المغرب على عتبة انتخابات 2026: بين أزمة الثقة وإعادة ترتيب المشهد السياسي

خلاصة تنفيذية

تجري الانتخابات التشريعية المغربية في 23 أيلول 2026 في سياق يختلف عن استحقاق 2021: تضخم تراجع من 6.6% عام 2022 إلى 0.8% عام 2025 دون أن يبدّد الشعور بتآكل القدرة الشرائية، وبطالة في حدود 13% ترتفع إلى 37.2% بين الشباب، واحتجاجات “جيل زد 212” في خريف 2025، وأزمة العبور الجماعي نحو سبتة في تموز 2026، إلى جانب ملفي التطبيع وقضية الصحراء.

ولا يقتصر السؤال المركزي على هوية الحزب الذي سيتصدّر ويُكلَّف دستورياً بتشكيل الحكومة، وإنما يمتد إلى حجم المساحة المتاحة للحكومة المقبلة داخل نظام تحتفظ فيه المؤسسة الملكية باختصاصات حاسمة في السياسة الخارجية والدفاع والشأن الديني والتوجهات الاستراتيجية، وإلى قدرة الاقتراع على استعادة ثقة جيل شاب ابتعد عن الأحزاب.

وترجّح الورقة، ترجيحاً نوعياً مشروطاً بنسبة المشاركة، أن تنحصر المنافسة على الصدارة بين أحزاب الائتلاف المنتهية ولايته، مع أفضلية نسبية للأصالة والمعاصرة ثم الاستقلال فالتجمع الوطني للأحرار، وأن يحسّن العدالة والتنمية موقعه دون أن ينافس على الصدارة. وتقترح قراءة النتائج عبر خمسة مؤشرات: نسبة المشاركة ولا سيما بين الشباب، وتوزيع المقاعد بين القوى الرئيسية، وحجم استعادة العدالة والتنمية لتمثيله، وأثر الأعيان والمال في الدوائر القروية، وطبيعة الائتلاف الحكومي وقدرته على تحويل الوعود إلى سياسات قابلة للقياس.

الإطار الدستوري ورهانات الاستحقاق

يختار المغاربة في رابع انتخابات تشريعية منذ دستور 2011 أعضاء مجلس النواب، وعددهم 395 نائباً: 305 في 92 دائرة محلية، و90 في 12 دائرة جهوية خُصّصت لوائحها للنساء. وقد تصدّر العدالة والتنمية اقتراعي 2011 (107 مقاعد) و2016 (125 مقعداً)، ثم هبط في 2021 إلى 13 مقعداً، في اقتراع تصدّره التجمع الوطني للأحرار بـ102 مقعد، تلاه الأصالة والمعاصرة (87) والاستقلال (81) والاتحاد الاشتراكي (34) والحركة الشعبية (28) والتقدم والاشتراكية (22) والاتحاد الدستوري (18)، بنسبة مشاركة بلغت 50.35%.[1]

وينص الفصل 47 من الدستور على أن الملك يعيّن رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدّر انتخابات مجلس النواب، ثم يعيّن أعضاءها باقتراح منه.[2] غير أن تجربة 2016 كشفت حدود هذا الربط، إذ أعفى الملك عبد الإله بن كيران في آذار 2017 بعد خمسة أشهر من تعثّر مشاوراته، وكلّف سعد الدين العثماني من الحزب نفسه بتشكيل حكومة ضمّت الأطراف التي رفض بن كيران إشراكها. لذلك لا يكمن السؤال الأهم في قدرة المتصدّر على جمع أغلبية عددية، فالائتلافات تتشكّل عادة حول الفائز، وإنما في ما يستطيع هو وشركاؤه فعله بالنتيجة، أي في هامش الحكومة في ملفات تُدار من خارج الحقل الحزبي. وتصف أدبيات النظام السياسي المغربي الانتخابات بأنها آلية لإعادة توزيع المواقع داخل بنية تحتفظ فيها الملكية بموقع التحكيم، لا آلية لإعادة تعريف تلك البنية.[3]

وتظل التجربة المغربية مرجعاً عربياً للإصلاح من داخل النظام: تعديل دستوري، ثم رئاسة إسلاميين للحكومة عقداً كاملاً، ثم خروجهم منها عبر الصندوق.

تعتمد الورقة على ثلاثة مستويات من المعطيات: البيانات الانتخابية والمؤسسية، ومنها نتائج 2021 ومعطيات وزارة الداخلية حول الهيئة الناخبة ولوائح 2026؛ والمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط واستطلاع أفروباروميتر؛ ثم حركة المرشحين والأعيان بين الأحزاب والبرامج المعلنة ومسار الحملة. وتميّز الورقة بين ما تثبته البيانات، وما تشير إليه المؤشرات، وما يقدّمه التحليل من تفسير.

