السياسة في المسرح والدراما الأردنية: أزمة منظومة الإنتاج وحدود التعبير

- يتقدم مشروع التحديث السياسي في الأردن، فيما تتراجع قدرة المسرح والدراما على تحويل التحولات السياسية والاجتماعية إلى نقاش مجتمعي مستمر.
- يحمل العمل الفني مضمونًا سياسيًا حين يناقش علاقات القوة والفساد والبطالة والحريات وعلاقة المواطن بالمؤسسات، حتى دون تناول شخصيات سياسية مباشرة.
- يرتبط تراجع المسرح والدراما الأردنية باختلالات متداخلة في التمويل والإنتاج والتوزيع والحماية القانونية، ما يحدّ من استمرارية الأعمال الفنية وقدرتها على الوصول إلى الجمهور.
- تدفع المخاوف القانونية والاجتماعية والتجارية بعض المنتجين والفنانين إلى استبعاد موضوعات وشخصيات حساسة قبل وصول الأعمال إلى مرحلة الإنتاج.
- أسهم الاعتماد على المنح المتقطعة والمهرجانات الموسمية في تكريس نموذج إنتاج محدود الاستمرارية، يعجز عن بناء مواسم عرض منتظمة وعلاقة مستدامة مع الجمهور.
- نجح الأردن في تطوير حوافز لاستقطاب الإنتاج السينمائي، فيما يحتاج بناء صناعة درامية وطنية إلى استثمارات موازية في النصوص والإنتاج المحلي والتوزيع.
- تظل محطات التاريخ الأردني وتحولات المجتمع المعاصر بحاجة إلى معالجات درامية أوسع، تستند إلى البحث والأرشيف وتتيح للفنانين استقلالية التأويل وتعدد الروايات.
- يحدّ ضعف التنسيق والتمثيل المهني بين العاملين في المسرح والدراما من قدرتهم على صياغة مطالب مشتركة والتأثير في السياسات الثقافية والتشريعية.
- تشير تجارب العروض الشعبية والمسرحية إلى استمرار تفاعل شرائح من الجمهور مع الأعمال القريبة من قضاياها، ما يبرز أهمية مواسم العرض المنتظمة والتوسع خارج العاصمة.
- تتمثل أولوية الإصلاح في توفير تمويل مستدام وشفاف، وحماية حرية التعبير، وتفعيل دور التلفزيون الأردني، وتطوير الإنتاج والتوزيع، وتعزيز استقلالية القطاع الفني ومساءلة المؤسسات الثقافية.
ملخص تنفيذي
تتناول هذه الورقة تراجع حضور القضايا السياسية والاجتماعية في المسرح والدراما الأردنية، في سياق تتقدم فيه مشاريع التحديث السياسي والاقتصادي، وتتزايد الحاجة إلى إنتاج ثقافي قادر على مواكبة التحولات التي يشهدها المجتمع والتعبير عنها. وتنطلق الورقة من أن حضور السياسة في العمل الفني يتجاوز تناول الأحزاب والانتخابات والشخصيات الرسمية، ليشمل علاقة المواطن بالمؤسسات، وقضايا الفساد والبطالة والحريات والهوية والعدالة الاجتماعية، وكيفية تمثيل هذه القضايا في السردية الوطنية. وتبحث في الأسباب التي أضعفت قدرة القطاع الفني الأردني على إنتاج أعمال تتناول هذه الموضوعات بصورة منتظمة، بالاستناد إلى نقاشات جلسة «أين اختفت السياسة عن الدراما والمسرح في الأردن؟»، والشواهد التاريخية والمؤسسية والاقتصادية المتاحة.
تخلص الورقة إلى أن تراجع المسرح والدراما يرتبط بتفاعل مجموعة من الاختلالات البنيوية، أبرزها ضعف التمويل المستدام، وتراجع التكليف والإنتاج المحلي، ومحدودية قنوات العرض والتوزيع، وارتفاع المخاطر التجارية، والقيود القانونية والإدارية والمجتمعية المؤثرة في حرية التعبير، إلى جانب تشتت التمثيل المهني وضعف التنسيق بين المؤسسات المعنية. كما تكشف عن فجوة بين السياسات المحفزة لاستقطاب الإنتاج السينمائي والاستثمار المؤسسي في تطوير النصوص والأعمال الدرامية الأردنية، وعن محدودية تحويل التاريخ الوطني والتحولات الاجتماعية المعاصرة إلى إنتاج فني متراكم. وتشير الشواهد المتاحة إلى استمرار اهتمام شرائح من الجمهور بالأعمال القريبة من قضاياه، مع الحاجة إلى بيانات أكثر انتظامًا لقياس حجم هذا الاهتمام وتوزيعه.
وتناقش الورقة أربعة مسارات للتعامل مع هذا الواقع، تشمل استمرار نموذج المنح والمهرجانات، وتوسيع الإنتاج الرسمي المباشر، وتعزيز الاعتماد على السوق، وتمكين القطاع الفني المستقل من خلال تمويل تنافسي وضمانات مؤسسية. وتبرز أهمية تطوير نموذج يجمع بين مسؤولية الدولة عن توفير الموارد والبنية التحتية والحماية القانونية، واستقلالية الفنانين والمنتجين في اختيار المضامين وتنفيذ الأعمال، مع بناء منظومة عرض وتوزيع قادرة على الوصول إلى الجمهور في مختلف المحافظات.
وتقترح الورقة برنامجًا تدريجيًا لإعادة بناء القطاع، يبدأ بإعداد قاعدة بيانات شاملة ومراجعة أدوات التمويل القائمة، ويمتد إلى إنشاء آلية تمويل مستقلة ومتعددة السنوات، وتفعيل دور التلفزيون الأردني في التكليف والإنتاج، وتطوير مواسم عرض منتظمة، ومراجعة البيئة القانونية، وتعزيز التنظيم المهني وبرامج تطوير النصوص. وتؤكد أن استعادة الدور السياسي والاجتماعي للمسرح والدراما ترتبط بقدرة السياسة الثقافية على بناء دورة إنتاج متكاملة، تحفظ الاستقلال الفني، وتوسع المشاركة المجتمعية، وتحوّل الاستثمار في الثقافة إلى رافعة لتطوير المجال العام والصناعات الإبداعية والحضور الثقافي الأردني.
