من الأفغاني إلى شريعتي؛ قراءة في تكوّن المجال الفكري الإيراني

إذا كانت إيران قد رسمت حدودها السياسية مبكرًا في قصر شيرين سنة 1639، فإنها لم ترسم حدودها الفكرية بالوضوح نفسه إلا على امتداد قرنٍ كامل من الاضطراب والبحث وإعادة تعريف الذات. المجال الفكري الإيراني الحديث لم يولد من الثورة الإسلامية وحدها، ولم يتشكّل دفعةً واحدة في قم أو مشهد أو حتى طهران، وإنما تخلّق في مسار طويل تعاقبت فيه طبقاتٌ من الإصلاح والاحتجاج والتأويل الثوري.
من جمال الدين الأفغاني، الذي ترجّح الدراسات المرجعية أنه إيرانيّ المولد وإن قدّم نفسه بوصفه “أفغانيًا”، إلى محمد عبده الذي تلقّى أثره في مصر وأعاد صوغه في لغة إصلاحية عقلانية، إلى علي شريعتي الذي أعاد شحن التشيع بطاقة احتجاجية وثورية جديدة، وصولًا إلى لحظة صار فيها السؤال الديني نفسه سؤالًا عن الشرعية والسلطة والدولة؛ تحاول هذه القراءة، أن تساهم في فهم كيف انتقلت إيران، في وعيها الحديث، من إصلاح الدين إلى تسييسه، ثم إلى محاولة امتلاك التاريخ باسمه.
ولذلك، فإن الطريق من الأفغاني إلى شريعتي، بظنّي، ليس مجرد خط فكري، بل هو قوس إيراني عريض، يمرّ فوق أسئلة الهوية الملتبسة، والإصلاح العابر للمذاهب، والاحتكاك بالمركز العربي في مصر، ثم العودة إلى الداخل الإيراني في صورة أكثر توترًا وأشد صلة بسؤال الثورة. وفي خلفية هذا القوس تقبع طبقات أقدم؛ من الإرث الصفوي، إلى توسعات المحقّق الكركي في وظائف الفقيه، إلى التحول الكبير الذي سيبلوره روح الله الخميني لاحقًا، حين ينقل الولاية من نطاق فقهي محدود إلى نظرية حكم وسيادة.
هكذا، لا نكون أمام تاريخ أفكار معزول، بل أمام تكوّن مجال فكري كامل ظل يتجادل، جيلاً بعد جيل، حول سؤال واحد بصيغ متعددة: كيف يمكن للدين أن يغادر طور الدفاع عن نفسه ليصبح أداة لإعادة صياغة المجتمع والدولة والتاريخ؟
الأفغاني: الأصل الملتبس وميلاد السؤال الإصلاحي
يبدأ هذا المسار من شخصية تكاد تكون، في ذاتها، استعارة عن التباس المشرق الحديث كله؛ السيد جمال الدين الأفغاني. فالرجل الذي دخل الذاكرة العامة باسم “الأفغاني” ترجّح الدراسات المرجعية الحديثة أنه كان إيرانيَّ المولد والنشأة الأولى، وأنه وُلد في أسد آباد داخل بلاد فارس وليس في أفغانستان (في كثير من الأدبيات الإيرانية يطلق عليه اسم سيّد جمال الدين أسد آبادي)، وأن تبنيه للانتساب الأفغاني، كان، على الأرجح، جزءًا من هندسة صورته في الفضاء السني الأوسع، ووسيلة لتخفيف الحساسيات التي كان يمكن أن تثار لو قدّم نفسه، صراحة، بوصفه فارسيّاً شيعي الخلفية.
بهذه الدلالة، لم يكن التباس أصل الأفغاني عرضًا بيغرافيًا هامشيًا، بل كان جزءًا من وظيفته الفكرية والسياسية، فهو رجل يريد أن يتكلم إلى العالم الإسلامي كله، لا إلى مذهب بعينه، وأن يتحرك في فضاء الجامعة الإسلامية الرحب، لا في حدود العصبية المحلية الضيقة.
ومن هنا، تكمن قوة الأفغاني وحدوده في آنٍ واحد. فهو لم يظهر بوصفه فقيهًا مذهبيًا يؤسس مدرسة أصولية مغلقة، ولم يدخل التاريخ بوصفه صاحب مذهب تفصيلي أو نسق لاهوتي مكتمل، بل دخل بوصفه موقظًا للأسئلة الكبرى. كانت قوته في التحريض لا في التقنين، وفي شحن الإرادة لا في بناء المنظومات المحكمة، وفي إثارة القلق لا في إسكاته.
