستقبل
يمثّل الموقف السني في لبنان من الحرب الحالية حالة مركّبة لا يمكن قراءتها بوصفها موقفاً واحداً متجانساً، وانما بوصفها انقساماً بنيوياً بين مسارين أساسيين: مسار ” إسلامي حركي ” يتمثّل في الجماعة الإسلامية، ومسار ” سياسي براغماتي ” يتمثّل في تيار المستقبل ، هذا التباين يعكس اختلافاً في تعريف الدور السياسي نفسه، بين من يرى في المقاومة جزءاً من الهوية السياسية، ومن يراها تهديداً لاستقرار الدولة وموقع الطائفة داخلها.[3]
في ما يتعلق بـ الجماعة الإسلامية في لبنان، يمكن فهم موقفها من الحرب ضمن مسار تحوّلي طويل انتقل بها من حركة دعوية سياسية إلى فاعل يوازن بين السياسة والعمل الميداني ، فالجماعة، رغم انتمائها التاريخي إلى تيار الإخوان المسلمين، لم تبقَ على موقف ثابت، وانما طوّرت علاقة وظيفية مع حزب الله، وصلت في بعض المراحل إلى مستوى من التنسيق غير المعلن، خاصة في سياق المقاومة ضد إسرائيل ، هذا التحول لم يُلغِ التمايز الأيديولوجي بين الطرفين، لكنه أنتج تقاطعاً ظرفياً يقوم على فكرة ” وحدة جبهة المقاومة ” ، خصوصاً بعد تطورات الحرب الأخيرة.
غير أن هذا التقارب لا يعني اندماجاً سياسياً كاملاً، وانما يعكس مقاربة براغماتية داخل الجماعة تحاول الموازنة بين هويتها الإسلامية السنية وبين واقع القوة المفروض على الأرض، حيث يحتكر حزب الله المشهد العسكري في الجنوب ، لذلك، يمكن القول إن الجماعة الإسلامية تتحرك ضمن منطق ” الانخراط المحدود ” ، اي دعم رمزي وميداني محسوب للمقاومة، دون الدخول في التزامات استراتيجية كاملة قد تضعها في مواجهة مع البيئة الدولية أو مع التوازنات الداخلية اللبنانية.[4]
تيار المستقبل يرى في الحرب تهديداً لبنية الدولة أكثر من كونها معركة مقاومة
في المقابل، يتخذ تيار المستقبل موقعاً مختلفاً جذرياً داخل البيئة السنية عن الجماعة الاسلامية في لبنان ، إذ يقوم على منطق الدولة أكثر من منطق المقاومة ، ورغم تراجعه التنظيمي بعد ابتعاد القيادة السياسية، لا يزال التيار، المرتبط تاريخياً بآل الحريري، يشكّل المرجعية السياسية الأهم في الشارع السني، خصوصاً في بيروت وطرابلس ، وهذا التيار ينطلق من قراءة تعتبر أن إدخال لبنان في المواجهة الإقليمية يهدد الاستقرار الداخلي ويضعف موقع الدولة، وبالتالي فهو يرفض الحرب ويرى أن قرار السلم والحرب يجب أن يبقى حصراً ضمن مؤسسات الدولة.
كما يتعامل تيار المستقبل مع الحرب الحالية من زاوية استراتيجية أوسع، تقوم على استثمار التحولات الإقليمية القائمة بدل الانخراط في مسارها المباشر، إذ يقرأ التيار تراجع النفوذ الإيراني، وتبدّل المشهد السوري، وتراجع قوة حزب الله في الحرب الحالية ، كفرصة محتملة لإعادة موازين القوى داخل النظام اللبناني ، و يُنظر تيار المستقبل إلى هذه التحولات باعتبارها مدخلاً لإعادة تعزيز موقع الدولة اللبنانية ومؤسساتها، مقابل تراجع دور الفاعلين غير الدولتيين ،وبالتالي، لا يقتصر موقف التيار على رفض التصعيد، انما يتجاوزه إلى مقاربة تعتبر أن اللحظة الإقليمية الراهنة قد تسمح بإعادة إنتاج التوازن السياسي الداخلي على قاعدة تقوية منطق الدولة وإضعاف منطق القوة المسلحة خارج إطارها.
