“مجتمع التعب”؛من الحق في الكسل إلى الحق في الملل

في زمن كانت فيه أوروبا الصناعية تمجّد العمل والإنتاج، نشر بول لافارغ، الطبيبُ والناشط الاشتراكي وزوج لورا ابنة كارل ماركس، سنة 1880، نصَّه الذي اختار له عنواناً صادماً «الحق في الكسل»، قبل أن يصدر لاحقاً في صيغة كتاب سنة 1883. كان السؤال الذي يطرحه الكتاب بسيطاً ومزعجاً في آن، ومفاده إذا كانت الآلة قادرة على أن تجعل الإنسان ينتج أكثر بجهد أقل، فلماذا لا تكون نتيجة التقدم أن يعمل الإنسان ساعات أقل ويعيش وقتاً أطول لنفسه، ولماذا تتحول كل زيادة في الإنتاجية إلى دعوة لإنتاج المزيد، بدلاً من أن تتحول إلى وقت يسترده الإنسان من المصنع؟ كان دفاعه عن «الكسل»، ببساطة وبمنأى عن التعقيد، دفاعاً عن مساحة من الحياة لا تخضع لمنطق العمل، وعن أشياء لا تحتاج إلى أن تبرر قيمتها بما تنتجه من مال. بل ذهب لافارغ إلى حد الدعوة إلى يوم عمل لا يتجاوز ثلاث ساعات.

كان السؤال، حتى ذلك الحين، يدور أساساً حول مقدار الوقت الذي يأخذه العمل من الإنسان، لكن السؤال سيتغير لاحقاً ليصبح أكثر تعقيداً؛ ماذا لو لم يعد العمل يحتاج إلى أن يأخذ وقتنا بالقوة، لأننا أصبحنا نعطيه هذا الوقت بأنفسنا؟

كشف القرن الحادي والعشرين عن مفارقة أكثر تعقيداً، عندما تطورت الآلات بصورة لم يكن لافارغ يتخيلها، وأصبح بإمكان الإنسان أن يعمل ويتواصل ويبحث من جهاز صغير يحمله في جيبه.

وهنا، يأتي الفيلسوف الكوري المولد والمقيم في ألمانيا بيونغ تشول هان وكتابه الصغير والمؤثر «مجتمع التعب»، الصادر بالألمانية سنة 2010، ليعيد صياغة السؤال القديم بلغة عصر آخر، مختلف تماماً. وقف هان أمام إنسان يبدو أكثر حرية من أي وقت مضى، يختار عمله، ويضع أهدافه، ويملك الوسائل التي تمكنه من إدارة وقته وحياته، لكنه نفسه، وفق قراءة هان، اكتسب قدرة غير مسبوقة على استغلال نفسه بنفسه!

ينطلق هان من التحول الذي طرأ على طبيعة السلطة الحديثة. ففي المجتمع الصناعي التقليدي كانت السلطة تقول للفرد «يجب عليك». يجب أن تعمل وأن تنفذ. أما المجتمع المعاصر فقد أصبح يتحدث بلغة مختلفة وأكثر جاذبية، عندما خاطب المرءُ نفسَه بمنطق «أنت تستطيع»، تستطيع أن تنجح، وأن تحقق وتطور ذاتك، وأن تبدأ مشروعاً جديداً، وأن تتعلم مهارة إضافية، وأن تكون نسخة أفضل من نفسك.

يبدو هذا، في الظاهر، انتقالاً من القمع إلى الحرية. غير أن هان يرى في هذه اللغة مفارقة دقيقة، لأن عبارة «أنت تستطيع» يمكن أن تنقلب بسهولة إلى سؤال أكثر قسوة، هو إذا كنت تستطيع، فلماذا لم تفعل؟ وعندها ينتقل الضغط من الخارج إلى الداخل. لا يحتاج الإنسان عندها إلى مدير يراقبه، لأنه يصبح مدير نفسه؛ يضع لنفسه أهدافاً، ويقيس أداءه، ويقارن نفسه بالآخرين، ثم يعود ليحاسب نفسه إذا لم يصل إلى ما أراد. وبهذا يصبح الشخص الواحد، في التعبير الذي يدور حوله كتاب هان، “المستغِل والمستغَل” في الوقت نفسه.

عند هذه النقطة، يتبدّى الفرق بين عالم لافارغ وعالم هان. كان العامل في القرن التاسع عشر يستطيع أن يقول إن شخصاً آخر يستغله ويسرق وقته، أما الإنسان المعاصر فيقول إنه يعمل بهذه الطريقة لأنه يريد تحقيق ذاته، غير أن النتيجة تكون أن العامل خرج من المصنع، لكن المصنع، بمعنى ما، دخل إليه.

لا تدعو فكرة إلى الخمول. ما يعترض عليه هو تحول الإنجاز إلى المعيار الذي تقاس به قيمة الإنسان كلها، عندما لا يعود العمل مشروعاً من مشروعات الحياة، بل تتحول الحياة نفسها إلى مشروع ينبغي تطويره باستمرار؛ المهنة مشروع، والصحة مشروع، وحتى الشخصية تصبح مشروعاً يحتاج إلى تحديث دائم. وفي هذا العالم يصعب الوصول إلى لحظة يستطيع الإنسان أن يقول فيها “خلص، هذا يكفي”.

