“حصان طروادة” في طهران؛ هل راهن الموساد على أحمدي نجاد! 

صالح عمر

في أخبار الحروب الكبرى، تبدو بعض الوقائع، للوهلة الأولى، عصية على التصديق؛ خصوصاً عندما تقلب الصور الراسخة للأشخاص والدول رأساً على عقب. غير أن الحروب، وتحديداً حين يسود العمل الاستخباري، لا تُدار دائماً وفق منطق الانسجام الأيديولوجي، بل وفق حسابات المنفعة، وقابلية الاختراق، والقدرة على صناعة البدائل من داخل النظام المراد تغييره. 

من هذه الزاوية، جاءت التقارير التي تحدثت عن خطة إسرائيلية لإسناد دور قيادي إلى الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، بعد قتل المرشد علي خامنئي وإضعاف البنية القيادية للجمهورية الإسلامية. ثم ازدادت القصة غرابة مع ما نشرته صحيفتا «نيويورك تايمز» و«هآرتس» عن اتصالات سرية، بين أحمدي نجاد والموساد، ولقاءات قيل إن بعضها انعقد في العاصمة الهنغارية بودابست، وإن رئيس الموساد، آنذاك، ديفيد برنيع، شارك شخصياً في أحدها. 

لم تعد المسألة، والحال هذه، سؤالاً عن صحة لقاء استخباري غامض، بل أصبحت مدخلاً إلى سؤال أكبر؛ لماذا يمكن لإسرائيل، التي قدّم أحمدي نجاد نفسه طوال سنوات، بوصفها عدوه الوجودي، أن ترى فيه رجلاً مناسباً لقيادة إيران ما بعد خامنئي؟ 

والسؤال الأكثر تعقيداً؛ هل كان أحمدي نجاد “حصان طروادة” الذي أراد الموساد إدخاله إلى قلب النظام الإيراني، أم أن رواية تجنيده والرهان عليه هي، في ذاتها، “حصان طروادة” استخبارياً، صُمّم لزرع الشك وتفجير الصراعات داخل الجمهورية الإسلامية؟ 

حرب لا تحسمها السماء 

بدأت الحملة الأميركية–الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير 2026، بعملية واسعة استهدفت القيادة السياسية والعسكرية، وأسفرت عن مقتل المرشد علي خامنئي وعدد من كبار قادة الدولة والحرس الثوري. وبعد أسبوع تقريباً، اختير نجله مجتبى خامنئي مرشداً جديداً للجمهورية الإسلامية، في انتقال أكد استمرار التحالف بين المؤسسة الدينية والقيادة العسكرية للحرس، أكثر مما عبّر عن ولادة نظام مختلف. 

لكن، اغتيال رأس النظام، مهما بلغت دقة العملية واتساعها، لا يكفي وحده لإسقاط دولة بحجم إيران، ولا يضمن ولادة سلطة جديدة مستعدة لإحداث انقلاب في سياساتها النووية والإقليمية وعلاقتها بالغرب وإسرائيل. 

صحيح أن الطائرات تستطيع اغتيال القادة وتدمير المنشآت وتعطيل منظومات القيادة والسيطرة، لكنها لا تستطيع إدارة المدن والمحافظات، أو السيطرة على أجهزة الدولة، أو إنتاج شرعية سياسية بديلة في مجتمع يتجاوز تعداده تسعين مليون نسمة، ويحمل ذاكرة وطنية شديدة الحساسية تجاه التدخل الأجنبي. 

لذلك، كان منطقياً من حيث التحليل أن تترافق الخطة العسكرية مع البحث عن شخصية إيرانية تستطيع أن تتقدم بوصفها بديلاً محلياً، لا حاكماً يُنزل بالمظلة من الخارج؛ شخصية تمتلك شيئاً من الشرعية الثورية، وتتحدث بلغة الطبقات الشعبية والمحافظات، ولها معرفة بمؤسسات الدولة والحرس، لكنها تكون في الوقت نفسه مستعدة لتغيير المسار الذي حكم إيران منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. 

