حوكمة القطاع الطبي الأردني بين الاختصاص والمساءلة

ملخص تنفيذي
تعالج هذه الورقة فجوة حوكمة متنامية في القطاع الطبي الأردني، وتحديدًا ضعف الربط بين شهادة الاختصاص، والصلاحيات السريرية، والرقابة الفعلية، ومسار المساءلة عند وقوع الخطأ أو الشكوى. وتجادل الورقة بأن المشكلة لا تكمن في غياب المؤسسات أو التشريعات، بل في عدم اكتمال الإطار الذي يحدد بدقة من يملك حق ممارسة أي إجراء، وبأي تدريب، وداخل أي مؤسسة، وتحت أي رقابة.
شهد القطاع الطبي الأردني توسعًا كبيرًا في حجم الممارسة وتعقيدها؛ فقد ارتفع عدد الإجراءات الطبية المدرجة ضمن لوائح الأجور المعتمدة من أقل من 1500 إجراء عام 2008 إلى ما يقارب 4500 إجراء في لائحة 2024، بالتوازي مع استحداث نحو عشرين تخصصًا فرعيًا جديدًا. هذا التحول غيّر طبيعة الممارسة الطبية من منظومة محدودة نسبيًا إلى فضاء واسع تتداخل فيه الاختصاصات، وتتسارع فيه التقنيات، وتتقدم فيه الإعلانات الطبية والتجميلية على قدرة الرقابة التقليدية.
توصي الورقة باعتماد مسار إصلاحي عملي يقوم على تطوير قوائم وطنية لصلاحيات الشهادة، وتحويل سجل التدريب إلى سجل إلكتروني حي، وتفعيل لجان الصلاحيات السريرية داخل المؤسسات الصحية، وإعادة تصميم مسار الشكاوى الطبية عبر تقييم فني متخصص سابق للإحالة الجزائية، وإنشاء منصة وطنية موحدة تتيح التحقق من الطبيب والمنشأة والصلاحية والإعلان الطبي. والغاية ليست إنتاج طبقة بيروقراطية جديدة، بل ربط المؤسسات القائمة ضمن إطار واضح يجعل الممارسة الطبية أكثر أمانًا، والمساءلة أكثر عدالة، والثقة العامة أكثر قابلية للقياس.
لماذا الحوكمة الطبية الآن؟
تكشف الشكاوى المرتبطة بالأخطاء الطبية، والجدل المتكرر حول بعض الإجراءات التجميلية، عن فجوة تنظيمية واضحة في حوكمة الممارسة الطبية في الأردن. ولا تتعلق هذه الفجوة بوقوع حوادث فردية معزولة فحسب، بل بغياب إطار مؤسسي مكتمل يحدد بدقة العلاقة بين شهادة الاختصاص، والصلاحيات السريرية، والرقابة على الممارسة، ومسار المساءلة عند وقوع الضرر. ومن هنا تبرز المسألة الأساسية التي تتناولها هذه الورقة: من الجهة، أو الآلية، التي تحدد ما يحق للطبيب ممارسته، وضمن أي شروط، وداخل أي مؤسسة صحية؟
تزداد أهمية هذا السؤال في ضوء التحول الكبير الذي شهده القطاع الطبي الأردني خلال السنوات الأخيرة. فقد ارتفع عدد الإجراءات الطبية المدرجة ضمن لوائح الأجور المعتمدة من أقل من 1500 إجراء عام 2008 إلى ما يقارب 4500 إجراء في لائحة 2024، بالتوازي مع استحداث نحو عشرين تخصصًا فرعيًا جديدًا خلال الفترة نفسها. ويشير هذا التطور إلى تغير فعلي في طبيعة الممارسة الطبية، إذ انتقلت من نطاق محدود نسبيًا من الإجراءات المعروفة، إلى مجال أكثر اتساعًا وتداخلًا، تشترك فيه اختصاصات متعددة في الإجراء الواحد، وتدخل عليه تقنيات وأدوات وممارسات لم تكن قائمة بالوضوح نفسه قبل سنوات. وعليه، يصبح السؤال التنظيمي الأهم هو ما إذا كانت منظومة الرقابة والمساءلة قد تطورت بالقدر نفسه الذي تطورت فيه الممارسة الطبية من حيث الحجم والتعقيد.
تتجلى المشكلة بصورة أوضح في توزيع الأدوار بين المؤسسات المعنية بتنظيم القطاع الطبي. فالمجلس الطبي الأردني يتولى الإشراف على التدريب ومنح شهادات الاختصاص، ونقابة الأطباء تمثل الجسم المهني وتتابع جوانب تتصل بالشكاوى والسلوك المهني، ووزارة الصحة تضطلع بأدوار الترخيص والتفتيش والرقابة التنفيذية، إلى جانب دور المؤسسات الصحية والمستشفيات والجهات القضائية والتأمينية. ولا يمثل تعدد هذه الجهات مشكلة بذاته، إذ إن تنظيم قطاع بهذا الحجم يقتضي توزيعًا وظيفيًا للأدوار. غير أن الإشكالية تبدأ حين لا تكون العلاقة بين هذه الجهات محددة بما يكفي، وحين تغيب آلية مرجعية واضحة لحسم التداخل بين الاختصاصات، أو تحديد المسؤولية عند تقديم شكوى، أو تقييم الممارسة عند وقوع خطأ.
وبذلك، لا يتمثل التحدي في اختيار جهة واحدة تحتكر القرار، بل في بناء إطار مؤسسي يربط بين الجهات القائمة وفق توزيع واضح للمسؤوليات. فإذا كان الطبيب يحمل شهادة اختصاص معينة، فإن السؤال لا يقف عند الشهادة ذاتها، بل يمتد إلى تحديد الإجراءات التي تدخل فعلًا ضمن هذا الاختصاص، والجهة المخولة باعتماد هذا التحديد، ودور المؤسسة الصحية في منح الطبيب صلاحية ممارسة الإجراء داخلها، ودور وزارة الصحة والنقابة والمجلس الطبي في الرقابة والمساءلة. ومن دون هذا الربط، تبقى الحدود بين الاختصاص والصلاحية والممارسة الفعلية غير مكتملة، بما يضعف حماية المريض وعدالة مساءلة الطبيب والمؤسسة في الوقت نفسه.
