لاريجاني؛ رجل ما بعد العاصفة: لماذا تحتفظ الأنظمة بشخصيات الظل لساعة الخطر؟
قراءة تحليلية في موقع علي لاريجاني داخل بنية السلطة الإيرانية

في أوقات الاستقرار، تميل الأنظمة إلى إبراز أكثر وجوهها حضوراً وكاريزمية. أما في أوقات الخطر الوجودي، وحين يُطرح احتمال فراغ قيادي مفاجئ، فإن معايير الاختيار قد تنقلب رأساً على عقب. حينها، لا تعود الأولوية للأكثر شعبية أو الأعلى صوتاً، لكن للأكثر قدرة على ضمان الاستمرارية. في مثل هذه اللحظات تبحث الأنظمة عن “مدير عبور”. ربما من هذه الزاوية تحديداً، يرد في التحليلات اسم علي لاريجاني، اليوم. ليس لأنه الأقوى، بل لأنه قد يكون الأنسب لوظيفة محددة، وظيفة إدارة التوازن إذا ما اهتزت الأرض.
تنحدر عائلة لاريجاني من منطقة “لاريجان” الجبلية قرب دماوند شمال إيران. وهي منطقة عُرفت بوعورة تضاريسها وتدفق ينابيعها المعدنية الحارة. هذا النوع من البيئات، كما تشير دراسات الاجتماع التاريخي، ينتج شخصيات تميل إلى الصبر الاستراتيجي أكثر من الاندفاع. ولهذا، تبدو سيرة الرجل امتداداً لبيئته الأولى؛ هدوء الإيقاع، دقة الحساب وطول النفس.
ومن المهم أن نلاحظ، هنا، إنه وفي البنية السياسية الإيرانية القائمة، تبدو العائلة أكثر من مجرد رابطة اجتماعية. وتصبح أقرب إلى رأسمال سياسي. فوالد لاريجاني، آية الله ميرزا هاشم آملي، كان فقيهاً معتبراً، ما منح أبناءه شرعية علمية مبكرة. أما الإخوة فقد توزعوا في مواقع مؤثرة؛ صادق لاريجاني، فقيه ورئيس سابق للسلطة القضائية وعضو مؤسسات دستورية عليا، وأحد المرشحين المحتملين لخلافة المرشد خامنئي، أما شقيقه محمد جواد لاريجاني، فهو منظّر سياسي واستراتيجي، أما شقيقهم باقر لاريجاني، فقد شغل مواقع أكاديمية بارزة، من ضمنها رئاسة جامعة طهران.
هذا التوزع، يعكس قاعدة معروفة في علم النخبة؛ “النفوذ المستقرّ هو النفوذ الموزع”.
وعندما انتقلت السلطة بعد الثورة إلى رجال الدين، لم تنتقل معهم الأيديولوجيا فقط، بل نموذج التنظيم أيضاً. فالحوزة تقوم تاريخياً على الثقة الشخصية وشبكات القرابة العلمية. ومع انتقال هذه الثقافة إلى الحكم، نشأ نظام مؤسسات يعمل بروح الشبكات. في هذا السياق، يصبح صعود لاريجاني مفهوماً بوصفه نتاج بنية لا استثناءً داخلها.
بدأ علي لاريجاني مسيرته في السنوات الأولى بعد الثورة ضمن الحرس الثوري، لفترة قصيرة، لكنه لم يكن من طينة القادة الميدانيين الذين تصنعهم الجبهات. سرعان ما انتقل إلى مواقع الإدارة وصناعة القرار، حيث تبلورت هويته السياسية الحقيقية. فالرجل، في جوهر تكوينه، ليس رجل بندقية ولا رجل ميدان، بل رجل ملفات. أي؛ من ذلك الصنف النادر من المسؤولين الذين لا يُقاس وزنهم بما يظهر منهم، بل بما يُسلَّم إليهم. ولهذا، لم تتحدد مكانته عبر لحظة بطولية واحدة، بل عبر سلسلة طويلة من الملفات الحساسة التي وُضعت على مكتبه، وهو معيار الثقة الأهم في الأنظمة التي تقوم على الحسابات الدقيقة لا على الاستعراض. وقد تنقّل بالفعل بين مواقع من هذا النوع؛ قيادياً في الإعلام الرسمي، الأمن القومي، التفاوض النووي، رئاسة البرلمان، ثم موقع استشاري رفيع. وهي محطات لا تُمنح إلا لمن اجتاز اختبار الثقة الطويل.
