حق الحصول على المعلومة: بين المُدخل الخدمي وركيزة المساءلة – قراءة في موقع المعلومة من مشروع التحديث الإداري في الأردن

تتسارع مشاريع التحول الرقمي في الإدارة العامة الأردنية بوصفها أحد أعمدة مشروع التحديث الإداري، غير أن رقمنة بيروقراطية مغلقة لا تُنتج انفتاحاً بالضرورة، بل قد تُنتج إدارة أكثر كفاءة في ضبط تدفق المعلومة لا في إتاحتها. والمسألة هنا لا تتعلق بسرعة إنجاز الخدمة أو تعدد المنصات الإلكترونية، بقدر ما تتعلق بموقع حق الحصول على المعلومة ذاته من مشروع التحديث: هل يُعامَل هذا الحق باعتباره أداة رقابة يملكها المواطن على أداء السلطة ومساءلتها، أم باعتباره مجرد مُدخل فني يُستخدم لتحسين جودة الخدمة وتسريع إنجازها؟ في هذا التمييز تحديداً تكمن المفارقة التي تحكم مسار التحديث الإداري في الأردن؛ إذ حضر حق الحصول على المعلومة ضمن أدوات تطوير الأداء الحكومي، بينما بقيت وظيفته الأصلية في تعزيز المساءلة مقيّدة ببنية تشريعية ومؤسسية أقدم من مشروع التحديث نفسه بعقود.
فمنذ إطلاق خارطة طريق تحديث القطاع العام في نهاية تموز (يوليو) 2022[1]، قامت الخارطة على سبعة مكوّنات أساسية تسعى إلى تحقيق ثلاثة وثلاثين هدفاً استراتيجياً على مدى عقد كامل، عبر ثلاث مراحل تنفيذية متعاقبة تتصدّرها الخدمات الحكومية والإجراءات والرقمنة[2]. وفي هذا الإطار يحضر الحق في المعلومة أساساً بوصفه وقوداً لخدمة أكثر سلاسة، لا بوصفه أداة يملكها المواطن لمراقبة السلطة ومحاسبتها؛ فالشفافية التي يُفترض أن تكون الثمرة الطبيعية لهذا الحق تتحول، في هذا السياق، إلى وظيفة فرعية من وظائف جودة الخدمة، لا إلى غاية مستقلة بذاتها. وهذا الاختزال هو ما يحكم أداء المنظومة بأكملها، بما في ذلك محور الحوكمة الذي ربط مراجعة الميثاق الأخلاقي ومدونات السلوك الوظيفي بمفاهيم الشفافية والنزاهة كأداة للمساءلة الذاتية داخل الجهاز الحكومي أكثر منها كإطار للرقابة الخارجية عليه[3].
ريادة تشريعية وحدود في إعمال الحق
على المستوى التشريعي، يملك الأردن سبقاً حقيقياً يستحق التسجيل: فهو أول دولة عربية تُقرّ قانوناً لضمان حق الحصول على المعلومات، بموجب القانون رقم 47 لسنة 2007، قبل أن تلحق به ثماني دول عربية أخرى بقوانين مشابهة كان آخرها قطر عام 2022[4]. وجاء التعديل الأهم على هذا القانون بموجب القانون رقم 3 لسنة 2024، الذي أقرّه مجلس الأمة في آذار من العام نفسه، وأدخل تعديلات جوهرية استهدفت تسريع إجراءات الاستجابة وتوسيع النشر الدوري للمعلومات. فقد اختصر التعديل مدة الرد على الطلب من ثلاثين إلى خمسة عشر يوم عمل، قابلة للتمديد عشرة أيام لمرة واحدة ولأسباب مبررة، واعتبر الامتناع عن الرد ضمن هذه المدة بمثابة قرار رفض ضمني قابل للطعن، كما استثنى من دائرة السرية المعلومات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية[5]. هذه إصلاحات إجرائية حقيقية لا ينبغي التقليل من شأنها، غير أنها تركت البنية المقيِّدة لجوهر الحق على حالها.
فالقيد الأعمق ليس في المهلة الزمنية بل في منطق الاستثناءات ذاته. تُلزم المادة الثانية عشرة من القانون المعدَّل (وكانت المادة الثالثة عشرة قبل تعديل 2024) المسؤولَ بالامتناع عن كشف طيف واسع من المعلومات مُعرَّف بعبارات فضفاضة، وتحيل في جوهرها إلى قانون حماية وثائق وأسرار الدولة رقم 50 لسنة 1971، وهو تشريع صدر في ظروف استثنائية قبل أكثر من خمسة وخمسين عاماً، ولا يعكس بأي حال من الأحوال المفاهيم الحديثة لحق الحصول على المعلومة والحوكمة المفتوحة. والأخطر أن منظومة التصنيف المرتبطة به لا تزال مبهمة التطبيق من حيث تحديد الجهة المخوّلة بتصنيف المعلومات ومدة سريان السرية عليها وسبل الطعن على هذا التصنيف لمن يتضرر منه، وهو غموض يجعل من الاستثناء قاعدة عملية لا استثناءً محدود النطاق كما يفترض المبدأ القانوني الذي يقوم عليه هذا الحق. يُضاف إلى ذلك، منذ نفاذ قانون حماية البيانات الشخصية رقم 24 لسنة 2023، طبقة تشريعية إضافية تحظر الكشف عن بيانات بعينها، بما يوسّع مساحة الاستثناء على حساب النطاق الفعلي للحق في السياق ذاته الذي يُفترض أن يوسّعه[6].
