من زمن الحرب العراقية الإيرانية إلى قلب الأمن القومي محسن رضائي؛ مرة أخرى

في الأزمنة الاستثنائية، حين تضيق الخيارات وتصبح كلفة الخطأ أعلى، تميل الدول إلى العودة إلى رجالها الأكثر خبرة؛ إلى أولئك الذين يحملون في سيرهم شيئاً من ذاكرة الدولة نفسها، وحروبها وأزماتها، واللحظات التي اضطرت فيها إلى الاختيار بين السيئ والأسوأ.
من هذا الباب تحديداً، يمكن قراءة الصعود الجديد للجنرال الإيراني القديم محسن رضائي، بعد أشهر قليلة من تعيينه مستشاراً عسكرياً للمرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، لينتقل هذه المرة إلى قلب منظومة صنع القرار الأمني، بتعيينه أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي خلفاً لمحمد باقر ذوالقدر، في انتقال تتجاوز دلالته مجرد تبديل إداري.
المجلس الأعلى للأمن القومي، في بنية الدولة الإيرانية، هو إحدى أهم غرف صنع القرار. يرأسه رسمياً رئيس الجمهورية، ويضم مسؤولين كباراً في الدولة والمؤسستين العسكرية والأمنية. ومن مهامه رسم السياسات الدفاعية والأمنية في إطار السياسات العامة التي يحددها المرشد، وتنسيق الأنشطة السياسية والاستخباراتية والاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالأمن القومي، فيما تصبح قراراته نافذة بعد موافقة المرشد.
وعليه، فإن رضائي، القادم من غبار الحرب العراقية الإيرانية، يعود اليوم إلى موقع شديد الحساسية، عند نقطة التقاء الرئاسة والحرس والجيش والأجهزة الأمنية والدبلوماسية ومكتب المرشد.
والأكثر أهمية أنه يدخل هذه الدائرة بقبعتين معاً؛ أميناً للمجلس بقرار من الرئيس، وممثلاً للمرشد داخله.
لماذا رضائي؟
وُلد رضائي عام 1954 في “مسجد سليمان” بمحافظة خوزستان، جنوب غربي إيران، وانخرط مبكراً في معارضة نظام الشاه، وعرف الاعتقال والعمل التنظيمي قبل انتصار الثورة الإسلامية.
لكن المرحلة التي صنعت موقعه الحقيقي داخل النظام بدأت عام 1981، عندما تولى قيادة الحرس الثوري وهو في السابعة والعشرين، وظل قائداً له حتى عام 1997.
وخلال ستة عشر عاماً، كان واحداً من الرجال الذين ساهموا في بناء الحرس وتحويله من قوة ثورية ناشئة إلى أحد الأعمدة العسكرية والأمنية والسياسية للجمهورية الإسلامية. ومن هنا تأتي قيمته اليوم.
رضائي يعرف جهاز الحرس من داخله، بوصفه أحد الذين شاركوا في تشكيله، وعاش معه سنوات الحرب العراقية الإيرانية بكل ما تركته من أثر عميق في تكوين النظام ووعيه الأمني. لكنه، في المقابل، لم يبقَ جنرالاً بالمعنى التقليدي.
بعد خروجه من قيادة الحرس، انتقل إلى مجمع تشخيص مصلحة النظام، وأمضى سنوات طويلة في واحدة من أكثر المؤسسات الإيرانية اتصالاً بفكرة التسوية بين مقتضيات العقيدة ومتطلبات الدولة. ودرس الاقتصاد وحصل على الدكتوراه، ثم تولى لاحقاً منصب نائب الرئيس للشؤون الاقتصادية.
وهكذا أعاد رضائي تشكيل صورته تدريجياً؛ من قائد حرب إلى رجل مؤسسة، ومن لغة الجبهة إلى لغة الموارد والكلفة والمصلحة.
وهناك مفارقة أخرى تساعد في فهمه؛ فقد ترشح للرئاسة الإيرانية أكثر من مرة، وسُمح له بالدخول إلى السباق الانتخابي، لكنه لم يصل قط إلى الرئاسة، ولم يتحول إلى زعيم جماهيري واسع.
كان دائماً كبيراً بما يكفي ليبقى داخل اللعبة، لكنه لم يكن رجل الشارع ولا صاحب الكاريزما الانتخابية. قوته الحقيقية بقيت داخل المؤسسة؛ في الحرس، ومجمع تشخيص المصلحة، وشبكات الدولة ومراكزها النافذة. ولهذا يصعب اختزاله في التصنيفات السياسية التقليدية.
هو محافظ أصولي، وابن أصيل للنظام والحرس، وليس إصلاحياً بأي معنى. لكنه، في الوقت نفسه، اكتسب عبر سنواته الطويلة داخل مؤسسات الدولة قدراً من البراغماتية يجعله مختلفاً عن بعض الوجوه العقائدية الأكثر انغلاقاً. كما يعرف لغة التسويات داخل النظام، ويستطيع التعامل مع أطراف متعددة من النخبة السياسية والمؤسساتية.