هذا يقود مباشرة إلى تمييز جوهري كثيراً ما يغيب عن النقاش العام: التمييز بين الاختصاص والصلاحية. فحصول الطبيب على شهادة في اختصاص معين لا يعني، تلقائياً، أنه يستطيع القيام بكل إجراء يمكن أن يرتبط نظرياً بهذا الاختصاص، في كل الظروف وداخل كل مؤسسة. ومن هنا يمكن اختصار جوهر أزمة الحوكمة الطبية في الأردن بمعادلة من أربع حلقات مترابطة: الاختصاص، ثم الصلاحية، ثم الرقابة، ثم المساءلة. فلا يمكن الحديث عن مساءلة عادلة ما لم يكن هناك تحديد واضح للاختصاص، ولا يمكن تحديد الصلاحية دون معرفة مستوى تدريب الطبيب وكفاءته الفعلية، ولا يمكن ضمان الالتزام بالصلاحيات دون رقابة فعالة قادرة على اكتشاف التجاوز، كما لا يمكن أن تستند المساءلة إلى أساس عادل دون معايير فنية واضحة تحدد المسؤولية الفردية والمؤسسية على حد سواء. كل حلقة من هذه الحلقات تعتمد على الحلقة التي تسبقها؛ وضعف أي منها ينعكس تلقائياً على ما يليها.
المحور الأول: نطاق الممارسة وتداخل الاختصاصات
يمثل المجلس الطبي الأردني المرجعية الأساسية في الحلقة الأولى من هذه السلسلة، إذ يتولى اعتماد برامج التدريب ومراكز التدريب، ومتابعة سجلات الأطباء المتدربين، وإجراء الامتحانات، ومنح شهادات الاختصاص. وهذا الدور يجعله جهة محورية في منظومة الاختصاص الطبي؛ فهو الجهة التي تتحقق من استيفاء الطبيب متطلبات التدريب والتقييم اللازمة للوصول إلى مستوى معين من الكفاءة. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا يتعلق بحدود هذا الدور: هل تحدد شهادة الاختصاص، بصورة صريحة وموثقة، كل ما يستطيع حاملها القيام به؟ الواقع أن معرفة مهنية ضمنية قد تحدد، من حيث المبدأ، ما يدخل ضمن نطاق اختصاص بعينه، لكن هذه المعرفة الضمنية تصبح عاجزة تماماً عن حسم الأمر عند وقوع خلاف أو شكوى، حين تصبح الحاجة ملحة إلى مرجعية مكتوبة يمكن الاحتكام إليها بدقة.
من هنا برز، في النقاش المؤسسي الأردني حول هذه المسألة، مفهوم واعد لكنه لم يكتمل بعد: «صلاحيات الشهادة». والفكرة أن شهادة الاختصاص لا تكتفي بذكر اسم التخصص، إنما ترتبط بقائمة محددة من الإجراءات التي يفترض أن الطبيب تدرب عليها فعلياً وأثبت كفاءته فيها، بحيث يمكن أن توجد، على سبيل المثال، قائمة تضم نحو أربعين إجراءً مرتبطاً ببرنامج تدريب الجراحة العامة، تتحقق منها الجهة المشرفة عبر متابعة تدريب الطبيب وتقييمه. لكن الأهم من ذلك أن هذا المفهوم يفترض، بالضرورة، التمييز بينه وبين مفهوم آخر لا يقل أهمية: «صلاحيات الممارس». فصلاحيات الشهادة تعكس التأهيل الأساسي الذي يخوّل الطبيب، من حيث الأصل، ممارسة مجموعة من الإجراءات، أما صلاحية الممارسة الفعلية فتتأثر بعوامل أخرى تتغير مع الزمن: استمرارية الممارسة، الخبرة الحديثة، الكفاءة الراهنة، التدريب المستمر، وطبيعة المؤسسة التي يعمل فيها الطبيب وقدرتها على التعامل مع المضاعفات المحتملة. وهذا التفريق، رغم بساطته الظاهرية، هو حجر الزاوية في أي منظومة حوكمة طبية عادلة؛ ذلك أن معادلة «حصل على الشهادة وانتهى الأمر» لم تعد كافية في مهنة تتغير أدواتها وتقنياتها باستمرار.
الأداة الأكثر واقعية لترجمة هذا التمييز إلى ممارسة هي سجل التدريب، أو ما يعرف بالـLogbook: السجل الذي يوثق الإجراءات التي شاهدها الطبيب أو شارك فيها أو نفذها تحت الإشراف خلال فترة تدريبه، وعدد مرات تعرضه لكل إجراء، ومستوى مسؤوليته أثناء القيام به. غير أن قيمة هذا السجل تتوقف عند نقطة التخرج ما لم يتحول إلى أداة حية ومستمرة؛ فإذا كان الطبيب قد أجرى عملية معينة أثناء تدريبه ثم لم يمارسها لخمس سنوات، هل تبقى صلاحيته فيها قائمة بصورة تلقائية؟ لا توجد إجابة بديهية عن هذا السؤال إلا من خلال آليات واضحة لإعادة التقييم الدوري، ترتبط بمستوى خطورة الإجراء وطبيعته، وتتجاوز الاكتفاء بساعات «التطوير المهني المستمر» أو شهادات حضور المؤتمرات، التي لا تثبت بالضرورة استمرار الكفاءة العملية في إجراء بعينه، خصوصاً في التدخلات الجراحية أو عالية الخطورة. فحضور مؤتمر شيء، وإثبات القدرة على تنفيذ إجراء بأمان أمام مقيّم مستقل شيء آخر تماماً.
