محسن رضائي؛ حين تستدعي الدولة حرسها القديم

في الأزمنة الاستثنائية، حين تهتز البنية العميقة للدولة ويغدو السؤال سؤالَ بقاء الأنظمة تميل إلى الرجوع إلى رجالها الأثقل وزنًا في الذاكرة والمؤسسة معًا؛ إلى أولئك الذين  يجسدون طبقات متراكمة من الخبرة، والشرعية، والشبكات، والسردية التأسيسية.

يمكن، من هذا الباب تحديدًا، قراءة قرار إعادة تعيين الجنرال القديم محسن رضائي مستشارًا عسكريًا للمرشد الأعلى الجديد في إيران، في لحظة تُعدّ من أخطر اللحظات التي عرفتها الجمهورية الإسلامية منذ قيامها عام 1979. هذا التعيين جرى تداوله في الإعلام الإيراني ونقلته وسائل دولية، في سياق حرب مفتوحة، وانتقال مضطرب في قمة السلطة، وتصاعد ملحوظ في الاستنزاف العسكري والسياسي.

 أهمية هذه العودة، ليست كامنة في المنصب وحده، بل في نوع الرجل الذي وقع عليه الاختيار. فمحسن رضائي واحد من أبناء الجيل المؤسس للحرب والدولة معًا؛ رجل خرج من الهوامش الاجتماعية والجغرافية لجنوب غرب إيران، وصعد في قلب الثورة، ثم في قلب الحرب العراقية الإيرانية، قبل أن ينتقل بعد ذلك من المؤسسة العسكرية إلى مؤسسات التسوية والتقدير والموازنة الاقتصادية داخل النظام. وعلى هذا المعنى، فإن استدعاءه اليوم لا يقول فقط إن طهران تحتاج إلى خبير عسكري، بل يقول إنها تعود، في لحظة الاختناق، إلى ذاكرة البقاء الأولى.

من مسجد سليمان إلى قلب الدولة

وُلد محسن رضائي عام 1954، في مسجد سليمان بمحافظة خوزستان، وينتمي إلى عائلة بختيارية متدينة. هذه الخلفية هي مدخل أساسي إلى تكوينه. فـ “مسجد سليمان” أكثر من مدينة اعتيادية. هي مدينة النفط المبكر، ومدينة الأطراف التي جاورت الثروة دون أن تنفصل عن التهميش، ومدينة الجنوب المتداخل فيها الريف والقبيلة والدولة الحديثة والاقتصاد الاستخراجي. وفي مثل هذه البيئات يتشكل جيل يرى الدولة من زاويتين في آن واحد؛ بوصفها أداة صعود، وبوصفها أيضًا فضاء صراع وهيمنة.

 نشأ رضائي في هذه الجغرافيا الجنوبية المشحونة، ثم انتقل في شبابه إلى الأهواز للدراسة في مدرسة تابعة لشركة النفط الوطنية الإيرانية، وهناك بدأ مبكرًا نشاطه السياسي والثقافي المعارض لنظام الشاه، قبل أن يعتقله جهاز السافاك وهو في نحو السابعة عشرة من عمره، ويقضي أشهرًا في الحبس الانفرادي.

هذه البداية المبكرة تفسر جانبًا جوهريًا في شخصيته؛ فهو ليس من أولئك الذين دخلوا النظام بعد أن وجدوه قائمًا، بل من أولئك الذين دخلوا الثورة من باب المحنة المبكرة والانخراط العضوي.

لقد عرف السجن، والعمل السري، والتنظيم، والهوامش الجغرافية والاجتماعية، قبل أن يعرف الدولة من داخل مكاتبها. وهذا فارق مهم بينه وبين كثير من التكنوقراط أو رجال المؤسسة الذين صعدوا لاحقًا في حقبة الاستقرار النسبي. رضائي، في أصله التكويني، ابن بيئة خشنة وصراع مبكر، لا ابن بيروقراطية ناعمة.

الهندسة ثم الاقتصاد

حين انتقل إلى طهران عام 1974، قصد رضائي جامعة إيران للعلوم والتكنولوجيا لدراسة الهندسة الميكانيكية. غير أن مساره انقطع بسبب تصاعد نشاطه المعارض وملاحقة السافاك له، فغادر الجامعة قبل إتمام هذا التخصص، وانخرط في العمل التنظيمي المسلح ضمن شبكات سبقت الثورة ثم التحقت بها.