في العشرين من أيار/مايو 2026، نُقل عن «نيويورك تايمز» أن خطة إسرائيلية متعددة المراحل تصورت إسناد قيادة إيران إلى أحمدي نجاد، بعد مقتل خامنئي وانهيار القيادة القائمة. وبحسب التقرير، كان التصعيد الجوي يفترض أن يتزامن مع ضغوط داخلية وتحرك لقوى مسلحة من الأطراف، بما يؤدي إلى انهيار النظام وظهور «حكومة بديلة». وقد استندت الصحيفة إلى مسؤولين أميركيين اطّلعوا على الخطة الإسرائيلية. 

وبطبيعة الحال، لم يكن المقصود، جعل أحمدي نجاد مرشداً أعلى؛ فهو مهندس وليس فقيهاً، ولا يمتلك المؤهلات الدينية التقليدية المرتبطة بالمنصب. الأرجح أن التصور كان يقوم على تقديمه رئيساً انتقالياً أو واجهة سياسية لإدارة مرحلة ما بعد تفكك الحكم الديني. 

وفي الثالث عشر من تموز/يوليو، انتقلت الرواية إلى مستوى أكثر تفصيلاً. فقد أفادت تقارير مستندة إلى تحقيقين لـ«نيويورك تايمز» و«هآرتس» بأن الموساد بدأ منذ عام 2022، محاولة بناء علاقة مع أحمدي نجاد، وأن عناصره التقوه خلال رحلات خارجية، بينها زيارات إلى هنغاريا، قبل أن يسافر ديفيد برنيع إلى بودابست للقاء الرئيس الإيراني الأسبق. 

وتقول التقارير إن إسرائيل ساهمت في نفقات سفره وإقامته، وإن الاتصال اكتسب زخماً بعد زيارة قام بها إلى غواتيمالا عام 2023، ثم تعمق خلال زياراته إلى جامعة لودوفيكا في بودابست. 

في مقابل هذه الرواية، وبالضدّ منها، أصدر مكتب أحمدي نجاد في الرابع عشر من تموز، نفياً قاطعاً، وصف فيه ما نُشر بأنه ادعاءات مختلقة و«سيناريو هوليوودي»، ونفى أن يكون الرئيس الأسبق قد جُنّد من الموساد أو وُضع قيد الإقامة الجبرية. 

حين يصبح ناقل الخبر جزءاً منه 

لا يمكن، في جهة أخرى، التعامل بخفة مع رواية تنشرها صحيفة بحجم «نيويورك تايمز». فهي ليست منصة عابرة لتداول الشائعات، بل واحدة من أكثر المؤسسات الصحفية نفوذاً في العالم، ذات تاريخ مهني ممتدّ، وتقاليد تحريرية تقوم، نظرياً، على إخضاع الأخبار الحساسة لمستويات متعددة من المراجعة والتحقق. 

وتنص قواعد الصحيفة المتعلقة بالمصادر المجهلة على عدم استخدامها إلا عندما تكون المعلومات مهمة وذات صدقية، ويتعذر الحصول عليها بوسيلة علنية. وهذا يرجح أن المحررين يعرفون هويات المصادر التي تحدثت عن أحمدي نجاد، وأنهم تحققوا من مواقعها وصلتها بالملف، حتى لو حجبوا أسماءها عن القراء لأسباب أمنية أو سياسية. 

وبهذا المعنى، فإن نشر «نيويورك تايمز» القصة يرفعها من مرتبة الإشاعة إلى مرتبة “الادعاء الجدي” الذي لا يجوز تجاهله. لكن السمعة المهنية، مهما رسخت، لا تمنح أي صحيفة حصانة مطلقة من التضليل الاستخباري. 

فثمة فارق بين التحقق من هوية المصدر، وبين التحقق المستقل من الرواية التي يقدمها. قد يكون المصدر مسؤولاً رفيعاً ومطلعاً بالفعل، لكنه لا يعرف إلا جانباً من العملية. وقد يكون التسريب نفسه جزءاً من العملية، صُمم لتحقيق أثر سياسي بعد نشره، لا لمجرد كشف حقيقة تاريخية. 

ثم أن سابقة تغطية ملف أسلحة الدمار الشامل العراقية تظل شديدة الدلالة. ففي عام 2004، أقرت «نيويورك تايمز» بأن جانباً من تغطيتها السابقة لم يكن بالصرامة الكافية، وأن معلومات مثيرة للجدل نُشرت دون القدر اللازم من التحفظ أو التحقق المستقل، وأن الصحيفة اعتمدت على منشقّين ومسؤولين كانت لهم مصلحة واضحة في إسقاط النظام العراقي. كما امتلكت الصحيفة شجاعة الاعتراف بأنها “لم تكن عدوانية بما يكفي” في إعادة فحص الادعاءات عندما أخفقت الأدلة الموعودة في الظهور. 

