إدارة الصراع في لبنان: الحراك السعودي–العربي كآلية لضبط التوازنات

لا يبدو أن لبنان يقف اليوم على عتبة تسوية سياسية، بقدر ما يقف داخل مرحلة إدارة كثيفة للأزمة، تُدار فيها التوازنات بدقة لتفادي الانفجار، من دون أن تنضج بعد شروط الحل. فالمعطيات المتقاطعة، سياسياً وميدانياً، تشير إلى أن القوى الإقليمية والدولية الفاعلة لا تعمل على إنهاء الصراع، بل على ضبطه، وإبقائه ضمن حدود يمكن التحكم بها.

هذه المقاربة تنبع من إدراك أن أي محاولة لفرض حل سريع على الساحة اللبنانية، سواء عبر الضغط العسكري أو التفاوض السياسي، ستؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها تفجير الداخل أو إعادة إنتاج الصراع بأشكال أكثر حدّة. لذلك، يتبلور اتجاه واضح نحو إدارة المرحلة بدل حسمها، وهو ما يفسر تعدد المسارات المتوازية: مسار تفاوضي مع إسرائيل، مسار إقليمي أوسع يرتبط بالعلاقة الأميركية–الإيرانية، ومسار عربي يسعى إلى تثبيت الداخل اللبناني ومنع انهياره.

ضمن هذا المشهد، لا يعود لبنان مجرد ساحة تتأثر بما يجري حولها، بل يتحول إلى نقطة تقاطع لهذه المسارات، ما يفرض مقاربة مختلفة في التعامل معه، تقوم على تثبيت الحد الأدنى من الاستقرار، لا إنتاج الاستقرار الكامل.

الحراك السعودي: من التدخل السياسي إلى إدارة التوازن

في هذا السياق، يكتسب الحراك السعودي الأخير أهمية خاصة، ليس فقط بسبب توقيته، بل بسبب طبيعته. فالمقاربة التي اعتمدتها الرياض لا تشبه تدخلاتها السابقة في لبنان، حيث كان الهدف غالباً إعادة تشكيل التوازن السياسي الداخلي أو دعم طرف في مواجهة آخر. أما اليوم، فيبدو أن السعودية انتقلت إلى دور مختلف، يمكن وصفه بدور “مدير التوازن”، أي العمل على منع اختلال موازين القوى، بدل محاولة ترجيحها.

هذا التحول يعكس قراءة سعودية واقعية لطبيعة البيئة اللبنانية بعد التحولات التي شهدتها في السنوات الأخيرة. فالنظام السياسي بات أكثر هشاشة، والتحالفات التقليدية فقدت الكثير من فعاليتها، فيما برزت عناصر تفكك تجعل أي محاولة لإعادة إنتاج التوازنات القديمة غير قابلة للحياة. من هنا، يصبح الهدف الأساسي هو منع الانهيار، وليس إعادة البناء.

ويظهر هذا التوجه بوضوح في تركيز الرياض على دعم الحكومة الحالية، واعتبارها الإطار التنفيذي الوحيد القادر على إدارة المرحلة. هذا الدعم لا ينبع من قناعة بقدرة الحكومة على إحداث تغيير جذري، بل من إدراك أنها تمثل آخر بنية مؤسساتية يمكن الارتكاز عليها في إدارة التوازنات، وأن سقوطها سيؤدي إلى فراغ يصعب احتواؤه.

تنسيق إقليمي: إدماج سوريا في معادلة الاستقرار

أحد أبرز ملامح هذا الحراك يتمثل في طبيعته المنسقة إقليمياً، حيث تشير المعطيات إلى وجود تنسيق فعلي بين السعودية وقطر ومصر وسوريا، في إطار مقاربة مشتركة تجاه لبنان. هذا التنسيق لا يعني وجود رؤية موحدة بالكامل، لكنه يعكس اتفاقاً على أولوية منع الانهيار، وتثبيت الحد الأدنى من الاستقرار.

اللافت في هذا السياق هو إدخال سوريا في هذا المسار، في تطور يعكس تحولاً في مقاربة الملف اللبناني. فدمشق، التي كانت تُعتبر سابقاً جزءاً من معادلة النفوذ أو الصراع، يتم التعامل معها اليوم كعامل يمكن توظيفه في ضبط الحدود ومنع التصعيد، لا كطرف يسعى إلى إعادة فرض حضوره التقليدي.