المحور الثاني: الصلاحيات السريرية والرقابة على الممارسة
هذه الحلقة الثانية من السلسلة – الصلاحية – لا تكتمل عند حدود الطبيب الفرد، بقدر ما تمتد إلى المؤسسة الصحية التي يعمل فيها، عبر مفهوم «الصلاحيات السريرية» (Clinical Privileges). فوجود الطبيب ضمن اختصاص معين لا يعني أنه مخوّل تلقائياً بممارسة كل إجراء يرتبط بذلك الاختصاص داخل أي مؤسسة وتحت أي ظرف؛ إذ تمنح المستشفيات، من حيث المبدأ، صلاحيات سريرية محددة بناء على تدريب الطبيب وخبرته وكفاءته، وقد تكون هذه الصلاحيات مساوية للإجراءات التي تدرب عليها أو أقل منها، لكنها لا تكون أوسع منها أبداً. وتأخذ هذه الصلاحيات في الاعتبار أيضاً قدرة المؤسسة ذاتها؛ فالإجراء الطبي يعتمد على مهارة الطبيب، ويحتاج غالباً إلى فريق تخدير، وتمريض متخصص، وتجهيزات للعناية المركزة، وقدرة فعلية على التعامل مع الطوارئ والمضاعفات. وهذا ما يجعل السؤال الحقيقي ليس «هل يعرف الطبيب كيف يُجري هذا الإجراء؟» فحسب، بل: هل الطبيب والمؤسسة والبيئة المحيطة، مجتمعين، قادرون على تقديمه بأمان؟
هذا التمييز بين شهادة الاختصاص والصلاحية المؤسسية يعكس ما استقرت عليه منظومات صحية ناضجة حول العالم. ففي الولايات المتحدة، تفصل المستشفيات صراحة بين عمليتين متمايزتين: التحقق من المؤهلات (Credentialing)، وهو التحقق الأولي من الشهادات والتراخيص والسجل المهني للطبيب، ومنح الصلاحيات (Privileging)، وهو تحديد الخدمات السريرية المحددة التي يُسمح لهذا الطبيب بعينه بتقديمها داخل مؤسسة بعينها. الأول معيار عام يمكن التحقق منه بصورة موحدة، أما الثاني فهو قرار فردي وسياقي تتخذه إدارة المؤسسة وهيئتها الطبية استناداً إلى الكفاءة المثبتة وحجم الممارسة الفعلي ونتائجها وتوصيات الزملاء، وتخضع، في الاتجاهات الحديثة لهذه المنظومات، لمتابعة مستمرة لا تكتفي بالمراجعة الدورية وحدها.[1] هذا الفصل الدقيق بين ما تثبته الشهادة وما تسمح به المؤسسة هو بالضبط ما يحاول القطاع الطبي الأردني، عبر مفهومي صلاحيات الشهادة وصلاحيات الممارس، أن يصل إليه؛ غير أن الفارق أن تلك المنظومات حسمت هذا الفصل في أنظمة وإجراءات ملزمة، بينما لا يزال الأمر في الأردن أقرب إلى فهم مهني ضمني ينتظر التوثيق والإلزام.
وإذا كانت الرقابة داخل المستشفيات الكبرى تستفيد من وجود إدارة طبية ولجان وملفات ونظام صلاحيات موثق، فإن الصورة تختلف جذرياً حين ننتقل إلى الفضاء الأوسع للمراكز والعيادات خارج المستشفيات، حيث تتم اليوم غالبية الإجراءات التي تثير الجدل. وتبرز الإجراءات التجميلية، تحديداً، بوصفها الحالة التطبيقية الأوضح لمشكلة تداخل الاختصاصات؛ فهي مجال شهد نمواً سريعاً، وتقاطعت فيه تقنيات جديدة مع دورات تدريبية قصيرة ومع إعلانات مكثفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حتى بات المريض يصل إلى الخدمة الطبية عبر منصة رقمية قد لا تتيح له أي وسيلة موثوقة للتحقق من اختصاص من يقدم له الخدمة. وهنا تنشأ فجوة خطيرة بين ما يعتقده المريض عن الطبيب وما يمتلكه هذا الطبيب فعلياً من تدريب وصلاحية. فإذا كان إجراء معين يمكن أن يمارسه أكثر من تخصص، فما المعيار الذي يحدد من يحق له القيام به؟ هل تكفي شهادة في أحد هذه التخصصات؟ أم يستوجب الأمر تدريباً إضافياً موثقاً؟ وهل تكفي دورة قصيرة لمنح هذا الحق، أم أن الأمر يتوقف على مستوى خطورة الإجراء ذاته؟ هذه الأسئلة تكشف أن المسألة هي قضية سلامة مريض ووضوح مسؤولية، وقد بلغت خطورتها حد ظهور حالات لأشخاص من غير الأطباء يفتتحون مراكز تقدم خدمات ذات طبيعة طبية أو تجميلية دون أي رقابة تُذكر، إلى جانب حالات لصيادلة يقدمون حقناً تجميلية اعتماداً على دورات قصيرة لا ترقى إلى مستوى التأهيل السريري المطلوب.
هذا الاختلال ليس عارضاً أردنياً خالصاً، إنما صورة محلية من إشكالية تصارع معها منظومات صحية عريقة. ففي بريطانيا، لا تخضع أغلب الإجراءات التجميلية غير الجراحية – من حقن البوتوكس إلى الحشوات التجميلية والتقشير الكيميائي – لأي اشتراط مهني ملزم؛ إذ يستطيع، نظرياً، أي شخص أن يقدمها دون تدريب رسمي أو ترخيص، وهو ما وثقته سلسلة من المراجعات الرسمية والبرلمانية منذ عام 2013 وربطته مباشرة بحالات ضرر موثقة لمرضى. وبعد أكثر من عقد من النقاش، تتجه السلطات البريطانية أخيراً إلى نظام ترخيص متدرج يصنف الإجراءات بحسب درجة خطورتها: إجراءات منخفضة الخطورة يمكن أن يقدمها أي ممارس مرخص يستوفي معايير متفق عليها، وإجراءات متوسطة الخطورة تستوجب إشرافاً من مهني مرخص، وإجراءات عالية الخطورة – كحقن الحشوات في الثدي أو الأرداف – تقتصر على المهنيين الصحيين المؤهلين داخل منشآت خاضعة للرقابة الرسمية.[2] وفي الولايات المتحدة، تخوض النقابات الطبية معركة موازية تحت عنوان «زحف الصلاحيات» (Scope Creep)، محذرة من أن توسع ممارسين من غير الأطباء في مجالات لم يتلقوا تدريباً متخصصاً فيها – وعلى رأسها بعض الإجراءات التجميلية – ينطوي على مخاطر موثقة على سلامة المرضى، وداعية إلى ربط أي صلاحية ممارسة بالتخصص الفعلي الذي تدرب عليه الممارس لا بمؤهل عام فضفاض.[3] الدرس المشترك من هاتين التجربتين أن التأخر في وضع حدود واضحة لنطاق الممارسة، في أي بلد، يترك فراغاً تملؤه المنافسة غير المنضبطة على حساب سلامة المريض؛ وأن مواجهة هذا الفراغ تستدعي، كما تُظهر التجربة البريطانية، تدرجاً في الرقابة يوازن بين الانفتاح على الابتكار وبين الحماية من مخاطره.
على أن تحديد الاختصاص والصلاحية، مهما بلغت دقته، يبقى بلا قيمة عملية ما لم تسانده منظومة رقابة قادرة فعلاً على اكتشاف التجاوز. وهنا تبرز واحدة من أكثر المعطيات دلالة على حجم التحدي الأردني: أن نحو سبعين بالمئة من فرق التفتيش الميداني التي تنفذ جولاتها على المنشآت الصحية لا تضم أطباء متخصصين. وهذا لا يعني عجز هذه الفرق عن التحقق من وجود الترخيص أو الالتزام بشروط عامة، لكنه يعني عملياً أن جانباً واسعاً من التفاصيل الفنية الدقيقة – وهل يدخل إجراء بعينه ضمن نطاق اختصاص معين، وهل نُفذ وفق المعايير السريرية السليمة – يبقى خارج قدرة التقييم الميداني الحالية. وهذا القصور يعالَج بمضاعفة عدد جولات التفتيش، وبإعادة تصميم تركيبة فرق التفتيش نفسها، وربطها بخبرة فنية متخصصة عند الحاجة.