ولذلك، كان أثره، في كثير من الأحيان، أعمق من أن يُقاس بكتب أو مؤسسات. لقد كان أثرًا من نوع آخر؛ بثّ شعور بأن الدين ليس ملاذًا أخيرًا للهزيمة، بل يمكن أن يكون لغة للنهوض ومادة للمقاومة. ولذلك، وصفته مراجع معاصرة على أنه كان عاملًا مهمًا في “الإيقاظ السياسي” للإيرانيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
وفي صلته بإيران القاجارية، يتجلى هذا المعنى بوضوح أكثر. فقد ارتبط الأفغاني بعلاقة متوترة وملتبسة مع ناصر الدين شاه القاجاري، معارضًا لبنية الاستبداد والارتهان. وقد بلغ هذا المسار ذروته الرمزية حين اغتيل ناصر الدين شاه سنة 1896م، على يد ميرزا رضا كرماني، الذي عُرف بأنه أحد أتباع الأفغاني والمتأثرين به. وليس المقصود من هذه الإشارة ردّ الرجل كله إلى حادثة اغتيال، بل الإشارة إلى أن سؤال الإصلاح عنده لم يكن سؤالًا أخلاقيًا هادئًا أو وعظًا معزولًا عن السياسة، بل كان إصلاحًا يلامس أصل السلطة، ويضع الاستبداد نفسه موضع الاتهام، ويكاد، في بعض لحظاته، يتحول من نقد أخلاقي إلى إرادة اقتلاع سياسي.
ومن هنا، فإن الأفغاني يظهر في التاريخ الإيراني الحديث بوصفه أكثر من مفكر جوال. يظهر بوصفه صاحب مشروع كبير يفتح بابًا جديدًا في العلاقة بين الدين والسلطة، كما بين الفكرة والفعل.
محمد عبده وإرث الأفغاني؛ طريق باتجاهين
غير أن إحدى أكثر مفارقات سيرة الأفغاني إثارة هي أن مشروعه لم يجد صيغته الأوضح، أول الأمر، داخل إيران نفسها، بل وجدها في مصر.
في القاهرة التقى هذا القلق الإصلاحي بعقل من أكثر عقول العصر رهافة واعتدالًا، هو الإمام محمد عبده، الذي تلقّى أثر أستاذه، لكنه لم يكرره، وإنما أعاد صياغته وحاول تهذيبه وتثبيته في لغة إصلاحية أهدأ وأكثر انتظامًا. تأثر الشيخ محمد عبده بالأفغاني في القاهرة، وصار لاحقًا أحد أبرز رموز الإصلاح الإسلامي الحديث. وهكذا، تبدأ هنا حلقة شديدة الأهمية في تاريخ الفكر الحديث؛ رجل إيراني الأصل على الأرجح، قدّم نفسه أفغانيًا، يعبر إلى مصر، فيؤثر في فقيه ومصلح مصري سيصبح أحد الأسماء المؤسسة في نهضة الفكر الإسلامي الحديث.
وهذه الحركة وحدها ربما تصلح لأن تبرهن أن المجال الفكري الإيراني لم يرضَ، منذ القرن التاسع عشر، سجين حدوده الوطنية. وإنما سعى، بدأب، أن يكون جزءًا من سيرورة إسلامية ومشرقية أوسع، تتردد أصداؤها بين طهران والقاهرة والنجف وإسطنبول.
لكن، محمد عبده لا يرد هنا بوصفه مجرد تلميذ للأفغاني، بل بوصفه المحوِّل الأكبر لقلقه. فحيث كان الأفغاني أكثر اشتعالًا وحركة واحتكاكًا مباشرًا بالسلطة، صار عبده أكثر ميلًا إلى الابتعاد عن السياسة والاكتفاء بالبناء الإصلاحي العقلاني؛ إصلاح التعليم، تحرير الاجتهاد، مراجعة طرق الفهم، الدفاع عن الإسلام بلغة تستوعب العصر ولا تنكسر له. ومن هنا، فإن الفكرة التي خرجت من رجل إيراني أو فارسي الأصل عادت من مصر إلى المجال الإسلامي في صورة أكثر اتزانًا ومنهجية.