من هنا، يمنح اسم «نيويورك تايمز» رواية الاتصال بأحمدي نجاد وزناً لا يجوز إنكاره، لكنه لا يعفي الباحث من طرح سؤال موازٍ؛ هل كشفت الصحيفة عملية استخبارية بالفعل، أم أنها أصبحت، من حيث تدري أو لا تدري، جزءاً من فصلها الأخير؟ 

ابن الحداد، الذي صعد من الهامش 

وعوداً إلى محمود أحمدي نجاد، الذي ولد عام 1956 في قرية أرادان بمحافظة سمنان، في أسرة متواضعة كان والده يعمل في الحدادة، وقبل أن تنتقل العائلة إلى طهران. درس الهندسة المدنية في جامعة إيران للعلوم والتكنولوجيا، وحصل لاحقاً على الدكتوراه في هندسة النقل والمرور. 

هذه النشأة الاجتماعية، أسهمت إلى حدّ كبير،في تكوين الصورة التي سيستخدمها لاحقاً في السياسة؛ ابن أسرة فقيرة، بعيد عن الأرستقراطية السياسية والاقتصادية التي تشكلت حول مؤسسات الدولة، ولا ينتمي إلى عائلات رجال الدين أو التجار التقليديين. 

ارتبط نجاد خلال الحرب العراقية–الإيرانية بمؤسسات التعبئة والحرس الثوري، ثم تولى مناصب إدارية في عدد من المناطق، قبل أن يصبح محافظاً لأردبيل في التسعينيات. وبعد صعود الإصلاحيين في عهد الرئيس محمد خاتمي، ابتعد عن واجهة العمل التنفيذي وعاد إلى الجامعة، ثم عاد بقوة عندما اختاره المجلس البلدي المحافظ رئيساً لبلدية طهران عام 2003. 

ومن البلدية، بدأ بناء صورته السياسية بصورة منهجية، فهو المسؤول الذي يرتدي الملابس البسيطة، ويتجنب مظاهر الثراء والبهرجة، ويزور الأحياء الشعبية، ويأكل مع العمال، ويتحدث عن العدالة الاجتماعية، ويوزع المساعدات، ويعيد إلى مؤسسات البلدية طابعها الديني المحافظ. 

لم تكن قوته الأساسية في مشروع عمراني استثنائي أنجزه في طهران، بل في قدرته على تحويل البساطة الشخصية إلى “رأسمال سياسي ورمزي”. إذ؛ ظهر بوصفه رجلاً قادماً من خارج طبقة الامتيازات، في مواجهة نخب ثورية راكمت المال والنفوذ والعلاقات العائلية خلال ربع قرن من الحكم. 

في انتخابات عام 2005، خاض المعركة تحت شعار إعادة عائدات النفط إلى موائد الإيرانيين، وقدم نفسه ممثلاً للمستضعفين في مواجهة، أحد أبرز رموز الثروة والسلطة والتوازنات، أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي جسد في المخيال الشعبي طبقة الثورة المستقرة والثرية. 

فاز أحمدي نجاد في الجولة الثانية، مستفيداً من تعبئة شبكات المحافظين والباسيج، ومن أصوات المدن الصغيرة والفئات الأقل دخلاً، ومن خيبة الأمل التي خلفتها محدودية التجربة الإصلاحية في عهد خاتمي. 

هكذا، وصل إلى الرئاسة رجل لم يكن من كبار رجال الدين، ولا من مؤسسي الجمهورية، ولا من أصحاب الأسماء التاريخية في الثورة؛ بل مهندس شعبوي صعد من بلدية طهران إلى رئاسة الدولة خلال عامين. 

شعبوية الفقراء 

اعتمد أحمدي نجاد في الحكم على نموذج من الشعبوية التوزيعية. توسع في تقديم القروض والإعانات، وأطلق مشاريع إسكان، ووزع مساعدات مباشرة خلال زياراته المتكررة إلى المحافظات، وجعل من الجولات الميدانية مسرحاً دائماً لعرض قربه من الناس. 