المفارقة أن هذا القصور في التطبيق لا يعود، في جوهره، إلى غياب النصوص القانونية. فالمشكلة، كما يشير مطلعون على الإطار التشريعي الطبي الأردني، ليست في نقص التشريعات بقدر ما هي في وجود حالة من فائض التشريعات في بعض المجالات، مقابل ضعف واضح في التطبيق والتنسيق بين الجهات. القوانين موجودة، والأنظمة المرتبطة بكل تخصص موجودة من حيث المبدأ، لكن الفجوة تنشأ بين النص العام وبين التفاصيل التنفيذية الدقيقة التي تحكم كل حالة على أرض الواقع؛ وهي فجوة تفتح الباب أمام الاجتهاد الفردي، وتجعل التعامل مع حالات متشابهة يختلف أحياناً من مؤسسة إلى أخرى. ومن هنا فإن المطلوب ليس بالضرورة تشريعات إضافية بقدر ما هو تحديث ما هو قائم وتوحيد تفسيره وتطبيقه؛ فقانون المسؤولية الطبية والصحية الأردني رقم 25 لسنة 2018 يوفر، من حيث المبدأ، إطاراً متكاملاً نسبياً: لجنة فنية عليا تتولى النظر في الشكاوى وتقديم الرأي الفني خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر، ولجنة معنية بمراجعة المعايير المهنية للممارسة الصحية كل ثلاث سنوات، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام المتضرر للجوء إلى القضاء بالتوازي مع المسار الإداري.[4] لكن وجود هذا الإطار القانوني لا يحل، وحده، إشكالية الزمن الذي تستغرقه القضايا الطبية، ولا إشكالية توحيد المعايير الفنية التي يستند إليها الخبراء، ولا إشكالية تضارب المصالح المحتمل عند اختيارهم؛ وهي إشكاليات تحول القانون الجيد، من دون منظومة تنفيذية فعالة، إلى نص معطل الأثر.
ولعل أهم استحقاق تكشفه هذه الفجوة هو أن وزارة الصحة، مهما اتسعت صلاحياتها الرقابية، لا يمكنها وحدها أن تستوعب كل الشكاوى وتتابع كل جوانب الرقابة على قطاع بهذا الاتساع والتشعب. وهذا ليس عجزاً مؤسسياً بقدر ما هو استحالة بنيوية؛ فعدد المنشآت والأطباء والإجراءات في تزايد مستمر، بينما تبقى الموارد البشرية المخصصة للرقابة محدودة نسبياً. والاستنتاج المنطقي هنا الانتقال من منطق الرقابة المنفردة إلى منطق الحوكمة التشاركية، حيث يؤدي كل طرف دوره ضمن منظومة مترابطة: المجلس الطبي مرجعية في الاختصاص والتدريب، والنقابة صاحبة الدور المهني والتأديبي، ووزارة الصحة الجهة الرقابية والتنظيمية، والمؤسسات الصحية مسؤولة عن الصلاحيات والبيئة داخل منشآتها، والجهات القضائية معنية بالجانب القانوني حين يستدعي الأمر ذلك. المجلس الطبي، بعبارة أخرى، ليس الحل الوحيد لجميع مشكلات الحوكمة الطبية؛ فهو قادر على تحديد الاختصاصات وبرامج التدريب والامتحانات، لكنه غير قادر، بمفرده، على متابعة كل طبيب في كل عيادة ومركز ومستشفى.
المحور الثالث: المساءلة ومسار التعامل مع الشكاوى
وهذا يفضي إلى سؤال لا يقل أهمية عن سؤال المرجعية: من المسؤول حين يقع الخطأ؟ الإجابة البديهية – «الطبيب» – قاصرة عن التقاط واقع أكثر تعقيداً. فقد يكون الخلل نتيجة قرار طبي فردي، وقد يكون نتيجة نقص في التجهيزات، أو قصوراً في الكوادر المساندة، أو ضعفاً في إجراءات الطوارئ، أو منحاً لصلاحية لا يمتلك الطبيب التدريب الكافي لها أصلاً، أو ضعفاً في الرقابة المؤسسية ذاتها. ومن هنا تتبلور الحاجة إلى مستويين متكاملين من الحوكمة لا يجوز فصل أحدهما عن الآخر: حوكمة سريرية ترتبط بكفاءة الطبيب وتدريبه وصلاحياته، وحوكمة مؤسسية تتعلق بإدارة المنشأة الصحية ومواردها البشرية وتجهيزاتها وسلاسل توريدها وأنظمة الجودة والسلامة فيها. فإذا سمحت مؤسسة طبية لطبيب بإجراء تدخل لا يمتلك الصلاحية الكافية له، تصبح هذه المؤسسة شريكة في المسؤولية، لا مجرد شاهد عليها. ومن أبرز الممارسات التي تحتاج إلى ضبط إلكتروني صارم في هذا السياق استخدام اسم طبيب لتغطية إجراء نفّذه طبيب آخر فعلياً – وهي ممارسة تقوّض جوهر فكرة المساءلة من أساسها.
ولأن المسؤولية بهذا التعقيد، فإن مسار التعامل مع الشكوى الطبية يستحق إعادة تصميم كاملة، فالمريض الذي يشعر أنه تعرض لخطأ طبي يحتاج إلى مسار واضح يمكنه أن يسلكه، بينما يحتاج الطبيب، في المقابل، إلى ضمان أن يُقيَّم أداؤه بمعرفة فنية متخصصة لا بانطباع عام. والمشكلة أن القضية الطبية الواحدة قد تنتقل اليوم بين أكثر من جهة – وزارة الصحة، النقابة، النيابة العامة، القضاء – وقد تستغرق سنوات طويلة قبل أن تصل إلى قرار نهائي، وهو تأخير يضعف الثقة على الجانبين: ثقة المريض بجدية المنظومة، وثقة الطبيب بعدالة المساءلة. كما أن الخلط بين أنواع مختلفة من النتائج غير المرغوبة – المضاعفة المعروفة للإجراء، والخطأ الطبي، والإهمال، والممارسة خارج نطاق الصلاحية، والخلل المؤسسي البحت – يفضي إلى منظومة عقابية غير عادلة، تُحمّل الطبيب أحياناً وزر خلل لا يد له فيه، وتتساهل أحياناً أخرى مع تجاوزات فعلية تستحق عقوبة رادعة. من هنا تأتي أهمية مقترح إنشاء جهة أو محكمة متخصصة بالأخطاء الطبية، تضم لجاناً فنية من الأطباء والخبراء المستقلين، ومقترح لجنة طبية متجددة تتولى تقييم الحالة فنياً قبل إحالتها إلى المسار الجزائي مباشرة – بهدف ضمان أن تُبنى هذه المساءلة على أساس فني صحيح، بما يحقق توازناً بين حق المريض في الوصول إلى العدالة وحق الطبيب في تقييم مهني منصف.