ويمكن فهم موقف تيار المستقبل من حزب الله في الحرب الحالية باعتباره امتداداً مباشراً للبنية السياسية التي تكرّست بعد اغتيال رفيق الحريري عام 2005، والذي شكّل نقطة التحول المؤسسة في إعادة تعريف العلاقة بين التيار وحزب الله ، فقد أسّس الاغتيال، وما تبعه من مسار قضائي دولي، لشرخ سياسي طائفي عميق داخل النظام اللبناني، رسّخ لدى التيار قناعة بأن وجود سلاح خارج إطار الدولة يشكّل تهديداً بنيوياً للاستقرار وللتوازن السياسي الداخلي.[5]
وانطلاقاً من هذا الإرث، يتعامل تيار المستقبل مع الحرب الحالية من زاوية رفض مبدئي لأي انخراط لبناني في صراعات إقليمية تُدار خارج مؤسسات الدولة، باعتبارها تعيد إنتاج منطق الدولة الموازية الذي نشأ في سياق ما بعد الاغتيال ، لذلك، فإن رفضه لجرّ لبنان إلى المواجهة لا ينفصل عن ذاكرة سياسية تأسست على اعتبار أن سلوك حزب الله، سواء في الداخل أو الإقليم، يمثل استمراراً لنمط من القوة غير المقيدة بالدولة، وهو النمط ذاته الذي شكّل الخلفية العميقة للتوتر الذي بلغ ذروته مع اغتيال الحريري.
وبناءً عليه، يمكن القول إن الموقف السني من الحرب لا يقوم على وحدة سياسية، وانما على انقسام في تعريف الدور نفسه : فالجماعة الإسلامية تميل إلى منطق “المقاومة المساندة ” والتنسيق الظرفي ضمن محور المواجهة ، أما تيار المستقبل يتموضع ضمن منطق ” الدولة والاستقرار” ورفض الانخراط في الصراع الإقليمي.
ويعكس هذا التباين في العمق أزمة تمثيل داخل الشارع السني، حيث لم يعد هناك مركز سياسي واحد قادر على احتكار القرار أو صياغة موقف موحّد، وانما ساحة مفتوحة تتنافس فيه قراءتان: قراءة ترى في الحرب امتدادا للصراع مع اسرائيل ومنطق المقاومة ، وأخرى تعتبرها تهديداً مباشرًا لبنية الدولة اللبنانية واستقرارها الداخلي.
الموقف الدرزي اتجاه حزب الله
يتسم الموقف الدرزي في لبنان من الحرب الحالية بطابع مركّب يعكس انقساماً داخلياً بين مقاربتين سياسيتين مختلفتين، تتمثلان في كل من الحزب التقدمي الاشتراكي برئاسة وليد جنبلاط، والحزب الديمقراطي اللبناني برئاسة طلال أرسلان ، هذا التباين لا يعكس مجرد اختلاف سياسي ظرفي، وانما يرتبط بتموضع تاريخي للطائفة الدرزية داخل التوازنات اللبنانية، يقوم على مبدأ إدارة الحياد النسبي وتجنب الانخراط المباشر في محاور الصراع الإقليمي.
الحياد الدرزي ليس انسحاباً من الصراع، بل إدارة دقيقة لهوامش البقاء السياسي
في ما يتعلق بوليد جنبلاط، يمكن توصيف موقفه بأنه براغماتي متحوّل ، إذ يعتمد على قراءة متغيرة للتوازنات الإقليمية والداخلية ، فهو من جهة يتبنى خطاباً عروبياً تقليدياً مناهضاً لإسرائيل، لكنه في الوقت نفسه يتخذ موقفاً نقدياً من حزب الله، خصوصاً في ما يتعلق بمسألة نزع السلاح ودوره ، كما يظهر جنبلاط حليفاً سياسياً تقليدياً للرئيس نبيه بري، ما يجعل مقاربته أقرب إلى منطق إدارة التوازن داخل النظام اللبناني، حيث يدعم الاستقرار الداخلي ويؤيد في الوقت نفسه مسارات تهدف إلى إعادة ضبط وظيفة السلاح ضمن إطار الدولة.