كان يتلقى الرسائل والشكاوى ويعد بحل المشكلات الفردية، ويتعامل مع موارد الدولة أحياناً بوصفها صندوقاً مباشراً للاستجابة إلى حاجات المواطنين. وقد منح ذلك سكان المناطق الطرفية شعوراً بأنهم باتوا مرئيين بالنسبة إلى المركز، بعد أن ظلوا لسنوات خارج أولويات النخب التكنوقراطية في طهران. 

غير أن هذه السياسة لم تنتج تحولاً تنموياً مستداماً. فقد تزامن عهده مع ارتفاع كبير في عائدات النفط، لكن جانباً واسعاً منها ذهب إلى الإنفاق الجاري والإعانات والقروض والاستيراد، بدلاً من بناء اقتصاد منتج قادر على مقاومة العقوبات. كما أضعف مؤسسات التخطيط، وأبعد عدداً من الخبراء، وتدخل بصورة مباشرة في السياسات النقدية والمصرفية. 

بذلك، جمع أحمدي نجاد بين وجهين متناقضين؛ منح الفقراء شعوراً بالحضور السياسي، لكنه أسهم بسياساته في تعميق اختلالات اقتصادية ستدفع الفئات نفسها جزءاً كبيراً من ثمنها لاحقاً. 

ومن هنا يمكن فهم بقاء شيء من حضوره في المحافظات والأوساط الشعبية. وهنا، تكمن النقطة الأهم؛ فالشعبوية لا تعيش دائماً على نجاح السياسات، بل على الذاكرة العاطفية التي تتركها لدى من شعروا، ولو لفترة قصيرة، بأن زعيم الدولة يتحدث بلغتهم ويشاركهم نمط حياتهم. 

الانقلاب على إرث خاتمي 

يجدر أن ننتبه هنا، إلى أن أحمدي نجاد، جاء بعد ثمانية أعوام من رئاسة محمد خاتمي، شهدت خلالها إيران انفتاحاً سياسياً وثقافياً نسبياً، ومحاولات لتحسين العلاقات مع أوروبا والعالم العربي، وطرح مفهوم «حوار الحضارات» بديلاً من خطاب الصدام. 

لكن أحمدي نجاد أحدث انعطافة معاكسة. فقد أعاد اللغة الثورية الحادة إلى السياسة الخارجية، ورفع مستوى المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ودافع عن التوسع في تخصيب اليورانيوم، ورفض ربط حق إيران في التكنولوجيا النووية بتقديم تنازلات سياسية إلى الغرب. 

لم يعلن أحمدي نجاد أن إيران تسعى إلى امتلاك القنبلة النووية؛ بل ظل الخطاب الرسمي يؤكد سلمية البرنامج. إلا أن عهده شهد توسعاً متسارعاً في قدرات التخصيب، وتصعيداً مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس الأمن، وصدور سلسلة من العقوبات الدولية التي عمقت عزلة البلاد. 

لم يظهر نجاد السعي إلى السلاح النووي، لكنه كان الرئيس الذي دفع البرنامج إلى حافة الصدام الدولي، وجعل الدفاع عن التخصيب جزءاً من السيادة والكرامة القومية الإيرانية. 

كما تحول إلى أحد أكثر وجوه الجمهورية الإسلامية إثارة للرفض الدولي بسبب تشكيكه الصريح في المحرقة النازية وتصريحاته المتكررة عن زوال إسرائيل. وفي عام 2009، وصف المحرقة بأنها “كذبة استُخدمت، لتبرير إنشاء الدولة الإسرائيلية”. 

وهنا، تظهر المفارقة الأكثر حدة في قصة اتصاله المفترض بالموساد؛ الرجل الذي أرادت إسرائيل والولايات المتحدة عزله خلال رئاسته، بسبب خطابه النووي وموقفه من إسرائيل، هو نفسه الذي قيل لاحقاً إن إسرائيل فكرت في إعادته إلى الحكم. 

