من يحمل هذا الرصيد؟ فلسطين واستعادة سؤال الفاعلية

فلسطين وتحوّل الأسئلة

في الأسابيع الأولى التي أعقبت هجوم حماس وفصائل المقاومة على الاحتلال في السابع من أكتوبر 2023، كانت الأسئلة التي تتناثر في الفضاء العربي، بين الأكاديميين والباحثين والناشطين، تحمل إحساساً بأن ثمة ما يمكن فعله. كانت تسائل الحدث نفسه، دوافعه واحتمالاته، ثم تسائل كيفية التعامل معه، وكيف يمكن التحرك دفاعاً عن الفلسطينيين في غزة، والضغط لوقف الحرب التي شرع الاحتلال في شنها عليهم. لم تتبلور هذه الأسئلة بالضرورة في مشروعات بحثية واضحة، لكنها كانت حاضرة في النقاشات والمبادرات، وفي محاولة تقدير موقع كل طرف وما يملكه من أدوات. كان الفضاء، رغم هول ما يجري، يبدو مفتوحاً على احتمالات التأثير.

ومع امتداد الحرب، أخذ هذا الإحساس يتراجع. جاءت هدنة نوفمبر 2023، ثم استؤنفت الحرب في الأول من ديسمبر، ومضت الأشهر حتى رمضان التالي دون أن يتضح أفق لإنهاء المجزرة. وبدا أن توقف القتل لبعض الوقت قد يكون جزءاً من إدارة الحرب والتفاوض على شروطها، دون أن يؤسس بالضرورة للخروج منها. ومع كل جولة جديدة من القتل والتجويع والتهجير، كان يتكشف حجم الإصرار الإسرائيلي على الاستمرار، وحجم العجز عن إيقافه، وتتسع المسافة بين ما يراه الناس وما يستطيعون التأثير فيه.

وقد انعكس هذا الانسداد على طبيعة الانشغال بالحدث. فالسؤال الذي يتجه إلى الفعل يفترض، ولو ضمنياً، وجود طرف يمكن مخاطبته، وأداة يمكن استخدامها، واحتمال يستحق المحاولة. وحين تتلقى المحاولات المتكررة إجابة واحدة من استمرار القتل، يصبح فهم ما يحدث ضرورة تتقدم إلى الواجهة. بهذا المعنى، يمكن قراءة تغير الأسئلة بوصفه أثراً لتراجع الشعور بإمكان التأثير، مع بقاء المبادرات التي واصلت البحث عن طرقه.

في هذا السياق، يمكن فهم انتقال مركز الثقل في الأسئلة إلى محاولة استيعاب ما يحدث: ما الذي يجري لنا؟ ما تعريف هذه الكارثة؟ وأين تقع مما عرفه التاريخ الإنساني من استعمار واقتلاع وإبادة؟ كانت هناك حاجة إلى موضعة ما يجري في اللغة والتاريخ والذاكرة، وإلى العثور على مفاهيم تتيح الإحاطة بحدث يتجاوز، في استمراره وفجاجته، القدرة اليومية على الاحتمال. وهي حاجة معرفية وحقوقية، وفي الوقت نفسه استجابة لصدمة اجتماعية وإنسانية تمس تصورات الناس عن أنفسهم وعن العالم الذي يعيشون فيه.

ولذلك فإن الانشغال بسؤال الإبادة، وبفهم البنية الاستعمارية التي تنتجها، كان وما زال عملاً ضرورياً للدفاع عن الفلسطينيين، ولمنع محو تجربتهم أو تفريغها من معناها السياسي. كما أن لهذا العمل أثراً محتملاً في تغيير قناعات قطاعات من الرأي العام العالمي، وفي تفكيك شرعية الاحتلال والسرديات التي تحميه. لكن استمرار الكارثة يفرض سؤالاً عن تكييش الرصيد العالمي سياسياً: كيف يتحول الاعتراف إلى ضغط، والضغط إلى نتائج؟ ومن يملك القدرة على حمل ما تراكم من معرفة واعتراف وتضامن إلى المجال السياسي، ومراكمة أثره فيه؟

وتحمل الأدوات الحقوقية نفسها أبعاداً من الفعل السياسي، بما تتيحه من ملاحقة وضغط ورفع لكلفة الجريمة. إلا أن أثرها يتصل بوجود قوى تستخدم ما تفتحه من فرص، وتربطه بمطالب ومواقف متراكمة. فالمسافة بين إدانة الاحتلال وبين تقييد قدرته على مواصلة مشروعه تحتاج إلى عمل يحفظ ما تحقق، وينقله من ساحة إلى أخرى، ويمنع تبدده مع تراجع الاهتمام أو انتقال العالم إلى كارثة جديدة.