وطيلة هذه المسيرة، كانت ميزة لاريجاني الأبرز، وربما نقطة ضعفه أيضاً؛ أنه لم يتحول إلى خصم لأي جناح رئيسي. فقد حافظ على قنوات عمل مع أطراف متباعدة، من بينها دوائر مرتبطة بالجنرال قاسم سليماني (ربطتهما معاً زمالة سلاح خلال الفترة القصيرة التي بدأ بها لاريجاني مسيرته في الحرس الثوري)، كما دعم المسار التفاوضي في عهد الرئيس حسن روحاني رغم انتمائه المحافظ. هذه القدرة على التحرك بين التيارات لم تكن حياداً، بل مهارة سياسية نادرة، لأن الأنظمة في الأزمات تحتاج رجالاً لا يُخيفون أحداً.
في الخلفية الأكاديمية، يحمل علي لاريجاني دكتوراة في الفلسفة، وهو ما انعكس بوضوح على أسلوبه السياسي؛ خطاب هادئ، قرارات متأنية، ميل إلى الحلول المركبة. في علم النفس السياسي، تُصنَّف هذه الشخصية ضمن النمط التحليلي التنظيمي. وهو نمط مطلوب بشدة في إدارة المراحل الحساسة.
ورغم تصنيفه محافظاً، دعم علي لاريجاني التفاوض النووي عندما رأى فيه مصلحة للدولة. وهذه النقطة، قد تشي بجانب مهم من منهجه، فهو لا ينطلق من سؤال أي تيار ينتصر، بل من سؤال كيف تستمر الدولة. وهذه البراغماتية هي التي تجعل بعض الشخصيات ذات قيمة خاصة في لحظات الاختبار.
المفارقة الكبيرة، كانت عندما استُبعد لاريجاني، بقرار من مجلس صيانة الدستور، من الترشح للرئاسة عام 2021. ظاهرياً، بدا ذلك إقصاءً، لكن في منطق الأنظمة المغلقة قد يكون تحديداً للدور؛ فبعض الشخصيات لا تُدفع إلى الواجهة لأنها أصلح للعمل خلفها. وفي السياسة السلطوية، ليس كل من يُبعد يُقصى؛ بعضهم يُحفظ لوقت آخر.
- لماذا لاريجاني الآن؟
في إيران، شخصيات أقدم تجربة وأعلى حضوراً، ومع ذلك لا تتكرر أسماؤهم في سيناريوهات الطوارئ. السبب، بظنّي، أن معيار الاختيار في الأزمات ليس الشهرة ولا التاريخ، بل الملاءمة البنيوية للدور. ولاريجاني يمتلك مزيجاً نادراً، من حيث؛ ثقة المؤسسة، قبول نسبي لدى الأجنحة، خبرة ملفات وشخصية غير صدامية.
ومع ذلك كله، ثمة حقيقة حاسمة؛ لاريجاني ليس مرشحاً لمنصب القيادة العليا إذا شغر الموقع. السبب دستوري فقهي، لا سياسي؛ فهو ليس رجل دين أصلاً ولا يحمل مرتبة مرجعية، وهي شرط أساسي لذلك المنصب. وهذا القيد بالذات، قد يكون ما يجعله مناسباً لدور آخر، ألا وهو إدارة مرحلة انتقالية دون أن يكون منافساً دائماً على السلطة.
في تسريبات صحافية أجنبية، هناك ما يفيد أن المرشد خامنئي كلف علي لاريجاني بملفات مهمة وحساسة، تكفل استمرارية النظام فيما لو تعرض صفّه الأول لاستهداف يؤدي إلى تحييده. وهنا تصبح أولوية الدولة بوضوح؛ منع الانقسام، وحفظ تماسك المؤسسات، وطمأنة الحلفاء، وتجنب الفوضى. هذه، بالضبط، مهام مدير نظام، لا زعيم جماهيري. ولهذا تبحث الأنظمة في مثل هذه اللحظات عن رجال الملفات لا رجال المنابر.
وعليه؛ ليست قيمة علي لاريجاني في أنه من القلائل الذين لا يخشاهم أحد داخل النظام. وهذه صفة نادرة. ومن هنا، يمكن أن نقرأ لماذا يظهر اسمه في النقاشات المرتبطة بالسيناريوهات القصوى، لا لأنه الأبرز، بل لأنه، ببساطة، قد يكون الأنسب لوظيفة العبور.