ولغياب استطلاعات رأي وطنية منشورة لنوايا التصويت، يمثّل الترتيب الوارد أدناه تقديراً نوعياً مشروطاً بنسبة المشاركة وبقدرة الأحزاب على تحويل شبكاتها إلى أصوات، لا توقعاً إحصائياً للمقاعد. ويتسع هامش الخطأ بين الأحزاب الثلاثة المتقاربة، لأن القاسم الانتخابي المعتمد منذ 2021 يُحتسب على أساس المسجلين لا المصوتين، فيجعل التوزيع الجغرافي للأصوات حاسماً ويحدّ من فوز أي حزب بأكثر من مقعد في الدائرة الواحدة.[4]

السياق: ثلاثة تحولات ضاغطة

أول هذه التحولات احتجاجات “جيل زد 212″، نسبةً إلى جيل المولودين بين أواخر التسعينيات ومطلع العقد الثاني من هذا القرن، وإلى رمز الاتصال الدولي للمغرب. انطلقت الحركة رقمياً في 27 أيلول 2025 إثر وفيات نساء حوامل في مستشفى بأكادير، احتجاجاً على تردّي الصحة والتعليم وعلى الإنفاق الضخم على استحقاقات رياضية منها مونديال 2030، وسقط ثلاثة قتلى برصاص الدرك في القليعة قرب أكادير، واعتُقل نحو ألف شخص.[5] وتتراوح مواقف الحركة بين النقد الاجتماعي والمطالبة بالعدالة الاجتماعية ومواقف يسارية أو غير مؤطرة حزبياً، فيصعب اختزالها في اتجاه واحد أو تحويل حضورها الرقمي إلى توقع لسلوك انتخابي محدد. والأهم أنها كشفت تحولاً في معايير تقييم السلطة: فالأجيال الأكبر تقيس الحاضر بمرحلة ما قبل 1999، في حين يقيس الشباب أداء الدولة بفرص العمل وجودة الخدمات والحق في حياة كريمة. ولا يثق بالبرلمان والحكومة والأحزاب سوى نحو ثلث المغاربة بين 18 و35 عاماً.[6]

والتحول الثاني يتعلق بصورة الحزب القائد للحكومة، فقد ارتبط تقييم الأداء الحكومي بشخص رئيس الحكومة عزيز أخنوش، رجل الأعمال الذي تملك مجموعته “أكوا” شركة “إفريقيا”، كبرى شركات توزيع المحروقات. وجعل اجتماع رئاسة الحكومة وملكية مصالح في هذا القطاع كل ارتفاع في أسعار الوقود قابلاً للقراءة بوصفه تضارب مصالح، خصوصاً بعد أن غرّم مجلس المنافسة شركات التوزيع، ومنها “إفريقيا”، نحو 1.84 مليار درهم في تشرين الثاني 2023 بسبب ممارسات مخلة بالمنافسة.[7] ومع غلاء 2022 الذي رافق الحرب الروسية الأوكرانية صارت المحروقات محور المحاسبة، وواجهت الحكومة صعوبات في إيصال سرديتها بشأن إنجازاتها الاقتصادية والاجتماعية، فاتسعت مساحة المعارضة والخطاب الاحتجاجي في تفسير سياساتها. وفي كانون الثاني 2026 أعلن أخنوش تخليه عن رئاسة الحزب وعدم ترشحه، وخلفه محمد شوكي في شباط،[8] فدخل الأحرار الاقتراع بقيادة جديدة وحصيلة قديمة.

والتحول الثالث أزمة سبتة، ففي أواخر تموز 2026 عبر نحو ستين ألف شخص، أغلبهم شبان، إلى المدينة الخاضعة للسيادة الإسبانية خلال أيام، وعاد معظمهم. وتحدثت مصادر دولية عن 67 إلى 72 وفاة على الأقل، في حين أعلنت وزارة الداخلية المغربية محاولة نحو أربعين ألفاً العبور و11 وفاة، وتداولت أوساط مغربية حصيلة تقارب 140 غريقاً لم يتسنَّ التحقق منها.[9] ووصف رئيس الحكومة الإسبانية ما جرى بأنه “انتهاك للسيادة الترابية لإسبانيا”، وأعادت إيطاليا فرض الرقابة على حدودها مع إسبانيا.