انتخابات 2009؛ الشرخ الذي لم يلتئم 

في عام 2009، أعلنت السلطات الإيرانية فوز أحمدي نجاد بولاية ثانية بنسبة قاربت 63 في المئة. لكن منافسيه، وفي مقدمتهم مير حسين موسوي ومهدي كروبي، رفضوا النتائج واتهموا السلطات بتزوير الانتخابات، لتندلع الحركة الخضراء تحت شعار «أين صوتي؟». 

كانت الاحتجاجات أكبر أزمة داخلية واجهتها الجمهورية الإسلامية منذ قيامها، وقوبلت بحملة قمع واسعة نفذتها الأجهزة الأمنية والحرس الثوري والباسيج، وأسفرت عن سقوط قتلى واعتقال آلاف المحتجين والناشطين. وبقيت الانتخابات منذ ذلك الحين موضع نزاع سياسي وأخلاقي عميق داخل المجتمع الإيراني. 

ولا يمكن الجزم، في المقابل، بأن أحمدي نجاد لم يكن يمتلك قاعدة انتخابية حقيقية؛ فقد أظهرت استطلاعات سبقت الاقتراع تقدمه على منافسيه، وإن ظلت سرعة إعلان النتائج وتوزيع الأصوات واتساقها موضع شك واسع. فالمسألة ليست أن الرجل بلا شعبية، بل أن انتخابات حاسمة جرت في بيئة مغلقة، ثم حُسمت نتائجها بطريقة قضت على الثقة بسلامتها. 

وُجهت اتهامات إلى مجتبى خامنئي بلعب دور محوري في تعبئة الحرس والباسيج خلف أحمدي نجاد وفي إدارة مواجهة المحتجين. ولم تثبت التفاصيل الكاملة لهذا الدور بوثائق رسمية معلنة، لكنه تكرر في شهادات المعارضة وتقارير تناولت عمل الحلقة المحيطة بالمرشد. 

شكّل إعلان فوز أحمدي نجاد ذروة تحالفه مع علي خامنئي. فقد رأى فيه المرشد رئيساً قادراً على مواجهة الإصلاحيين وإعادة تثبيت الخط الثوري. لكن الرئيس الذي احتاج إلى دعم المرشد لتجاوز عاصفة 2009، لم يلبث أن بدأ في بناء مركز قوة مستقل ينازع المؤسسة الدينية بعض صلاحياتها. 

 

التلميذ الذي تمرد على أستاذه 

لم يكن أحمدي نجاد، خلافاً لما توحي به صورته التقليدية، مجرد منفذ مطيع لإرادة المرشد. ففي ولايته الثانية سعى إلى توسيع سلطة الرئاسة، وإخضاع أجهزة الأمن والاستخبارات للسلطة التنفيذية، وتقليص تدخل المؤسسات المرتبطة مباشرة بمكتب خامنئي. 

بلغ الصراع ذروته عام 2011، عندما أقال وزير الاستخبارات حيدر مصلحي، قبل أن يتدخل خامنئي ويعيده إلى منصبه. رد أحمدي نجاد بالامتناع عن حضور اجتماعات الحكومة والأنشطة الرسمية لنحو أحد عشر يوماً، فيما عُدّ واحداً من أكثر التحديات العلنية جرأة لسلطة الولي الفقيه من رئيس موجود في الحكم. 

كان الخلاف يتجاوز مصير وزير واحد. فقد حاول أحمدي نجاد السيطرة على المعلومات الأمنية، وعلى بعض ملفات السياسة الخارجية، وعلى عملية اختيار خليفته في الرئاسة. كما أراد الدفع بأقرب مساعديه، إسفنديار رحيم مشائي، إلى موقع سياسي متقدم. 

نظر المحافظون التقليديون ورجال الدين إلى مشائي بوصفه زعيم ما سموه «التيار المنحرف»، بسبب خطاب يمزج بين القومية الإيرانية والمهدوية، ويتحدث عن «المدرسة الإيرانية» إلى جانب «المدرسة الإسلامية»، ويوحي بإمكان بناء شرعية دينية وشعبية تتجاوز الوساطة التقليدية للحوزة. 

ومنذ ذلك الصدام، بدأت عملية تفكيك شبكة أحمدي نجاد. 