حين تُضعف بنية الحوكمة استقلالية الحق
ولا يقلّ الخلل المؤسسي أهمية عن الخلل التشريعي في إضعاف الأثر العملي لهذا الحق. فمفوّض المعلومات في الأردن ليس هيئة مستقلة قائمة بذاتها، وإنما يشغل هذه الوظيفة مدير عام دائرة المكتبة الوطنية بالإضافة إلى وظيفته الأصلية. أما مجلس المعلومات، الذي يتولى ضمان تزويد طالبي المعلومات بها والنظر في الشكاوى المتعلقة بطلبات الحصول عليها وتسويتها، فيرأسه وزير الثقافة، ويشغل مفوض المعلومات موقع نائب الرئيس فيه. ويضم المجلس، إلى جانب ذلك، عدداً من كبار المسؤولين الحكوميين، بمن فيهم أمناء عامون لوزارات العدل والداخلية والاتصال الحكومي والاقتصاد الرقمي والريادة، إلى جانب ممثلين عن مؤسسات وجهات أخرى أضيفت إلى التشكيل بموجب تعديل 2024. ويعني هذا التكوين أن الآلية المؤسسية المكلفة بالنظر في التظلمات المتعلقة بالحصول على المعلومات لا تتمتع باستقلال مؤسسي كامل عن الجهاز التنفيذي، الأمر الذي يثير سؤالاً جوهرياً حول مدى قدرتها على ممارسة دور رقابي فعّال ومستقل في مواجهة الجهات الحكومية التي تملك المعلومات.
وتنعكس هذه الفجوة بين السبق التشريعي والأداء الفعلي في المؤشرات الدولية: فرغم أن الأردن كان أول دولة تنضم عام 2011 إلى شراكة الحكومة المنفتحة (Open Government Partnership)، فإنه يحتل بحسب مؤشر تقييم قوانين الحصول على المعلومات عالمياً (RTI Rating) مرتبة متأخرة نسبياً بين الدول التي تملك تشريعات مماثلة، وهي فجوة تعكس المسافة بين جودة النص القانوني الضامن للحق من حيث الشكل، ومستوى إعمال هذا الحق فعلياً على أرض الواقع[7].
رقمنة الواجهة واستمرار انغلاق البنية الإدارية
هنا يتكشّف التناقض الذي يحكم العلاقة بين التحديث الإداري وحق الحصول على المعلومة: يعمل مسار التحديث على رقمنة الواجهة الأمامية للدولة، من بوابات إلكترونية إلى خدمات عن بُعد، بينما تظل الواجهة الخلفية محكومة بثقافة إدارية أقدم عهداً بالسرية من هذا الحق ذاته. ورقمنة بيروقراطية مغلقة لا تُنتج انفتاحاً بالضرورة، بل قد تُنتج عتمة أسرع وأكثر كفاءة في إدارتها. وهذه المفارقة تتقاطع مع نقد أعمّ وُجّه لخارطة تحديث القطاع العام ذاتها، مفاده أنها رغم ما حققته من تقدّم إجرائي، لا تزال تفتقر إلى منظومة منهجية تربط مبادرات الإصلاح بالأثر، وإلى نظام أداء وقياس يحوّل هذه المبادرات إلى نتائج قابلة للتتبع والمساءلة. وينطبق هذا التشخيص حرفياً على ملف حق الحصول على المعلومة: إذ تُقاس المخرجات، كعدد البوابات الإلكترونية المُطلَقة، لا النتائج، كحجم المعلومات المُفرَج عنها فعلياً وجودة تعليل قرارات الرفض عند صدورها.