وتوزعت التفسيرات على أربع روايات: رسمية مغربية تنسب الحدث إلى التضليل الرقمي وشبكات الاتجار بالبشر؛ واجتماعية تربطه بانسداد الأفق أمام الشباب؛ وثالثة تشكك في تساهل السلطات، مستحضرةً سابقة أيار 2021 حين عبر نحو عشرة آلاف شخص إلى سبتة في ذروة أزمة دبلوماسية؛ ورسمية إسبانية نفت وجود أدلة على أن الرباط دبّرت الأحداث. وتضعف فرضية الضغط المغربي مقارنة بعام 2021، لأن مدريد تدعم منذ آذار 2022 مقترح الحكم الذاتي بوصفه “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” لحل النزاع. وقد فتح المغرب تحقيقاً، وطالب بن كيران الملك بلجنة لتقصي الحقائق.[10] ولا تسمح المعطيات المتاحة بالحسم في دوافع الحدث، لكن دلالته الانتخابية واضحة: فقد أعاد الهجرة والهامش الاجتماعي إلى صدارة النقاش، وكشف المسافة بين خطاب التحسن الاقتصادي وتجربة فئات واسعة من الشباب.

المفارقة الاقتصادية: مؤشرات كلية تتحسن وأثر معيشي متعثر

تبدو الحصيلة الكلية في بلد يبلغ عدد سكانه نحو 36.8 مليون نسمة إيجابية: نمو بلغ نحو 4.9% في 2025 بعد سنوات أثقلها الجفاف، وتضخم تراجع إلى 0.8% في 2025، ثم انخفاض سنوي للأسعار بنسبة 0.8% في كانون الثاني 2026،[11] رغم استيراد المغرب أكثر من 90% من حاجاته الطاقية. وخلال الولاية المنتهية عُمّم التأمين الإجباري عن المرض ضمن ورش الحماية الاجتماعية الذي أطلقه الملك عام 2020، وأُطلق دعم مباشر يستفيد منه نحو 3.9 مليون أسرة، بين 500 درهم (نحو 50 دولاراً) و1350 درهماً شهرياً.[12]

غير أن هذه الصورة تصطدم بالبطالة: 13% في 2025، و37.2% في الفئة العمرية 15–24 عاماً، و20.5% لدى النساء، أي نحو 1.62 مليون عاطل،[13] في حين لم يتجاوز صافي المناصب المحدثة خلال الولاية نحو 95 ألفاً مقابل وعد المليون منصب عام 2021.[14] ولا تتحول المؤشرات الكلية إلى رأسمال سياسي إلا حين تنعكس على الدخل وفرص العمل والخدمات؛ ولذلك تختبر الانتخابات قدرة الحكومة على تحويل حصيلتها إلى سردية مقنعة، كما تختبر قدرة المعارضة على تقديم تفسير بديل للتجربة اليومية للمواطنين. وتتعقد المسألة لأن جزءاً من النخبة الحزبية يعدّ السياسة الاجتماعية ورشاً ملكياً فوق التنافس الانتخابي، فلا تنسبه الحكومة إلى نفسها بالكامل، ولا تسائلها المعارضة عنه بحرية.

وتنقض النقابات التعميمات الشائعة عن هشاشة المجتمع المدني العربي، فقد قادت إضرابي 1981 و1990 العامين، وإضراباً عاماً في شباط 2025 ضد قانون الإضراب، وانتزعت عبر “الحوار الاجتماعي” اتفاق نيسان 2024 الذي رفع أجور موظفي القطاع العام بألف درهم، والحد الأدنى للأجور بنسبة 10% ليبلغ 3422 درهماً في كانون الثاني 2026.[15]

الخريطة الحزبية وبنية التنافس

تتوزع الخريطة الحزبية على أربعة مستويات، وتتسم بالتشظي أكثر مما تتسم بالاستقطاب الثنائي الذي راج وصفه بعد 2011،[16] في المستوى الأول الأحزاب الكبرى: التجمع الوطني للأحرار، الحزب القائد للحكومة والمرتبط تقليدياً بأوساط الأعمال؛ والأصالة والمعاصرة، الذي تجمع سرديته بين الأصالة والحداثة وتقترب أدبياته من التقدمية، لكنّ تأسيسه عام 2008 بمبادرة من فؤاد عالي الهمة، المستشار الملكي منذ 2011، أبقاه في خطاب خصومه “حزب القصر”؛ وحزب الاستقلال، أعرق الأحزاب، بقيادة نزار بركة، وتقوم قوته على شبكاته المحلية وهيئاته الموازية وحضوره المهيمن في الأقاليم الجنوبية، ولا سيما جهتي العيون–الساقية الحمراء والداخلة–وادي الذهب. ويُضاف إليها العدالة والتنمية، أبرز أحزاب المعارضة، وهو حزب حضري تتركز قاعدته في طنجة وتطوان وسلا والرباط وفاس والدار البيضاء، لاعتماده على الطبقة الوسطى المتعلمة وشبكات الحركة الدعوية التي انبثق منها.[17]

