من الورق إلى الممارسة: ترسيخ القدرة على صنع السياسات المستندة إلى الأدلة في النظام الحزبي الأردني

إن ممارسات الحزب، أي الطريقة التي ينظم بها نفسه ويخوض بها الجولات الأولى من الانتخابات، هي التي تستمر في نهاية المطاف بعد مؤسسيه. ولذلك، ففي بلد مثل الأردن، حيث لا تزال التجربة الحزبية في طور التشكل، يكتسب إصلاح المؤسسات أهمية خاصة. شُكّلت اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية في حزيران/يونيو 2021، وأفضت أعمالها إلى تعديلات دستورية، إضافة إلى قانونين صدرا عام 2022. وأُجريت أول انتخابات في ظل هذه المنظومة الجديدة عام 2024، ثم أدى مجلس النواب المنتخب اليمين الدستورية في نهاية العام. وخلال الفترة الفاصلة بين هذه الانتخابات والجولة الانتخابية التالية، أي خلال السنوات القليلة التي أخذت تقترب من نهايتها، ستتبلور إلى حد كبير الممارسات التي ستستقر عليها الأحزاب الأردنية.
حتى الآن، تركز النقاش حول النظام الحزبي على بناء إطار مؤسسي حديث، بما يشمل القواعد المنظمة لمشاركة الأحزاب في الانتخابات، مثل العتبات الانتخابية، والحصص المخصصة لبعض فئات المجتمع، وتوزيع المقاعد، والتمويل. تحدد هذه القواعد الجهات القادرة على خوض الانتخابات، بينما يبقى مضمون البرامج التي تتنافس الأحزاب على أساسها مسألة مختلفة. وعليه، تستطيع الأحزاب الالتزام بالكامل بالإطار التنظيمي المحدّث، وفي الوقت نفسه الاستمرار في التنافس على أساس الهوية أو الزبائنية أو الشخصنة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى بناء متغير مختلف تمامًا، يتمثل في قدرة الأحزاب على تحويل المظلمة أو المطلب إلى مشكلة سياساتية، وتحويل المشكلة إلى مقترح محدد الكلفة، ثم تحويل المقترح المحدد الكلفة إلى مطلب تشريعي أو مخصصات في الموازنة.
ولا يمكن استيراد هذا التقييم الخارجي للمشهد الحزبي الأردني بصورته الكاملة وإسقاطه مباشرة على النقاش الجاري بشأن الإصلاح السياسي. بل إن ما ينبغي بناؤه حتى يصبح هذا التقييم واقعًا بحلول عام 2028 سبق أن حدده جلالة الملك عبدالله الثاني عندما خاطب الشباب الناشطين سياسيًا في كانون الثاني/يناير 2024، داعيًا إلى تشكيل أحزاب وطنية قائمة على البرامج لمعالجة القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقد أكد الملك بصورة صريحة أهمية الأحزاب القائمة على البرامج بدلًا من الأحزاب القائمة على الأفراد.
البرامج الحزبية تحتاج إلى تفعيل قطاع المعرفة في الأردن
يمتلك الأردن عددًا كبيرًا من مؤسسات أبحاث السياسات ومراكز الفكر. ومن أبرزها على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، الذي تأسس عام 1984، ويضم إحدى أكبر وأعرق وحدات استطلاع الرأي العام في المنطقة. ومع ذلك، تكشف مجموعة من خصائص قطاع أبحاث السياسات في الأردن عن أسباب محدودية الاستفادة الفعلية من إنتاجه. يعتمد تمويل أبحاث السياسات بدرجة كبيرة على المشاريع المنفصلة، ولذلك تميل دورة إنتاج الأبحاث إلى اتباع دورات إعداد التقارير الخاصة بالجهات المانحة بدلًا من مواكبة الدورة التشريعية في الأردن. كما يُنشر جزء كبير من الأبحاث الأردنية عالية الجودة باللغة الإنجليزية، ما يجعل جمهورها الأساسي من الأكاديميين والعاملين في مجال التنمية والمنظمات غير الحكومية وغيرهم من المقيمين في عمّان، بينما يقل وصولها إلى كوادر الأحزاب وأعضائها في المحافظات.
والأهم من ذلك، يفتقر النظام الحالي إلى قناة مؤسسية تتيح للأحزاب وأعضائها التفاعل بصورة منتظمة مع الأبحاث المتعلقة بقضايا السياسات العامة. ومن هذا المنظور، يشكل غياب المؤسسات البحثية التابعة للأحزاب عاملًا مهمًا، إلى جانب الحاجة إلى إنشاء خدمة بحثية برلمانية تتمتع بقدرة تحليلية حقيقية، وترسيخ ممارسات ثابتة داخل اللجان البرلمانية، مثل الاستماع إلى شهادات الخبراء وتوثيقها رسميًا. وباختصار، يجري إنتاج الأبحاث لجمهور يقع إلى حد كبير خارج مجلس النواب المنتخب حديثًا، في حين ينتمي ثلاثة أرباع أعضاء المجلس إلى أحزاب جديدة.