وهذه تحديداً إحدى الصفات التي قد يحتاج إليها مركز القرار عندما تصبح الأزمة عسكرية وسياسية واقتصادية في الوقت نفسه.
من «كأس السم» إلى حرب جديدة
لعل أكثر محطات سيرة رضائي إثارة للاهتمام اليوم هي علاقته بنهاية الحرب العراقية الإيرانية عام 1988.
يرتبط اسمه في الذاكرة السياسية الإيرانية بتلك اللحظة التي وافق فيها، المرشد الأسبق والأعند، آية الله الخميني على القرار 598 وإنهاء الحرب، في قرار وصفه بأنه أشبه بـ«تجرع كأس السم».
وكانت التقديرات العسكرية التي قدمها رضائي بشأن ما تحتاج إليه إيران إذا أرادت مواصلة الحرب وتحقيق النصر، من قوات وتسليح وموارد ووقت، من بين المعطيات التي كشفت أمام القيادة حجم الهوة بين الطموح العسكري وقدرة الدولة الفعلية على الاستمرار.
بوضوح، كان رضائي واحداً من الرجال الذين نقلوا إلى القيادة حساب الكلفة.
وهنا، ربما، تصبح سيرته ذات معنى في اللحظة الحالية؛ فهو رجل حرب، لكنه رجل عرف أيضاً أن الحرب ليست إرادة سياسية فقط، بل موارد واقتصاد وقدرة على الاحتمال ومجتمع وزمن.
وهو يعرف، من تجربته، أن الدولة قد تصل إلى لحظة يصبح فيها تعديل الأهداف أو قبول تسوية مؤلمة جزءاً من حماية النظام نفسه.
ولا أقصد هنا أن تعيينه اليوم إعلان عن اقتراب تسوية، أو أن الرجل عاد ليؤدي دوراً شبيهاً بدوره في نهاية الثمانينيات. بل على العكس؛ كانت مواقف رضائي العلنية في المواجهة الراهنة متشددة في معظمها، وأبدى مراراً تشككاً واضحاً إزاء التفاوض.
لكن أهمية الرجل، برأيي، تكمن في شيء آخر؛ في أنه يعرف ثمن الاستمرار وثمن التراجع معاً.
ماذا يقول التعيين؟
يمكن قراءة عودة رضائي إلى قلب الأمن القومي من ثلاث زوايا مترابطة؛
أولاً، أن المرشد الجديد يريد داخل واحدة من أهم مؤسسات الدولة رجلاً يثق بخبرته العسكرية والسياسية، ويملك شرعية تاريخية راسخة داخل الحرس.
ثانياً، أن الجمهورية الإسلامية، في واحدة من أصعب مراحلها، تعود مرة أخرى إلى جيل الحرب العراقية الإيرانية؛ الجيل الذي تشكل وعيُه حول سؤال بقاء النظام تحت ضغط عسكري واقتصادي هائل.
وثالثاً، أن اختيار رضائي يضع في مركز التنسيق الأمني رجلاً يعرف الحرب مثلما يعرف مؤسسات الدولة والاقتصاد وآليات التسوية الداخلية.
وهذه النقطة ربما تكون الأهم.
فإذا كان المطلوب تشديد إدارة المواجهة وتنسيق مؤسسات الدولة في زمن الحرب، فإن رضائي ربما يكون مؤهلاً لذلك بحكم خبرته وموقعه التاريخي.
وإذا وصلت القيادة، في مرحلة لاحقة، إلى قناعة بأن حماية الدولة تقتضي تفاوضاً أو تسوية أو إعادة ترتيب للأولويات، فإن الرجل نفسه يمتلك تجربة تاريخية تجعله قادراً على تقديم الواقعية بلغة النظام، لا بلغة خصومه.
وهذه ميزة نادرة في الأنظمة العقائدية؛ إذ تصبح التسوية أكثر قابلية للقبول حين يقدمها رجال ينتمون إلى صلب الشرعية الثورية، لا حين تأتي من خارجها.
ومع ذلك، ينبغي ألا يُحمّل الرجل أكثر مما يحتمل.
محسن رضائي، باختصار، ليس مشروع مصالحة وطنية، ولا يستطيع وحده إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع. كما أنه، في نهاية المطاف، لا يملك القرار الأعلى؛ فالكلمة الاستراتيجية الأخيرة تبقى للمرشد، والمجلس نفسه يعمل ضمن هذه المعادلة.
لكن رضائي أصبح اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى اللحظة التي تُصنع فيها الخيارات. وهنا تكمن دلالة عودته الحقيقية؛ فهي ليست عودة جنرال قديم إلى وظيفة جديدة، بل عودة رجل من زمن الحرب العراقية الإيرانية إلى غرفة القرار في حرب أخرى؛ رجل يعرف كيف تُخاض الحروب، لكنه يعرف أيضاً، من تجربة الجمهورية نفسها، أن أصعب قرارات الحرب قد يكون معرفة اللحظة التي تصبح فيها حماية الدولة أهم من حماية سردية الحرب.