وقد شهدت دول أوروبية بعض صور هذا التحويل بالفعل: دعاوى قادتها منظمات حقوقية، وأحكام بوقف تصدير مكونات عسكرية، وقرارات بتعليق بعض تراخيص السلاح، وعقوبات محددة على مستوطنين وكيانات مرتبطة بالاعتداء على الفلسطينيين. جرى ذلك في ظل وجود فواعل حقوقية وسياسية واجتماعية تحمل القضية إلى المحاكم والبرلمانات والشارع، وتصل حجتها الحقوقية بأدوات ضغط وتأثير. وتبين هذه التجارب أهمية وجود قوى تستطيع حمل الرصيد المتراكم وترجمته إلى نتائج، مهما ظلت محدودة أو عرضة للتراجع.

ويبدو أن الفاعلين العرب أنفسهم، ومنهم شباب ينشطون في المنطقة، باتوا ينتظرون نتائج فعلهم في الساحات الأوروبية والأمريكية أكثر مما ينتظرونها هنا، مع ضيق المجال المتاح لهم في مجتمعاتهم. بل إن مبادرات التضامن التي انطلقت من المنطقة نفسها، كقافلة الصمود، تراجعت إلى حد بعيد، في سياق التراجع نفسه الذي أصاب الشعور بإمكان التأثير. وليست المسألة المفاضلة بين الساحتين. فما يتحقق هناك مهم، ويحتاج في منطقتنا، وفي فلسطين على وجه الخصوص، إلى روافع تحمله وتراكم عليه، وتحوله إلى قدرة سياسية ملموسة تسند بقاء الفلسطينيين على أرضهم وتحد من قدرة الاحتلال على فرض وقائعه عليهم.

تتعاظم أهمية السؤال بالنظر إلى أن ما جرى في فلسطين كان، إلى جانب الكارثة الإنسانية والمادية، عملية تدمير للبنى الاجتماعية وأطر الفاعلية السياسية الفلسطينية. فالاغتيالات واستهداف القيادات والكوادر وتدمير المؤسسات تطال الحركات السياسية وصلاتها بمجتمعها، وتمس قدرتها على التنظيم وإنتاج الفعل والنضال والمقاومة. ويمتد أثر ذلك إلى المعنى الذي يحمله وجود هذه الأطر في الوعي الفلسطيني، وإلى تصور إمكان المقاومة والمستقبل.

وفي الضفة الغربية، كانت أزمة الفاعلية قد سبقت الحرب بوقت طويل، مع احتواء قطاعات من الحركة الوطنية داخل بنية السلطة، وتحول أولوياتها وعلاقتها بالاحتلال. فالسلطة، بصيغتها الحالية المهجنة مع النظام الاستعماري، تنظم حضورها داخل ترتيباته وتربط شروط استمرارها بها، بما يجعلها قاصرة عن حمل مهمة النضال والمقاومة. ويتزامن ذلك مع ملاحقة الأطر السياسية وأشكال المقاومة التي تحاول العمل خارج هذه الصيغة وتضييق مجالها.

وهنا تصبح المسألة أكثر إلحاحاً: يتراكم رصيد حقوقي وأخلاقي حول القضية، ويجد بعض أدوات تأثيره في الخارج، في الوقت الذي يجري فيه إضعاف القوى الفلسطينية والعربية التي يمكن أن تحمله وتترجمه سياسياً في المنطقة وفلسطين.

وتكشف مواصلة الاحتلال أفعاله، رغم هذا التضامن والحراك الحقوقي والمظاهرات، حدود التعويل على الرصيد العالمي وحده. فها هو نتنياهو، عقب عملية الخليل، يأمر بحصار المدينة والاستعداد لإغلاق الضفة الغربية كاملة.[1] والعملية نفسها تدل على بقاء الفعل المقاوم، لكن هذا التمادي يلح بسؤال الروافع القادرة على صده. فإلى جانب أشكال المقاومة القائمة، تبقى الحاجة إلى فاعلية سياسية واجتماعية منظمة وممتدة، تحمل الرصيد العالمي وتتيح تكييشه على الأرض، وتسند الفعل المقاوم وتراكم أثره بما يحد من قدرة الاحتلال على فرض وقائعه.

