شباب أردنيون يختتمون “أفق جديد” بحوار مباشر مع صناع القرار وخطاباً مشتركاً للتحديث السياسي

اختتم شباب وشابات أردنيون، يوم الأربعاء، أعمال مشروع “أفق جديد: توحيد خطاب الشباب والنساء لدعم التحديث في الأردن”، الذي نفذه معهد السياسة والمجتمع بالشراكة مع شبكة نايا المجتمعية، وبدعم من صندوق الأمم المتحدة للديمقراطية (UNDEF)، بحفل ختامي موسع، بحضور رسمي محلي ودولي لافت، ومشاركة شبابية واسعة مثلت مختلف محافظات المملكة ومناطقها.


وشكّل الحفل محطة مفصلية تتويجية لمسار مشروع امتد على مدار عامين كاملين، لم يكن خلالها مجرد برنامج تدريبي أو سلسلة أنشطة متفرقة، بل عملية تراكمية هدفت إلى بناء خطاب شبابي ونسائي موحد، وتعزيز حضور الشباب والنساء كفاعلين حقيقيين في النقاش العام حول التحديث السياسي والاقتصادي والإداري في الأردن.

من الفكرة إلى الأثر: عامان من العمل والتراكم


وخلال الحفل، عرض الشباب والنساء المشاركون تجاربهم وقصص نجاحهم، مستعرضين مسار انتقالهم من المشاركة في برامج بناء القدرات إلى الانخراط الفعلي في النقاشات الوطنية، وتقديم رؤى سياسية قائمة على التحليل والمعرفة. كما قدموا ملخصات أوراق السياسات التي عملوا عليها ضمن محاور متعددة، إضافة إلى استعراض نتائج حملاتهم الرقمية والميدانية التي استطاعت الوصول إلى أكثر من مليون تفاعل مباشر وغير مباشر عبر المنصات الرقمية، والجامعات، والمساحات المجتمعية المختلفة.

وعكست هذه الحملات خطاباً شبابياً ونسائياً موحداً، تعامل مع التحديث بوصفه مشروع دولة متكاملاً، لا يقتصر على الإصلاح السياسي فقط، بل يمتد ليشمل الأبعاد الاقتصادية والإدارية، ويؤسس لعلاقة جديدة بين المواطن وصانع القرار، قائمة على المشاركة، الشفافية، والمساءلة.
أوراق سياسات من الواقع إلى صانع القرار.

وخلال جلسات الحفل، استعرض المشاركون مسار انتقالهم من بناء القدرات إلى المشاركة الفاعلة في النقاش العام وصناعة الرأي، حيث تناولت أوراق السياسات التي عرضوها قضايا محورية شملت المشاركة السياسية، النزاهة والحوكمة، العدالة وسيادة القانون، الإعلام والاتصال السياسي، والبيئة والتغير المناخي.

وقدمت هذه الأوراق مقاربات عملية نابعة من الواقع المحلي للمحافظات، ومبنية على تشخيص التحديات واقتراح حلول قابلة للتطبيق، ما عكس مستوى متقدماً من النضج السياسي والبحثي لدى المشاركين، وأكد قدرتهم على مخاطبة المؤسسات الرسمية بلغة السياسات العامة لا بلغة المطالب العامة فقط.


حوار مباشر ومساحة غير تقليدية


كما شكّلت الجلسات الحوارية إحدى أبرز محطات الحفل، حيث أتاحت مساحة مفتوحة وغير تقليدية للنقاش المباشر بين الشباب والنساء من جهة، وصناع القرار والمسؤولين الحكوميين من جهة أخرى. وناقش المشاركون رؤيتهم للتحديث السياسي، وأهمية الانتقال من إشراك الشباب والنساء كفئات مستهدفة إلى الاعتراف بهم كشركاء حقيقيين في صياغة السياسات العامة، وصناعة القرار على المستويين الوطني والمحلي.

وأكد الشباب المشاركون خلال هذه الجلسات أن تجربتهم في المشروع أعادت تعريف علاقتهم بالعمل العام، ورسخت لديهم قناعة بأن المشاركة السياسية ليست امتيازاً، بل حق ومسؤولية، وأن بناء خطاب موحد يزيد من قدرتهم على التأثير والاستدامة.

الخوالدة: خطاب ناضج ينسجم مع رؤية الدولة


من جانبه، أكد أمين عام وزارة الشؤون السياسية والبرلمانية الدكتور علي الخوالدة، راعي الحفل، أن ما قدمه الشباب والنساء خلال المشروع يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة المشاركة السياسية في الأردن، قائلاً “ما شاهدناه اليوم من أفكار وأوراق سياسات وحوارات مباشرة يؤكد أن الشباب الأردني بات شريكاً واعياً في مشروع التحديث السياسي، وقادراً على تقديم خطاب مسؤول ينسجم مع رؤية الدولة للإصلاح والتحديث.”
وأضاف الخوالدة أن الحكومة تنظر بإيجابية إلى المبادرات التي تعزز الحوار المنظم مع الشباب والنساء، وتسهم في تحويل تطلعاتهم إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ، مشدداً على أهمية البناء على مخرجات هذه المشاريع، والاستفادة من توصياتها ضمن المسارات الوطنية للتحديث.