وفي المستوى الثاني اليسار التاريخي: الاتحاد الاشتراكي، أبرز قوى المعارضة في عهد الحسن الثاني وقائد حكومة التناوب التوافقي عام 1998، وقد تراجع إلى 34 مقعداً، والتقدم والاشتراكية (22 مقعداً)، وريث الحزب الشيوعي المغربي. وفي المستوى الثالث يسار جذري حاضر إعلامياً وفي أوساط النخب المثقفة بقواعد محدودة، كفيدرالية اليسار الديمقراطي، إلى جانب النهج الديمقراطي العمالي المقاطع للانتخابات. وفي المستوى الرابع أحزاب ارتبطت تاريخياً بما عُرف بـ”أحزاب الإدارة” المدعومة من وزارة الداخلية، كالحركة الشعبية (28 مقعداً) والاتحاد الدستوري (18 مقعداً)، ومعها أحزاب صغيرة محدودة القاعدة تؤدي أساساً وظيفة منح التزكية لمرشحين تعذّر عليهم نيلها في أحزاب أخرى.

ويخترق هذه المستويات حضور الأعيان، أي الوجهاء المحليين من كبار الملّاك ورجال الأعمال وزعماء العائلات والقبائل، الذين يملكون شبكات نفوذ مستقلة عن الأحزاب، ويتنقلون بين ألوانها، ويُنتخبون لمعرفة الناخبين بهم وقدرتهم على تقديم الخدمات أكثر من انتمائهم الأيديولوجي، ويرتبط بعضهم بممارسات زبونية كتوزيع المال أو الوعد بالتشغيل.[18] لذلك تتحول المنافسة قبل كل اقتراع إلى سباق على استقطابهم، وتؤثر قواعد النظام الانتخابي نفسها في الوزن النسبي للأحزاب البرامجية مقارنة بتلك المعتمدة على الشبكات المحلية.[19] ومع ذلك لا تلغي الزبونية التنافس البرامجي على المستوى الوطني، وهي سمة تميز المغرب عن سياقات عربية أخرى، وتفرض التمييز بين ثلاثة مستويات: قدرة الحزب على تقديم خطاب وطني، وقدرة المرشح على بناء شبكة محلية، وقدرة التنظيم يوم الاقتراع على تحويل هذه الموارد إلى أصوات.

الحملة الانتخابية وإعادة ترتيب الاستقطاب

هيمنت القدرة الشرائية وظروف العيش على الحملة التي انطلقت في 10 أيلول، واكتسبت البرامج حضوراً أوضح من الاستحقاقات السابقة. فقد وعد الأحرار، في برنامجه “كرامة وفرص للجميع” للفترة 2026–2031، برفع الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم وبمليون منصب شغل، وقدّم الأصالة والمعاصرة برنامجاً بكلفة 350 مليار درهم، وركّز الاستقلال على القدرة الشرائية والسكن والماء ومحاربة الريع، وعرض العدالة والتنمية 467 إجراءً.[20] وواجه خصوم الأحرار وعده بالسؤال عن سبب عدم تنفيذه وهو يقود الحكومة؛ وهو سجال يمزج البرامج بالمزايدة، لكنه يؤشر إلى محاسبة على الحصيلة. والمعيار هنا ليس عدد الوعود، بل قابليتها للتحول إلى سياسات ممولة ومؤشرات تنفيذ.

وشهدت المرحلة التمهيدية تبادل اتهامات داخل الائتلاف نفسه، إذ اتهم الأحرار حليفه الأصالة والمعاصرة باستقطاب منتخبيه.[21] وفي هذا السياق التحق فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بالمكتب السياسي للأصالة والمعاصرة، دون أن يترشح في بركان كما راج، إذ تتصدر زوجته لائحة الحزب الجهوية في جهة الشرق.[22] وتكمن أهمية انتقاله في رمزيته، إذ يمنح الحزب وجهاً مرتبطاً بإنجازات كرة القدم، ويؤشر إلى إعادة تموضع جزء من النخبة التقنوقراطية. وتوظيف الرصيد الرياضي في السياسة تقليد مغربي وعالمي، جسّده سيلفيو برلسكوني حين جمع ملكية نادي ميلان ورئاسة الحكومة الإيطالية.