اعتُقل مشائي وحكم عليه بالسجن ستة أعوام ونصف العام بتهم من بينها تهديد الأمن القومي. كما حكم على حميد بقائي، نائب الرئيس وأحد أقرب مساعدي نجاد، بالسجن خمسة عشر عاماً في قضايا فساد. وتعرض المستشار الإعلامي علي أكبر جوانفكر للاعتقال والمحاكمة، وشملت الإجراءات أسماء أخرى من العاملين والمقربين من الرئاسة. 

لم يقتصر العقاب على معاونيه؛ فقد رفض مجلس صيانة الدستور ترشح أحمدي نجاد للرئاسة في أعوام 2017 و2021 و2024، مانعاً إياه من اختبار ما تبقى من شعبيته عبر صناديق الاقتراع. 

تحول أحمدي نجاد، بذلك، من ابن مفضل للنظام إلى منبوذ سياسي، يراقب اعتقال رفاقه وتفكيك شبكته وإغلاق الطريق أمام عودته. 

وهنا، تنشأ الأرضية النفسية والسياسية التي تجعل رواية التقارب مع خصوم النظام قابلة للنقاش؛ رجل استعملته المؤسسة الحاكمة لمواجهة الإصلاحيين، ثم أطاحت به عندما حاول بناء سلطة مستقلة؛ رجل رأى أقرب مساعديه في السجون، ومُنع ثلاث مرات من العودة إلى الانتخابات، وأُخرج تدريجياً من دائرة القرار. 

لكن وجود دافع للانتقام لا يثبت التواطؤ، كما أن الخصومة مع خامنئي لا تعني تلقائياً الانتقال إلى خدمة إسرائيل. إنها تجعل الرواية ممكنة من الناحية النفسية والسياسية، ولا تجعلها حقيقة. 

المهدي خارج عباءة الفقيه 

ثمة جانب آخر لا يمكن تجاهله في شخصية أحمدي نجاد، ألا وهو؛ تعلقه العاطفي والفكري الشديد بفكرة “نهاية الزمان” وظهور الإمام المهدي. 

لم يكن الرجل فقيهاً أو صاحب تكوين شرعي عميق، لكنه جعل الخطاب المهدوي جزءاً من هويته السياسية، وتحدث مراراً عن “قرب الظهور” وعن دور حكومته في التمهيد لعصر العدل العالمي. 

بعد خطابه الأول أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2005، روى أمام أحد كبار رجال الدين أن شخصاً أخبره بأن نوراً أحاط به خلال إلقاء الكلمة، وأنه شعر بأن الحاضرين كانوا مأخوذين لا يطرف لهم جفن. كما كان يختم بعض خطاباته الدولية بالدعاء لـ”تعجيل ظهور الإمام المهدي”. 

وبذلك، كان خطابه يحمل تهديداً ضمنياً لنظرية ولاية الفقيه. فإذا كان الزعيم السياسي يستطيع استمداد توجيهه مباشرة من الإمام الغائب، أو الادعاء بأن حكومته تحظى بعنايته الخاصة، فما الحاجة إلى احتكار المؤسسة الدينية للوساطة بين الإمام والمجتمع؟ 

لم يكن الصراع، إذاً، بين متدين وعلماني، بل بين نموذجين للشرعية الدينية؛ شرعية فقهية مؤسسية تحتكرها الحوزة والمرشد، وشرعية شعبوية مهدوية يحاول الرئيس إضفاءها على نفسه وعلى جماعته السياسية. 

لماذا أحمدي نجاد؟ 

على الرغم من غرابة الرهان، فإن اختيار أحمدي نجاد، من وجهة نظر المخطط الاستخباري، ليس خالياً تماماً من المنطق. 

فهو، أولاً، ليس معارضاً منفصلاً عن الداخل الإيراني، ولا أميراً سابقاً يعيش في المنفى، ولا ناشطاً مجهولاً لدى سكان المحافظات. إنه رئيس سابق يعرف الدولة من داخلها، ويمتلك خبرة في إدارتها وشبكاتها البيروقراطية والأمنية. 

وهو، ثانياً، يحتفظ، أو يُفترض أنه يحتفظ، برصيد بين فئات من الطبقات الدنيا وسكان المدن الصغيرة، الذين قد لا يثقون بالمعارضة الخارجية، لكنهم يتذكرون زياراته وإعاناته وخطابه عن العدالة. 

