زيارة سلّام إلى دمشق.. اختبار العلاقة الجديدة

تأتي زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى سوريا في مرحلة إقليمية انتقالية معقّدة، ليس فقط لأنها تُعد أول زيارة بهذا المستوى منذ التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا، وإنما لأنها تعكس أيضاً أن مسار العلاقة اللبنانية السورية لم يعد في مرحلة التشكّل، بل بدأ فعلياً، وهو اليوم في طور تعزيزها ومأسستها ضمن مقاربة أكثر واقعية وبراغماتية، تختلف، ولو جزئياً، عن النموذج التقليدي الذي حكم العلاقة بين البلدين خلال العقود الماضية. فالمشهد الحالي لا يمكن قراءته ضمن إطار بروتوكولي أو إداري، وإنما بوصفه محاولة لإعادة تعريف المصالح المشتركة، وإعادة ضبط التوازنات السياسية والأمنية بين دولتين ظلّتا تاريخياً عالقتين بين الجغرافيا والتداخل السياسي والأمني.

للوهلة الأولى، تبدو الزيارة محكومة بملفات تقنية مباشرة، مثل الحدود، ومكافحة التهريب، والطاقة، وإدارة المعابر، إضافة إلى ملف اللاجئين السوريين، والمفقودين والمعتقلين اللبنانيين في سوريا، إلا أن القراءة الأعمق تشير إلى أن ما يجري يتجاوز هذه الملفات نحو محاولة إنتاج إطار سياسي وتنظيمي جديد للعلاقة بين بيروت ودمشق، في ظل بيئة إقليمية تتغيّر بسرعة وتفرض على الطرفين إعادة تموضع سياسي وأمني مختلف.

قال نواف سلام قبل الزيارة إن حكومته تسعى إلى “تعزيز العلاقات” مع سوريا في ملفات الاقتصاد والطاقة والنقل، مؤكداً العمل مع الجانب السوري لمعالجة القضايا العالقة “بما يخدم مصلحة البلدين”. يأتي ذلك في وقت يواجه فيه لبنان أزمة اقتصادية خانقة وانهياراً مؤسساتياً مستمراً، ما يدفعه إلى البحث عن حد أدنى من الاستقرار الحدودي والأمني، وإعادة تفعيل شبكات النقل والطاقة والتبادل التجاري، وهي ملفات يصعب التعامل معها من دون تنسيق مباشر مع سوريا.

يحضر ملف اللاجئين السوريين بقوة في الزيارة، وسط ضغوط سياسية واقتصادية داخلية متزايدة في لبنان تدفع نحو إعادة تنظيم هذا الملف، بالتوازي مع محاولات دمشق إعادة تفعيل قنوات التنسيق الرسمية مع الدولة اللبنانية.

تأتي الزيارة السياسية بعد أسابيع من لقاء عسكري سوري ـ لبناني عُقد في دمشق، جمع رئيس هيئة الأركان السورية اللواء علي النعسان بوفد من الجيش اللبناني برئاسة العميد ميشال بطرس، حيث جرى بحث ملفات الحدود المشتركة، ومكافحة التهريب، وآليات التنسيق الأمني بين الجانبين، في ظل التصعيد المستمر بين إيران وإسرائيل، بحسب ما أوردته وكالة “سانا” السورية.

خلال الأشهر الماضية، تحولت الحدود السورية اللبنانية إلى واحدة من أكثر المناطق حساسية في المنطقة، سواء بسبب حركة النزوح الناتجة عن القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان، أو نتيجة تنامي المخاوف المرتبطة بشبكات التهريب وحركة السلاح عبر الحدود.

الأهم في الزيارة ليس فقط الملفات التي تُناقش، وإنما توقيتها أيضاً، إذ تتزامن مع استمرار التوتر في جنوب لبنان، وتصاعد الحديث عن مسارات تفاوضية غير واضحة المعالم بين لبنان وإسرائيل. يبدو أن سوريا تنظر بحذر إلى احتمال تفكيك المسارات الإقليمية وتحويل كل ساحة إلى ملف منفصل يُدار بمعزل عن السياق الأوسع، وهو ما قد يفتح الباب، من وجهة النظر السورية، أمام إعادة إنتاج اختلالات استراتيجية تسمح لإسرائيل بإدارة تفاوض متعدد الساحات بأهداف موحدة.

في المقابل، يدرك نواف سلام أن المقاربة اللبنانية التقليدية تجاه سوريا لم تعد قابلة للاستمرار بالشكل السابق، غير أن العلاقة بين البلدين لا تزال محكومة بإرث طويل من التعقيدات السياسية والأمنية، ما يجعل أي انفتاح سياسي تجاه دمشق محاطاً بحساسيات داخلية لبنانية، لا سيما لدى القوى التي تخشى من عودة النفوذ السوري بصيغ جديدة، فيما ترى قوى أخرى أن التنسيق مع سوريا يمثل ضرورة استراتيجية لا يمكن تجاوزها.

في هذا السياق، تبدو الزيارة أقرب إلى مقاربة براغماتية تهدف إلى إدارة الضرورات السياسية والاقتصادية والأمنية، أكثر من كونها محاولة لإعادة إنتاج اصطفافات أيديولوجية أو تحالفات تقليدية.

من زاوية أوسع، بدأت دول المنطقة، بعد سنوات طويلة من الحروب والانقسامات، تدرك أن الجغرافيا السياسية تفرض في نهاية المطاف العودة إلى تفاهمات وظيفية تقلّل كلفة الفوضى، حتى وإن لم تؤسس لتحالفات مستقرة ونهائية. من هنا يمكن فهم الحراك اللبناني السوري بوصفه جزءاً من إعادة ترتيب إقليمي أوسع تحكمه المصالح والضرورات أكثر من الاصطفافات التقليدية.

يُضاف إلى ذلك أن مستوى العلاقات السورية اللبنانية لا يزال غير مكتمل على أعلى المستويات السياسية، إذ لم يُسجّل حتى الآن أي لقاء رسمي مباشر بين الرئيس السوري أحمد الشرع ورئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون، ما يعكس أن مسار التطبيع السياسي الكامل بين الطرفين لم يصل بعد إلى مرحلة الصفاء التام، رغم التقدم التدريجي في القنوات الأخرى.

بالنتيجة، فإن زيارة نواف سلام إلى دمشق لا تبدو مجرد محطة عابرة في العلاقات الثنائية، وإنما مؤشراً على مرحلة تُعزَّز فيها المقاربة البراغماتية وتُؤسَّس بصورة أكثر صلابة، غير أن نجاح هذه المرحلة سيظل مرهوناً بقدرة الجانبين على إدارة الملفات الحساسة من دون تحويلها مجدداً إلى أدوات صراع داخلي أو إقليمي، لأن المشكلة في العلاقة بين بيروت ودمشق لم تكن يوماً في غياب المصالح المشتركة، وإنما في طبيعة إدارة هذه المصالح، وفي قدرة السياسة على منع الجغرافيا من التحول مرة أخرى إلى عبء.

زر الذهاب إلى الأعلى