وهنا تستحق تجربة أخرى، أبعد جغرافياً لكنها شديدة الصلة فكرياً، أن تُستحضر في النقاش الأردني: منظومات التعويض «بلا خطأ» (No-Fault) المعتمدة في نيوزيلندا وعدد من الدول الإسكندنافية. فبدلاً من ربط تعويض المريض المتضرر بإثبات إهمال الطبيب أو خطئه – وهو مسار قضائي طويل ومكلف يستغرق سنوات في الأنظمة التقاضية التقليدية – تفصل هذه المنظومات بين مساري التعويض والتأديب: يُصرف التعويض بمجرد ثبوت الضرر الطبي، بصرف النظر عن وجود خطأ من عدمه، وفي غضون أسابيع لا سنوات في حالات نيوزيلندا تحديداً، بينما تبقى مساءلة الطبيب مهنياً مساراً منفصلاً تماماً لا يتأثر بقرار التعويض.[5] هذا الفصل بين «من يستحق التعويض» و«من يستحق العقوبة» يخفف الحافز على كتمان الأخطاء والتحصن الدفاعي، ويتيح تعلماً مؤسسياً حقيقياً من الحوادث بدل الاكتفاء بمعاقبة من يُكتشف أمره. صحيح أن هذا النموذج لا يخلو من انتقادات، وعلى رأسها غياب دليل حاسم على أنه يحسّن مؤشرات السلامة أكثر من الأنظمة القضائية التقليدية، إلا أن فلسفته العامة – فصل التعويض عن التأديب، وتسريع الاستجابة، وتشجيع الإبلاغ الصريح عن الحوادث – تتقاطع، من حيث الجوهر، مع منطق «اللجنة الطبية المتجددة» و«التقييم الفني السابق للمسار الجزائي» اللذين يطرحهما النقاش الأردني نفسه؛ وإن كانت المسافة بين الطرح النظري والتطبيق المؤسسي الملزم لا تزال بحاجة إلى قانون تنفيذي يحسم تفاصيلها.
هذا التوتر بين التعويض والتأديب يقود بدوره إلى سؤال العقوبة ذاته، فتشديد العقوبات، مهما بدا حلاً سريعاً ومريحاً سياسياً، لا يكفي وحده؛ إذ يبدأ الإنصاف الحقيقي من توصيف دقيق للفعل قبل تحديد المسؤولية، ثم تطبيق عقوبة متناسبة معها. وقد تظهر هنا معضلة إضافية حين يواجه القاضي صعوبة في تكييف القضية طبياً وقانونياً بسبب غياب وصف فني واضح للحالة – وهي معضلة يحلها توفير خبرة طبية وفنية متخصصة قادرة على توضيح طبيعة الخطأ: هل هو تقصير مهني، أم مضاعفة متوقعة، أم مخالفة صريحة لمعايير الممارسة؟ وفي الوقت ذاته، يجب ألا تتحول كل نتيجة طبية غير ناجحة إلى «خطأ طبي» بحكم افتراضي؛ فالطب، بطبيعته، ينطوي على احتمالات ومضاعفات لا يمكن استبعادها كلياً مهما بلغت الدقة المهنية.
وإذا كان التأمين ضد الأخطاء الطبية قد أصبح، في هذا السياق، شرطاً تفرضه بعض الجهات على الأطباء، فإن الاتكال عليه بوصفه حلاً جامعاً لمشكلة الأخطاء الطبية ينطوي على مغالطة. فالتأمين يمكن أن يكون جزءاً من منظومة حماية أوسع، لكنه لا يستطيع أن يحل محل التدريب أو الرقابة أو الحوكمة أو تحديد المسؤولية بوضوح؛ وتحميله وحده عبء معالجة الأخطاء الطبية يعفي، عملياً، المنظومة المهنية والمؤسسية والقانونية من مسؤوليتها الأصلية، ويحوّل التعويض المالي بعد وقوع الضرر إلى بديل عن منع وقوعه أصلاً.
قضايا أفقية: الرقمنة والتجربة الإقليمية
في مقابل هذا الثقل التشريعي والمؤسسي، يبرز التحول الرقمي بوصفه أحد أكثر المسارات واقعية لمعالجة جزء أصيل من مشكلات الحوكمة، لا بديلاً عنها. فكرة إنشاء منصة وطنية موحدة لمعلومات الأطباء والمنشآت والصلاحيات السريرية، مرتبطة برمز إلكتروني (QR Code) يتيح للمواطن التحقق – قبل تلقي أي إجراء – من اسم الطبيب واختصاصه والجهة التي منحته إياه وصلاحياته المعلنة وحالة ترخيص المنشأة التي يعمل فيها، تنقل الرقابة من كونها مسؤولية حصرية للدولة إلى شراكة فعلية مع المواطن نفسه. وهذا لا يعني تحويل المريض إلى جهة رقابية متخصصة، بل تزويده بأدوات شفافة تمكّنه من حماية نفسه والإبلاغ عن أي تجاوز يلاحظه. ومن شأن هذه المنصة، إذا اقترنت بسجل إلكتروني وطني للتدريب – نسخة متطورة من فكرة الـLogbook – أن تحد من ممارسات خطرة كاستخدام اسم طبيب لتغطية إجراء نفذه شخص آخر، وأن تجعل عملية منح الصلاحية مبنية على بيانات موثقة بدلاً من الاعتماد على الشهادة وحدها. كما تستدعي هذه الفكرة رقابة إلكترونية موازية على الإعلانات الطبية والتجميلية عبر منصات التواصل الاجتماعي، التي تصل إلى آلاف المرضى المحتملين بسرعة تفوق قدرة أي جولة تفتيش ميدانية.
