عن سؤال العامة والخاصة في التراث الإسلامي: من آداب الخطاب إلى سياسة المعرفة والعمران

يروي الراغبُ الأصفهاني في «محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء» أن نحوياً سأل صاحبَ بطيخ «بكم تانك البطيختان اللتان بجنبهما السفرجلتان، ودونهما الرمانتان؟»، فأجابه البائعُ «بضربتان وصفعتان ولكمتان، فبأي آلاء ربكما تكذبان»..! وفي ظني أن هذه الطرفةَ الأدبية تختصرُ في سطرين ما قد يحتاج شرحُه إلى صفحات؛ حيث أتقن الرجلُ الأولُ النحوَ، واستحضر أسماءَ الإشارة والموصول والمثنى، لولا أنه أخطأ في شيء واحد هو الأهم؛ معرفة المقام. وقد غاب عنه أن سوق البطيخ ليس مجلسَ الخليل أو سيبويه، وأن صحة العبارة لا تكفي إذا أخطأت طريقَها إلى مَن تُقال له.
هذا المعنى نفسه نجده عند ابن الجوزي في «أخبار الحمقى والمغفلين»، إذ ينقل أن أبا القاسم ابن برهان الأسدي كان يقول لأصحابه: «إياكم والنحو بين العامة فإنه كاللحن بين الخاصة». وهي جملة تصل مباشرة إلى واحد من الأسئلة القديمة التي رافقت تشكّلَ الفكر العربي والإسلامي، ألا وهو سؤال العامة والخاصة، وما يتصل به من مراتب المعرفة، وحدود ما يقال، وكيف يقال، ولمن يقال، ثم ما يطرأ على الفكرة عندما تغادر مجلسَ العالِم وتدخلُ فضاءً تختلط فيه المعرفةُ بالعادات والاعتقادات والموازين الاجتماعية.
هذه الثنائيةُ، ثنائيةَ العامة والخاصة، حضرت في كتب التراث بمعانٍ متعددة، وتحركت بين الاجتماع والسياسة والعلم والدين. وظهرت في بعض المدونات، وخصوصاً الصوفية منها، مراتبُ أخرى من قبيل «الخصوص» و«خصوص الخصوص». كما أخذ اللفظُ نفسه معنى مختلفاً باختلاف المجال الذي استعمل فيه؛ حيث خاصة الفقه غير خاصة الفلسفة، وخاصة أهل اللغة غير خاصة أهل التصوف، والإنسانُ نفسه قد يكون من خاصة قوم في علم، ثم يعود واحداً من العامة حين يدخل علماً آخر لا يملك أدواته. ولذلك، تبدو العامة والخاصة، في جانب مهم من نصوص التراث، أقربَ إلى وصف الموقع من المعرفة والخبرة منها إلى تقسيم ثابت للبشر.
ولا يشغلني هنا تتبعُ تاريخ المصطلحَين بقدر ما يعنيني النظرُ في المسافة التي تفصل المعرفةَ عند منتجها عن صورتها حين تصل إلى الجمهور، وفي القوى التي تعملُ داخل هذه المسافة من تفسير ووساطة وثقة وسلطة. وهي المساحة التي يمكن أن نضعها، على سبيل التقريب، تحت عنوان «سياسة المعرفة»؛ أي النظر في طرائق إنتاج المعرفة وانتقالها، وفي التحولات التي تطرأ عليها بين عالمها الأول وبين صورتها المتداولة في المجتمع.
وأبدأ هنا من عند الجاحظ، حيث يأخذُ السؤالُ، على عادة أبي عثمان، طابعاً اجتماعياً وسياسياً واضحاً. ففي «العثمانية» يقول: «فالخاصة تحتاج إلى العامة كحاجة العامة إلى الخاصة»، ثم يشبه العلاقةَ بينهما بعلاقة القلب بالجوارح، ويصفُ العامةَ بأنها «جنة للدفع، وسلاح للقطع، وكالترس للرامي». وفي هذا التصوير إدراك واضح للاعتماد المتبادل، وإن ظل داخل تصور عصره لتراتب المجتمع؛ فالخاصةُ موضعٌ للرأي والتدبير، والعامةُ تمثل جانباً كبيراً من قوة الجماعة وحركتها. والرأيُ نفسه لا يتحول إلى أثر اجتماعي ما لم يجد من يحمله ويخرجه من دائرة التصور إلى دائرة الفعل.