في المقابل، يتخذ طلال أرسلان موقعاً أكثر انخراطاً ضمن محور المواجهة، حيث يعبّر عن موقف داعم بشكل واضح لـ حزب الله في سياق الحرب الحالية ، إذ يركّز في خطابه على فكرة الوحدة الداخلية ورفض الانقسام الوطني، مع تحذير من محاولات إسرائيل استثمار التوترات الداخلية لإضعاف الجبهة اللبنانية. كما يتبنى أرسلان مقاربة منسجمة مع خطاب “محور المقاومة”، معتبرًا أن الحزب يشكّل ركيزة أساسية في حماية لبنان، مع رفض واضح لأي مسار تفاوضي يُنظر إليه كاستجابة لشروط إسرائيلية ، ويتقاطع في هذا الإطار مع موقف نبيه بري، خصوصاً في ما يتعلق بإدارة ملف التفاوض ورفض الضغوط الخارجية.[6]
بناءً عليه، يمكن القول إن الموقف الدرزي من الحرب يعكس توازناً دقيقاً بين خطين: خط براغماتي–إداري يمثله جنبلاط يقوم على إعادة التموضع وفق التحولات الإقليمية والحفاظ على هامش استقلال سياسي، وخط تحالفي–محوري يمثله أرسلان يتماهى بشكل أكبر مع حزب الله في مقاربة الحرب ، هذا التباين يعكس في العمق وظيفة الطائفة الدرزية كـ”قوة توازن” داخل النظام اللبناني، أكثر من كونها طرفاً منخرطاً بشكل كامل في أحد محاور الصراع.
المسيحيون في لبنان بين الحرب والسيادة : انقسام الموقف وتعدد المقاربات
يُظهر الموقف المسيحي في لبنان من المواجهة بين حزب الله وإسرائيل بنية مركّبة تقوم على تعددية سياسية داخلية، تقود في محصلتها إلى تقاطع عام حول رفض الحرب، وإن اختلفت دوافع هذا الرفض وأدوات التعبير عنه ، فالمشهد المسيحي لا يمكن اختزاله في موقف موحّد، وإنما يتوزع بين ثلاثة اتجاهات رئيسية: اتجاه سيادي يميني معارض للحزب، واتجاه حليف له، واتجاه وسطي براغماتي يسعى إلى إدارة التوازن :
اليمين المسيحي : القوات اللبنانية وحزب الكتائب اللبنانية
يتبنى اليمين المسيحي في لبنان موقفاً متشدداً ومعارضاً لحزب الله في الحرب الحالية ، معتبراً بأنه ” لعباً بالنار ” و متجلياً في خطاب سياسي وإعلامي يرفض جرّ لبنان إلى الصراع الإقليمي، إلا أن هذا الموقف لا يقتصر على ردّ فعل ظرفي تجاه الحرب، وانما يستند إلى رؤية أعمق تتعلق بطبيعة الدولة اللبنانية وحدود السيادة فيها ، فبالنسبة لهذا التيار، لا تُختزل الإشكالية في حرب المساندة بحد ذاتها، وإنما في كون قرار الحرب والسلم مصادَراً من قبل حزب الله، ما يجعل أي مواجهة مع إسرائيل تعبيراً عن خلل بنيوي في النظام السياسي، لا مجرد خيار استراتيجي قابل للنقاش.
لذلك يرفض اليمين المسيحي الانخراط في الحرب باعتبارها صراعاً لا يخدم المصلحة اللبنانية، وانما يزجّ البلاد في مواجهة تتجاوز قدرتها على التحمّل، ويحمّل حزب الله المسؤولية المباشرة عن التداعيات الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عنها ، ولا يندرج هذا الاتهام ضمن الجدال السياسي فقط، وإنما يرتبط بسردية أوسع ترى أن الحزب يوظّف لبنان ضمن أجندة إقليمية تقودها إيران، ما يحوّل الدولة إلى ساحة صراع بالوكالة بدل أن تكون كياناً مستقلاً بقراره.
ويتعزز هذا الخطاب من خلال تصاعد نبرة حماية المناطق ، حيث برزت أصوات تدعو إلى تأمين نوع من الحماية الذاتية للمناطق ذات الغالبية المسيحية، في ظل اعتبار أن الدولة عاجزة عن فرض سيادتها وأن سلاح حزب الله يشكل تهديداً للتوازن الداخلي ، ويعكس هذا التوجه مستوى مرتفعاً من انعدام الثقة ببنية الدولة الحالية، ويميل إلى مقاربة أمنية مجتمعية ترى في انتشار السلاح خارج إطار الشرعية خطراً وجودياً، لا مجرد خلاف سياسي.
وفي المقابل، يتمسك هذا التيار بمطلب حصر السلاح بيد الدولة والجيش اللبناني، ليس فقط كشعار سيادي، وإنما كشرط أساسي لإعادة بناء الدولة واستعادة وحدتها ، فوجود قوة عسكرية موازية، في نظره، لا يؤدي فقط إلى تقويض السيادة، ولكن يعمّق الانقسام الداخلي ويمنع قيام مؤسسات فاعلة.