بعد ذلك بزمن طويل، وبعد أن وضعت الحرب العراقية الإيرانية أوزارها؛ عاد رضائي، مرة أخرى جنرالاً على مقاعد الدراسة الجامعية من بوابة مختلفة تمامًا؛ الاقتصاد.

 درس رضائي في جامعة طهران، وحصل منها لاحقاً على الدكتوراة في الاقتصاد عام 2001. وهذا الانتقال من الهندسة يكاد يكون مفتاحًا لفهم صورته اللاحقة داخل النظام. فهو يشير إلى رجل أراد أن يغادر صورة القائد الميداني الصرف، من دون أن يتخلى عنها، وأن يضيف إليها صورة أخرى؛ صورة المسؤول القادر على التفكير في الدولة بلغة الموارد، والتوازنات، والإدارة الكلية، والمصالح العليا للنظام. أي إنه سعى، بوعي ظاهر، إلى إعادة تشكيل نفسه من جنرال حرب إلى رجل دولة ذي لسان اقتصادي.

هذا التحول العلمي، لم يكن معزولًا عن تحوله المؤسسي اللاحق. فحين خرج من قيادة الحرس الثوري، أواخر التسعينيات، لم يتجه إلى العزلة أو التقاعد الرمزي، بل انتقل مباشرة إلى مجمع تشخيص مصلحة النظام، المؤسسة التي تقوم وظيفتها، في جوهرها، على المواءمة بين العقيدة والمصلحة، وبين النص والضرورة، وبين منطق الدولة ومنطق الثورة. ورجل بدأ بالهندسة ثم انتهى إلى دراسة الاقتصاد. كان، في مستوى ما، يهيئ نفسه لهذا الموقع الوسيط، موقع من لا في الشعار وحده.

العائلة؛ المأساة وصورة الرجل العام

على المستوى الشخصي، تزوج رضائي عام 1974، وله خمسة أبناء، ابنان وثلاث بنات.

والبعد العائلي في حالته ليس شأنًا اجتماعيًا منفصلًا عن السياسة، لأن سيرته الخاصة تقاطعت مع واحدة من أكثر المحطات إيلامًا في صورته العامة؛ قصة ابنه الأكبر أحمد رضائي، الذي هاجر إلى الولايات المتحدة في أواخر التسعينيات، وطلب اللجوء السياسي، ووجّه انتقادات حادة للنظام الإيراني، ثم عاد لاحقًا عن مواقفه، قبل أن يُعثر عليه متوفى في دبي عام 2011 في ظروف أحاطت بها روايات متباينة.

وهذه الحادثة، لا تغيّر الوزن السياسي للرجل في حد ذاته، لكنها تضيف إلى صورته العامة بعدًا إنسانيًا وتراجيديًا معًا. فمحسن رضائي، الذي ارتبط اسمه بالصلابة الثورية والانضباط العسكري، عرف أيضًا هشاشة الحياة الخاصة وتصدعاتها.

 وفي أنظمة شديدة التسييس كالنظام الإيراني، كثيرًا ما تتحول المآسي العائلية إلى جزء من القراءة العامة للشخصية، لا سيما حين يكون الابن نفسه قد مرّ عبر المنفى والاعتراض والتراجع والموت الغامض (الرئيس الأسبق حسن روحاني مرّ بمأساة شبيهة وأكثر إيلاماً، عندما انتحر ابنه البكر محمد مطلع تسعينيات القرن الفائت وترك رسالة وجرحاً لا يندمل لدى والده، فيما احتجبت بعدها والدته عن الظهور بشكل شبه عام). هذا كله، جعل صورة رضائي في الوعي الإيراني أوسع قليلًا من صورة “القائد الصلب” وحدها؛ إذ ثمة دائمًا ظل شخصي ثقيل يرافقه.