ثم تظهر فكرة هان عن «فائض الإيجابية». وهو لا يقصد الإيجابية بمعنى التفاؤل، بل عالم «المزيد»؛ المزيد من الإنتاج، والمزيد من المعلومات، والمزيد من السرعة. كل شيء ممكن، ولذلك يبدو كأن كل شيء مطلوب أيضاً.

غير أن الإنسان يحتاج، بقدر حاجته إلى الإمكان، إلى القدرة على قول «لا». يحتاج إلى أن يضع حداً، وأن يعترف بأن بعض الأشياء لا يريدها أو لا يستطيعها. لولا أن التوقف في ثقافة الإنجاز يبدو أحياناً أشبه بالتقصير، حتى أصبحت الراحة نفسها بحاجة إلى تبرير.

وهنا، نصل إلى واحدة من أكثر المفارقات المعاصرة، فقد تسلل منطق الإنتاج إلى المناطق التي كانت تقع، تقليدياً، خارج العمل. نمارس الرياضة فنقيس عدد الخطوات والسعرات، وننام فنراقب ساعات النوم وجودته، وحتى التأمّل، الذي يفترض أن يكون لحظة خروج من دائرة الأداء، يمكن أن يتحول إلى وسيلة لتحسين التركيز وزيادة الإنتاجية..!!

كأن الراحة لم تعد تملك حقاً مستقلاً في الوجود، بل ينبغي أن تثبت فائدتها للعمل، وحتى إذا سمحنا للإنسان بأن يستريح، طالبناه أن تكون راحته منتجة أيضاً.

في هذا السياق، تتضح واحدة من أفكار هان في دفاعه عن الملل العميق، فالملل عنده يمكن أن يكون مساحة ضرورية للتأمل. وبعض الأفكار تحتاج إلى بطء، وإلى وقت لا يحدث فيه شيء.

لكن الإنسان المعاصر يبدو عاجزاً، على نحو متزايد، عن تحمل الفراغ. يقف دقائق فيخرج هاتفه، ويجلس وحده فيبحث عن شيء يملأ الصمت. لقد أصبح لكل لحظة محتوى، وربما كانت المشكلة أننا حين قضينا على الملل، قضينا من غير أن ننتبه على بعض المساحة التي كان التفكير ينمو فيها.

ولو أردنا اختصار المسافة الممتدة من لافارغ إلى هان في صورتين، فقد تكون الأولى المصنع والثانية الهاتف.
في المصنع كان هناك جرس يعلن بداية يوم العمل ونهايته. وبعد انتهاء الوردية كان العامل يغادر مكان العمل جسدياً، حتى وإن بقيت شروط حياته مرتبطة به. أما الهاتف فلا جرس له؛ العمل موجود فيه، والبريد، والزملاء، والأخبار، والمنافسة، وصور نجاحات وادعاءات الآخرين. وحتى عندما يغادر الإنسان المكتب، يحمل المكتب معه إلى المقهى والسرير والإجازة.

قد تبدو المسافة للوهلة الأولى، بين الحق في الكسل ومجتمع التعب كبيرة. لافارغ اشتراكي من القرن التاسع عشر يكتب عن العامل والمصنع، وهان فيلسوف معاصر يكتب عن الاحتراق النفسي والإنجاز والتواصل المستمر. لكن وضع هذين النصين إلى جانب بعضهما يكشف أن السؤال لم يتغير كثيراً.

والصحيح أن عنوان «الحق في الكسل» لم يعد استفزازياً كما كان قبل قرن ونصف. فقد أصبح من الممكن أن نقرأه اليوم بوصفه دفاعاً مبكراً عن شيء أوسع من الكسل بكثير، عن حق الإنسان في أن يبقي جزءاً من حياته خارج حساب الإنتاج؛ حقه في البطء، وفي المشي من دون هدف، وفي قراءة كتاب لا يفيد سيرته الذاتية، وحتى في أن يشعر بالملل بعض الوقت. وبين «الحق في الكسل» و«الحق في الملل» تغير شكل العمل كثيراً، لكن السؤال بقي تقريباً على حاله؛ هل نعمل لكي نعيش، أم أننا، شيئاً فشيئاً، أصبحنا نعيش لكي نعمل. ولعل المفارقة اللافتة أن الإنسان الذي لا يملك وقتاً «يضيعه» قد يكتشف، في النهاية، أنه أضاع شيئاً أكبر بكثير؛ وقته نفسه.

وتبقى ملاحظة مهمة، أختم بها؛ فقد يبدو الحديث عن «الحق في الكسل» ترفاً في مجتمعات يعاني كثير من شبابها أصلاً من البطالة ونقص الفرص. لكن المفارقة لا تنقض الفكرة؛ فحرمان الإنسان من العمل اختلال، كما أن استحواذ العمل على حياته كلها اختلال آخر. المسألة، برأيي، ليست في الاختيار بين العمل والكسل، بل في أن يجد الإنسان عملاً حين يحتاج إليه، وأن تبقى له حياة حين يجده.

زر الذهاب إلى الأعلى