ويتصل بذلك تمييزُ الجاحظ بين ما يتداوله جمهورُ الناس من أصول وجمل كبرى، وبين دقائق التأويل والنظر التي تحتاج إلى أدوات ومقدمات؛ فهو يقرر أن العامةَ تعرف «التنزيل المجرد بغير تأويله، وجملة الشريعة بغير تفسيرها»، في حين تختص طبقاتٌ من أهل العلم بتفسير المجمل وغامض السُّنن وما يحتاج إلى الطلب والتتبع. وإذا وسّعنا دلالةَ هذا التمييز خارج سياقه المباشر، أمكن النظرُ إلى الخاصة والعامة بوصفهما موقعين نسبيين من المعرفة لا منزلتين ثابتتين للناس؛ فالمرءُ قد يكون من خاصة أهل البيان ومن عامة أهل الطب، أو من خاصة التجار لكنه من عامة المتكلمين. وعليه، تصبح قيمةُ الاختصاص مرتبطة بما يتيحه من معرفة داخل مجاله، لا بمنزلة مطلقة يحملها صاحبُه معه إلى سائر المجالات.
ويكتسب السؤالُ زاويةً مختلفة عند البيروني في كتابه «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة»، إذ واجه مجتمعاً آخرَ بلغته وأديانه وفلسفاته وعاداته، وحاول أن يقرأه من داخله بقدر ما تسمح به أدواتُ عصره. واللافت أنه يصرح بالمشكلة نفسها حين يقول: «إنما اختلف اعتقادُ الخاص والعام في كل أمة»، ثم يفسر ذلك بأن الخاصة تميل إلى النظر والتحقيق في الأصول، بينما تقفُ العامة، في وصفه، عند المحسوس والفروع. وبذلك يصبح اختلافُ صورة الاعتقاد بين أهل النظر والجمهور جزءاً من فهم المجتمع نفسه، لا مجرد حكم على مقدار المعرفة عند أفراده.
وتضيف ملاحظةُ البيروني بُعداً مهماً إلى سؤال العامة والخاصة؛ إذ حين تغادر المعرفةُ مجالَها الأول، لا تبقى دائماً على الصورة التي صيغت بها، وإنما تدخل في شبكة من الشروح والاختصارات والتمثيلات والعادات، ثم تستقر في الذاكرة العامة وهي تحمل آثار هذه الرحلة.
أما عند ابن خلدون فتتسع الدائرةُ أكثر، لأن السؤالَ يدخلُ في بُنية العمران نفسها، حيث تتصل الأفكارُ بالعصبية والعادة والاقتداء والسلطة والهيبة، ويصبح انتشارُ القول مرتبطاً بشروط اجتماعية تتجاوزُ صحتُه النظريةَ وحدَها. وفي هذا السياق يستدعي قولاً سائراً هو «العامة على دين الملك»، ويدعو إلى تأمل ما ينطوي عليه من دلالة؛ إذ لا تتحرك الأفكار والعادات في المجتمع بمعزل عن مواقع القوة والمرجعية، ولا يتلقى الناسُ الأقوالَ دائماً بوصفها معانيَ مجردةً منفصلة عن أصحابها.
وعند هذه النقطة تنتقل «سياسة المعرفة» من سؤال انتقال الفكرة إلى سؤال القوة الاجتماعية التي تحملها. فالمتلقي يستقبلُ القولَ أيضاً من خلال صورة قائله وموقعه ومقدار ما يتمتع به من سلطة أو مكانة أو ثقة، فتدخل الهيبةُ والاقتداءُ في تشكيل قابلية الأفكار والعادات للانتشار. ومن هنا يصبح فهمُ القول مرتبطاً، في جانب منه، بفهم البنية الاجتماعية التي تحمله، ونظام المجتمع في توزيع الثقة والمكانة والتأثير.