رجل الحرس، لا أسيره فقط

المرحلة الحاسمة في صعود رضائي بدأت مع الثورة ثم الحرب. بعد 1979 انخرط في البنى المسلحة الجديدة، ثم صعد داخل الحرس الثوري بسرعة ملحوظة إلى أن أصبح قائده العام عام 1981، وهو في السابعة والعشرين تقريبًا، وبقي في هذا الموقع حتى 1997. خلال هذه الفترة الطويلة، لم يكن مجرد قائد إداري، بل كان من رجال بناء الحرس نفسه بوصفه مؤسسة. والحرس في إيران لم يكن مجرد ذراع قتالية، بل مشروع دولة موازية يتقاطع فيه الأمن والعقيدة والاقتصاد والسياسة والبزنس وشبكاته المعقدة.

ومن هنا، فإن رضائي لم يكن فقط أحد من قادوا الحرب، بل واحداً ممن ساهموا في تشكيل بنية القوة التي ستستمر في حكم إيران، أو في التأثير الحاسم فيها، لعقود لاحقة.

وفي هذه المرحلة بالذات، مرّ تحت قيادته أو في ظلها جيل كامل من القادة الذين صاروا لاحقًا من رموز النظام، ومن بينهم قاسم سليماني، كما تداخل مساره مع رجال دولة وأمن مثل علي لاريجاني في المراحل اللاحقة. وهذا يمنح رضائي قيمة إضافية اليوم، فهو ليس مجرد رمز تاريخي، بل حلقة وصل حيّة بين أجيال النظام المختلفة، يعرف الحرس من الداخل، ويعرف رجال المؤسسة الدينية والسياسية، ويعرف منطق الحرب ومنطق الإدارة، ويعرف أيضًا كيف تُدار التسويات داخل النظام لا خارجه.

غير أن الأهم هو أن رضائي، على الرغم من جذوره الحرسية العميقة، لم يبقَ أسيرًا كاملًا للهوية العسكرية، فانتقاله إلى مجمع تشخيص مصلحة النظام، وبقائه فيه سنوات طويلة، ولا سيما حين كان هاشمي رفسنجاني رئيسًا للمجمع، جعلاه أقرب إلى فضاء البراغماتية المؤسساتية. لقد ظل محافظًا وأصوليًا في الجوهر، لكنه لم يتحول إلى نسخة صلبة مغلقة من التيار المحافظ؛ بل كان أقرب إلى شخصية تستطيع أن تتحدث بلغة الأمن حين يلزم، وبلغة الاقتصاد حين يلزم، وبلغة “مصلحة النظام” حين تحتدم التناقضات.

لماذا لم يصبح رئيسًا؟

هنا، نصل إلى واحدة من أكثر مفارقات سيرته دلالة. إذ ترشح رضائي للرئاسة مرات عدة، وسُمح له بالترشح، لكنه لم يصل إلى الرئاسة قط. وهذه نقطة شديدة الأهمية في تقييمه. فالرجل كان دومًا كبيرًا بما يكفي لكي يكون حاضرًا في اللعبة، لكنه لم يكن، على ما يبدو، الخيار الذي أرادته هندسة النظام لكي يصبح رأس السلطة التنفيذية. وهذا يشي بأن قيمته الحقيقية، في نظر البنية العميقة، كانت قيمة رجل مؤسسة أكثر من كونه رجل تعبئة جماهيرية أو مرشح شرعية انتخابية مكتملة.

وهنا، ينبغي توخي الدقة؛ فعدم وصوله إلى الرئاسة لا يعني ضعفًا مطلقًا، كما أن حضوره المتكرر لا يعني بالضرورة شعبية واسعة. والأرجح أنه كان، طوال الوقت، من الشخصيات التي يُراد لها أن تبقى داخل “الدائرة الآمنة” للنظام؛ نافعة، معتبرة، مسموحًا بها، بل ضرورية أحيانًا، ولكن ليس بالضرورة أن تُمنح الموقع الذي يختلط فيه وزن المؤسسة بامتحان الشارع. وهذا يفسر لماذا ظل رضائي، على مدى سنوات، حاضرًا في مفاصل الدولة ومغيبًا عن قمة الشرعية المنتخبة في آن معًا.