عند البحث عن نماذج تنظيمية إقليمية يمكن الاستفادة منها، يحضر النموذج السعودي بوصفه الأكثر تداولاً في النقاش الأردني، ممثلاً بالهيئة السعودية للتخصصات الصحية، التي تأسست عام 1992 وتعمل تحت مظلة وزارة الصحة، وتتولى عبر مجلسين متخصصين – أحدهما معني باعتماد برامج التدريب والتقييم، والآخر بتصنيف الممارسين المهنيين ووضع معايير لمختلف الرتب المهنية – مهمة تنظيم شاملة تربط التدريب بالتصنيف المهني وصولاً إلى تحديد أدوار الممارسين ومسؤولياتهم.[6] وهو نموذج يوفر مرجعية موحدة ومستقلة نسبياً، تملك موارد وكوادر متخصصة قادرة على متابعة قطاع صحي متسع. غير أن الدرس الأهم من استحضار هذه التجربة ليس دعوة إلى استنساخها حرفياً، إنما إلى دراسة عناصر نجاحها – الاستقلالية المؤسسية، الربط الصارم بين التدريب والتصنيف، وجود موارد وكوادر متخصصة كافية – وتحديد ما يمكن أن ينسجم منها مع البنية القانونية والمؤسسية والطبية الأردنية القائمة أصلاً، بما فيها المجلس الطبي الأردني ونقابة الأطباء اللذين يؤديان أصلاً أدواراً متقاربة، وإن كانا بحاجة إلى صلاحيات وموارد أوسع لتأدية الدور نفسه بفاعلية مماثلة.
يبقى، في نهاية المطاف، أن كل ما سبق ليس نقاشاً تقنياً معزولاً عن مصلحة أردنية أوسع. فالأردن يخوض، في المنطقة، منافسة متجددة على مكانته في السياحة العلاجية، القطاع الذي شكّل تاريخياً أحد أهم الروافد الداعمة لمنظومته الصحية بأكملها. والأردن يمتلك، في هذا السباق، أطباء متميزين وخبرات تراكمت عبر عقود؛ لكن هذه الميزة التقليدية لم تعد كافية وحدها في مواجهة منافسين إقليميين – تركيا والإمارات في مقدمتهم – طوروا منظومات متكاملة تحيط بالمريض من لحظة قراره السفر للعلاج وحتى عودته، تشمل التأشيرة والتسويق الدولي والحزم العلاجية الواضحة، إلى جانب أطر تنظيمية تمنح المريض الوافد ثقة مؤسسية لا تقتصر على سمعة طبيب بعينه. فالمنافسة، كما تكشف قراءة متأنية لهذا المشهد، لم تعد بين مستشفى ومستشفى أو طبيب وطبيب، إنما بين منظومة ومنظومة بأكملها.[7] وهذا ما يمنح ملف الحوكمة الطبية بعداً يتجاوز حماية المريض الفردي إلى حماية موقع الأردن التنافسي بأكمله؛ فكل حالة ممارسة غير منضبطة يتناقلها الإعلام أو تتحول إلى قصة تحذير على منصات التواصل الاجتماعي لا تضر بسمعة طبيب واحد أو منشأة بعينها فحسب، بقدر ما تنعكس تدريجياً على الثقة بالقطاع الصحي الأردني ككل، في سوق إقليمية باتت شديدة الحساسية تجاه أي مؤشر على غياب التنظيم.
من هنا، فإن أزمة الثقة بين المريض والمنظومة الصحية الأردنية – وهي أزمة حقيقية وإن لم تكن شاملة – لا تنشأ بالضرورة من تراجع جودة الخدمة الطبية في حد ذاتها، إنما من فجوة في المعلومات والوضوح: من هو الطبيب؟ ما اختصاصه الفعلي؟ ما الذي يحق له القيام به تحديداً؟ هل المنشأة التي يعمل فيها مرخصة؟ كيف تُقدَّم الشكوى وأمام من؟ ومن يتحمل المسؤولية حين يقع الخطأ؟ هذه الثقة تُبنى تراكمياً عبر وضوح المعلومة، وعدالة المساءلة، وسرعة التعامل مع الشكاوى، ووضوح توزيع المسؤولية بين الطبيب والمؤسسة. وكلما اقتربت الإجابة عن هذه الأسئلة من الوضوح الكامل، اقترب القطاع الصحي الأردني من استعادة هذه الثقة، كواقع قابل للقياس.
التوصيات
وبناء على ما تقدم، فإن أي مسار جاد لإصلاح منظومة الحوكمة الطبية في الأردن ينبغي أن يتحرك على مستويات متوازية لا متعاقبة. فعلى المستوى التشريعي، تبقى الأولوية لتحديث الأطر القائمة لا لمضاعفة عددها، عبر وضع نصوص أكثر وضوحاً بشأن نطاق ممارسة كل اختصاص، وتوضيح العلاقة القانونية بين شهادة الاختصاص والصلاحيات السريرية، ومراجعة الإطار المتعلق بالإعفاءات الطبية، وضمان تناسب العقوبات مع طبيعة المخالفة وخطورتها. وعلى مستوى المجلس الطبي الأردني، يظل التحدي الأهم تطوير مفهوم صلاحيات الشهادة عبر قوائم إجرائية واضحة مرتبطة ببرامج التدريب الفعلية، وتحويل الـLogbook إلى سجل إلكتروني وطني حي، ووضع آليات لإعادة تقييم الكفاءة في الإجراءات عالية الخطورة تحديداً، بالتعاون الوثيق مع النقابة ووزارة الصحة والمؤسسات الصحية بدلاً من العمل المنفرد.
أما على مستوى المؤسسات الصحية، فيقتضي الأمر تفعيل لجان صلاحيات سريرية حقيقية غير شكلية، تمنح صلاحية استناداً إلى الشهادة وتراجعها دورياً وفق طبيعة الإجراء ومستوى خطورته، مع تحمّل المؤسسة نفسها مسؤوليتها الكاملة حين ينجم الخلل عن بيئة العمل أو نقص الموارد لا عن تقصير فردي. وعلى مستوى الرقابة، تبرز أولوية إشراك أطباء ومتخصصين ضمن فرق التفتيش عند الحاجة، وتعزيز الرقابة الإلكترونية على الإعلانات والمنشآت خارج المستشفيات على حد سواء، وبناء قاعدة بيانات موحدة تربط بين الترخيص والاختصاص والصلاحية. وعلى مستوى الشكاوى والقضاء، تتقدم فكرة إنشاء جهة أو مسار قضائي متخصص بالأخطاء الطبية، يستند إلى تقييم فني مسبق قبل أي إحالة جزائية مباشرة، ويعتمد معايير واضحة لاختيار الخبراء بمنأى عن تضارب المصالح.