التصميم: أربع قنوات لمأسسة القدرة على صنع السياسات
إذا أُريد لمراكز الفكر أن تصبح جزءًا من الحياة الداخلية للأحزاب، فهناك حاجة إلى بناء بنية مؤسسية تربط بين الطرفين. ويمكن تصور أربع قنوات لتحقيق ذلك، مرتبة تصاعديًا بحسب مستوى الصعوبة السياسية، وتمثل القناتان الأوليان ترجمة عملية لتوصية سبق أن قدمها المجلس الاقتصادي والاجتماعي.
وحدات سياسات بالحد الأدنى القابل للعمل، ممولة بموجب قواعد واضحة
وحدة السياسات ليست قسمًا للأبحاث بالمعنى التقليدي. إذ يمكن لوحدة صغيرة تضم عددًا محدودًا من الموظفين، مثل مسؤول عن السياسات، ومحلل بيانات، ومحرر أو معد للصياغات، أن تنتج سنويًا عددًا محدودًا من المواقف السياساتية محددة الكلفة في القطاعات التي أعلن الحزب أنها تمثل أولوياته. ويمكن للأحزاب بناء هذه الوظيفة إذا جرى تمويلها وفق قواعد واضحة، وبصفة خاصة من خلال تعديل نظام المساهمة المالية بحيث تُخصص نسبة محددة من التمويل الحكومي لتغطية رواتب العاملين في مجال السياسات وإنتاج ونشر الأعمال التحليلية. ويتطلب ذلك تشريعًا ثانويًا من خلال تعديل التوصية ذات الصلة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي.
مرفق مشترك لدعم السياسات قائم على تكافؤ الوصول
إن وجود عشرين وحدة بحثية ضعيفة أقل فاعلية بوضوح من وجود وحدة بحثية مشتركة وقوية. لذلك، يمكن إنشاء مرفق غير حزبي لدعم سياسات الأحزاب تستضيفه مؤسسة قائمة، ويُدار بصورة مشتركة من الأحزاب والأكاديميين، بحيث يوفر مجموعة من المنتجات والخدمات الأساسية المشتركة للأحزاب المرخصة. وسيعمل هذا المرفق، في جوهره، كوحدة بحثية مشتركة تقدم خدمات تشمل إعداد خلاصات للأدلة بحسب القطاعات، ونماذج لتقدير الكلفة، وخط أساس مشترك للاقتصاد الكلي والمالية العامة، ومقارنات دولية مترجمة إلى اللغات المحلية ومفسرة وفق السياق المحلي، إضافة إلى المساعدة الفنية السرية عند الطلب. ويتمثل الشرط الأساسي في تصميم هذا المرفق في تكافؤ فرص الوصول إليه، لأن اقتصار خدماته على الأحزاب الكبرى قد يجعله في نظر الآخرين تابعًا لها أو أداة تستخدمها لمصلحتها.
قدرة برلمانية مستقلة على تقدير الكلفة
تتمثل فائدة إنشاء قدرة برلمانية مستقلة لتقدير الكلفة في أنها ستخلق طلبًا حقيقيًا على عمل وحدات السياسات الحزبية. فحتى الآن، تنتهي كثير من الأوراق التي تنتجها وحدات السياسات الحزبية داخل أروقة البرلمان دون أن تتحول إلى أثر عملي. أما وجود مكتب برلماني للموازنة والأبحاث مزود بكوادر مؤهلة، فسيمكنه من تقدير كلفة التشريعات ودعم عمل اللجان في مراجعة مشروعات القوانين، وبذلك يصبح للتحليلات التي تنتجها الأحزاب أثر ملموس في الواقع. وتوجد بالفعل قاعدة يمكن البناء عليها داخل مجلس النواب من خلال ممارسة مراجعة التشريعات بعد إقرارها، التي جرى تطويرها بدعم خارجي، ولذلك يمكن اعتبار إنشاء هذه القدرة امتدادًا طبيعيًا لما هو قائم.