وثالثاً، تربطه بالحرس الثوري والباسيج علاقات تاريخية، حتى لو تراجعت أو تحولت إلى خصومة. وهو يعرف عقل هذه المؤسسات وأسلوب عملها والطريقة التي يمكن بها مخاطبة قواعدها. 

ورابعاً، يستطيع أن يقدم تغييراً سياسياً بلغة ثورية وقومية، لا بلغة الاستسلام للغرب. فإعادة فتح العلاقة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل على يد شخصية إصلاحية قد تُصوّر خيانة، أما على يد رئيس عُرف سابقاً بعدائه لهما فقد تُسوّق باعتبارها مراجعة وطنية تفرضها ضرورة إنقاذ إيران. 

وخامساً، يمتلك دافعاً شخصياً محتملاً للانتقام من النظام الذي استعمله ثم تخلى عنه، واعتقل مساعديه، ومنعه مراراً من العودة إلى الحياة السياسية. 

وتشير التقارير الأخيرة إلى أن أحمدي نجاد عمل خلال سنوات عزلته على تعديل صورته وخطابه، وأصبح أكثر انتقاداً لكلفة السياسات الإقليمية والعقوبات، وأكثر حديثاً عن العلاقات مع العالم. ووفق التحقيقات، رصد الإسرائيليون هذا التحول، ورأوا فيه مؤشراً على انتقاله من العداء الأيديولوجي المطلق إلى قدر من البراغماتية، أو على الأقل إلى قابلية للاستثمار. 

لكن، جاذبيته بالنسبة إلى الموساد، إن صحّت الرواية الصحفية، ربما لم تكن في قدرته على أن يصبح زعيماً ديمقراطياً جامعاً، بل في قدرته المحتملة على شق النظام من الداخل، واجتذاب بعض المحافظين، ومنح التغيير الخارجي وجهاً إيرانياً ثورياً. 

– ولماذا يبدو الرهان مستحيلاً؟ 

تواجه الفرضية، مع ذلك، مشكلات تكاد تكون بنيوية.  فأحمدي نجاد ليس شخصية توافقية يمكنها توحيد المجتمع الإيراني. إنه مرتبط في ذاكرة ملايين الإيرانيين بانتخابات 2009، وقمع الحركة الخضراء، وبالعقوبات والعزلة والتضخم والاضطرابات الاقتصادية. 

كما أن قاعدته الشعبية الحالية غير قابلة للقياس. فشعبية عام 2005، لا تعني بالضرورة شعبية مماثلة بعد أكثر من عقدين، ولا تتوافر استطلاعات مستقلة تسمح بمعرفة حجم التأييد الذي يحتفظ به في المحافظات أو داخل مؤسسات الدولة. 

وتاريخه في إنكار المحرقة والعداء لإسرائيل يجعل تحوله المفاجئ إلى رجل تقبل به تل أبيب عبئاً على الطرفين. فإن أعلن التعاون معها خسر صورته الثورية والقومية، وإن أخفاه بقي معرضاً للابتزاز والانكشاف في أي لحظة. 

كذلك، لا يستطيع رئيس سابق، مهما امتلك من شعبية، قيادة دولة بعد انهيار مركزي واسع من دون قوة عسكرية منظمة. ولم يكن واضحاً كيف يمكن لأحمدي نجاد السيطرة على الحرس الثوري، أو إقناع قادته بقبول انتقال تدعمه الدولة التي قتلت قيادتهم ودمّرت منشآتهم. 

وقد يكون اختيار أحمدي نجاد، في حقيقة الأمر، دليلاً على محدودية فهم المخططين الإسرائيليين للبنية الاجتماعية والسياسية الإيرانية. فالدول الخارجية تميل، عند تخطيط تغيير الأنظمة، إلى المبالغة في أهمية الوجوه المعروفة، وإلى الخلط بين الشهرة والشرعية، وبين وجود جمهور سابق والقدرة على قيادة مجتمع في لحظة انهيار وحرب. 

كما أن الهجوم الخارجي كثيراً ما يستدعي الشعور القومي، ويدفع حتى معارضي النظام إلى التماسك خلف الدولة في مواجهة المعتدي، بدلاً من استقبال البديل الذي تقدمه القوة المهاجمة. وقد أظهرت التطورات اللاحقة لمقتل خامنئي تصاعداً في الخطاب القومي الإيراني، وقدرة النظام على توظيف الحرب لإعادة تعبئة قطاعات لم تكن بالضرورة مؤيدة له قبلها. 