المقدمة
يتقدّم في الأردن خطاب رسمي يضع التحديث السياسي وبناء المواطنة في صدارة أولوياته، في وقت تراجعت فيه قدرة المسرح والدراما على تقديم معالجة فنية متصلة للتحولات السياسية والاجتماعية التي يعيشها المجتمع. وتكشف هذه المفارقة عن فجوة بين طموح التحديث في الخطاب العام، والأدوات الثقافية القادرة على تحويله إلى نقاش مجتمعي حيّ. فالقضايا التي تشغل الأردنيين، من البطالة والفساد والبيروقراطية إلى العنف والتطرف والقضية الفلسطينية، ما تزال حاضرة في المجال العام، فيما تقلّصت المساحة التي تعالجها فيها الأعمال المسرحية والدرامية معالجةً تتجاوز التناول العابر أو الكوميديا الظرفية.
تستدعي هذه الفجوة مراجعة شروط إنتاج الفن السياسي في الأردن، بدل اختزال النقاش في سؤال صمت الفنان أو تراجع جرأته. فالمسألة تتصل بقدرة المنظومة الثقافية على تمويل الأعمال، وإنتاجها، وإيصالها إلى الجمهور، وحماية استقلالية صانعيها. ومن ثمّ، فإن تراجع السياسة على الخشبة والشاشة يُقرأ بوصفه مؤشرًا على اختلال العلاقة بين الثقافة والمؤسسات العامة والسوق والجمهور، وعلى ضعف الأدوات التي تحوّل القضايا العامة إلى إنتاج فني متراكم.
والسؤال المطروح ليس ما إذا كانت الأحزاب والانتخابات تظهر في الأعمال الفنية، فالسياسيّ هنا أوسع: علاقة المواطن بالمؤسسة، والفساد والبيروقراطية، والعمل والبطالة والطلاق والعنوسة، والفضاء العام، والحساسيات الاجتماعية والدينية، وصورة الدولة وتاريخها. يصبح العملُ سياسياً حين يُثير التفكير في علاقات القوة وأنماط السلوك وإدارة الحياة المشتركة، حتى لو لم يُسمِّ مسؤولاً أو حزباً بعينه.
تعتمد هذه الورقة تعريفًا إجرائيًا للسياسة في المسرح والدراما، ينطلق من كيفية معالجة العمل الفني لعلاقات القوة، وعلاقة الفرد بالمؤسسات العامة، وتوزيع الموارد والفرص، وحدود الحرية والمشاركة والمساءلة. وبموجب هذا التعريف، قد يحمل العمل الاجتماعي مضمونًا سياسيًا حين يكشف آليات السلطة أو آثار السياسات العامة في حياة الناس، فيما لا يكفي ظهور مسؤول أو حزب أو مؤسسة رسمية في العمل لاعتباره معالجة سياسية بالضرورة. ويتيح هذا التمييز تقييم حضور السياسة من خلال طبيعة المعالجة الفنية وعمقها، بدل الاكتفاء بعدّ الموضوعات أو الشخصيات السياسية الظاهرة.
وبهذا المعنى لم تختفِ السياسة اختفاءً تامّاً؛ الذي اختفى هو المشروع المتّصل الذي يراكم الإنتاج ويكوّن الجمهور ويجدّد المهنة. اختفاءٌ قسريٌّ في جانبٍ منه، وغيابٌ مُبرَّرٌ في جانبه الآخر.
ولا تنضج ثقافةٌ سياسيةٌ بمعزلٍ عن سياساتٍ ثقافية تمرّ عبر الفن والمسرح والشاشتين الصغيرة والكبيرة، فالمسرح والدراما يصنعان اللغة التي يرى بها المجتمع نفسه، ويتيحان اختبار الأفكار والقيم بعيداً عن الخطاب الرسمي. والسردية، حين تُصنع، تصنعها الدراما والمسرح لا مقاطع “الريلز”.
تنطلق الورقة من سؤال محدد: ما العوامل التي أضعفت قدرة المسرح والدراما الأردنية على إنتاج معالجة سياسية واجتماعية مستمرة، رغم استمرار الطلب المجتمعي على مناقشة القضايا العامة؟ وتبحث في تفاعل خمسة عوامل رئيسية: شروط التمويل والإنتاج، ومساحة التعبير والحماية القانونية، وسياسات التكليف والعرض والتوزيع، والقدرة التنظيمية للقطاع الفني، وعلاقة المؤسسات الثقافية بالجمهور. وتهدف إلى تحديد مواضع الخلل التي يمكن لصانع القرار معالجتها، والتمييز بين التدخلات التي تعالج أعراض التراجع وتلك التي تعيد بناء شروط الاستمرارية.
منهجيًا، تستند هذه الورقة إلى نقاشات جلسة “أين اختفت السياسة عن الدراما والمسرح في الأردن؟”، وتعيد تنظيم القضايا التي طرحتها ضمن إطار لتحليل منظومة الإنتاج الثقافي وعلاقتها بالسياسات العامة. ويجمع التحليل بين الملاحظات المهنية التي يتيحها النقاش، والشواهد التاريخية والمؤسسية والاقتصادية الواردة في الورقة، بهدف تحديد آليات التراجع ومجالات التدخل الممكنة. وتُستخدم الأمثلة الواردة لتفسير أنماط الخلل وتوضيحها، مع التمييز بين الشهادة المهنية والمؤشر القابل للتحقق والتعميم على مستوى القطاع. وبذلك، تمثل النتائج تقديرًا سياساتيًا يستند إلى النقاش والشواهد المتاحة، وتظل بعض الاستنتاجات بحاجة إلى بيانات قطاعية أكثر انتظامًا للتحقق من نطاقها وحجمها.
من العقد غير المكتوب إلى الرقابة الوقائية
وُلد المسرح الأردني في تماسٍّ مباشرٍ مع السياسة مطلع القرن العشرين: تقسيماتٌ جغرافية جديدة، وهجراتٌ، وصراعٌ على هوية المنطقة. قدّم روكس بن زائد العزيزي مسرحيةً عن صلاح الدين الأيوبي في فضاءٍ كنسيّ، في دلالةٍ على وطنيةٍ تتقدّم على الانقسام الاجتماعي والديني، وتلتها أعمالٌ عن الجزائر في الخمسينيات وعن فلسطين. وفي عام 1936 كان فريق إنتاجٍ مسرحيّ يعمل في قصر الملك عبدالله الأول؛ أي أنّ العلاقة بين الفن والدولة بدأت شراكةً لا رقابة.
مثّلت الثمانينيات مرحلة اتساع في حضور الدراما الأردنية عربيًا، مستندة إلى قدرة إنتاجية مؤسسية وإلى شبكة من الفنانين والكتّاب والمخرجين الذين أسهموا في تشكيل هوية فنية محلية. وفي المسرح، أتاحت العلاقة مع الجمهور الأردني مساحة لنقد الفساد والسياسات العامة والعادات الاجتماعية، من خلال تجارب ارتبطت بأسماء مثل نبيل صوالحة وهشام يانس وموسى حجازين. وقد تشكّل في تلك المرحلة نمط من التفاعل بين المؤسسة المنتجة والسلطة والجمهور، أتاح هامشًا للنقد ضمن حدود لم تكن دائمًا معلنة أو ثابتة.