بيد أن السؤال الأهم اليوم، ليس: من هو محسن رضائي؟ بل: لماذا يحتاجه النظام الآن؟

والجواب، في تقديري، مركب:

  • أولًا، لأن النظام يعيش لحظة حرب قاسية وانتقالًا حساسًا في قمة السلطة. فإيران، دخلت أسبوعها الثالث من الحرب المفتوحة، مع آلاف القتلى، وتعثر واضح في محاولات خفض التصعيد، فيما يتبنى المرشد الجديد موقفًا متشددًا رافضًا للعروض الوسيطة. وفي مثل هذه اللحظة، تحتاج السلطة إلى شخصيات تحمل رصيدًا تاريخيًا غير قابل للطعن داخل المعسكر الصلب. ورضائي يوفر هذا الرصيد بحكم موقعه القديم في الحرس وتاريخه في الحرب.
  • ثانيًا، لأن النظام فقد أو استُنزف جزء من رموزه الكبار، وآخرهم علي لاريجاني. وفي مثل هذه الأجواء، يصبح استدعاء رضائي رسالة طمأنة إلى الداخل المؤسسي؛ أن هناك، ما يزال، من الجيل القديم من يستطيع ملء الفراغات ونسج الصلات بين المراكز المختلفة.
  • ثالثًا، لأن رضائي ليس فقط رجل حرب، بل أيضًا رجل لغة انتقالية. فهو محافظ، نعم، لكنه ليس من النوع الذي يغلق كل الأبواب من حيث المبدأ. وقد سمح له موقعه الطويل في مجمع تشخيص مصلحة النظام بأن يظل على صلة بطبقات متعددة داخل النخبة، بما في ذلك المحافظون البراغماتيون، وبعض من يمكن وصفهم بالمعتدلين المؤسساتيين. هذا لا يعني، بالضرورة، أنه جسر طبيعي مع الإصلاحيين أو مع الشارع الغاضب، لكنه قد يكون جزءًا من آلية أوسع إذا قرر النظام لاحقًا أن يمزج بين التشدد الأمني والتنفيس السياسي.

ماذا عن الإصلاحيين والمعتدلين؟ وهل يستطيع أن يكون جزءًا من عقد اجتماعي جديد؟

غير أن أي قراءة جادة لعودة محسن رضائي لا تكتمل من دون التوقف عند سؤال بالغ الحساسية: ما موقعه من الإصلاحيين والمعتدلين، وما حدود قدرته على أن يكون جزءًا من مسار أوسع لإعادة صياغة العلاقة بين النظام والمجتمع؟ فالأزمة الإيرانية الراهنة ليست أزمة حرب خارجية فحسب، بل هي أيضًا أزمة ثقة داخلية متراكمة، صنعتها سنوات من التدهور الاقتصادي، والانغلاق السياسي، واتساع الفجوة بين الدولة وقطاعات واسعة من المجتمع الإيراني، بما في ذلك فئات لم تعد ترى في الخطاب الثوري التقليدي جوابًا كافيًا عن أسئلتها اليومية والوجودية.

من هنا، فإن أي حديث عن عبور آمن لا يمكن أن يظل حبيس المقاربة الأمنية، مهما كانت ضرورتها في لحظة الحرب، بل يقتضي، عاجلًا أو آجلًا، بحثًا جديًا عن صيغة سياسية جديدة تخفف من حدة القطيعة، وتفتح الباب أمام نوع من العقد الاجتماعي المعدل بين السلطة والمجتمع.

وفي هذا السياق، لا يبدو محسن رضائي خصمًا شخصيًا حادًا للإصلاحيين والمعتدلين بالمعنى الذي مثلته بعض الشخصيات الأمنية أو العقائدية الأكثر تصلبًا، لكنه أيضًا ليس واحدًا منهم، ولا يحمل “خيالهم السياسي”، ولا يمثل لغتهم في الحكم. إنه أقرب إلى رجل من داخل البنية الصلبة، يعرف كيف يتحدث مع أطراف متعددة في النخبة، لكنه يظل، في نهاية المطاف، ابن النظام أكثر من كونه جسرًا مستقلًا إلى خارجه. ومع ذلك، فإن مساره الطويل في مجمع تشخيص مصلحة النظام، وعلاقاته الممتدة مع شخصيات من أنماط مختلفة، يمنحانه قابلية خاصة لأن يكون جزءًا من تسوية داخلية بين المحافظين البراغماتيين وبعض وجوه الاعتدال المؤسساتي. ومن هنا، يمكن فهم اسمه، لا باعتباره مدخلًا تلقائيًا إلى عودة إصلاحية كبرى، بل باعتباره أحد الرجال الذين قد يُستفاد منهم إذا قررت الدولة توسيع هامش الحركة والإنصات، وإشراك بعض الأصوات التي أُبعدت أو هُمِّشت في السنوات الأخيرة.