وفي هذا الإطار ، يركّز خطاب هذا التيار على مجموعة من المرتكزات الأساسية وهي : حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية ، ونزع سلاح حزب الله أو إدخاله ضمن مؤسسات الدولة ، وأيضا رفض تحويل لبنان إلى ساحة صراع إقليمي. [7]
تيار المردة : تموضع ضمن محور حزب الله
يتبنى تيار المردة، بزعامة سليمان فرنجية، موقفاً حليفاً وداعماً بشكل وثيق لحزب الله في الحرب الحالية، إلا أن هذا الدعم لا يقتصر على كونه تموضعاً سياسياً تقليدياً، وانما يعكس اندماجاً أعمق ضمن رؤية إقليمية للصراع ، فوفقاً لتصريحات فرنجية، ينظر التيار إلى نفسه كجزء من محور مترابط في المنطقة، ما يعني أن الحرب لا تُفهم كخيار لبناني داخلي بقدر ما هي نتيجة حتمية لصراع أوسع مع إسرائيل، التي كانت ستستهدف حزب الله عاجلاً أم آجلاً بغض النظر عن سلوك لبنان .ومن هنا، يُعاد تعريف المسؤولية عن اندلاع المواجهة، بحيث لا تعود مرتبطة بقرار الحزب، وانما ببنية الصراع الإقليمي نفسها.[8]
موقف المردة يتجاوز التحالف إلى ما يشبه وحدة المصير مع حزب الله
كما انها لا تأتي إشادة فرنجية بقدرة حزب الله العسكرية في إطار الدعم المعنوي فقط، وإنما تؤدي وظيفة سياسية واضحة تتمثل في تثبيت شرعية سلاحه، من خلال إبراز فعاليته وقدرته على استعادة قوته بعد حرب 2024، بما ” فاجأ الأصدقاء والأعداء “[9] وهذا الخطاب يعزز سردية أن السلاح يشكل عنصر توازن وردع، لا عبئاً على الدولة، وهو ما يتناقض مع الطرح السيادي المقابل.
كما أن تبني معادلة ” إذا ربحت المقاومة نربح معها وإذا خسرت نخسر معها ” يعكس مستوى متقدماً من الارتباط، يتجاوز حدود التحالف إلى ما يشبه وحدة المصير، حيث يضع التيار نفسه داخل نتيجة الحرب، لا خارجها.
ورغم هذا الانخراط، يحرص فرنجية على رسم حدود داخلية واضحة، من خلال التحذير من الانزلاق نحو الفتنة أو الحرب الأهلية، ورفض أي محاولة لنزع سلاح حزب الله بالقوة، انطلاقاً من قراءة تعتبر أن أي اختلال في التوازن الداخلي قد يعيد إنتاج سيناريوهات صراعية سابقة ، وضمن هذا الإطار، يُقدَّم الاستقرار الأهلي كأولوية لا تقل أهمية عن المواجهة مع إسرائيل، وانما كشرط موازٍ لها. [10]
بذلك، يكشف موقف تيار المردة عن مقاربة تعتبر أن الشرعية السياسية والأمنية لا تُقاس فقط باحتكار الدولة للسلاح، وإنما بقدرتها الفعلية على حماية البلاد، وهو ما يبرر، في نظره، استمرار دور حزب الله العسكري في ظل غياب دولة قادرة على فرض توازن ردعي ، هذا ما يضعه في تناقض بنيوي مع قوى مسيحية أخرى ترى في هذا السلاح بحد ذاته مصدر الخلل في بنية الدولة وسببا في الحرب على الأراضي اللبنانية .