وهذا يعني أن استكمال أثر العمل المعرفي والحقوقي يحتاج إلى سؤال عن الفاعل نفسه، وعن شروط وجوده وقدرته على العمل. ما الذي يمكن القيام به اليوم دفاعاً عن الفلسطينيين؟ ومن خلال ماذا؟ وما الأطر القادرة على التعامل مع ما جرى تدميره، وعلى فتح خيارات تتجاوز انتظار ما يقرره الاحتلال وحلفاؤه؟

ويضاف إلى ذلك أن هذا الرصيد ليس محصناً بمرور الزمن. ففي الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر، لا يتجه الواقع في غزة إلى ما هو أفضل، وما زال الشهداء يرتقون فيها، رغم كل ما تراكم من إدانة واعتراف. وإذا لم يجد هذا الرصيد قوة تحوله إلى أثر سياسي، يصبح معرضاً للاستنزاف، بل قد يتمكن الاحتلال من تحويل نتائج الكارثة نفسها إلى رصيد له. فالطرف الذي يفرض الوقائع يستطيع أن يعود إلى تعريفها، وأن يعيد ترتيب أسبابها ونتائجها في سردية تمنح انتصاره معنى مقبولاً. وعندها تصبح المحافظة على رواية المقهورين مرتبطة بقدرتهم على البقاء في موقع الفاعل، وعلى منازعة المنتصر في الواقع الذي يريد تثبيته.

ومن هذا المنطق يمكن قراءة محاولات الاحتلال إعادة تعريف قطاعات من الحراك العالمي الداعم للفلسطينيين باعتبارها امتداداً لمد إسلامي يهدد الغرب، والتقرب من قواه اليمينية على أرضية المواجهة معه. ففي خطابه أمام الكونغرس في يوليو 2024، جمع نتنياهو بين تقديم حربه بوصفها دفاعاً عن الحضارة، وربط المتظاهرين المعارضين لها بإيران. ومع توسيع علاقاته باليمين الأوروبي، واستثمار صعود هذا اليمين في الشارع، يحاول الاحتلال إعادة تثبيت موقعه داخل الغرب، واستعادة انتمائه إلى قيمه المعلنة بعدما وضعت الحرب هذا الانتماء موضع مساءلة أخلاقية. وهكذا يسعى إلى تحويل صور القتل والتدمير من أدلة اتهام إلى شواهد على صلابته في معركة يدعي أنه يخوضها نيابة عن الآخرين.

وتاريخ الهيمنة حافل بمحاولات تقديم الاحتلال بوصفه تمديناً، والإخضاع بوصفه تحديثاً، والحرب بوصفها طريقاً إلى الديمقراطية. لا يضمن عدل القضية أن يحتفظ أصحابها بحق تعريفها، خصوصاً إذا أزيحت قواهم من المجال الذي تتحدد فيه النتائج وتكتب فيه الروايات الرسمية. لهذا يصبح ضعف أطر الفاعلية المنظمة خطراً على الرصيد الذي أنتجته أسئلة الكارثة نفسها، وتصبح المبادرة إلى بنائها شرطاً لحماية ما تحقق من معرفة واعتراف، ومنع تحويل الهزيمة المادية إلى هزيمة في المعنى أيضاً.

أزمة فاعلية عابرة للإقليم

من هذه النقطة تحديداً، يمتد السؤال من فلسطين إلى المنطقة. فأزمة الفاعلية التي تكشفها غزة تنتمي أيضاً إلى مسار إقليمي سبق الحرب، وتشكل، بقدر مهم، في السنوات التي أعقبت الثورات العربية. لقد فتحت تلك الثورات المجال أمام قوى اجتماعية وسياسية حاولت استعادة دورها في تقرير شؤون مجتمعاتها. وفي مواجهتها تحركت قوى محلية وإقليمية ودولية، اختلفت مشاريعها ومواقعها، لكنها تقاطعت في رفض بعض التحولات التي هددت مواقعها أو مصالحها، وفي العمل على تعطيلها وإعادة ضبط المجال السياسي.

خلال العقد الذي تلا انطلاق الثورات، تعددت طرق هذا التعطيل. في مصر، أعقب انقلاب 2013 مسار واسع من القمع وإغلاق المجال السياسي. وفي سوريا واليمن وليبيا، استنزفت الحروب والتدخلات إمكانات التحول وقوى اجتماعية واسعة، وأعادت تشكيل الصراعات على أسس مسلحة، اتخذ بعضها طابعاً طائفياً أو جهوياً. وفي تونس، جاء مسار 2021 ليقوض تجربة سياسية ظلت، لسنوات، تحمل احتمالاً مختلفاً. وهذه مسارات تتفاوت أسبابها ومسؤوليات أطرافها، إلا أن من نتائجها المشتركة تضييق المساحة التي تستطيع فيها المجتمعات بناء قوة سياسية مستقلة.