مسار محمي لاستقطاب وتنمية الكفاءات
تنتقل الثقافة المؤسسية من خلال الأشخاص. ولذلك، يتطلب بناء قاعدة كافية من الكفاءات داخل الأحزاب مسارين رئيسيين: تنظيم برامج إعارة مؤسسية للباحثين للعمل داخل وحدات السياسات الحزبية ومؤسسات البحث المرتبطة بالأحزاب، وإنشاء برامج زمالة تنافسية للمحللين من حملة الدراسات العليا تتيح لهم العمل لفترة محددة داخل الكتل البرلمانية الحزبية. أما القيد الأساسي فيتعلق بالحماية المهنية للمشاركين، إذ ينبغي تصميم برامج الإعارة بطريقة تحول دون تعرض المشاركين لأي ضرر مهني نتيجة مشاركتهم فيها. ويتطلب ذلك تطبيق الحماية القانونية ذات الصلة من التمييز على أساس الانتماء السياسي بصورة واضحة وثابتة.
ترسيخ استخدام الأدلة: أين يمكن أن يحدث الأثر؟
تحتاج القدرة التحليلية إلى هدف عملي تُوجَّه نحوه. وفي الحالة الأردنية، توفر رؤية التحديث الاقتصادي هدفًا ملائمًا بصورة خاصة. يجري تنفيذ الرؤية من خلال البرنامج التنفيذي الثاني للفترة 2026–2029، الذي يغطي الركائز الثلاث للرؤية، وسبعة أهداف استراتيجية، واثنين وسبعين هدفًا يجري تنفيذها وقياسها من خلال 126 مؤشرًا رئيسيًا للأثر. وقد حُددت الموازنة التأشيرية لبرامج البرنامج التنفيذي الثاني للأعوام 2026–2028 بنحو 3.9 مليار دينار أردني، ويجري تنفيذها بما يتوافق مع قانون الموازنة العامة للسنة المالية 2026. وفي الوقت نفسه، تشكل خارطة طريق تحديث القطاع العام إطارًا مرجعيًا للإصلاحات الإدارية.
يوفر ذلك مدخلًا مباشرًا ومنخفض الحساسية السياسية. فمن خلال إصدار تقرير سنوي عن التقدم المحرز في كل قطاع من القطاعات التي تحدد رؤية التحديث الاقتصادي مستهدفات تنفيذها في العام التالي، تستطيع الأحزاب ممارسة أحد أكثر أشكال العمل السياساتي فائدة. ويعني ذلك تحديد المجالات التي يسير تنفيذها وفق المسار المحدد، والمجالات التي تواجه تأخرًا، مع تقديم تفسير يستند إلى البيانات المنشورة. ويجري هذا العمل ضمن مجال حددته الحكومة نفسها من خلال رؤية التحديث الاقتصادي، كما يعتمد على المعلومات العامة ولا يحتاج إلى وصول خاص إلى الحكومة، ويمكن أن يشكل أساسًا لمادة إعلامية دورية. والأهم أنه يبني تدريجيًا القدرات التي يحتاجها الحزب إذا انتقل مستقبلًا إلى موقع الحكم.
وقد أشار المجلس الاقتصادي والاجتماعي إلى فكرة مشابهة عام 2024 عندما اعتبر مناقشات الموازنة أول اختبار رئيسي للدورة العادية لمجلس النواب العشرين، واختبارًا مبكرًا لمدى تميز البرامج الانتخابية للأحزاب. فاختبار البرنامج الحزبي يتكرر سنويًا، ولذلك تمثل مناقشة الموازنة أحد أقل ميادين التدريب كلفة وأكثرها عملية.
التسلسل التنفيذي نحو عام 2028
تشكل الانتخابات المقبلة نقطة زمنية طبيعية تدفع باتجاه التنفيذ. ففي المرحلة الفورية لعام 2026، تتمثل الأولويات في تخصيص جزء محمي من التمويل للكوادر العاملة في مجال السياسات وللمخرجات المنشورة ضمن نظام المساهمة المالية للأحزاب، وإنشاء مرفق مشترك يخضع لحوكمة متعددة الأحزاب، وإطلاق برامج الإعارة والزمالة. أما في المرحلة المتوسطة لعام 2027، فتتمثل الأولوية في إنشاء وظيفة برلمانية للبحث وتقدير الكلفة، بحيث تقدم للأحزاب خدمة اختيارية لتقدير كلفة البرامج الانتخابية. ويسمح ذلك بمراجعة البرامج التي ستخوض بها الأحزاب الانتخابات من قبل جهة خبيرة مستقلة ونشر نتائج هذه المراجعة. ويُقترح كذلك ترسيخ ممارسة استماع اللجان البرلمانية إلى الأدلة والخبرات الخارجية وتوثيقها رسميًا. وبحلول عام 2028، يصبح الهدف أن تتحول البرامج محددة الكلفة للأحزاب المتنافسة على القائمة الوطنية الموسعة في مجلس النواب الأردني إلى ممارسة اعتيادية.