ومع مطلع التسعينيات، واجهت الدراما الأردنية تحولات في السوق الإقليمية، تزامنت مع تداعيات أزمة الخليج عام 1990 وتغير أنماط التمويل والتوزيع، ومع انتقال جزء من مركز الإنتاج العربي إلى سوريا. وتستدعي هذه المرحلة التمييز بين تراجع القدرة الإنتاجية المحلية، وتراجع حضور العمل الأردني في السوق العربية، وتبدل شروط الوصول إلى التمويل والتوزيع. أما المسرح، الذي ارتبط بدرجة أكبر بالجمهور المحلي وشباك التذاكر، فقد استفاد من استمرار الطلب على العروض السياسية والاجتماعية خلال التسعينيات. وتكشف المقارنة بين المسارين عن اختلاف في مصادر التمويل والاستدامة، وهو اختلاف ينبغي أخذه في الحسبان عند تفسير التحولات اللاحقة.
وتكمن أهمية هذه المرحلة في أنها تكشف عن اختلاف شروط الاستدامة بين الدراما التلفزيونية والمسرح. فالدراما تعتمد على قدرة إنتاجية وتمويلية تتيح لها دخول السوق والتوزيع خارج الحدود، بينما يرتبط المسرح بدرجة أكبر باستمرار العرض وبناء علاقة مباشرة ومتكررة مع الجمهور. ولذلك، فإن تراجع المسارين لا يُفسّر بعامل واحد، كما أن استعادة حضورهما تتطلب سياسات تراعي اختلاف بنيتهما الاقتصادية والمؤسسية، بدل التعامل معهما بوصفهما قطاعًا إنتاجيًا متجانسًا.
مع مطلع الألفية، اتسع حضور المهرجانات والمنح بوصفها إحدى قنوات دعم الإنتاج المسرحي، لكن هذا النمط من التمويل لم يضمن بالضرورة بناء مواسم عرض منتظمة أو علاقة مستمرة مع الجمهور. وتظهر المشكلة حين يصبح الحصول على المنحة أو المشاركة في المهرجان غاية إنتاجية قائمة بذاتها، من دون مسار واضح لإعادة العرض أو التوزيع أو استرداد جزء من الكلفة. فالمهرجان يؤدي وظيفة مهمة في اكتشاف الأعمال وتوفير المنصات الفنية، لكنه لا يعوّض بمفرده غياب شبكة عرض مستدامة. ويقتضي تقييم أثر هذا التحول التمييز بين قيمة المهرجانات الفنية، وبين محدودية قدرتها على بناء سوق مسرحية متصلة حين تنفصل عن مواسم العرض والتسويق والتجوال.
تزامن تراجع هامش التعبير مع اتساع القيود الإدارية والقانونية والاجتماعية التي تؤثر في قرارات الإنتاج والعرض. وخلال السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد عام 2015 وجائحة كورونا، أصبحت كلفة التعامل مع الموضوعات الحساسة عنصرًا حاضرًا في حسابات بعض الفنانين والمنتجين، سواء بفعل القيود المفروضة على التجمع والعرض، أو الخشية من المساءلة، أو احتمالات حملات الاعتراض المجتمعي والرقمي. وفي هذه البيئة، قد تتشكل الرقابة الذاتية قبل كتابة النص أو تمويله، حين يستبعد المنتج موضوعًا أو شخصية أو معالجة يتوقع أن تثير اعتراضًا أو تعرض العمل للخسارة. [1]
ويقتضي فهم هذا المسار التمييز بين المنع الرسمي، والقيود الإدارية، والقلق القانوني، والضغط المجتمعي، والمخاوف التجارية؛ فهذه الآليات تتفاوت في طبيعتها وأثرها، وتحتاج إلى استجابات مختلفة. ويظل قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2023 أحد المتغيرات القانونية التي تستدعي الفحص في هذا السياق، من خلال تحديد أثر أحكامه ذات الصلة في حرية التعبير والعمل الفني، بدل افتراض أن جميع أشكال الرقابة الذاتية تعود إلى مصدر واحد.
اقتصاد الإنتاج: حين تصبح المخاطرة ترفاً
ارتفعت كلفة الإنتاج بمعدّلاتٍ لا تقارَن بزمن الازدهار، وتؤثر بنية التمويل والتوزيع في نوع الأعمال التي يستطيع المنتج الأردني المخاطرة بإنتاجها. فالأعمال المحلية التي تعتمد على سوق صغيرة أو على فرص بيع خارجية محدودة تواجه صعوبة في استرداد كلفتها، خصوصًا حين تتناول قضايا سياسية أو اجتماعية شديدة الارتباط بالسياق الأردني. وفي المقابل، تميل حسابات الإنتاج التجاري إلى تفضيل الموضوعات التي يمكن تسويقها عبر أكثر من سوق، وتلك التي تنخفض فيها احتمالات الاعتراض أو تعطل التوزيع. وينشأ عن ذلك تفاوت في فرص إنتاج الأعمال؛ إذ تصبح المعالجة المحلية الأكثر خصوصية أكثر عرضة للاستبعاد من حسابات التمويل، حتى حين تمتلك قيمة فنية أو اجتماعية.
وتتضاعف هذه المشكلة حين تغيب قنوات التمويل المستدام، ويصبح الإنتاج معتمدًا على تكليف متقطع أو منحة قصيرة الأجل أو بيع غير مضمون. فالمنتج الذي يتحمل مخاطر التمويل والتوزيع وحده يملك حوافز محدودة للاستثمار في نصوص طويلة التطوير أو أعمال تحتاج إلى بحث وإنتاج مرتفع الكلفة. ومن ثمّ، فإن تراجع الإنتاج السياسي لا يرتبط فقط بحجم الموارد المتاحة، وإنما أيضًا بطريقة توزيع المخاطر بين الدولة والمنتج والموزع، وبوجود سوق عرض تسمح باسترداد الكلفة وبناء جمهور متكرر.