ومع اختلاف الحالات، أصبح جزء واسع من المنطقة محكوماً بسلطات تحتكر المجال العام، أو بصراعات تستنزف المجتمع وتوزع قواه بين جبهات القتال والانقسام. وتراجعت قدرة الأحزاب والنقابات والأطر الاجتماعية على حمل مشاريع سياسية متصلة بحياة الناس، وقادرة على الاستمرار والتأثير. بقيت حركات ومبادرات وأشكال من الاحتجاج، لكن الفارق كبير بين وجود اعتراض، ووجود قوة تستطيع تنظيمه ومراكمته والتفاوض باسمه. في هذا الفراغ، تتقدم الدولة، أو السلطة المسيطرة، لتكاد تنفرد بتحديد الممكن سياسياً، فيما تتراجع قدرة المجتمع على فرض خياراته.

لقد جرى، خلال تلك المرحلة، طحن الطبقة الوسيطة بين المجتمع والدولة، بما تضمه من نقابات وأحزاب وفئات سياسية وأطر اجتماعية مستقلة. وهي الطبقة التي يستطيع المجتمع من خلالها تنظيم مطالبه، ورفع كلفة تجاهلها على الأنظمة السياسية، ودفعها إلى التحرك في مواجهة أشكال من الحرب والاستباحة كالتي شهدتها غزة. وحين تطحن هذه الطبقة، يبقى الغضب والتضامن حاضرين، لكن المجتمع يفقد كثيراً من الأدوات التي تنقلهما إلى ضغط على قرار الدولة، ويصبح امتناع السلطة عن التحرك أقل كلفة، مهما اتسعت المطالب الشعبية به.

من هنا يمكن العودة إلى غزة بسؤال عن الشروط التي أتاحت للاحتلال هذا القدر من الاستباحة. ولم تبق الحرب هذه المرة داخل غزة. فقد طالت ضربات الاحتلال لبنان وسوريا واليمن وإيران وقطر، وتحول الأمر إلى ما يشبه إعلان حرب على المنطقة كاملة. هل كان يستطيع، في أعوام 2010 أو 2011 أو 2012، أن يخوض حرباً بهذا الحجم، وأن يراهن على احتواء آثارها الإقليمية بالدرجة نفسها؟ وتمتد المقارنة إلى ما تغير خلال السنوات العشر الماضية في قدرة الفواعل الفلسطينية والعربية على صد إجراءات من قبيل إغلاق الضفة. لا يمكن حسم جواب افتراضي كهذا، كما أن حجم السابع من أكتوبر وخصوصيته يظلان جزءاً أساسياً من تفسير ما تلاه. لكن المقارنة تدفع إلى فحص أثر التحول في الإقليم: ماذا يعني أن يشن الاحتلال حربه في منطقة سبق أن جرى إنهاك قواها السياسية، وتفكيك أدوات ضغط مجتمعاتها، وحصر قدرتها على التأثير؟

بهذا المعنى، يصبح سؤال الفاعلية وجيهاً لفهم ما سبق الكارثة، وللتعامل مع ما كشفته. ويصبح تأخيره أكثر كلفة كلما استمر استنزاف الأطر المتبقية. ويمكن ملاحظة الفجوة نفسها في النقاش حول حصيلة الثورات العربية: يقال إن إخفاقها السياسي لم يلغ ما أحدثته من وعي بالديمقراطية والحرية وحقوق الناس. وحتى لو سلمنا بهذا التقدير، يبقى السؤال عن القوى التي ستحمل هذا الوعي إلى الواقع. فالمعرفة بالحق، واتساع الاقتناع به، يحتاجان إلى قدرة اجتماعية وسياسية تجعله مطلباً قابلاً للتحقق والحماية.