تقدير اتجاهات التصويت والمشاركة

ترجّح الورقة، في السيناريو الأساسي، تصدّر الأصالة والمعاصرة، يليه الاستقلال ثم التجمع الوطني للأحرار، فالعدالة والتنمية، ثم أحد حزبي اليسار التاريخي. ويستند هذا الترجيح إلى أداء 2021، وحركة الأعيان نحو الأصالة والمعاصرة قبل إيداع الترشيحات، ورسوخ الاستقلال في شبكاته التاريخية والأقاليم الجنوبية، وكلفة الحصيلة الحكومية التي يتحملها الأحرار رغم موارده التنظيمية والمالية الكبيرة. غير أن الفارق بين الأحزاب الثلاثة الأولى ضيق بما يكفي لأن يتبدل ترتيبها بتغير طفيف في المشاركة أو في توزيع الأصوات بين الدوائر، والأدق قراءة الصدارة بوصفها مفتوحة بين ثلاثة أحزاب مع أفضلية نسبية للأول.

وتمثّل جهة سوس ماسة مؤشراً لافتاً، فهي جهة يقارب سكانها ثلاثة ملايين نسمة، تمتد من ساحل أكادير إلى تخوم الصحراء وتجمع مدناً وبوادي جبلية وواحات، فتختزل قدراً كبيراً من تنوع المغرب. وقد كانت أكادير معقلاً للعدالة والتنمية حين تصدّر وطنياً، ثم اكتسحها الأحرار في 2021 ويرأس أخنوش مجلسها الجماعي منذ ذلك العام، كما شهدت الجهة أعنف أحداث احتجاجات “جيل زد”. لذلك ستكشف نتيجتها حجم تآكل الأحرار في معقله، على أن تُقرأ ضمن الصورة الوطنية لا بديلاً عنها.

أما العدالة والتنمية فيُرجَّح أن يحقق زيادة ملموسة دون المنافسة على الصدارة. ويثير رهانه على ملف التطبيع مفارقة، إذ كان أمينه العام السابق سعد الدين العثماني هو من وقّع، رئيساً للحكومة، الإعلان الثلاثي مع الولايات المتحدة وإسرائيل في كانون الأول 2020، ولم يقدّم الحزب منذ عودة بن كيران إلى قيادته مراجعة شاملة لتجربته في الحكم. وتحدّ من فرصه ثلاثة عوامل: الاستياء من تدبير بعض رؤساء مجالسه لمدن منحته أصواتاً كبيرة في 2011 و2016 كأكادير ومراكش؛ وتحميل حكومة بن كيران مسؤولية تحرير أسعار المحروقات في 2015؛ وتركّز قوته في المدن الكبرى حيث المشاركة الأضعف، في مواجهة ماكينتين حزبيتين، الأصالة والمعاصرة والاستقلال، خبيرتين في تعبئة الناخبين. وهدفه الواقعي تجاوز عتبة الفريق البرلماني (عشرون نائباً) لما تتيحه من موارد وأدوات للمساءلة؛ فإن بلغ أربعين مقعداً عُدّ ذلك نجاحاً شخصياً لبن كيران. وثمة قراءة مخالفة ترفعه إلى المرتبة الثانية أو الثالثة، لأنه يكاد يكون الحزب الوحيد الذي خاض في ملفات تتحاشاها الأحزاب الأخرى، كأحداث سبتة؛ وتزداد وجاهتها إذا ارتفعت المشاركة الحضرية على نحو غير متوقع.

ويبقى التحدي الأكبر هو المشاركة. فقد تراجع عدد المسجلين من 17.98 مليوناً في 2021 إلى 15.8 مليوناً في تموز 2026، بعد شطب نحو مليوني اسم لأسباب أبرزها الوفاة وتغيّر محل السكن، مقابل أقل من نصف مليون تسجيل جديد.[23] ولا تتجاوز حصة الفئة 18–24 عاماً 4% من الهيئة الناخبة، مقابل أكثر من 29% لمن تجاوزوا الستين. ولا يكفي ذلك وحده دليلاً على رفض الشباب للسياسة، إذ تتداخل فيه عوامل التسجيل والتحولات الديموغرافية. ولأن المشاركة تُحتسب على أساس المسجلين، فقد يرفعها تقلص اللوائح حسابياً دون اتساع فعلي لقاعدة المصوتين. تشير المؤشرات المتاحة إلى منافسة متقاربة بين أحزاب الائتلاف الحكومي المنتهية ولايته، مع احتمال تحسن تمثيل العدالة والتنمية، فيما تبقى نسبة المشاركة وتوزيع الأصوات جغرافياً أكبر مصادر عدم اليقين.