وتكشف الأرقام العامة خللاً في ترتيب الأولويات أكثر مما تكشف شحّاً في الموارد، فموازنة وزارة الثقافة لعام 2026 تبلغ نحو 12.5 مليون دينار بزيادةٍ قدرها 1.3 مليون دينار، تتوزّع على المكتبات والمراكز الثقافية والبرامج، ولا تكاد تترك بنداً حقيقياً للإنتاج المسرحي والدرامي. في المقابل، أقرّ مجلس الوزراء في أيار 2025 حزمة حوافزَ لصناعة الأفلام تصل إلى استردادٍ نقديٍّ بنسبة 45% من الإنفاق داخل المملكة، ورُفعت النسبة للإنتاجات المحلية التي تتجاوز نصف مليون دولار من 10% إلى 30%، مع توقّع استثمارٍ أجنبيٍّ مباشرٍ يتجاوز 32 مليون دولار سنوياً، بعد أن حقّقت الإنتاجات السينمائية العالمية عوائد تجاوزت 500 مليون دولار ونموّاً سياحياً بنحو 20%. أي أنّ الدولة تعرف كيف تبني حوافزَ للموقع التصويري، ولم تبنِ بعدُ حوافزَ للسردية.[2]
وثمة مشكلةٌ تشريعية تسبق المال، فغياب إطارٍ ناظمٍ للاستثمار في الفنون الأدائية والإنتاج الدرامي يُبقي رأس المال متخوّفاً ويحرم مدناً كبرى من بنيةٍ ثقافية؛ فمدينةٌ كالزرقاء يتجاوز سكانها المليون ونصف المليون تكاد تخلو من دور العرض. البنية التحتية الثقافية خدمةٌ حضرية واقتصادية لا زينة، والفن في الموازنة بندٌ استثماريٌّ لا هبةٌ ولا راتب.
أمّا التلفزيون الأردني فيقف في قلب المعادلة، قناةٌ حكومية واحدة في بلدٍ يملك جيرانه شبكاتٍ متخصّصة للأخبار والرياضة والمسلسلات، وهي قنواتٌ تتطلّب قراراً وخطة بثٍّ وتسويق أكثر مما تتطلّب ميزانيات. والمؤسسة التي أنتجت أربعة عشر مسلسلاً في زمن العَوَز لا تُقدِم اليوم على تكليفٍ منتظم، ولا تسوّق الدراما الأردنية. وفي رمضان 2026 قُدّمت ثمانية أعمالٍ أردنية غلب عليها الكوميديا الاجتماعية والدراما البدوية، وهو حضورٌ كمّيٌّ لا يعوّض غياب التكليف ذي الوظيفة العامة. والمقارنة الإقليمية قاسية: أجيالٌ عرفت الأردن عبر مسلسلاته التي كانت تُعرض في الكويت والخليج إلى جانب المصرية، فيما تجاوزته دولٌ بدأت انفتاحها الثقافي قبل سنواتٍ قليلة لأنها تعاملت مع الفن بوصفه استثماراً لا إنفاقاً استهلاكياً.[3]
وتكشف المقارنة بين حوافز صناعة الأفلام وأدوات دعم المسرح والدراما عن اختلاف في تصميم السياسة العامة تجاه الصناعات الإبداعية، فالحوافز المرتبطة بالإنفاق داخل المملكة يمكن أن تجذب إنتاجًا سينمائيًا وتدعم نشاطًا اقتصاديًا محليًا، لكنها لا تضمن تلقائيًا بناء صناعة درامية أردنية أو توسيع مساحة المعالجة السياسية والاجتماعية. ويتطلب ذلك أدوات مكمّلة تستهدف تطوير النصوص، وتمويل الإنتاج المحلي، وتوسيع فرص العرض والتوزيع، وبناء القدرات المهنية. ويكمن الفارق السياساتي في أن جذب الإنتاج إلى الموقع الجغرافي يعالج جانبًا من النشاط الاقتصادي، بينما يتطلب بناء صناعة سردية محلية الاستثمار في دورة إنتاج متكاملة تبدأ من تطوير النص وتنتهي بوصول العمل إلى جمهوره.
السردية الوطنية: من صناعة الرواية إلى ردّ الفعل
تظهر إحدى فجوات الإنتاج الدرامي الأردني في محدودية تحويل محطات التاريخ الوطني والتحولات السياسية الكبرى إلى أعمال فنية متكاملة، قادرة على الوصول إلى الجمهور المحلي والعربي. فالثورة العربية الكبرى، ومعركة الكرامة، وتجارب الجيش والمجتمع في التحولات الإقليمية، تمثل موضوعات ذات قيمة تاريخية وسياسية ودرامية، فيما ظل حضورها في الإنتاج التلفزيوني والمسرحي محدودًا قياسًا إلى إمكاناتها السردية. وتستدعي هذه الفجوة بحث أسبابها، بما في ذلك كلفة الإنتاج التاريخي، وصعوبة الوصول إلى الأرشيف، ومحدودية التكليف المؤسسي، والحساسيات المرتبطة بتمثيل التاريخ الوطني.
وتتجاوز المسألة نقص الأعمال التاريخية إلى طبيعة العلاقة بين الدولة والسردية الوطنية، فحين يغيب الاستثمار في البحث والأرشيف وتطوير النصوص، تظل الرواية الوطنية عرضة للتداول المجتزأ أو لإعادة إنتاجها من خارج السياق الأردني. وفي المقابل، فإن تحويل التاريخ إلى مادة درامية لا يتحقق بفرض رواية رسمية مكتملة على الفنان، وإنما بتهيئة شروط إنتاج تسمح بتعدد المعالجات، وتستند إلى مصادر تاريخية موثوقة، وتترك للعمل الفني استقلاليته في التأويل. وتزداد أهمية هذا التوجه حين يمتد الإنتاج إلى قضايا المجتمع المعاصر، بما فيها العمل والسكن والتعليم والهوية والتحولات الحضرية في عمّان والزرقاء وإربد والكرك ومعان.
الأمثلة المقابلة موجودة: مصر، وهي أول دولةٍ وقّعت سلاماً مع إسرائيل، لم تتوقّف عن إنتاج دراما سياسية: “الطريق إلى إيلات” صُوّر في الأردن، وأشرف مروان قُدِّم بطلاً رغم الجدل حول ازدواجية دوره، وأُنتجت أعمالٌ قوية عن الإرهاب والجماعات من أفلام عادل إمام إلى “المصير”، وصُنع من الرئيس بطلٌ قوميّ. وفي سوريا، قدّم دريد لحام في أول مهرجانٍ نقداً للسياسة العربية شمل حزب البعث نفسه، واستمرّ لأنه لم يُسمِّ أحداً بعينه. وفي الأردن أُنتج “باب العامود”، أول مسلسلٍ سياسيٍّ أردنيٍّ عن المقاومة، ثم تراجع المسار حتى بات مسلسل “القلعة” يُشاهَد على شاشةٍ خليجية لا على الشاشة الوطنية.