وهنا تبرز أسماء مثل محمد جواد ظريف وحسن روحاني ومحمد خاتمي ومهدي كروبي بوصفها رموزًا، بدرجات متفاوتة، لتيارات أو حساسيات لا يزال جزء من المجتمع الإيراني يرى فيها تعبيرًا عن إمكان آخر غير الانغلاق المحض. ولا أقصد هنا أن رضائي يستطيع أن يعيد هؤلاء إلى قلب المشهد، أو أن وجوده يساوي تلقائيًا مصالحة بين الدولة والإصلاحيين، فذلك أبعد من قدرته وأبعد من طبيعة موقعه. لكن وجود شخصية مثله، تجمع بين الشرعية الثورية القديمة والبراغماتية المؤسسية، قد يجعلها صالحة للمشاركة في ترتيب ممر داخلي يخفف من حدة الاستقطاب، ويمنح النظام فرصة للتفكير في إعادة ترميم نفسه، لا بالقوة وحدها، بل بمقدار محسوب من الانفتاح والتكيّف.

 والحقيقة أن النظام، إذا أراد حقًا إنقاذ ما تبقى من تماسكه، لن يكون قادرًا على الاكتفاء برجال الحرب فقط؛ إذ لا بد، في مرحلة ما، من فسح المجال أمام رجال السياسة، والدبلوماسية، والتسوية، لأن المجتمعات لا تُحكم إلى ما لا نهاية بمنطق التعبئة الدائمة.

ومع ذلك، ينبغي الحذر من المبالغة. فمحسن رضائي، مهما اتسعت علاقاته، لا يمثل بذاته مشروع مصالحة وطنية، ولا يملك وحده أن ينتج عقدًا اجتماعيًا جديدًا. وأقصى ما يمكن قوله إنه قد يكون جزءًا من بنية انتقالية تسمح للنظام، إن أراد، بأن ينتقل من منطق النجاة العسكرية إلى منطق التهدئة السياسية. أما تحقيق هذا الانتقال نفسه، فيبقى مرهونًا بإرادة أعلى من الرجل، وباستعداد حقيقي داخل مركز القرار للاعتراف بأن الدولة لا تنجو بالحرب وحدها، وأن الشرعية في الداخل لا يعاد إنتاجها بالشعارات القديمة فقط، بل أيضًا بقدر من الإصلاح، والتمثيل، والمرونة، وإعادة فتح المجال العام أمام وجوه وشخصيات ما تزال، رغم كل شيء، قادرة على مخاطبة شرائح من الإيرانيين الغاضبين أو المحبطين أو المتوجسين من المستقبل.

بين “كأس السم” والأزمة الراهنة

في السردية الإيرانية المتداولة منذ سنوات، كثيرًا ما يُذكر اسم محسن رضائي عند الحديث عن الأيام الأخيرة من الحرب العراقية الإيرانية، وحين اضطرت القيادة الإيرانية إلى قبول القرار 598، في ما وصفه الخميني آنذاك بـ“تجرع كأس السم”. والمؤكد تاريخيًا أن القيادة الإيرانية قبلت وقف الحرب تحت ضغط الاستنزاف العسكري والاقتصادي، وأن تقديرات القادة العسكريين بشأن الكلفة والقدرة والموارد كانت من العوامل الحاسمة في تلك اللحظة.

كما تُنسب إلى رضائي نفسه، في الأدبيات الإيرانية، مذكرات وتقييمات عسكرية أظهرت حجم الموارد والوقت المطلوبين إذا أُريد مواصلة الحرب بشروط النصر، وهو ما ساعد في كشف حدود القدرة الفعلية للدولة. وهو كان أحد الأصوات العسكرية المؤثرة في لحظة الإدراك المؤلم لاستحالة الاستمرار بالكلفة نفسها.