التطبيع وقضية الصحراء في السلوك الانتخابي

يتسم الموقف الشعبي الغالب بازدواجية: عدم رضا عن التطبيع، وتفهّم لموقف الدولة بسبب ارتباطه بقضية الصحراء. فقد جاء استئناف العلاقات مع إسرائيل في كانون الأول 2020 مقابل اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء، وأعقبته مواقف داعمة لمقترح الحكم الذاتي من إسبانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، ثم قرار مجلس الأمن 2797 في 31 تشرين الأول 2025 الذي جعل المقترح أساساً للمفاوضات.[24] وخلافاً لمصر والأردن، حيث بقي التطبيع رسمياً ولم يتحول شعبياً، يتحرك المغرب في منطقة رمادية تتسع فيها مجالات التعاون.

واختُبرت هذه الازدواجية قبل أسبوع من الاقتراع، حين أُعلن في 16 أيلول 2026، إثر لقاء ثلاثي في نيويورك جمع وزير الخارجية ناصر بوريطة بنظيره الإسرائيلي جدعون ساعر والسفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، الاتفاق على رفع التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السفارات. وجدّد العدالة والتنمية في اليوم التالي رفضه “الثابت” للتطبيع، ودعا أعضاءه في الوقت ذاته إلى التركيز على الحملة الانتخابية.[25] فلا حزب يتبنى التطبيع، ولا حزب يجعله معركته الانتخابية.

ويعود ذلك إلى أن السياسة الخارجية مجال ملكي محفوظ في العرف الدستوري، فتعلن أغلب الأحزاب تحفظها ثم تُلحقه بعبارة “نتفهّم”. لذلك لا يتحول الموقف من التطبيع إلى سلوك تصويتي إلا لدى من يقاربه من منطلق عقدي، وقد خرجت أكبر المظاهرات المنددة به في طنجة وتطوان، حيث يتركز حضور العدالة والتنمية وجماعة العدل والإحسان والتيارات السلفية. أما عموم الناخبين فتحدد اختياراتهم الأسعار والأجور والخدمات، دون أن يعني ذلك تراجع مكانة القضية الفلسطينية في الوجدان العام.

خاتمة: ماذا سيُنتج الصندوق؟

تُظهر التجربة المغربية انتقالاً تدريجياً نحو انتخابات أكثر انتظاماً، مع استمرار الجدل حول المال الانتخابي ونفوذ الأعيان وحياد الإدارة الترابية، أي وزارة الداخلية وممثليها من ولاة وعمال. ولا تكمن الإشكالية الرئيسية في التلاعب المباشر بالصناديق، وإنما في مصادر نفوذ تسبق يوم التصويت وتعمل خارج المنافسة البرامجية، كالثروة والروابط العائلية والقبلية والقرب من السلطة المحلية؛ فالنزاهة بهذا المعنى تشمل شروط المنافسة قبل الاقتراع، لا سلامته يوم التصويت وحده. وقد شُكّلت لهذا الاستحقاق لجنة مركزية لتتبع الانتخابات يرأسها وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة.[26]

ومن هذه الزاوية، تبدو الانتخابات المغربية، كأغلب الانتخابات العربية، آلية لإعادة توزيع المشاركة في السلطة لا لإعادة تعريف النظام. غير أنها تتميز بأن نتائجها تحدد الحزب الذي يقود الحكومة وتوازنات الأغلبية، فتمنح الناخب قدرة فعلية على معاقبة الحاكمين، كما حدث مع العدالة والتنمية في 2021.

بعد إعلان النتائج، ينبغي أن ينتقل التحليل من سؤال “من فاز؟” إلى سؤال “ماذا أنتج الفوز؟”. وتتمثل المؤشرات الأساسية في خمسة: نسبة المشاركة ومدى نزولها عن 42%، ولا سيما بين الشباب؛ وتوزيع المقاعد بين القوى الأربع الرئيسية، ومنه نتيجة سوس ماسة بوصفها مقياساً لتآكل الحزب القائد للحكومة؛ وعبور العدالة والتنمية عتبة الفريق البرلماني؛ وأثر المال والأعيان في الدوائر القروية؛ ثم شكل الائتلاف المقبل وبرنامجه.