ولا يكفي قياس تقدم هذا العمل باستخدام مؤشرات النشاط وحدها. ويمكن للمجلس الاقتصادي والاجتماعي متابعة مجموعة أكثر دلالة من المؤشرات، تشمل عدد الأحزاب التي لديها موظفون متفرغون للعمل على السياسات، ونسبة برامج القوائم الوطنية في الانتخابات المقبلة التي تُقدم لتقدير كلفتها بصورة مستقلة، وعدد جلسات اللجان البرلمانية التي تستمع إلى أدلة وخبرات خارجية، وحجم التحليلات التي تنتجها الأحزاب وتنشر باللغة العربية، ونسبة التمويل المخصص لأبحاث الأحزاب الذي يُنفق داخل الأردن. ومن خلال هذه المؤشرات، يستطيع المجلس الاقتصادي والاجتماعي متابعة التقدم بعد الانتخابات المقبلة ومقارنته بنتائج دراسة عام 2024 التي أظهرت امتلاك عدد من الأحزاب خططًا اقتصادية محددة.
الخاتمة
تتمثل المخاطر الرئيسية في أن يتحول التنافس على السلطة في ظل النظام الانتخابي الجديد إلى تنافس قائم على الهوية والزبائنية، وأن تترسخ ثقافة عمل الأحزاب خلال هذه المرحلة بصورة تجعل تغييرها لاحقًا أكثر صعوبة. ولتعزيز القدرة التحليلية داخل الأحزاب، تبرز الحاجة إلى بناء البنية المؤسسية التي تربط البحث بصنع السياسات. ويتطلب ذلك تصميم قواعد تمويل تغطي تكاليف المحللين الذين تحتاج إليهم الأحزاب، وإنشاء مرفق مشترك يقدم خدماته لجميع الأحزاب على أساس متكافئ، إلى جانب بناء قدرة برلمانية مقابلة تمنح التحليلات التي تنتجها كوادر الأحزاب أثرًا عمليًا في العملية التشريعية.
كما يتطلب الأمر إنشاء مسار داعم يسمح بانتقال الخبرات والكفاءات في مجال السياسات المستندة إلى الأدلة من قطاع مراكز الفكر والمؤسسات البحثية الأردنية إلى النظام الحزبي. ويمثل بناء هذه المنظومة خلال دورة انتخابية واحدة أجندة محددة وقابلة للتحقيق.
المصادر
[1] المؤسسة الدولية للنظم الانتخابية (IFES)، «الانتخابات في المملكة الأردنية الهاشمية: الانتخابات النيابية لعام 2024»، الأسئلة الشائعة لـ IFES، 4 أيلول/سبتمبر 2024.
المصدر
[2] هبة العليان، «26,272 شابًا وشابة أعضاء في الأحزاب السياسية الأردنية الـ33 — الهيئة المستقلة للانتخاب»، The Jordan Times، 25 شباط/فبراير 2024. وتشير الملاحظة الواردة في المقال إلى أن تصريحات جلالة الملك جاءت خلال لقاء عُقد في كانون الثاني/يناير 2024 مع شباب ناشطين سياسيًا واجتماعيًا من مختلف محافظات المملكة.
المصدر
[3] يورومسكو (EuroMeSCo)، «مركز الدراسات الاستراتيجية (CSS)»، تاريخ الاطلاع: 23 آب/أغسطس 2026.
المصدر
[4] فريدوم هاوس (Freedom House)، «الأردن»، الحرية في العالم 2025، واشنطن العاصمة: فريدوم هاوس، 2025.
المصدر
[5] «من بين 31 حزبًا سياسيًا يخوض الانتخابات النيابية، 7 أحزاب فقط لديها برامج ورؤى اقتصادية موجزة — المجلس الاقتصادي والاجتماعي»، The Jordan Times، 2 أيلول/سبتمبر 2024.
المصدر
[6] المعهد الهولندي للديمقراطية متعددة الأحزاب (NIMD)، تحليل موازنات الأحزاب السياسية الأردنية؛ مؤسسة وستمنستر للديمقراطية (WFD)، «الأردن»، تاريخ الاطلاع: 23 آب/أغسطس 2026.
المصدر
[7] حكومة المملكة الأردنية الهاشمية، رؤية التحديث الاقتصادي: البرنامج التنفيذي 2026–2029، تاريخ الاطلاع: 23 آب/أغسطس 2026.
المصدر
[8] حكومة المملكة الأردنية الهاشمية، تحديث القطاع العام: خارطة الطريق، تاريخ الاطلاع: 23 آب/أغسطس 2026.
المصدر
[9] «من بين 31 حزبًا سياسيًا». [إحالة مختصرة إلى المصدر رقم 5].