ولا يظهر المتلقي، في هذا المنظور، فرداً معزولاً يختبر كل فكرة بعقله وحده، وإنما عضواً في جماعة لها تاريخُها ورموزها ومصالحها ونظامُها في توزيع الثقة والهيبة. ومن ثم يصبح قبولُ بعض الأفكار أو مقاومتها جزءاً من بنية العمران، مثلما يصبح انتقالها جزءاً من شبكة العلاقات التي تربط الخاصة بالعامة، والعالم بمتلقيه، والسلطة بالرعية، وصاحب التأثير بدائرته الاجتماعية.
وبالانتقال إلى زاوية معاصرة، يستدعي هذا كلُّه شيئاً مما عالجه علمُ الاتصال الحديث في نموذج «تدفق الاتصال على مرحلتين». ويلفت النموذجُ، في صيغته الكلاسيكية، إلى أن الرسالة والتأثير لا ينتقلان دائماً من وسائل الاتصال إلى الجمهور انتقالاً مباشراً، وإنما يمرّان، في جانب منهما، عبر أشخاص يؤدّون دور «قادة الرأي»، فيفسرون الرسائلَ ويعيدون إدخالَها في شبكاتهم الاجتماعية. ولا أزعم من استحضار هذا النموذج أن الجاحظ أو البيروني أو ابن خلدون سبقوا إلى نظرية الاتصال الحديثة؛ فالسياقاتُ والمفاهيم مختلفة. وإنما تكمن قيمة المقارنة في ملاحظة سؤال مشترك؛ أن المسافةَ بين منتج الفكرة ومتلقيها ليست فراغاً، بل تتحرك فيها وسائطُ من الثقة والتفسير والمكانة والاقتداء، وأن المجتمع لا يتلقى المعنى دائماً كما خرج من مصدره، بل يشاركُ، بدرجات مختلفة، في إعادة تشكيله.
ومن خلال هذه المسارات المتباعدة في الزمن والموضوع تتشكل صورةٌ أوسع لسؤال العامة والخاصة في التراث الإسلامي. ويبقى المثل العربي القديم «لكل مقام مقال» من أوجز المفاتيح لفهم المسألة، لأن المقامَ يتجاوز المكانَ إلى حال المتلقي ومقدار معرفته وزمان الخطاب وغايته. فلا تكفي صحةُ الفكرة وحدُها لضمان وصولها، كما لا يكفي تبسيطُها لضمان بقائها على معناها؛ وبين الصحة والوصول تقع مساحة واسعة هي مساحة الاتصال والتأويل والثقة والسلطة.
وبطبيعة الحال، يكتسب هذا السؤالُ اليوم وجهاً أكثر حضوراً في زمن الإعلام والمنصات الرقمية؛ إذ صارت المسافة بين إنتاج المعرفة وانتشارها أقصرَ زمنياً، لكنها أكثرُ ازدحاماً بالوسطاء والمختصرات والخوارزميات والتعليقات وإعادة الصياغة. ولم يعد السؤال متعلقاً فقط بمن يعرف ومَن لا يعرف، بل بمَن يفسر، ومن يختصر، ومن يمنحُ القولَ ثقته، ومَن يملك القدرةَ على دفعه إلى المجال العام. وتحتاج المعرفةُ إلى أهلها، مثلما يحتاج المجتمعُ إلى لغة مشتركة.
وعوداً إلى قصة النحوي وبائع البطيخ، حيث لم يكن الخلاف بين الرجلين، في جوهره، على صحة اللغة، وإنما على مقامها، عندما دخل النحويُّ السوقَ بلغة صحيحة، لكن في غير موضعها، فكشف الموقفُ، بسخريته، واحدةً من أقدم مسائل المعرفة وأكثرها بقاءً؛ أن القول لا تكفي صحتُه حتى يبلغ غايتَه، بل يحتاج إلى معرفةٍ بمَن يقال له، وفي أي مقام، وبأي لسان. ومن هنا، فإن القاعدةَ الأهم باعتقادي هي؛ أن معرفةَ الناس جزءٌ من معرفة الطريق إليهم.