والسيناريو الأرجح حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة مع الاستقلال، وربما الأحرار، ومعارضة يتصدرها إسلاميون أقوى عدداً مما كانوا عليه في 2021. ويبقى سيناريوهان بديلان واردان: احتفاظ الأحرار بالصدارة بفضل موارده وشبكاته رغم كلفة الحصيلة، فيستمر الائتلاف الحالي بترتيب داخلي مختلف؛ أو تصدّر الاستقلال إذا عوّضت قوته في الأقاليم الجنوبية والبوادي تراجع المشاركة في المدن. وفي السيناريوهات الثلاثة يُرجَّح أن تتشكل الحكومة من الأحزاب الثلاثة نفسها أو من اثنين منها، ما يجعل الفارق الفعلي في موقع القيادة وتوزيع الحقائب أكثر منه في الاتجاه العام للسياسات.

وعلى المدى المتوسط، يتوقف أثر الاقتراع على ما ستفعله الحكومة الجديدة بالمساحة المتاحة لها. فإذا بقيت السياسات بعيدة عن التشغيل والصحة والتعليم، وهي الملفات التي دفعت الشباب إلى الاحتجاج أو العزوف، فستكون الانتخابات قد أعادت ترتيب المقاعد دون أن تعالج أزمة التمثيل؛ أما تحويل هذه المطالب إلى سياسات قابلة للقياس، وتمكين البرلمان من مساءلة فعلية، فيمنحها أثراً يتجاوز تركيبة المجلس. وفي نظام يحتفظ فيه القصر بموقع مركزي، تصبح مساحة الفعل الحكومي والبرلماني، وحدودها، المؤشر الأدق على ما أنتجته صناديق الاقتراع، ويبقى معيار الحكم الأخير قدرة من يشارك في السلطة على مخاطبة جيل لم يعد يقبل المقارنة بالماضي معياراً للرضا.

مراجع أكاديمية مختارة

Clark, Janine A. Local Politics in Jordan and Morocco: Strategies of Centralization and Decentralization. New York: Columbia University Press, 2018.

Daadaoui, Mohamed. “Rituals of Power and Political Parties in Morocco: Limited Elections as Positional Strategies.” Middle Eastern Studies 46, no. 2 (2010): 195–219.

Liddell, James. “Notables, Clientelism and the Politics of Change in Morocco.” The Journal of North African Studies 15, no. 3 (2010): 315–331.

Lust, Ellen. “Competitive Clientelism in the Middle East.” Journal of Democracy 20, no. 3 (2009): 122–135.

Pellicer, Miquel, and Eva Wegner. “Electoral Rules and Clientelistic Parties: A Regression Discontinuity Approach.” Quarterly Journal of Political Science 8, no. 4 (2013): 339–371.

Szmolka, Inmaculada. “Bipolarisation of the Moroccan Political Party Arena? Refuting This Idea through an Analysis of the Party System.” The Journal of North African Studies 26, no. 1 (2021): 73–102.

Tozy, Mohamed. “Morocco’s Elections: Islamists, Technocrats, and the Palace.” Journal of Democracy 19, no. 1 (2008): 34–41.

Wegner, Eva. Islamist Opposition in Authoritarian Regimes: The Party of Justice and Development in Morocco. Syracuse: Syracuse University Press, 2011.


[1]وزارة الداخلية المغربية، النتائج النهائية لانتخاب أعضاء مجلس النواب، 8 أيلول 2021؛ وحول دوائر 2026: «تقرير: انتخابات 23 شتنبر.. 395 مقعداً و1850 لائحة أمام خريطة انتخابية أكثر تعقيداً»، فاس24، أيلول 2026.

[2]دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصل 47.

[3]Mohamed Daadaoui, “Rituals of Power and Political Parties in Morocco: Limited Elections as Positional Strategies,” Middle Eastern Studies 46, no. 2 (2010): 195–219; Mohamed Tozy, “Morocco’s Elections: Islamists, Technocrats, and the Palace,” Journal of Democracy 19, no. 1 (2008): 34–41.

[4]القانون التنظيمي رقم 04.21 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب (2021)، الذي اعتمد احتساب القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين في الدائرة.

[5]هيومن رايتس ووتش، «المغرب: الاحتجاجات تُقابَل بالقمع والعنف»، 15 تشرين الأول 2025.

[6]«انتخابات المغرب 2026: اختبار للثقة السياسية والانخراط»، الجزيرة الإنجليزية، 17 أيلول 2026، نقلاً عن استطلاع أفروباروميتر للشباب المغاربة (آذار 2026).

[7]مجلس المنافسة، بلاغ بشأن التسوية التصالحية مع شركات توزيع المحروقات، تشرين الثاني 2023.