هذا التحول يندرج ضمن مقاربة أكثر براغماتية في إدارة ملفات الإقليم، حيث يتم تجاوز منطق الاستبعاد أو المواجهة، لصالح منطق إشراك جميع الأطراف القادرة على المساهمة في الاستقرار، حتى لو كان ذلك بشكل جزئي أو مرحلي. وفي هذا الإطار، يكتسب التفاهم السعودي–السوري حول دعم الحكومة اللبنانية ومنع الانهيار أهمية خاصة، إذ يشير إلى إعادة تعريف دور لبنان كمساحة يجب تثبيتها، لا استخدامها كساحة اشتباك.

الولايات المتحدة: تسريع المسار مقابل ضبطه عربياً

بالتوازي مع هذا الحراك، برز انخراط أميركي مباشر في الملف اللبناني، حيث تسعى إدارة دونالد ترامب إلى تحقيق إنجاز سياسي عبر رعاية مسار تفاوضي بين لبنان وإسرائيل. هذه المقاربة تقوم على استثمار الضغط العسكري لتحويله إلى مكاسب سياسية، في إطار رؤية أوسع لإعادة ترتيب العلاقة مع إيران.

غير أن هذا الاندفاع الأميركي يقابله توجه عربي يسعى إلى ضبط سقف هذا المسار، ومنع تحوله إلى اتفاق سلام أو تطبيع. فمثل هذا التحول، في ظل الظروف الحالية، قد يؤدي إلى تفجير الداخل اللبناني، نظراً لحساسية التوازنات السياسية والطائفية، وعدم قدرة النظام على استيعاب انتقال بهذا الحجم.

بالتالي، يمكن القول إن العلاقة بين المسارين الأميركي والعربي تقوم على تقاطع جزئي، لا على تطابق. فهناك قبول بالتفاوض كأداة، لكن مع رفض استخدامه كوسيلة لفرض تسويات تتجاوز قدرة لبنان على التحمل. هذا التوازن الدقيق يعكس محاولة لاحتواء الاندفاعة الأميركية، من دون الدخول في مواجهة معها.

سلاح حزب الله: من معضلة إلى مسار تدريجي

يبقى ملف سلاح حزب الله العامل الأكثر تعقيداً وحساسية في المشهد اللبناني، ليس فقط بسبب طبيعته العسكرية، بل لارتباطه المباشر بتوازنات داخلية دقيقة وتشابكه العضوي مع البيئة الإقليمية الأوسع. إلا أنّ هذا الملف يشهد في المرحلة الراهنة تحوّلاً تدريجياً في طريقة مقاربته، سواء من قبل الفاعلين المحليين أو الأطراف الإقليمية والدولية، إذ لم يعد يُطرح كقضية قابلة للحسم السريع أو كشرط مسبق لأي تسوية، بل كملف مركّب يحتاج إلى إدارة طويلة النفس، تُدرج ضمن مسار سياسي أوسع ومتدرّج.

هذا التحوّل يعكس إدراكاً متزايداً بأن مقاربة “النزع الفوري” أو فرض الوقائع بالقوة، سواء عبر ضغط خارجي أو داخلي، لا تبدو واقعية في السياق اللبناني، بل قد تؤدي إلى نتائج عكسية خطيرة، تبدأ بتفجير التوازنات الطائفية والسياسية، ولا تنتهي بإعادة إنتاج الصراع بأشكال أكثر حدّة. فالسلاح هنا لا يُختزل بوظيفته العسكرية، بل يمثل أيضاً امتداداً لتمثيل سياسي وشعبي داخل شريحة لبنانية واسعة، ما يجعل أي مقاربة صدامية معه بمثابة تهديد مباشر لبنية الاستقرار الهش.

في المقابل، يتقدّم طرح بديل يقوم على نقل هذا الملف من مستوى “المشكلة الآنية” إلى مستوى “المسار التفاوضي”، أي إدخاله ضمن حوار وطني شامل حول الاستراتيجية الدفاعية، يهدف إلى إعادة تعريف موقع هذا السلاح ودوره، بدلاً من الاكتفاء بطرح مسألة وجوده أو عدمه. هذا المسار لا ينطلق من فرضية إلغاء السلاح فوراً، بل من محاولة تنظيمه وإعادة إدراجه تدريجياً ضمن إطار الدولة، سواء عبر ضبط استخدامه، أو عبر تطوير صيغ مرحلية تتيح تقليص استقلاليته العملياتية مع الحفاظ على توازنات الداخل.