وتطرح واقعة شراء عمل درامي عن لورنس، وفق الرواية التي طُرحت في النقاش، سؤالًا عن العلاقة بين إدارة المخاطر السياسية في الإنتاج الثقافي، وبين توظيف الموارد العامة أو الخاصة في التأثير على تداول الأعمال. وإذا تأكدت تفاصيل هذه الواقعة، فإن دلالتها تتجاوز مصير عمل بعينه إلى نمط من التعامل مع السرديات المختلف عليها، حيث قد تُستخدم القدرة المالية لحجب رواية بدل الاستثمار في إنتاج روايات وطنية متعددة. وتبرز هنا أهمية توثيق شروط الصفقة، والجهة التي اشترت العمل، والغرض المعلن من الشراء، قبل اعتمادها دليلًا على نمط مؤسسي مستقر.
لكنّ الحل ليس أن تُسلِّم الدولة الفنانَ سرديةً جاهزة، فالسردية تُبنى من المجتمع ومن تعدّد الروايات، والفنان ليس موظّفاً لتجميل التاريخ. المخرج هو التمييز بين تمويل البحث والإنتاج المتعلّق بالتاريخ الوطني وبين فرض نتيجةٍ على النص: تفتح الدولة الأرشيف، وتموّل البحث، وتُسهّل الوصول إلى المواقع والخبراء، وتطلق دعواتٍ تنافسية، ويبقى التأويل الفنيّ مستقلاً وقابلاً للنقد. كما أنّ السردية لا تبقى ريفيةً تراثيةً فحسب؛ فالأجيال الجديدة تعيش في المدن وتحمل أسئلةً عن العمل والسكن والتعليم والهوية، وتحتاج دراما ترى عمّان والزرقاء وإربد والكرك ومعان كما هي اليوم.[4]
القطاع نفسه: تشتّتٌ ومسؤوليةٌ داخلية
تتوزع المسؤولية عن واقع المسرح والدراما الأردنية بين مؤسسات الدولة والقطاع الفني نفسه، في ظل بنية مهنية تتسم بتعدد الجهات وتفاوت المصالح وضعف التنسيق. فالمسرحيون والدراميون والعاملون في التلفزيون الأردني والقنوات الخاصة والمسارح المستقلة والهيئة الملكية للأفلام يعملون ضمن شروط تمويل وإنتاج وتوزيع مختلفة، ولا تجمعهم بالضرورة آلية تمثيل قادرة على بلورة مطالب مشتركة والتفاوض بشأنها. ويحدّ هذا التشتت من قدرة القطاع على تحويل مشكلاته المهنية إلى مقترحات تشريعية ومالية واضحة، ويضعف حضوره في النقاشات المتعلقة بالتحديث السياسي والاقتصادي.
وتبرز هنا مسؤولية التنظيم المهني في بناء تمثيل أوسع للقطاع، يشمل الكتّاب والمخرجين والممثلين والفنيين والمستقلين، ويستطيع التمييز بين المطالب المهنية العامة والمصالح الخاصة بكل فئة. كما تتصل المسؤولية الداخلية بتطوير النصوص، واحترام الحقوق الفكرية، وتحسين شروط التعاقد والإنتاج، وبناء قدرات التسويق والتوزيع. ويقتضي هذا التشخيص الاعتراف بأن بعض جوانب التراجع ترتبط بضعف القدرات المهنية والمؤسسية، فيما تتصل جوانب أخرى ببيئة التمويل والتعبير والحماية التي يعمل ضمنها الفنانون.
وعليه، فإن بناء قطاع فني أكثر قدرة على التأثير يتطلب مسارين متوازيين: تنظيمًا مهنيًا قادرًا على تمثيل العاملين ومساءلة المؤسسات، وسياسة عامة تهيئ الموارد والحرية والبنية التحتية. وتستطيع نقابة الفنانين، بالتعاون مع المؤسسات الثقافية والمستقلة، أن تؤدي دورًا محوريًا في هذا المسار، شريطة أن يتجاوز عملها إدارة الشؤون المهنية المباشرة إلى المناصرة، وتطوير السياسات، وبناء شراكات إنتاج وعرض مستدامة.
الجمهور لم ينسحب
تشير الأمثلة الواردة في النقاش، من استمرار بعض العروض الشعبية، وعودة أعمال مسرحية قديمة إلى الخشبة، إلى وجود شرائح من الجمهور ما تزال تتفاعل مع المسرح حين تتاح لها أعمال قريبة من اهتماماتها وقادرة على الوصول إليها. وتدعو هذه المؤشرات إلى مراجعة التفسير الذي يعزو تراجع المسرح إلى انصراف الجمهور وحده، لكنها لا تكفي بمفردها لإثبات استمرار الطلب بالحجم نفسه أو لدى الفئات الاجتماعية والجغرافية المختلفة.
وتكمن المسألة في قدرة منظومة العرض على تحويل الاهتمام المتقطع إلى علاقة مستمرة بين العمل والجمهور: فعدد العروض، وانتظام المواسم، وأسعار التذاكر، ومواقع المسارح، والتسويق، وإمكان الوصول إلى المحافظات، كلها عوامل تؤثر في حجم الحضور واستمراره. كما أن نجاح عمل شعبي أو مسرحية بعينها لا يثبت وجود سوق مستقرة للقطاع بأكمله، لكنه يقدم نقطة انطلاق لاختبار إمكانات بناء هذه السوق، من خلال بيانات الحضور والإيرادات وتكرار العروض والتوزيع الجغرافي للجمهور.
ويقتضي ذلك التعامل مع الجمهور بوصفه عنصرًا في تصميم السياسة الثقافية، لا مجرد متلقٍ لنتائجها. فاستعادة الجمهور تتطلب معرفة أنماط حضوره، والفئات التي لا تصل إلى العروض، والعوامل التي تؤثر في قرارات المشاهدة، ثم ربط الدعم العام ببرامج عرض منتظمة، وتسويق مناسب، وتوزيع جغرافي أوسع. وبهذا المعنى، يصبح قياس الوصول إلى الجمهور جزءًا من تقييم السياسة الثقافية، إلى جانب عدد الأعمال المنتجة وقيمتها الفنية.