وهذه نقطة أساسية لفهم المسار الإيراني نفسه لاحقًا، لأن إيران، في القرن العشرين، لم تتلقَّ تراثها الذاتي فقط، بل تلقت أيضًا النسخة المصرية العربية التي أعادت صوغ سؤال الأفغاني في قالب إصلاحي مختلف. وبذلك، لا يعود تاريخ الفكر الإيراني الحديث تاريخًا داخليًا خالصًا، بل يصبح تاريخ ذهاب وإياب، وتفاعل وتسرّب وتبادل في فضاء أوسع من الحدود القومية والمذهبية.
وهنا، ربما تكمن إحدى أهم المفارقات؛ فإيران التي ستُعرف تاليًا بوصفها مركزًا لتشيع سياسي متوتر ومركب، كان لها، في أحد الجذور الأولى لهذا المسار، مفكر ملتبس الأصل والهوية، خرج سؤاله إلى مصر، وتلقى هناك صيغته الإصلاحية الأكثر عقلانية، قبل أن يعود أثره إلى إيران في صورة أخرى أكثر حدة واشتباكًا.
وهذا ما يكسر الثنائية السطحية بين “إصلاح سني” في مصر و“تشيع ثوري” في إيران؛ لأن التاريخ، في حركته الفعلية، كان أكثر تعقيدًا وسيولة؛ فالأفكار، مهما اختلفت أو تباعد، إلا أنها كانت تشترك في العمق بجذر واحد، هو سؤال النهضة وجرح الانحطاط ورغبة الخروج من السكون.
إيران بين الإصلاح والمؤسسة
ومع ذلك، فإن السؤال الإصلاحي لم يتحول في إيران، سريعًا، إلى مدرسة راسخة واضحة المعالم على طريقة ما وقع، جزئيًا، في مصر.
والسبب أن إيران لم تكن ساحة فارغة تنتظر مصلحًا يأتيها من الخارج أو من الهامش. كانت محكومة بتركيبات أثقل وأكثر تعقيداً، حيث؛ دولة قاجارية مضطربة وضعيفة، ومرجعية عليا ما تزال خارج الحدود في النجف وسامراء، وحقل ديني داخلي لم يكتمل تشكله بعد، وتقاليد مذهبية إمامية كثيفة يصعب تجاوزها بلغة وعظية إصلاحية بسيطة، ثم إرث صفوي طويل جعل العلاقة بين المذهب والدولة بنية مؤسسة في التاريخ الإيراني، لا مجرد موضوع جدل فكري عابر.
ومن هنا، ظل السؤال الإصلاحي في إيران مترددًا، يتقدم حينًا ويرتدّ حينًا آخر، ويتكلم بلغة الجامعة الإسلامية في لحظة، وبلغة مقاومة الاستبداد في لحظة أخرى، ثم يعود لاحقًا في صورة أشد التصاقًا بالتشيع نفسه وبسؤال السلطة داخله.
وبطبيعة الحال، فإن هذه القراءة، هي تحليلية استنتاجية تستند إلى تضافر ما أعرفه عن أثر الأفغاني السياسي في إيران، وعن الطبيعة الصفوية-الشيعية الخاصة لتاريخ الدولة الإيرانية الحديثة.
– استطراد
وهنا، تبرز الحاجة إلى استطراد تأسيسي لا غنى عنه لفهم الجذر الفقهي الأقدم لهذا المسار. ففي مطالع العصر الصفوي، ومع سعي الدولة الصفوية إلى ترسيخ التشيع الاثني عشري دينًا للدولة، استُقدم إلى إيران عددٌ من كبار علماء جبل عامل في لبنان، وكان من أبرزهم المحقق علي بن عبد العال الكركي.
وتذكر المصادر إن الكركي، هذا، كان من كبار الفقهاء العامليين الذين انتقلوا إلى المجال الصفوي وأسهموا في بناء شرعيته المذهبية. كما تؤكد دراسات حديثة؛ إن النقاش الصفوي وما تلاه وفّر طبقة سابقة لتوسيع وظائف الفقيه في عصر الغيبة.