التيار الوطني الحر : براغماتية التمايز وإدارة التوازن
يقف التيار الوطني الحر في موقع وسطي بين هذين الاتجاهين، ما يجعل موقفه الأكثر تعقيداً داخل الساحة المسيحية ، فبعد أن كان حليفاً أساسياً لحزب الله عبر تفاهم مار مخايل في 6 فبراير عام 2006 ، لإنهاء العزلة السياسية للحزب وتوفير غطاء مسيحي لسلاحه ، انتقل تدريجياً إلى موقع أكثر تمايزاً، ما يعكس حالة مزدوجة من الابتعاد السياسي والاستمرار التكتيكي في آنٍ معاً وخصوصاً في ظل ظهور تباينات وخلافات عميقة تراكمت نتيجة مواقف سياسية ورئاسية ، مما يجعله أقرب إلى تعاون موضعي وليس تحالفاً هيكلي صلب ، ويتجلى هذا التحول بوضوح في موقفه من الحرب الحالية، حيث يرفض التيار منطق وحدة الساحات ، وربط مصير لبنان بالحرب مع ايران معتبراً أن حزب الله تجاوز سقف حماية لبنان وخرج عن التفاهم عبر انخراطه في صراع إقليمي لا يخدم المصلحة الوطنية.
ويتبنى التيار الوطني الحر في هذا السياق مقاربة تقوم على فكرتين متوازيتين: التأكيد على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة وإعادة القرار الأمني والعسكري إليها، مقابل رفض أي مسار صدامي داخلي أو محاولة فرض هذا التحول بالقوة ، فبحسب هذه الرؤية، لا يمكن معالجة مسألة سلاح حزب الله إلا ضمن مسار توافقي داخلي، يترافق مع بناء دولة قادرة وضمانات دولية تحمي لبنان من الاعتداءات، وهو ما يعكس إدراكاً لحدود القدرة على فرض التغيير في بيئة منقسمة.
كما يعكس بيان التيار بعد وقف إطلاق النار هذا التوجه بوضوح، إذ يربط بين تثبيت السيادة وبين بناء الدولة كمرجعية وحيدة، داعياً إلى تسليم سلاح حزب الله للجيش ضمن إطار وطني متكامل ، وإلى إطلاق مسار تفاوضي يثبت الحقوق اللبنانية بعيداً عن منطق الاستسلام أو الإملاءات الخارجية ، إلا أن هذا الطرح، رغم طابعه السيادي، يبقى محكوماً بسقف براغماتي، إذ يشدد في الوقت نفسه على ضرورة انخراط حزب الله في مشروع الدولة، لا مواجهته أو إقصائه.
وبذلك، يعكس تموضع التيار الوطني الحر مقاربة يمكن وصفها بـ ” إدارة التوازن ” ، حيث يسعى إلى التميّز عن اليمين المسيحي في رفضه للمواجهة المباشرة مع حزب الله، وعن حلفائه السابقين في رفضه للانخراط غير المشروط في مشروع المقاومة ، إلا أن هذا التموضع يضعه في مأزق دائم، إذ يبدو عاجزاً عن حسم خياره بين منطق الدولة ومنطق التحالف، ما يجعله أقرب إلى إدارة الأزمة بدل حلّها، ومحكوماً بحسابات تتعلق بالحفاظ على موقعه السياسي وتجنّب كلفة الانقسام الحاد في بيئة لبنانية.
رغم هذا التباين، يمكن رصد قاسم مشترك أساسي بين غالبية القوى المسيحية يتمثل في رفض الانخراط في حرب مفتوحة، واعتبار أن لبنان يُزجّ في صراع يتجاوز قدرته ومصلحته ، غير أن هذا الرفض لا يستند إلى رؤية موحد ، قاليمين المسيحي يربطه بمفهوم السيادة ونزع السلاح ، و التيار الوطني الحر يربطه بإدارة التوازن وتجنب الصدام الداخلي ، اما حلفاء حزب الله يربطونه بسياق إقليمي أوسع يبرر الانخراط في المواجهة.
تراجع حلف الممانعة، والتحول الأميركي، ومشروعات التطبيع الإقليمي تضع حزب الله أمام مفترق استراتيجي
وبذلك، يعكس الموقف المسيحي في جوهره إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة الدولة اللبنانية نفسها: هل هي دولة قادرة على احتكار قرار الحرب والسلم، أم ساحة تتقاطع فيها قوى داخلية وخارجية؟
هذا السؤال، هو ما يحدد موقع المسيحيين داخل المعادلة اللبنانية الراهنة.