وعلى المستوى الرقمي، يتقدم إنشاء منصة وطنية موحدة، مرتبطة برمز تحقق إلكتروني ونظام شكاوى رقمي، بوصفه استثماراً منخفض الكلفة نسبياً وعالي الأثر على الشفافية والثقة معاً. أما على مستوى المريض، فتبقى الأولوية تمكينه من معلومات موثوقة تحميه من الإعلانات المضللة، وتعريفه بمسار واضح لتقديم أي شكوى، بوصفه شريكاً في الرقابة لا مجرد متلقٍ سلبي للخدمة.
خلاصة القول إن أزمة الحوكمة الطبية في الأردن ليست أزمة غياب جهة واحدة، ولا أزمة نقص تشريعات، بل أزمة ربط: ربط بين جهات موجودة أصلاً، وتشريعات قائمة أصلاً، وأدوار مُعرَّفة نظرياً لكنها غير متكاملة عملياً. والمعادلة التي تختصر جوهر هذا الملف بسيطة في صياغتها، بالغة التعقيد في تطبيقها: الشخص المناسب، بالتدريب المناسب، والكفاءة المناسبة، والصلاحية المناسبة، ضمن المؤسسة المناسبة، وتحت الرقابة المناسبة، يساوي ممارسة طبية آمنة. فالتحدي أصبح يتمثل في تخريج طبيب يحمل شهادة اختصاص، وفي ضمان وضوح ما تدرب عليه هذا الطبيب فعلاً، وما يستطيع القيام به، وفي أي بيئة مؤسسية يمارس صلاحياته، ومن يراقب ذلك، وكيف تُساءل هو أو المؤسسة التي يعمل فيها حين يقع الخطأ.
السؤال الذي يواجه صناع القرار في الأردن اليوم لم يعد، إذن: هل نحتاج إلى حوكمة أفضل للقطاع الطبي؟ فالإجابة عن هذا السؤال باتت بديهية. السؤال الحقيقي هو: كم من الوقت يمكن لهذا القطاع، وهو يخوض منافسة إقليمية متسارعة على ثقة المريض العربي والدولي، أن يتحمل بقاء هذه الفجوة بين حجم التوسع وحجم الضبط، قبل أن تتحول من إشكالية تنظيمية داخلية إلى كلفة استراتيجية يصعب تعويضها؟
أمام صانع القرار ثلاثة خيارات رئيسية للتعامل مع فجوة الحوكمة الطبية، ولا تتساوى هذه الخيارات من حيث الكلفة والجدوى السياسية والقدرة على معالجة جوهر المشكلة:
| الخيار | المضمون | المزايا | المخاطر |
| الإبقاء على الوضع الحالي مع تحسينات إدارية محدودة | زيادة التفتيش وتعميم تعليمات إضافية من دون تغيير بنية الصلاحيات | سهل التنفيذ وقليل الكلفة السياسية | يعالج الأعراض ولا يحل مشكلة المرجعية والصلاحية |
| إنشاء هيئة مستقلة جديدة لتنظيم المهن الصحية | نقل جزء كبير من التنظيم والتصنيف والرقابة إلى جسم جديد | يوفر مرجعية موحدة وقدرة مؤسسية متخصصة | قد يضيف طبقة بيروقراطية جديدة ويخلق تنازعًا مع مؤسسات قائمة |
| تطوير إطار وطني مشترك داخل المؤسسات القائمة | ربط المجلس الطبي والنقابة ووزارة الصحة والمؤسسات الصحية بمنظومة صلاحيات ورقابة وشكاوى موحدة | أكثر واقعية وأسرع قابلية للتنفيذ ويحافظ على المؤسسات القائمة | يتطلب تنسيقًا إلزاميًا وقرارات تنفيذية واضحة |
ترجح هذه الورقة الخيار الثالث بوصفه الأكثر ملاءمة للسياق الأردني، فالأردن لا يحتاج بالضرورة إلى مؤسسة جديدة بقدر ما يحتاج إلى ربط مؤسسي ملزم بين الجهات القائمة، وإلى تحويل المفاهيم المهنية المتداولة إلى أدوات تنفيذية قابلة للقياس والتدقيق.
التوصية السياساتية المختارة
توصي الورقة باعتماد إطار وطني لحوكمة الصلاحيات الطبية، يقوم على مبدأ بسيط: لا يكفي أن يحمل الطبيب شهادة اختصاص؛ بل يجب أن تكون هناك صلاحية موثقة للإجراء، وتفويض مؤسسي واضح لممارسته، ورقابة قادرة على التحقق، ومسار مساءلة يميز بين المسؤولية الفردية والمؤسسية.
يقوم هذا الإطار على خمسة مكونات مترابطة، المكون الأول هو قوائم صلاحيات الشهادة، بحيث يطور المجلس الطبي الأردني، بالتعاون مع اللجان العلمية والاختصاصية، قوائم إجرائية لكل اختصاص وفرع تخصصي. المكون الثاني هو سجل إلكتروني وطني للتدريب والممارسة، يوثق ما تدرب عليه الطبيب وما مارسه وما يحتاج إلى تجديد أو تقييم. المكون الثالث هو لجان صلاحيات سريرية داخل المؤسسات الصحية، تمنح وتراجع الصلاحيات دوريًا وفق الكفاءة وسجل الأداء وقدرة المؤسسة.
المكون الرابع هو رقابة فنية متدرجة، تميز بين التفتيش الإداري العام والتقييم الفني المتخصص، خصوصًا في العيادات والمراكز والإعلانات الطبية والتجميلية. أما المكون الخامس فهو مسار شكاوى طبي متخصص، يبدأ بتقييم فني مستقل قبل الانتقال إلى المسار الجزائي، ويحدد المسؤولية بناء على نوع الخلل لا بناء على النتيجة الطبية وحدها.