هل كان أحمدي نجاد عميلاً؟ 

لا تقدم المعلومات المنشورة جواباً حاسماً؛ فاللقاء، حتى لو ثبت، لا يعني بالضرورة التجنيد. قد يلتقي سياسي سابق أو وسيط ممثلين عن دولة معادية لأغراض استطلاع النيات أو التفاوض أو البحث عن دور سياسي، من دون أن يتحول إلى عميل استخباري بالمعنى الفني. 

ولا نعرف ما الذي قيل في اللقاءات المزعومة، ولا ما إذا كان أحمدي نجاد قد وافق على الخطة، أو اكتفى بالاستماع إليها، أو حاول استخدامها للعودة إلى السلطة، أو نقل تفاصيلها لاحقاً إلى جهات إيرانية. 

كما لا يمكن استبعاد أن يكون قد تحرك بدافع الطموح الشخصي. فالرغبة في العودة إلى السلطة، والشعور بالظلم، والسعي إلى الانتقام من المؤسسة التي أقصته، قد تدفع السياسي إلى طرق أبواب لم يكن يتصور الاقتراب منها في الماضي. 

لكن المسافة بين الاتصال السياسي والتعاون الاستخباري ليست قصيرة، ولا يجوز اختصارها بتقرير صحفي واحد، مهما بلغت سمعة الصحيفة التي نشرته ومهما كانت مصادرها رفيعة. 

الرواية بوصفها عملية استخبارية 

تبقى فرضية أخرى أكثر تركيباً؛ ربما لم يكن الهدف الحقيقي من التسريب إثبات أن أحمدي نجاد عميل، بل إقناع النظام الإيراني بأنه قد يكون كذلك. 

في الحروب الاستخبارية، لا يكون العميل دائماً هو الشخص الذي جرى تجنيده؛ فقد يكون العميل هو الشك نفسه. 

 من هو حصان طروادة؟ 

تكشف قصة أحمدي نجاد، بصرف النظر عن صحة جميع تفاصيلها، جانباً أساسياً من الحرب على إيران؛ لم تكن الخطة العسكرية تستهدف تدمير المنشآت واغتيال القيادات فحسب، بل كانت تبحث عن مدخل إلى داخل البنية السياسية والاجتماعية للجمهورية الإسلامية. 

أرادت إسرائيل، على ما يبدو، وجهاً إيرانياً لا يبدو غريباً عن الثورة، لكنه قادر على تفكيك نظامها من الداخل؛ رجلاً يستطيع مخاطبة الفقراء والمحافظين وأفراد الحرس، ثم يقود انعطافة نحو الغرب. 

وفي هذه الصورة بدا أحمدي نجاد، بكل تناقضاته، أكثر جاذبية من معارضة المنفى، فهو ثوري سابق، ورئيس شعبوي، وخصم معلن لإسرائيل، ثم منبوذ من النظام الذي خدمه. 

لكن الخطة، إن صحت، تكشف أيضاً حدود الهندسة السياسية الخارجية. فلا يمكن تحويل رجل مثقل بتاريخ القمع والعقوبات والصراعات الشخصية إلى رمز وطني جامع لمجرد أن تراه الاستخبارات أداة مناسبة. كما لا يمكن إنتاج شرعية إيرانية في غرف العمليات الإسرائيلية، مهما بلغت دقة المعلومات وحجم الاختراق. 

ربما التقى أحمدي نجاد بالموساد، وربما عُرض عليه دور في مرحلة ما بعد خامنئي، وربما دفعه غضبه وطموحه إلى الاستماع. وربما لم يحدث شيء من ذلك بالصورة التي رُويت. 

غير أن الثابت هو أن القصة، منذ نشرها، بدأت تؤدي وظيفة سياسية واستخبارية قائمة بذاتها؛ حيث رئيس سابق موضع اتهام، ونظام بات يشك في رجاله بقدر ما يخشى طائرات خصومه. 

لهذا، قد لا يكون محمود أحمدي نجاد هو حصان طروادة الذي أُعد لإدخاله إلى طهران. 

قد تكون الرواية نفسها هي حصان طروادة. 

زر الذهاب إلى الأعلى