من الإصلاح الإجرائي إلى إعادة بناء منظومة الإتاحة
تشير أفضل الممارسات المقارنة في هذا المجال إلى مسار واضح إن أُريد لإصلاح هذا الحق أن يكون إصلاحاً في المعنى لا في الشكل فحسب. يتمثل أولها في استبدال الاستثناءات الفئوية الجامعة الواردة في قانون 1971 باختبار ضرر مقترن باختبار للمصلحة العامة، يُفسَّر تفسيراً ضيقاً ويُحمَّل عبء إثباته للإدارة لا لطالب المعلومة. ويتمثل ثانيها في فرض آجال زمنية محددة لرفع السرية عن الوثائق ومراجعة دورية لتصنيفها، بدل إبقاء التصنيف مفتوحاً إلى أجل غير مسمى. ويتمثل ثالثها في اعتماد مبدأ النشر الاستباقي بوصفه الأصل والكتمان استثناءً عليه، عبر بيانات مفتوحة قابلة للمعالجة الرقمية لا مجرد منشورات شكلية على البوابات الإلكترونية. أما رابعها فمعالجة قانون 1971 نفسه، إما بإلغائه أو بمواءمته الجوهرية مع المعايير الدولية لحق الحصول على المعلومة، ذلك أن أي إصلاح لقانون ضمان هذا الحق يظلّ محدود الأثر عملياً ما دام القانون الأقدم يظلّله ويقيّده.
خلاصة القول إن الأردن يملك بنية تشريعية متقدّمة نسبياً على محيطه الإقليمي في مجال حق الحصول على المعلومة، غير أنه لا يزال يديره بعقلية تعامله كأداة لتحسين جودة الخدمة أكثر منها كركيزة توازن بها السلطة. وما لم يُعامَل هذا الحق باعتباره أداة رقابة ومساءلة يملكها المواطن على أداء الدولة، لا مجرد وسيلة تُستخدَم لتجميل هذا الأداء، فإن مشروع التحديث الإداري مرشّح لأن يُنتج دولة أكثر كفاءة تشغيلياً، لكنها ليست بالضرورة دولة أكثر انفتاحاً على من تخدمهم.
ومع ذلك، هذا التحدي ليس بلا حل. فالأردن لا يبدأ من الصفر في هذه المسألة، لأن رؤى التحديث الثلاث — السياسي والاقتصادي والإداري — لم تُطرح كمسارات منفصلة عن بعضها، بل كمنظومة واحدة يفترض أن تجمع بين تحسين الأداء وتوسيع المشاركة وترسيخ سيادة القانون. وهذا ما تكرر في التوجيهات الملكية التي أكدت أن التحديث الإداري ليس هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لبناء الثقة بين المواطن والدولة. بمعنى آخر، ربط حق الحصول على المعلومة بدوره الرقابي لا يتعارض مع مسار التحديث القائم، بل هو امتداد طبيعي له وتحقيق لغايته الحقيقية: أن تكون الشفافية شرطاً لثقة الناس بدولتهم، لا مجرد إجراء شكلي يُضاف على هامشها. وعليه، فإن استكمال مسارات الإصلاح الأربعة المذكورة أعلاه لا يمثل خروجاً عن مسار التحديث الإداري، بل يمثّل الخطوة التالية الطبيعية فيه: أن تتحول أدوات الكفاءة التي بُنيت خلال السنوات الماضية إلى أدوات موازنة أيضاً، بحيث تصبح الدولة الأردنية ليست فقط أكثر كفاءة في عملها، بل أكثر انفتاحاً ومساءلة أمام من تخدمهم.
[1]أُطلقت خارطة طريق تحديث القطاع العام رسمياً بتاريخ 31 تموز/يوليو 2022.
[2]تتوزع الأهداف الاستراتيجية الثلاثة والثلاثون على سبعة محاور: الخدمات الحكومية وتيسير الأعمال، الإجراءات والرقمنة، الهيكل التنظيمي والحوكمة، رسم السياسات وصنع القرار، الموارد البشرية، التشريعات، والثقافة المؤسسية، تُنفَّذ عبر ثلاث مراحل ممتدة حتى نهاية العقد.
[3]بحسب ما استعرضته وكالة الأنباء الأردنية (بترا) من محاور خارطة تحديث القطاع العام ومحور الحوكمة فيها.
[4]أكدت هذه الريادة مصادر متعددة، من بينها وزير الثقافة الأردني ووكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إضافة إلى دراسات قانونية متخصصة في موضوع القانون.
[5]القانون المعدِّل رقم 3 لسنة 2024، المنشور في عدد الجريدة الرسمية رقم 5916 بتاريخ 24/3/2024.
[6]القانون رقم 50 لسنة 1971 (قانون حماية أسرار ووثائق الدولة)، المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 1/8/1971؛ وقانون حماية البيانات الشخصية رقم 24 لسنة 2023، المنشور في عدد الجريدة الرسمية رقم 5881 بتاريخ 17/9/2023.
[7]انضم الأردن إلى شراكة الحكومة المنفتحة (OGP) عام 2011 كعضو مؤسس، فيما تُشير قراءات متخصصة لمؤشر RTI Rating إلى تراجع ترتيب الأردن رغم أقدمية تشريعه؛ الرقم الدقيق للترتيب يستحق تحققاً مباشراً من قاعدة بيانات المؤشر عند إعداد نسخة نهائية للنشر.