المسألة، بالتالي، تتعلق بالصلة التي انقطعت أو ضعفت بين الوعي والفعل. وقد يفضي إهمالها إلى أن تتسع معرفتنا بأسباب العجز، بينما تضيق قدرتنا على الخروج منه. تصبح المجتمعات أكثر قدرة على وصف ما وقع عليها، وعلى تعريف الجريمة وتحديد مرتكبيها، لكن دون أن يتقدم بالقدر نفسه التفكير في شروط استعادة المبادرة. وهنا تكمن خطورة الاستقرار داخل أسئلة الكارثة: أن تتحول، مع مشروعيتها وضرورتها، إلى الأفق الذي ينتهي عنده البحث والنقاش السياسي.

الفاعلية في مواجهة شبكات الهيمنة

غير أن استعادة سؤال الفاعلية تبدأ من المخيال الذي ننطلق منه، ومن تصورنا لموقع الفعل الفلسطيني وصلاته بما يتجاوز ساحته المباشرة. فإذا تخيلنا هذا الفعل محصوراً في غزة أو فلسطين، أو اختزلنا المقاومة في النضال المسلح وحده، صغنا أسئلتنا ضمن هذه الحدود. وحين نتصور موقعه داخل شبكة أوسع للنضال والمقاومة في العالم، بمواجهة شبكات هيمنة تتجاوز إسرائيل، يتغير فهمنا لما يمكن أن تكون عليه الفاعلية وما يمكن أن تقوم به.

ومن هنا يأتي السؤال: فاعلية في مواجهة ماذا؟ وهو سؤال يقتضي أن تكون قراءة البيئة بحجم العلاقات التي تنتج أزمتها. فما يجري في فلسطين يتصل بعلاقات هيمنة تتجاوز الاحتلال إلى شبكات الدعم العسكري والسياسي، والمصالح الاقتصادية، والمؤسسات والخطابات التي تمنحه الحماية وتعيد إنتاج تفوقه. وعلى امتداد المنطقة، من السودان واليمن إلى الصومال وغيرها، تتداخل صراعات محلية مع مصالح وتدخلات تتجاوز حدود الدولة. يحتاج التفكير في الفاعلية إلى فهم هذه الروابط، وكيف تتساند أدوات التأثير الاقتصادية والعسكرية والأيديولوجية والدينية، وكيف تتحول العلاقة بينها إلى قدرة على فرض الوقائع واستدامتها.

ويمكن النظر إلى هذه العلاقات بوصفها مشروعاً واسعاً للهيمنة، يتمركز ثقله السياسي والعسكري في الولايات المتحدة وحلفائها، ويمتد عبر شركاء ومؤسسات وشبكات مصالح. وتعمل هذه البنية على المحافظة على قدرتها على توجيه المنطقة والتحكم بخياراتها، مع استيعاب اختلاف نظمها ومجتمعاتها وتنوع مواقع أطرافها. من هذه الزاوية، يصبح الاحتلال جزءاً من بنية أوسع تتجاوز حدوده، ويحتاج سؤال مواجهته إلى فهم وظيفته وصلاته داخلها.

وهذا الفهم يقتضي دراسة الشبكة في ترابطها وتفاوت مواقع أطرافها، بما فيها تناقضاتهم وتنافسهم. فقد تتساند نتائج أفعال قوى لا تتطابق مصالحها، وقد تتقاطع حول منع تحول سياسي ثم تتصارع على حصصها فيه. لذلك تظل معرفة آليات الاتصال بين هذه المستويات، وتحديد مواضع الاعتماد والضغط داخلها، جزءاً من أي تصور جاد للفعل. وتمنع هذه القراءة اختزال كل ساحة في خصوصيتها، كما تمنع إذابتها في تفسير واحد لا يرى ما يميزها.

وحين يتسع النظر إلى هذه البنية، تظهر صلات المنطقة بمجتمعات الجنوب العالمي التي تواجه، بدرجات وصور مختلفة، التحكم بمواردها وخياراتها السياسية وإمكانات تنميتها. فإلى جانب فهم شبكات الهيمنة، نحتاج إلى فهم العلاقات بين المجتمعات الخاضعة لها، والمشتركات التي تتيح وصل قضاياها. تتحدد إمكانات الفاعلية أيضاً بمعرفة أين تتقاطع مصالح هذه المجتمعات، وكيف يمكن أن تتحول تجربتها بالاضطهاد إلى أرضية لفعل مشترك.