لكن، ولاية الكركي، في هذا السياق، كانت محدودة النطاق بالقياس إلى ما سيأتي لاحقًا: ولاية تتصل بالشؤون الحسبية، وبعض الوظائف القضائية والدينية العامة، وإعطاء الفقيه موقعًا نيابيًا في بعض شؤون المجتمع والشرع، لا تحويله إلى صاحب سيادة سياسية مطلقة على الدولة والمجال العام. وبذلك، لا يكون الكركي “مخترعًا” للولاية المطلقة، بل واحدًا من أهم مَن وسّعوا وظيفة الفقيه وربطوها، في وقت مبكر، بجهاز الشرعية الصفوية.
هذا الاستطراد، قد يبدو ضرورياً هنا، لأنه يكشف أن إيران الحديثة لم تبدأ سؤالها عن سلطة الفقيه من الصفر في القرن العشرين. فقبل الأفغاني وشريعتي وخميني بزمن بعيد، كان هناك أرشيف صفوي كامل يشتغل على سؤال: ما موقع الفقيه من الدولة في زمن الغيبة؟ ما حدود نيابته؟ وما الذي يمكن أن يباشره من وظائف عامة؟
غير أن المسافة بين الكركي والخميني ينبغي ألا تُمحى تحت اسم “الاستمرارية”. فهناك ما يؤكد أن الخميني هو الذي نقل الولاية من وظيفة فقهية محدودة إلى نظرية سيادة سياسية شاملة، ثم إلى صيغة “الولاية المطلقة” التي لا تقف عند حدود القضاء والأحوال الشخصية والشعائر العامة، بل تؤسس الدولة نفسها، وتديرها، وتمنحها شرعيتها العليا.
وهكذا، فإن ما بين الكركي والخميني ليس مجرد تطور خطي مستقيم، بل انتقال طويل من فقه النيابة المحدودة إلى فقه السيادة المكتملة. من هذا الاسترسال، وعلى طريقة “زمن الكاتب”، في الأعمال الأدبية، أريد أن أقول، باختصار؛ إن إيران التي أنجبت الأفغاني وشريعتي كانت تتحرك فوق أرضية أقدم بكثير من الجدل حول سلطة الفقيه، وحدود النيابة، وعلاقة المذهب بالدولة.
ومن هنا نفهم لماذا لم يتحول الإصلاح في إيران إلى “مدرسة محمد عبده” بالمعنى المصري. فالحقل الإيراني كان أثقل مذهبيا، وأكثر اشتباكًا بإرث الدولة، وارتباطًا بتاريخ صفوي وإمامي يجعل كل إصلاح ديني، بدرجة ما، اصطدامًا بسؤال السلطة والغيبة والمرجعية. ولهذا، تأخر تبلور الإصلاح في صورة مدرسة تربوية أو فقهية مستقرة، لكنه عاد لاحقًا، في القرن العشرين، أكثر حرارة وأقرب إلى الثورة منه إلى الإصلاح البيروقراطي الهادئ.
شريعتي: من إصلاح الدين إلى تعبئة التشيع
عند علي شريعتي يبلغ هذا المسار نقطة انعطاف حاسمة. فهو ليس تلميذًا مباشرًا للأفغاني، ولا امتدادًا حرفيًا لمحمد عبده. لكنه، على نحو أعمق، وريث ذلك القلق الأول، وتلك الرغبة في بعث الدين من جديد، غير أنه صاغهما بلغة أخرى تخص إيران القرن العشرين؛ لغة المجتمع، والعدالة، والاستلاب، والهوية، والاستعمار، والشهادة، وكربلاء.
لقد كان شريعتي، بحق، من أبرز المثقفين الذين أسهموا في التمهيد الفكري للثورة الإيرانية عبر قراءته الجديدة لتاريخ الإسلام ولسوسيولوجيا الدين، فهو لم يكن مجرد مفكر لامع أو ناقد ثقافي، بل كان مفصلًا تعبويًا في تكوين المزاج الثوري الإيراني الحديث.
لكن، خطورة شريعتي لا تكمن في كونه دعا إلى الثورة فحسب، بل في أنه أعاد تعريف التشيع ذاته. فقبل شريعتي أمكن للتشيع، في صوره الاجتماعية الشائعة، أن يُقرأ بوصفه ذاكرة مظلومية، أو نظام ولاء مذهبي، أو تقليدًا مرجعيًا، أو طقسًا تعبديًا وعزائيًا. أما معه فقد صار، أو أُريد له أن يصير، أيديولوجيا احتجاج: تشيعًا أحمر في مواجهة ما اعتبره تشيعًا أسود ساكنًا، تشيعًا فاعلًا في مواجهة تشيع العادة والرتابة، تشيعًا يريد أن يستعيد من كربلاء معناها التاريخي الثوري، لا أن يكتفي بإعادة إنتاجها في الطقس والحزن وحدهما.