الأمم المتحدة: الأثر يتجاوز الأرقام


بدورها، أشادت المنسقة المقيمة للأمم المتحدة في الأردن شيري ريتسما–أندرسون بنتائج المشروع، مؤكدة أن “أفق جديد” يمثل نموذجاً ناجحاً للشراكة بين المؤسسات الوطنية والمنظمات الدولية في دعم الديمقراطية وتعزيز المشاركة السياسية المستدامة.
وقالت أندرسون “هذا المشروع أظهر كيف يمكن للشباب والنساء، عندما تتاح لهم المساحة والأدوات، أن يقودوا حواراً ناضجاً ومسؤولاً حول مستقبل بلدانهم. ما تحقق خلال العامين الماضيين يتجاوز الأرقام، ليعكس أثراً حقيقياً ومستداماً في الوعي والممارسة السياسية.”
وأكدت أن دعم الأمم المتحدة لمثل هذه المبادرات يأتي من إيمان راسخ بأن إشراك الشباب والنساء هو حجر الأساس لبناء ديمقراطيات شاملة وقادرة على الصمود في مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

أكثر من مليون تفاعل وخطاب مختلف


وفي استعراضها لنتائج المشروع، أوضحت الدكتورة رشا فتيان، المديرة التنفيذية لمعهد السياسة والمجتمع إن هذا المشروع انطلق من قناعة أساسية مفادها أن التحديث السياسي لا ينجح إذا بقي حوارًا نخبويًا، ولا إذا ظل الشباب متلقين له أو مترددين في الانخراط فيه. لذلك كان هدف أفق جديد العمل مع الشباب لا عنهم؛ الاستماع إلى اختلافاتهم، وتحويل هذا التنوع إلى أرضية مشتركة، وخطاب سياسي مسؤول يعكس تطلعاتهم ويعبّر عن قضاياهم ضمن إطار الدولة ومسار الإصلاح. مؤكدة “أن ما نعتز به اليوم ليس فقط ما تحقق على مستوى الأنشطة أو المخرجات، بل ما تشكّل من مساحات ثقة، ومن قدرة لدى الشباب على صياغة مواقفهم بلغة سياسية أكثر وضوحًا، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر استعدادًا للحوار مع صناع القرار والمجتمع في آن واحد”.

وبينت فتيان “أن المشروع استطاع الوصول إلى أكثر من مليون تفاعل عبر الحملات الرقمية، الأيام الجامعية، والنقاشات المجتمعية، ما يعكس حجم الاهتمام والتفاعل الذي حظي به خطاب الشباب والنساء على امتداد المحافظات”.
وقالت فتيان “ما يميز هذا المشروع نوعية الخطاب الذي تشكل ليس فقط حجم التفاعل؛ خطاب مبني على المعرفة، والتحليل، والمسؤولية الوطنية، وقادر على مخاطبة صناع القرار بلغة السياسات لا الشعارات.”
وأضافت أن المعهد عمل منذ بداية المشروع على تمكين الشباب والنساء من أدوات البحث، التحليل، وصياغة السياسات العامة، بما يضمن استدامة أثر المشروع بعد انتهائه، وتحول المشاركين إلى فاعلين مستمرين في الحياة العامة، وقادرين على البناء على ما تحقق.

من جهته، أكد مدير عام شبكة نايا المجتمعية رأفت بدران أن المشروع جسّد نموذجاً عملياً لكيفية الانتقال من العمل مع الشباب كفئة مستفيدة إلى العمل معهم كشركاء في صياغة الحلول، قائلاً “نؤمن أن الاستثمار الحقيقي هو في وعي الشباب وقدرتهم على التنظيم والتعبير وصياغة المواقف العامة. ما رأيناه في (أفق جديد) هو انتقال واضح من المشاركة الرمزية إلى المشاركة المؤثرة، ومن النقاش العام إلى إنتاج سياسات ومبادرات قابلة للنقاش مع صناع القرار.”

وأشار بدران إلى أن قوة المشروع تكمن في كونه جمع بين التمكين المعرفي والعمل الميداني والتواصل مع المؤسسات الرسمية، مؤكداً أن المجتمع المدني يلعب دوراً تكاملياً مع الدولة في إنجاح مسارات الإصلاح، وقال “التحديث السياسي يحتاج إلى قواعد شبابية واعية قادرة على فهم السياسات ومساءلتها والمشاركة في تطويرها. هذا ما سعينا إليه في شراكتنا مع معهد السياسة والمجتمع، أن نخلق جسوراً حقيقية بين الشباب وصناع القرار، لا مجرد لقاءات بروتوكولية.”

وأكد بدران بالتأكيد على التزام شبكة نايا بمواصلة العمل على توسيع مساحات المشاركة الشبابية والنسائية في المحافظات، والبناء على مخرجات المشروع في مبادرات مستقبلية تدعم التحديث السياسي والتنمية المحلية المستدامة.

منصة لما بعد المشروع


واختُتم الحفل بالتأكيد على أن “أفق جديد” لم يكن مشروعاً زمنياً محدوداً، بل منصة تأسيسية لخطاب شبابي ونسائي موحد، قابل للاستمرار والتطور، والمساهمة الفاعلة في مسيرة التحديث السياسي الشامل في الأردن.

فيما أكد المشاركون أن تجربتهم خلال المشروع أعادت تعريف دورهم في الحياة السياسية، ورسخت قناعة راسخة بأن مشاركتهم ليست هامشية بل مركزية في بناء المستقبل السياسي للدولة الأردنية، وفي تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات.

ويعكس الحفل الختامي الطموح المشترك لمعهد السياسة والمجتمع وصندوق الأمم المتحدة للديمقراطية في تعزيز المشاركة المدنية والسياسية للشباب والنساء، وتقديم نموذج عملي لكيفية تحويل الطاقات الشبابية إلى قوة اقتراح وتأثير، بما يجعل من هذا المشروع خطوة راسخة ومتقدمة في مسار التحديث والديمقراطية في الأردن.

زر الذهاب إلى الأعلى