وعلى هذا الأساس يتغير تصور الفاعلية، ومنه تنبثق أسئلة الحزب والحركة والشكل التنظيمي. فالسؤال عن كيفية بناء حزب أو إعادة تشكيل حركة واختيار صيغة تنظيمية يأتي نتيجة لفهم ما نريد من هذه الأطر القيام به، والبيئة التي ستعمل فيها، وعلاقات القوة التي ستواجهها. وحين نعود إلى الأشكال التي نعرفها، يصبح السؤال عن قدرتها على حمل هذا التصور، وعن أسباب عجز الأشكال السابقة أو قابليتها للاحتواء والتفكيك، وصلتها بالتحولات التي طرأت على مجتمعاتها.

يترتب على ذلك التفكير بأشكال فاعلية تستطيع أن تنشأ داخل مجتمعاتها، وأن تبني قابلية للامتداد والتنسيق مع غيرها. يمكن أن تبدأ من قضية محددة أو نطاق محدود، مع إدراك ما يصل هذا النطاق بمحيطه، وما يلزمه كي لا يبقى معزولاً. والامتداد هنا يحتاج إلى صلات حقيقية تسمح بتبادل المعرفة والخبرة، وتنسيق الضغط، وربط المصالح التي تبدو متفرقة. وهو أفق يتجاوز المنطقة إلى مجتمعات الجنوب العالمي. والمقصود باستحضار شبكات الهيمنة أن يكون اتساعها حاضراً في فهم الفعل واتجاه تطوره، وأن تبقى أشكاله قابلة للبناء عليها لاحقاً، دون أن يتحول هذا الفهم إلى مبرر لتعليق المبادرة المحلية على اكتمال شبكة توازي شبكات الهيمنة، أو تأجيل ما يمكن القيام به الآن. فالفاعلية تبدأ بحجمها المتاح، ومن الموقع الذي تستطيع التأثير فيه. وتنمو قدرتها على الامتداد من داخل الفعل نفسه، بما يتيحه من خبرة وتراكم وصلات جديدة.

وتحتاج هذه الصلات إلى مضمون سياسي تعيش به داخل المجتمعات، وإلى تصور لما تريد تغييره في علاقات الناس بالسلطة والاقتصاد وببعضهم. فالقدرة على الاتصال، مهما اتسعت، تحتاج إلى غايات مشتركة وقواعد اجتماعية تحملها. ومن دون ذلك، قد تتسع دائرة التداول والتضامن، مع بقاء القدرة على اتخاذ المبادرة محدودة ومعلقة بما يطرأ من أحداث.

وعلى مستوى بنية الفاعلية، لا بد من التفكير في كيفية الجمع بين الاستمرار والقدرة على التكيف مع تغير توزيع القوى. كيف يحفظ الفعل ما يراكمه دون أن يتحول إطاره إلى عبء عليه؟ وكيف تتوزع أدواره بحيث لا ينتهي كله بتعطيل مركز واحد؟ وما الذي يسمح له بالانتقال بين قضايا ومستويات مختلفة، مع بقاء غاياته وصلته بمجتمعه واضحة؟ هذه أسئلة تسبق اقتراح اسم التنظيم وشكله، وتفتح التفكير فيما يمكن بناؤه بدلاً من افتراض أن الأشكال المتاحة تستوعب كل احتمالات الفعل.

هنا تقع مسؤولية على البحث والنقاش السياسي في المنطقة: أن يصلا ما نعرفه عما يجري، بما يلزم لتغيير الشروط التي تسمح باستمراره. فالإصرار على طرح سؤال الفاعلية يغير وجهة الاشتغال، ويدفع إلى دراسة أدوات القوة وإمكانات التنظيم، وإلى التعامل مع التضامن والوعي بوصفهما موارد تحتاج إلى من يحملها ويطور أثرها.

لقد احتجنا، وما زلنا، إلى فهم هول ما جرى لنا، وإلى وضعه في التاريخ واللغة والذاكرة الإنسانية. لكن البقاء عند هذا الحد يجعلنا أقرب إلى من ينشغل بتحديد ما الجثة التي نحن عليها: كيف جرى تهشيمها، وما حجم ما أصابها، وبأي اسم يمكن تعريف موتها. وبينما ننشغل بذلك، يواصل الفاعل الذي أنتج الكارثة تنظيم أدواته وتوسيع قدرته على الفعل. إن استعادة سؤال الفاعلية تبدأ من رفض التسليم بأن مهمتنا قد انتهت عند معرفة ما جرى لنا، ومن التفكير فيما يمكن أن نكون قادرين على فعله.


[1] “بعد إطلاق نار.. نتنياهو يأمر بتطويق الخليل والاستعداد لإغلاق الضفة”، الشرق للأخبار، 23 أكتوبر 2026.

زر الذهاب إلى الأعلى