[8]«أخنوش: لن أترشح لانتخابات 2026»، هسبريس (النسخة الإنجليزية)، 11 كانون الثاني 2026؛ «محمد شوكي رئيس جديد للتجمع الوطني للأحرار خلفاً لعزيز أخنوش»، يابلادي، 7 شباط 2026.

[9]«60 ألفاً عبروا وأغلبهم عادوا.. تفاصيل التدفق الكبير من المغرب إلى سبتة»، الجزيرة نت، 30 تموز 2026؛ «إيطاليا تعلّق حرية التنقل مع إسبانيا: هل تمر شنغن بأزمة بعد سبتة؟»، الجزيرة الإنجليزية، 4 آب 2026؛ «أول موقف رسمي من أحداث سبتة.. وزارة الداخلية تكشف دور التضليل الرقمي وشبكات الاتجار بالبشر»، مغرب ميديا، 2 آب 2026. أما حصيلة 140 غريقاً فرقم متداول لم يتسنَّ التحقق منه.

[10]«المغرب يبلغ إسبانيا بفتح تحقيق بشأن أحداث سبتة وسانشيز يجدد نفي وجود أدلة على تورط الرباط»، أشطاري 24، آب 2026؛ «ردود فعل متباينة إثر توجيه بن كيران طلباً إلى العاهل المغربي من أجل معرفة ملابسات أحداث سبتة»، القدس العربي، آب 2026.

[11]المندوبية السامية للتخطيط، الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك لسنة 2025 (كانون الثاني 2026) ولشهر كانون الثاني 2026 (شباط 2026).

[12]«الدعم الاجتماعي المباشر: 3.9 مليون أسرة مستفيدة»، لافي إيكو (بالفرنسية)، 19 أيار 2026.

[13]المندوبية السامية للتخطيط، «وضعية سوق الشغل سنة 2025»، 3 شباط 2026.

[14]«حلفاء الحكم في المغرب ينقلبون على بعضهم قبل انطلاق الحملة الانتخابية»، الجزيرة الإنجليزية، 3 أيلول 2026.

[15]«الحد الأدنى للأجور يبلغ 3422 درهماً ابتداءً من كانون الثاني 2026»، إينوفان ماغازين (بالفرنسية)، كانون الثاني 2026.

[16]Inmaculada Szmolka, “Bipolarisation of the Moroccan Political Party Arena? Refuting This Idea through an Analysis of the Party System,” The Journal of North African Studies 26, no. 1 (2021): 73–102.

[17]حول القاعدة الاجتماعية للحزب وعلاقته بحركة التوحيد والإصلاح، انظر: Eva Wegner, Islamist Opposition in Authoritarian Regimes: The Party of Justice and Development in Morocco (Syracuse: Syracuse University Press, 2011).

[18]James Liddell, “Notables, Clientelism and the Politics of Change in Morocco,” The Journal of North African Studies 15, no. 3 (2010): 315–331.

[19]Miquel Pellicer and Eva Wegner, “Electoral Rules and Clientelistic Parties: A Regression Discontinuity Approach,” Quarterly Journal of Political Science 8, no. 4 (2013): 339–371.

[20]الجزيرة الإنجليزية، 17 أيلول 2026، مصدر سابق؛ التجمع الوطني للأحرار، البرنامج الانتخابي 2026–2031 «كرامة وفرص للجميع».

[21]الجزيرة الإنجليزية، 3 أيلول 2026، مصدر سابق.

[22]«لقجع يكشف أسرار علاقته بالمنصوري وأسباب عدم ترشحه ببركان ويرد على الطالبي العلمي»، سياسي، 14 أيلول 2026.

[23]«الداخلية: تشطيب نحو مليوني اسم من اللوائح الانتخابية قبل تشريعيات 2026»، موقع بديل، تموز 2026؛ «لفتيت: الوفيات وسكن الصفيح أبرز أسباب التشطيب من اللوائح الانتخابية»، زنقة 20، 2026؛ «النساء يمثلن 46% من الهيئة الناخبة.. ماذا تقول أرقام انتخابات 2026؟»، الدار، أيلول 2026.

[24]المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، «قرار مجلس الأمن رقم 2797: خلفياته وتداعياته على مستقبل الصحراء الغربية»، تشرين الثاني 2025.

[25]«إسرائيل والمغرب تتفقان على رفع مستوى العلاقات الدبلوماسية»، ذا ناشيونال، 17 أيلول 2026؛ «العدالة والتنمية يرفض الارتقاء بالعلاقات المغربية الإسرائيلية»، يابلادي (النسخة الإنجليزية)، 17 أيلول 2026.

[26]موقع بديل، تموز 2026، مصدر سابق.

زر الذهاب إلى الأعلى