ضمن هذا السياق، تبرز أهمية الربط بين أي معالجة محتملة لهذا الملف وبين ضمانات سياسية واضحة، تعيد طمأنة الأطراف المعنية، وفي مقدمتها البيئة الشيعية، إلى أن أي تغيير في موقع السلاح لن يكون على حساب موقعها داخل النظام. وهنا يُعاد طرح اتفاق الطائف كمرجعية مركزية، ليس فقط كإطار دستوري لتنظيم العلاقة بين السلطات، بل كضمانة سياسية لتوازن النظام، بما يسمح بفتح نقاش حول السلاح من دون إثارة مخاوف وجودية لدى أي مكوّن.

في هذا الإطار، يكتسب دور رئيس مجلس النواب نبيه بري أهمية مضاعفة، بوصفه أحد أبرز الضامنين الداخليين لهذا التوازن. فبري لا يمثل فقط موقعاً دستورياً، بل يشكل حلقة وصل بين الدولة والبيئة الشيعية، وقادراً على لعب دور الوسيط في أي مسار انتقالي يتصل بملف السلاح. قدرته على تأمين غطاء سياسي تدريجي، وربط أي خطوات بضمانات دستورية وسياسية، تجعله أحد المفاتيح الأساسية لإدارة هذا الملف، خصوصاً في مرحلة تتطلب تجنّب الصدمات والانتقال نحو مقاربات تراكمية.

بذلك، يمكن القول إن ملف سلاح حزب الله ينتقل تدريجياً من كونه عقدة غير قابلة للحل إلى “ملف قابل للإدارة”، ضمن مسار طويل ومعقّد، تتداخل فيه الاعتبارات الداخلية مع الحسابات الإقليمية. غير أن نجاح هذا المسار يبقى مشروطاً بقدرة الأطراف المعنية على الحفاظ على التوازن الدقيق بين متطلبات السيادة من جهة، وضرورات الاستقرار من جهة أخرى، في بيئة لا تحتمل مغامرات كبرى بقدر ما تحتاج إلى إدارة دقيقة ومستمرة للأزمة.

الميدان يسبق السياسة: حدود القدرة على الضبط

رغم كل ما سبق، يبقى العامل الميداني محدداً أساسياً لمسار الأحداث. فإسرائيل تواصل تثبيت وقائع على الأرض، عبر توسيع نطاق سيطرتها الأمنية، واستهداف البنية التحتية، ما يخلق ضغوطاً متزايدة على لبنان، ويؤثر بشكل مباشر على شروط التفاوض.

في المقابل، يحافظ حزب الله على معادلة ردع محدودة، تتيح له تجنب الحرب الشاملة، من دون التخلي عن موقعه العسكري. هذه المعادلة تكرّس حالة “اللاحسم”، حيث لا يتم حسم الصراع، بل إدارته ضمن حدود ضيقة.

وهنا، يظهر التناقض الأساسي في المرحلة: بينما تسعى السياسة إلى ضبط الميدان، يعمل الميدان على إعادة تشكيل شروط السياسة، ما يحد من قدرة أي طرف على فرض مسار نهائي.

خلاصة: استقرار هش وإدارة طويلة للأزمة

في المحصلة، لا تشير المعطيات إلى اقتراب تسوية شاملة في لبنان، بل إلى تثبيت مرحلة انتقالية طويلة، تقوم على إدارة التوازنات ومنع الانهيار. هذه المرحلة يمكن وصفها بأنها استقرار هش، حيث يتم الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك، من دون معالجة الأسباب العميقة للأزمة.

الحراك السعودي–العربي يشكل أحد أبرز أدوات هذه الإدارة، إذ يسعى إلى ضبط المسارات المتعددة، ومنع تداخلها بشكل يؤدي إلى انفجار. إلا أن نجاحه يبقى مرتبطاً بعوامل خارجية، أبرزها مسار العلاقة الأميركية–الإيرانية، وتطورات الميدان.

وبين هذه العوامل، يبقى لبنان في موقع الوسط: لا هو قادر على فرض شروطه، ولا هو مستعد للانهيار الكامل، ما يجعله ساحة لإدارة صراع مفتوح… بانتظار لحظة لم تنضج بعد.

زر الذهاب إلى الأعلى