خطة التنفيذ
| الإجراء | الجهة القائدة | الشركاء | الإطار الزمني | مؤشر النجاح |
| إعداد قوائم صلاحيات الشهادة للتخصصات الأعلى خطورة | المجلس الطبي الأردني | اللجان العلمية ونقابة الأطباء | 6 إلى 12 شهرًا | إصدار قوائم معتمدة لأول مجموعة اختصاصات |
| تحويل سجل التدريب إلى سجل إلكتروني وطني حي | المجلس الطبي الأردني | وزارة الصحة والمؤسسات التدريبية | 12 شهرًا | ربط السجل ببرامج التدريب وتجديد الصلاحيات |
| إلزام المؤسسات الصحية بلجان صلاحيات سريرية فعالة | وزارة الصحة | المستشفيات والقطاع الخاص | 6 أشهر | وجود قرارات صلاحية مكتوبة وقابلة للتدقيق |
| تطوير نموذج رقابة فنية على العيادات والمراكز والإعلانات | وزارة الصحة | النقابة والجهات المختصة بالإعلام الرقمي | 6 إلى 12 شهرًا | تفتيش متخصص للحالات عالية الخطورة والإعلانات المضللة |
| إنشاء مسار فني متخصص للشكاوى الطبية | وزارة العدل ووزارة الصحة | النقابة والمجلس الطبي والخبراء المستقلون | 12 إلى 18 شهرًا | انخفاض مدة معالجة الشكاوى ووضوح التصنيف الفني |
| إطلاق منصة تحقق وطنية للطبيب والمنشأة والصلاحية | وزارة الصحة | المجلس الطبي والنقابة والمؤسسات الصحية | 12 شهرًا | إتاحة تحقق رقمي للمواطن وربطه بنظام شكاوى |
اعتبارات التنفيذ والمخاطر
نجاح هذا المسار يتطلب الانتباه إلى ثلاثة مخاطر. الخطر الأول هو مقاومة بعض الأطراف لأي تنظيم جديد إذا فُهم بوصفه تقييدًا للممارسة أو تقليصًا لمساحات العمل المهني. لذلك ينبغي تقديم الإصلاح بوصفه حماية للمريض والطبيب والمؤسسة معًا، لا أداة عقابية موجهة ضد طرف واحد.
الخطر الثاني هو تحويل الإصلاح إلى عبء ورقي جديد. فالقوائم والسجلات واللجان تفقد معناها إذا بقيت إجراءات شكلية لا تغير الممارسة الفعلية. لذلك يجب ربطها بالترخيص، وتجديد الصلاحيات، والتفتيش، ومسار الشكوى، حتى تصبح جزءًا من دورة الحوكمة لا ملحقًا إداريًا معزولًا.
الخطر الثالث يتعلق بالبيانات والشفافية. فالمنصة الوطنية المقترحة تحتاج إلى حماية خصوصية الأطباء والمرضى، لكنها في الوقت نفسه يجب أن تمنح المواطن معلومات كافية للتحقق من الطبيب والمنشأة والصلاحية. التوازن هنا لا يتحقق بإخفاء المعلومات، بل بتصميم مستويات واضحة للإفصاح: معلومات عامة للتحقق، ومعلومات مهنية للجهات الرقابية، ومعلومات تفصيلية للجان المختصة عند الحاجة.
مؤشرات قياس النجاح
لا تكتمل أي ورقة سياسات من دون مؤشرات تسمح بتقييم الأثر. ويمكن قياس نجاح هذا المسار عبر عدد من المؤشرات العملية، منها: عدد الاختصاصات التي صدرت لها قوائم صلاحيات شهادة، نسبة المؤسسات الصحية التي فعّلت لجان صلاحيات سريرية موثقة، نسبة الشكاوى التي حصلت على تقييم فني أولي ضمن مدة محددة، عدد الزيارات التفتيشية التي شارك فيها اختصاصيون عند الحاجة، وعدد عمليات التحقق الرقمي من الطبيب أو المنشأة عبر المنصة الوطنية.
كما يمكن قياس الأثر على مستوى الثقة العامة من خلال استطلاعات دورية حول وضوح مسار الشكوى، ومعرفة المرضى بحقوقهم، وقدرتهم على التحقق من مقدم الخدمة قبل تلقي الإجراء. أما على مستوى السياحة العلاجية، فيمكن ربط الحوكمة بمؤشرات السمعة والثقة، وعدد الشكاوى المرتبطة بالمرضى الوافدين، وسرعة التعامل معها، ومدى وضوح الحزم العلاجية والمسؤوليات المؤسسية داخل المنشآت المستقبلة.
خاتمة
أزمة الحوكمة الطبية في الأردن ليست أزمة غياب جهة واحدة، ولا أزمة نقص تشريعات، بل أزمة ربط بين جهات موجودة، وتشريعات قائمة، وأدوار معرفة نظريًا لكنها لا تعمل دائمًا كمنظومة واحدة. لذلك فإن جوهر الإصلاح لا يبدأ من سؤال: من يملك السلطة وحده؟ بل من سؤال أدق: كيف تتكامل سلطات التدريب والترخيص والرقابة والمساءلة في مسار واضح وملزم؟
المعادلة التي تختصر هذا الملف بسيطة في صياغتها ومعقدة في تطبيقها: الشخص المناسب، بالتدريب المناسب، والكفاءة المناسبة، والصلاحية المناسبة، داخل المؤسسة المناسبة، وتحت الرقابة المناسبة، يساوي ممارسة طبية أكثر أمانًا. وما يحتاجه الأردن اليوم هو تحويل هذه المعادلة من مبدأ مهني عام إلى نظام قابل للتنفيذ والقياس.
كل تأخير في بناء هذا الإطار يوسع الفجوة بين حجم الممارسة الطبية وحجم الضبط المؤسسي لها. وفي قطاع ترتبط فيه سلامة المواطن، وعدالة الطبيب، ومسؤولية المؤسسة، وسمعة الأردن العلاجية، لا تعود الحوكمة تفصيلًا إداريًا، بل تصبح شرطًا من شروط حماية الثقة العامة وموقع الأردن الصحي في الإقليم.
[1] Relias, “Credentialing and Privileging in Healthcare — What’s the Difference?” — https://www.relias.com/blog/credentialing-and-privileging-in-healthcare
[2]House of Commons Library, “The regulation of non-surgical cosmetic procedures in England,” 2025 — https://commonslibrary.parliament.uk/research-briefings/cbp-10331/
[3]American Medical Association, “AMA steps up to fight scope creep that threatens patient safety” — https://www.ama-assn.org/practice-management/scope-practice/ama-steps-fight-scope-creep-threatens-patient-safety
[4]قانون المسؤولية الطبية والصحية الأردني رقم 25 لسنة 2018، منشور في الجريدة الرسمية، العدد 5517، بتاريخ 31 أيار 2018 — https://jordan-lawyer.com/2018/11/18/قانون-المسؤولية-الطبية-والصحية-رقم-25-لس/
[5]Niskanen Center, “Medical injury? Don’t call the lawyers.” — https://www.niskanencenter.org/medical-injury-dont-call-the-lawyers/
[6]Saudi Commission for Health Specialties — https://en.wikipedia.org/wiki/Saudi_Commission_for_Health_Specialties
[7]الأنباط نيوز، “السياحة العلاجية في الأردن… الكفاءة موجودة، لكن المنافسة تغيرت” — https://alanbatnews.net/article/482731