الخلاصة
قد يبدو المشهد لبناني من حيث خرائط التحالف والصراع والأزمات ليس جديداً، بل هو نسخة مكررة لكثير من القوى السياسية، فهنالك بنية من التحالف التقليدي تجمع حزب الله ببعض القوى السنية والمسيحية على قاعدة المقاومة والعداء لإسرائيل، وهنالك في المقابل، منذ عشرين عاماً، علاقة متوترة لحزب الله مع التيار الأكبر داخل الوسط السني، بخاصة تيار المستقبل، وعلاقة عداء تاريخية مع القوات لبنانية، وتحالف مع قوى مسيحية أخرى، وتأرجح لبعض القوى المسيحية وبراغماتية في موقف الدروز بخاصة تيار وليد جنبلاط، لكن مع ذلك فإنّ هنالك متغيرات رئيسية خارجية وداخلية قلبت موازين القوى ضد الحزب؛ المتغير الأول هو التضعضع الكبير في حلف الممانعة الذي شكل رافعة إقليمية للحزب، بخاصة انهيار نظام الأسد، بل تحول العلاقة بين الحزب وعمقه الاستراتيجي التاريخي (النظام السوري) إلى علاقة توتر وعداء مع النظام السوري الحالي، والمتغير الثاني هو الموقف الأميركي مع سياسات ترامب الأكثر انحيازاً لإسرائيل وتواطئاً معها في لبنان، ويظهر ذلك من موقف المبعوث الأميركي للبنان، توم براك، المتشددة ضد حزب الله والذي يؤكد على ضرورة نزع سلاح الحزب، أما المتغير الثالث فالتحولات في المعادلة الإقليمية وبروز مشروعات التعاون الاقتصادي الإقليمي والتطبيع مع إسرائيل بدعم أميركي مباشر، وهو الأمر الذي يخلق ضغوطاً كبيرة على الحكومة والرئاسة من الخارج من قبل أميركا وإسرائيل ومن الداخل من القوى المعادية لحزب الله للانخراط في تلك المشروعات بذريعة “مصالح لبنان أولاً”، مما يجعل المعادلة الداخلية في المرحلة القادمة بمثابة مفترق طرق رئيس لمستقبل الحزب.[11]
[1] عبدالله ، أحمد ، ٢٠٢٦ .” هل يتصدع التحالف بين حزب الله و حركة أمل في لبنان ؟ ” . https://www.bbc.com/arabic/articles/cz9jny7nekzo . BBC NEWS.
[2] ٢٠٢٤ . ” نبيه بري ” من هو ” مهندس التوافقات السياسية ” في لبنان ؟ ” . https://www.bbc.com/arabic/articles/czj91vl88jmo . BBC NEWS.
[3] ٢٠١٠ . ” السياسة في لبنان : الطائفية السنية وتيار المستقبل بزعامة الحريري ” . https://www.crisisgroup.org/sites/default/files/96-lebanon-s-politics-the-sunni-community-and-hariri-s-future-current-arabic.pdf
[4] شابورا ، اسرار ، ٢٠٢٦ . ” السني و الشيعي ” لبنان بين سلاحين ” ” . https://alhurra.com/12875 . الحرة.
[5] مرجع سابق.
[6] ذيبان ، كمال ، ٢٠٢٦ . ” هكذا يقرأ جنبلاط و أرسلان التفاوض ” ، https://www.lebanon24.com/news/lebanon/1512990/%D9%87%D9%83%D8%B0%D8%A7-%D9%8A%D9%82%D8%B1%D8%A3-%D8%AC%D9%86%D8%A8%D9%84%D8%A7%D8%B7-%D9%88%D8%A3%D8%B1%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%88%D8%B6 .
[7] ٢٠٢٦ . ” موقف حزب الكتائب من حظر أنشطة حزب الله العسكرية ” . https://nabd.com/s/168912088-526c58/%D9%85%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A6%D8%A8-%D9%85%D9%86-%D8%AD%D8%B8%D8%B1-%D8%A3%D9%86%D8%B4%D8%B7%D8%A9-%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A9 .
[8] ” رئيس تيار المردة – سليمان فرنجية ” . https://youtu.be/s__tIIjIgDA?si=FhtR8VH_RNZN8kiv .
[9] ٢٠٢٦. ” الفرنجية أكد أن حزب الله فاجأالأعداء والأصدقاء ” . https://www.elnashra.com/news/show/1773403/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%A3%D9%83%D8%AF-%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D9%81%D8%A7%D8%AC%D8%A3-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B9%D8%AF%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B5%D8%AF%D9%82%D8%A7%D8%A1-%D8%A5%D8%B0%D8%A7-%D8%B1%D8%A8%D8%AD . Elnashra .
[10] مرجع سابق.
[11] وفقاً لمقابلة هاتفية مع الباحث في العلاقات الدولية ، د. محمد فواز ، ٢٠٢٦.