ومن هنا، تبرز جاذبية المقارنة مع اللحظة الراهنة. هل يعود رضائي اليوم لكي يكون رجل الحسم العسكري؟ أم رجل الخروج من الحرب؟

حتى الآن، لا تسمح الوقائع الظاهرة بالجزم بأنه عاد لتمهيد تسوية. بل إن المواقف المنقولة عن القيادة الإيرانية الجديدة تبدو أكثر ميلًا إلى التشدد ورفض خفض التصعيد. لكن قيمة رضائي تكمن في أنه، إن وصل النظام إلى قناعة بأن النجاة تقتضي انعطافة مؤلمة، فإنه من القلائل القادرين على تقديم الواقعية بلغة الثورة، لا بلغة الانكسار. وهذه ميزة نادرة؛ فالدول لا تخرج من حروبها الكبرى على أيدي الشعراء، بل غالبًا على أيدي رجال يعرفون ثمن الاستمرار وثمن التراجع معًا.

وبوضوح؛

محسن رضائي ليس منقذًا سحريًا، وليس الرجل الذي يستطيع وحده إعادة بناء العقد الاجتماعي الإيراني أو معالجة هوة الثقة بين الدولة والمجتمع. إن أقصى ما يستطيع فعله هو أن يكون أداة من أدوات العبور إذا قرر النظام أصلًا أن العبور أصبح أولوية. أما إذا بقي القرار الأعلى أسير منطق الحرب المفتوحة والإنكار السياسي، فلن يغير رضائي وحده شيئًا جوهريًا.

وتكمن فرصه الحقيقية في ثلاثة أمور؛

  • أنه يملك شرعية تاريخية داخل معسكر الثورة والحرس.
  • وأنه يملك تكوينًا اقتصاديًا وإداريًا يجعله قادرًا على التفكير بلغة الكلفة لا بلغة الحماسة وحدها.
  • وأنه يملك شبكة علاقات مؤسسية ممتدة، تجعله مناسبًا للأدوار الانتقالية أكثر من الأدوار التعبوية الصرف.

أما حدوده فهي واضحة كذلك؛ فهو ليس صاحب كاريزما شعبية واسعة. وليس وجهًا إصلاحيًا يمكن أن يرمز وحده إلى مصالحة جديدة مع المجتمع.

وليس، في نهاية المطاف، صاحب القرار النهائي في نظام ما تزال فيه الكلمة العليا للمرشد، ولشبكات القوة الأشد صلابة من حوله.

وإذا أردنا تقييم عودته اليوم بعبارة مكثفة، فيمكن القول إن النظام الإيراني لا يعود إلى محسن رضائي لأنه يمثل المستقبل، بل لأنه يمثل الذاكرة الأكثر صلابة حين يضطرب الحاضر. إنها ورقة قديمة، نعم، لكنها ليست ورقة مهترئة. إنها ورقة من زمن الحرب الأولى، أعيد إخراجها لأن الجمهورية الإسلامية تشعر أنها دخلت حربًا من طراز وجودي، وأنها بحاجة إلى رجل يفهم من الداخل معنى أن تقاتل الدولة كي لا تنهار، ومعنى أن تتراجع الدولة كي لا تفنى.

وفي هذا المعنى، لا يرمز تعيينه فقط إلى عودة شخص، بل إلى عودة منطق كامل في الحكم؛ منطق الاحتماء برجال التأسيس حين تضيق الخيارات. وهو منطق يدل، في آن واحد، على قوة النظام وضعفه؛ قوته لأنه ما يزال يمتلك رجالًا من الطراز الثقيل يمكن استدعاؤهم في اللحظات العصيبة؛ وضعفه لأنه، بعد سبعة وأربعين عامًا، ما يزال يعود في أزماته الكبرى إلى الجيل نفسه تقريبًا، كأن شرعيته الأعمق ما تزال كامنة في ماضيه أكثر من مستقبل نجح في بنائه.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان محسن رضائي مهمًا، فهو مهم بلا شك، بل ما إذا كان النظام الذي استدعاه مستعدًا لأن يستخدم خبرته من أجل إدارة البقاء فقط، أم من أجل فتح انتقال سياسي أقل كلفة وأكثر عقلانية.

فإن كان المطلوب مجرد شد العصب وحماية المركز، فإن رضائي رجل مناسب.

أما إن كان المطلوب إنقاذ ما تبقى من الدولة، وتهدئة الداخل، وإعادة تعريف العلاقة مع المجتمع، فسيبقى مجرد جزء من الحل، لا الحل نفسه.

زر الذهاب إلى الأعلى