والمسرح السياسي ليس نقداً وسخريةً فحسب؛ إنه أيضاً مناقشة قضايا المجتمع وسلوكه وعاداته. وقد أثبتت تجربة المجلس الوطني للمسرح، القائم منذ عام 1987، أنّ تكرار العرض عشرات ومئات المرّات حول موضوعاتٍ كالشرف والتطرّف والعنف يحوّلها إلى نقاشٍ مجتمعيٍّ متراكم لا تحقّقه الفعالية الواحدة. وهنا يستعاد مفهوم “مسرح المضطهدين” لدى أوغستو بوال: مسرحٌ يقرّب الخشبة من فئاتٍ لا تصل إليها عادةً، فيتحوّل الجمهور من متلقٍّ سلبيٍّ إلى طرفٍ يفكّر ويجادل. واستعادة الجمهور مؤشرٌ سياسيٌّ بحدّ ذاته؛ فمن يستعيد الجمهور يستعيد السياسة.
أمّا المدرسة فهي المدخل الأبعد أثراً، أدّى التضييق ذو الطابع الديني على الفنون والموسيقى في التربية والتعليم إلى تعتيمٍ طويل، ثم جاءت نقلةٌ قبل نحو عشر سنواتٍ بتخصيص حصّتَي نشاطٍ أسبوعياً تتضمّنان مسرحاً ودراما وفنوناً، غير أنّ التجربة تفتقر إلى الديمومة والمدرّبين المؤهّلين. والفن في المدرسة أداة تربيةٍ مدنيةٍ ومواجهةٍ للتطرّف والعنف، ومثله البلديات والمراكز الثقافية ومؤسسات المجتمع المدني بوصفها منصّاتٍ للوصول خارج عمّان.
الخلاف حول دور الدولة وحدوده
يتصل الخلاف حول دور الدولة في المسرح والدراما بسؤالين متداخلين: من يتحمل كلفة إنتاج الفن بوصفه منفعة عامة، ومن يملك سلطة تحديد مضمونه؟ فالاتجاه الذي يدعو إلى توسيع التمويل العام ينطلق من أن السوق وحدها قد تعجز عن تمويل أعمال مرتفعة الكلفة أو محدودة العائد التجاري، خصوصًا حين تتناول قضايا محلية أو تاريخية. وفي المقابل، يحذّر اتجاه آخر من أن ارتباط الإنتاج بالمؤسسات الرسمية قد يضيّق استقلالية الفنان، ويحوّل التمويل إلى أداة للتوجيه أو الاستبعاد. ويتركز الخلاف كذلك حول مدى مسؤولية القطاع نفسه عن ضعف الجودة، وحول جدوى إنشاء مؤسسات جديدة مقارنة بإصلاح المؤسسات القائمة.
وتتيح هذه الخلافات تحديدًا أدق لمشكلة السياسة العامة، فالتمويل العام لا يستلزم بالضرورة الإنتاج الحكومي المباشر، كما أن استقلالية الإنتاج لا تعني ترك القطاع لمخاطر السوق وحدها. ويمكن تصميم نموذج يفصل بين الجهة الممولة والجهة التي تختار الأعمال، ويعتمد معايير معلنة ولجانًا مستقلة، ويتيح التظلم والمساءلة، مع حماية حقوق الفنانين واستقلالية النص. ويصبح دور الدولة في هذا النموذج توفير الموارد والبنية التحتية والضمانات القانونية، فيما يتولى المنتجون والفنانون تطوير الأعمال وتنفيذها ضمن آليات تنافسية وشفافة.
ويظل نجاح هذا النموذج مشروطًا بقدرة المؤسسات القائمة على تطبيقه، وبوجود تمثيل مهني قادر على المشاركة في تصميمه ومراقبة نتائجه. لذلك، ينبغي أن ينصبّ القرار على تحديد وظائف التمويل والإنتاج والرقابة والتوزيع، وتوزيعها بين الجهات المعنية بوضوح، بدل الاكتفاء بالاختيار المجرد بين تدخل الدولة وانسحابها.
تواجه السياسة الثقافية أربعة مسارات رئيسية للتعامل مع تراجع المسرح والدراما الأردنية، تختلف في توزيع الأدوار والمخاطر بين الدولة والسوق والقطاع الفني.
المسار الأول هو استمرار النموذج القائم على المنح المتقطعة والمهرجانات الموسمية، ويتيح هذا المسار استمرار بعض الأنشطة بأعباء مالية محدودة نسبيًا على الموازنة، لكنه يترك مشكلة استدامة الإنتاج والعرض وبناء الجمهور من دون معالجة مؤسسية كافية.
المسار الثاني هو توسيع الإنتاج الرسمي المباشر، من خلال زيادة التكليفات الحكومية وإنتاج الأعمال داخل المؤسسات العامة. ويتيح هذا الخيار توجيه الموارد نحو موضوعات ذات قيمة عامة، لكنه يتطلب ضمانات مؤسسية تحمي استقلالية الإنتاج، وتحدّ من مخاطر التوجيه المباشر للمضمون، وتمنع تركز فرص العمل والتمويل داخل دائرة محدودة من المستفيدين.
المسار الثالث هو الاعتماد بصورة أكبر على السوق والتمويل التجاري، ويعزز هذا الخيار ارتباط الإنتاج بالطلب وقابلية التسويق، لكنه قد يحدّ من فرص الأعمال المحلية أو التاريخية أو السياسية التي لا تحقق عائدًا تجاريًا مضمونًا، كما يترك المنتجين أكثر تعرضًا لتقلبات السوق وتكاليف الإنتاج والتوزيع.
أما المسار الرابع، فيقوم على تمكين الدولة للقطاع الفني المستقل، عبر تمويل تنافسي متعدد السنوات، وتكليفات عامة محددة، وبنية عرض وتوزيع مستدامة، وضمانات قانونية ومهنية تحمي استقلالية الإنتاج. ويتطلب هذا المسار تصميمًا مؤسسيًا دقيقًا يضمن شفافية التمويل، وتعدد الجهات المستفيدة، واستقلال لجان الاختيار، وربط الدعم بنتائج قابلة للقياس، مع إبقاء القرار الفني بيد صانعي الأعمال.