وهنا تتجلى فرادته داخل هذا المسار كله؛ فهو لم يكتف بإصلاح الفكر الديني كما فعل عبده، بل أعاد شحن المذهب نفسه بطاقة اجتماعية وتاريخية وثورية، حتى صار التشيع عنده وسيلة لتأويل العالم وتغييره، لا مجرد وعاء للنجاة الأخروية أو الاستمرار الهوياتي.
ومن هنا، نفهم سر تأثير شريعتي العميق في الشباب الإيراني. فقد قدّم لهم دينًا يستطيع أن يخاطب الأسئلة الحديثة؛ الاستعمار، والاغتراب، والعدالة، والطبقة، والالتزام، والهوية. ولم يكن شريعتي رجل حوزة تقليدية، بل كان، إلى حد بعيد، مثقفًا متمرداً، يترجم مفردات العصر إلى داخل اللغة الشيعية، ويترجم كربلاء والشهادة والإمامة إلى داخل أسئلة التحرر والنهضة.
ولهذا، لم يبقَ أثره محصورًا في الفقهاء أو الحوزات، بل تجاوزها إلى الجامعات والمدن الحديثة والطبقات الوسطى. لقد أخرج التشيع، إلى حد بعيد، من بعض رتابته المحافظة، من دون أن يقطع صلته بجذوره الرمزية؛ وهذه معادلة نادرة لا تتحقق إلا عند المفكرين الذين يملكون حسّ التاريخ وحسّ التعبئة معًا.
بل يمكن القول، من زاوية أعمق، إن شريعتي نقل السؤال الإيراني من إصلاح الدين إلى إصلاح التاريخ عبر الدين. وهذه نقلة نوعية كبرى. فالأفغاني كان يسأل: كيف نوقظ المسلمين ونقاوم الاستبداد والاستعمار؟ وعبده كان يسأل: كيف نعيد بناء فهم الدين ليصبح أكثر عقلانية وقدرة على مواكبة العصر؟ أما شريعتي فقد صار يسأل: كيف نجعل من الدين نفسه قوة تعبئة ثورية؟ كيف ننتزع من التشيع منطق الفعل لا منطق السكون؟ وكيف نعيد تأويل المذهب بوصفه فلسفة مقاومة لا مجرد بنية تقليد؟ هنا، في هذا الموضع بالذات، يقترب شريعتي من أن يكون الجسر الفعلي بين الإصلاح الإسلامي بمعناه العام، وبين الثورة الإيرانية بوصفها انفجارًا سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا.
هل انتهى الإصلاح الإيراني إلى الثورة أم ابتلعته الدولة؟
ثم جاءت اللحظة الخمينية لتأخذ بعض هذا الإرث من حيز الجدل الفكري إلى حيز الشرعية السيادية، حين تحولت ولاية الفقيه، في صيغتها الحديثة، من وظيفة فقهية محدودة إلى نظرية حكم كاملة تتصل مباشرة بالدولة والسلطة والمجال العام. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي يتركه هذا المسار وراءه ليس فقط كيف أصلحت إيران فكرها الديني؟ بل: كيف تحوّل الإصلاح نفسه إلى طريق نحو الثورة، ثم كيف تحولت الثورة إلى دولة؟
تلك هي العقدة التي تجعل من هذا التاريخ أكثر من أرشيف أفكار؛ تجعله تاريخًا لصراع متواصل بين الدين بوصفه وعدًا بالتحرر والعدالة والدين بوصفه جهازًا للحكم. وإذا كان من عبارة أخيرة تختصر هذا المسار كله، فهي أن إيران، من الأفغاني إلى شريعتي، لم تكن تعيد التفكير في الدين فقط، بل كانت تعيد التفكير في من يملك حق تمثيل التاريخ باسم الدين. وعندما بلغ هذا السؤال ذروته، لم يعد مجرد سؤال إصلاح، بل صار سؤال دولة، وسؤال ثورة، لا يزال مفتوحًا حتى اليوم.