وتتمثل المسألة أمام صانع القرار في تحديد المزيج المؤسسي القادر على معالجة فجوات التمويل والعرض والحماية، مع تجنب إعادة إنتاج التبعية للمؤسسات الرسمية أو ترك الإنتاج المحلي رهينة العائد التجاري وحده. ويستدعي ذلك تقييم البدائل وفق كلفتها، وقدرتها على الاستمرار، وأثرها في حرية التعبير، وإمكان تطبيقها ضمن المؤسسات القائمة.
| المسار | الميزة المحتملة | المخاطر الرئيسية | شرط التطبيق |
| استمرار المنح والمهرجانات | استمرار النشاط مع التزامات مالية محدودة نسبيًا | تقطع الإنتاج وضعف استدامة العرض | ربط المنح بخطط عرض وتوزيع لاحقة |
| الإنتاج الرسمي المباشر | قدرة على تمويل أعمال ذات قيمة عامة | التوجيه المباشر وتركيز الفرص | استقلال القرار الفني وشفافية التكليف |
| الاعتماد على السوق | ارتباط الإنتاج بالطلب التجاري | تهميش الأعمال محدودة العائد | تنويع مصادر الإيرادات وتوزيع المخاطر |
| تمكين القطاع المستقل | الجمع بين التمويل العام والاستقلال الفني | ضعف الحوكمة أو استحواذ فئات محدودة على الدعم | صندوق مستقل، ومعايير معلنة، ومساءلة دورية |
جدول (1) مقارنة للبدائل[5]
تقديرٌ ومسارُ عمل
تشير المعطيات التي تناقشها الورقة إلى أن تراجع السياسة في المسرح والدراما الأردنية يرتبط باختلال متداخل في شروط الإنتاج والتمويل والعرض والحماية. فضعف التكليف المستمر، ومحدودية قنوات التوزيع، وتفاوت القدرة على تحمل المخاطر التجارية، والقيود التي تؤثر في حرية التعبير، وتشتت التمثيل المهني، كلها عوامل تقلّص قدرة القطاع على تحويل القضايا العامة إلى أعمال فنية متراكمة. ويظل حجم مساهمة كل عامل بحاجة إلى بيانات أكثر انتظامًا، لكن تفاعلها يوضح أن معالجة جانب واحد، كزيادة التمويل أو توسيع الإنتاج الرسمي، لن تكون كافية وحدها لاستعادة الاستمرارية.
وتكمن الأولوية السياساتية في إعادة بناء دورة إنتاج متكاملة، تبدأ بتطوير النصوص والبحث، وتمر بالتمويل والتعاقد والإنتاج، وتنتهي بالعرض والتوزيع والوصول إلى الجمهور. ويتطلب ذلك توزيعًا واضحًا للأدوار بين الدولة والمؤسسات الثقافية والقطاع الفني، وآليات تمويل مستقلة وشفافة، وضمانات للتعبير والإنتاج، إلى جانب مؤشرات تقيس النتائج الفعلية للدعم. ويتيح هذا المدخل الانتقال من معالجة النشاط الثقافي بوصفه مجموعة فعاليات متفرقة إلى التعامل معه باعتباره قطاعًا يحتاج إلى استثمار مستدام، وحوكمة واضحة، وقدرة على الوصول إلى الجمهور في مختلف المحافظات.
يقتضي التعامل مع هذه الاختلالات برنامجًا متدرجًا يعيد بناء شروط الإنتاج والعرض، ويحدد مسؤوليات الجهات المعنية، ويربط الدعم العام بنتائج قابلة للقياس. ويمكن تنظيم التدخل في ثمانية مسارات مترابطة:
أولًا: إقرار مسار تمويل مستدام للفنون الأدائية والدراما – يُدرج بند واضح للفنون الأدائية والإنتاج الدرامي ضمن الموازنة العامة، يرتبط ببرامج إنتاج وعرض محددة، وبمؤشرات أداء معلنة. ويُصمم التمويل بما يتيح الاستمرارية وتعدد المستفيدين، مع مراعاة الفروق في الكلفة والوظيفة بين المسرح والدراما التلفزيونية.
ثانيًا: إنشاء آلية تمويل تنافسية مستقلة – يُدرس إنشاء صندوق أو آلية مستقلة للتمويل الثقافي متعدد السنوات، تتولى توزيع الدعم وفق معايير منشورة، ولجان اختيار مستقلة ومتعددة التخصصات، وإجراءات معلنة لتضارب المصالح والتظلم. ويُفصل بين قرار التمويل والقرار الفني، مع حماية الحقوق الفكرية وضمان شفافية التعاقد.
ثالثًا: تفعيل دور التلفزيون الأردني في الإنتاج والتوزيع – تُعتمد نافذة تكليف سنوية للأعمال الأردنية، تستند إلى خطة إنتاج وبث وتسويق وأرشفة، وتتيح فرصًا تنافسية للكتّاب والمنتجين والمخرجين. ويُربط التكليف بخطة وصول إلى الجمهور، بما في ذلك تطوير الأرشيف الرقمي وإتاحة الأعمال وفق ترتيبات حقوق واضحة.
رابعًا: مراجعة البيئة القانونية والتنظيمية للعمل الفني – تُراجع التشريعات والإجراءات الناظمة للعرض والتجمع والنشر والتصوير، لتحديد القيود التي تؤثر في الإنتاج الفني، وضمان أن يستند أي تقييد إلى أساس قانوني واضح وقرار معلل قابل للتظلم. ويواكب ذلك تطوير ضمانات لحماية الفنانين من التهديد والترهيب، مع صون حق النقد المشروع، ووضع مدونة مهنية تشارك في صياغتها الجهات المعنية في القطاع.
خامسًا: نقل مركز الثقل من الفعاليات المنفردة إلى مواسم العرض – يُعاد توجيه جانب من الدعم نحو مواسم منتظمة وجولات مسرحية في المحافظات، مع حوافز مرتبطة بعدد العروض، والوصول الجغرافي، والحضور الفعلي، واستمرارية العمل. ويُصمم الدعم بحيث يكمّل دور المهرجانات في اكتشاف الأعمال والتعريف بها، ويمنح الإنتاج فرصًا أطول للوصول إلى جمهوره.
سادسًا: بناء مسار لتطوير النصوص والقدرات المهنية – تُطلق مختبرات لتطوير النصوص وغرف كتابة وبرامج تلمذة تربط الجامعات بالمسارح وشركات الإنتاج، وتدعم البحث والتطوير والتدريب في مجالات الكتابة والإخراج والإنتاج والتسويق والتوزيع والحقوق الرقمية. ويُراعى في تصميم هذه البرامج إتاحة الفرص للكتّاب والفنانين من مختلف المحافظات.
سابعًا: تطوير التمثيل المهني للقطاع – تُدعم عملية بناء إطار مهني أوسع يضم المسرحيين والدراميين والكتّاب والممثلين والفنيين والمستقلين، ويستطيع صياغة مطالب مشتركة بشأن التشريعات والموازنة والحقوق المهنية. ويُربط هذا التمثيل بآليات تشاور دورية مع المؤسسات الحكومية والبرلمان، وبقدرة على متابعة تنفيذ القرارات وتقييم أثرها.
ثامنًا: إنشاء منظومة بيانات ومساءلة سنوية – يُنشر تقرير سنوي يرصد حجم الإنتاج والتكليفات، وعدد العروض والجولات، والحضور والإيرادات، وفرص العمل، والتوزيع الجغرافي، والتصدير، ومصادر التمويل. ويتيح التقرير مقارنة النتائج عبر الزمن، وتقييم أثر الموازنة والمنح والمهرجانات ومواسم العرض، وكشف مواطن التركز في توزيع الدعم، وتعديل السياسات وفق النتائج.
| المرحلة | الإجراء | الجهة القائدة المقترحة | مؤشر المتابعة |
| أول 6 أشهر | تشكيل فريق عمل قطاعي، وإعداد خط أساس للبيانات، ومراجعة أدوات التمويل والتكليف القائمة | وزارة الثقافة بالتشاور مع الجهات الفنية | نشر خط الأساس، وإنجاز مراجعة الأدوات القائمة |
| 6–12 شهرًا | إعداد نموذج التمويل التنافسي، وإقرار خطة التكليف التلفزيوني، وتصميم مواسم عرض تجريبية | وزارة الثقافة والتلفزيون الأردني والجهات الشريكة | إطلاق دعوة تمويل، واعتماد خطة تكليف، وتنفيذ مواسم تجريبية |
| 12–24 شهرًا | توسيع التمويل متعدد السنوات، وتطوير الجولات في المحافظات، وإطلاق برامج تطوير النصوص | الجهات الثقافية والقطاع الفني المستقل | عدد الأعمال المدعومة، والعروض، والجولات، والمستفيدين |
| سنويًا | نشر تقرير أداء ومراجعة توزيع الدعم وأثره | جهة متابعة مستقلة أو آلية مشتركة معلنة | انتظام التقرير، وتوافر بيانات قابلة للمقارنة، والاستجابة للتوصيات |
جدول (2) مصفوفة تنفيذية للتوصيات
تتوقف جدوى هذه المقترحات على توافر بيانات تسمح بتقييم أثرها، لا على حجم الإنفاق أو عدد الفعاليات وحدهما. ولذلك، ينبغي أن يشمل التقرير السنوي مؤشرات عن عدد الأعمال المنتجة والمكلفة، ومصادر تمويلها، وعدد العروض والجولات، والحضور والإيرادات، وفرص العمل، والتوزيع الجغرافي، وحقوق إعادة العرض والتوزيع. كما ينبغي أن يوضح التقرير كيفية توزيع الدعم بين الجهات والمناطق والأنواع الفنية، ومدى وصول الأعمال إلى الجمهور، والفروق بين نتائج المهرجانات ومواسم العرض المستمرة.
ويُستحسن أن يتضمن التقرير مقارنة سنوية تتيح تتبع تطور القطاع، مع توضيح منهجية جمع البيانات وحدودها، ونشر النتائج بما يسمح للقطاع الفني والجهات الرقابية والجمهور بمراجعتها. وتوفر هذه المنظومة أساسًا لتعديل أدوات التمويل والتكليف، وتحديد البرامج التي تحقق وصولًا واستمرارية أكبر، والكشف عن الاختلالات في توزيع الموارد. ومن دون هذا الأساس، ستظل القدرة على الحكم على أثر السياسة الثقافية محدودة، وسيصعب التمييز بين النشاط الذي يحقق حضورًا مؤقتًا، والاستثمار الذي يبني قدرة إنتاجية مستدامة.
إن استمرار الوضع الراهن يعني بقاء تجارب فنية ناجحة داخل منظومة محدودة القدرة على الاستمرار والتوسع، واتساع الفجوة بين طموح التحديث السياسي والاقتصادي، وبين قدرة المؤسسات الثقافية على إنتاج أعمال تناقش التحولات التي يعيشها المجتمع. وفي المقابل، فإن توسيع الإنتاج الرسمي من دون ضمانات للاستقلال الفني قد يعيد إنتاج علاقة تجعل الفن تابعًا لأولويات الجهة الممولة، فيما يترك الاعتماد الكامل على السوق الأعمال المحلية محدودة العائد أمام مخاطر التمويل والتوزيع.
وتتمثل الأولوية في إعادة بناء شروط المجال الفني: تمويل مستدام وشفاف، ومساحة تعبير محمية قانونيًا، ومواسم عرض تصل إلى الجمهور، وتمثيل مهني قادر على المشاركة في صياغة السياسة الثقافية ومساءلة تنفيذها. ويتطلب ذلك الانتقال من دعم النشاط المتقطع إلى بناء دورة إنتاج متكاملة، ومن التعامل مع الجمهور بوصفه متلقيًا إلى إشراكه في قياس الوصول والأثر، ومن إدارة السردية الوطنية بوصفها مضمونًا جاهزًا إلى دعم البحث والإنتاج والتعدد في معالجتها.
وتكتسب هذه الأولوية أهمية إضافية في أوقات الأزمات والحروب، حين تتعرض المجتمعات لضغوط اقتصادية ومعنوية، وتزداد الحاجة إلى مساحات ثقافية تتيح التعبير والنقاش واستعادة الخبرة المشتركة. فالمسرح والدراما جزء من البنية التي تتشكل عبرها علاقة المجتمع بذاته وبمؤسساته، كما يمثلان مجالًا لتطوير الصناعات الإبداعية وتعزيز الحضور الثقافي الأردني عربيًا. ومن هنا، فإن الاستثمار في الفن ليس بندًا تكميليًا في السياسة العامة، وإنما خيار يرتبط بجودة المجال العام، وقدرة المجتمع على النقاش، وبناء ذاكرة ثقافية حية ومتجددة.
[1] تقييمات منظمات حقوقية دولية لأثر قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2023 على حرية التعبير في الأردن، 2024.
[2] اللجنة المالية النيابية، مناقشة موازنة وزارة الثقافة والمكتبة الوطنية لعام 2026، خبرني، تشرين الثاني 2025. قرار مجلس الوزراء بإقرار حوافز قطاع صناعة الأفلام، 11 أيار 2025، بناءً على مقترح الهيئة الملكية الأردنية للأفلام. تصريحات الهيئة الملكية الأردنية للأفلام حول العوائد الاقتصادية للإنتاجات السينمائية العالمية في الأردن، أيلول 2025.
[3] “ماذا تقدم الدراما الأردنية في رمضان 2026؟”، الجزيرة نت، شباط 2026. https://aja.ws/l4dzuh
[4] رؤية التحديث الاقتصادي، محرك الصناعات الإبداعية، وكالة الأنباء الأردنية (بترا).
[5] هذا الجدول يوضح المفاضلات المؤسسية، ولا يفترض أن جميع آثار كل مسار قد ثبتت في الحالة الأردنية.


