الانتخابات الإسرائيلية القادمة وسقوط حكومة نتنياهو: هل تُغيّر المعارضة السياسة الإسرائيلية أم تعيد إنتاجها؟

لا يكفي طرح سؤال ما إذا كانت المعارضة الإسرائيلية قادرة على إزاحة بنيامين نتنياهو وحلفه اليميني المتطرف في الانتخابات المقبلة؛ فالسؤال الأهم هو: هل ستؤدي هذه الإزاحة، إن حصلت، إلى تبدل حقيقي في سياسة إسرائيل وسلوكها تجاه القضايا الفلسطينية الأساسية، وفي مقدمتها الضم، وإقامة الدولة الفلسطينية، ومشروع البناء في منطقة E1؟
تنطلق هذه المقالة من فرضية مؤداها أن نجاح المعارضة، ولا سيما أحزاب الوسط ويمين الوسط، قد يفضي إلى تغيير في نهج إسرائيل وسلوكها السياسي إزاء هذه الملفات. غير أن اختبار هذه الفرضية لا يتم عبر قراءة الخطاب الانتخابي وحده، بل عبر معيار أكثر قوة، وهو السلوك التصويتي لأحزاب المعارضة وحلفائها داخل الكنيست تجاه القرارات المتصلة بإقامة دولة فلسطينية، والضفة الغربية، والقدس، والضم، ومحيط معاليه أدوميم/E1.
تعتمد المقالة منهجية بحث مختلطة؛ فمن الجانب الكمي، تقرأ نتائج التصويت داخل الكنيست، مثل عدد الأصوات المؤيدة والمعارضة، ومواقف الأحزاب الرئيسية، وأنماط الغياب أو الانسحاب من الجلسات. ومن الجانب النوعي، تفحص الدلالات السياسية لهذا التصويت: هل يشير إلى تحول جوهري في الموقف من الحقوق الفلسطينية، أم إلى اختلاف في إدارة الملف وتوقيته وكلفته الدولية فقط؟ كما تؤخذ خريطة المعارضة الحالية في الحسبان، خصوصًا بعد إعلان نفتالي بينيت ويائير لبيد خوض الانتخابات ضمن قائمة مشتركة باسم “بياحاد/معًا”، وهو تطور يعزز حضور الوسط و يمين الوسط داخل المعسكر المعارض لنتنياهو، لكنه لا يحسم مسبقًا موقفهما من الدولة الفلسطينية أو الضم.¹
تبيّن خريطة المعارضة أن الحديث عن “المعارضة الإسرائيلية” بصيغة واحدة قد يكون مضللاً ، فهي ليست كتلة أيديولوجية متجانسة، بل تضم أحزاب الوسط، واليمين-الوسط، واليسار الصهيوني، والأحزاب العربية. ضمن هذا الطيف، يقف بينيت، رغم تموضعه الحالي كبديل لنتنياهو، عند موقف متحفظ أو رافض للدولة الفلسطينية الكاملة، ويميل إلى صيغ حكم ذاتي فلسطيني محدود. أما لبيد، فيتبنى خطابًا أكثر انفتاحًا على الانفصال السياسي، وحل الدولتين بشروط أمنية معقدة، في حين يعارض حزب “الديمقراطيين” الضم بصورة أوضح. وفي المقابل، تظل الأحزاب العربية الأكثر اتساقًا في رفض الاستيطان والضم، ودعم إقامة دولة فلسطينية. لذلك، فإن فوز المعارضة لا يعني تلقائيًا فوز معسكر مؤيد للدولة الفلسطينية، بل قد يعني صعود ائتلاف متنوع يجمع بين رفض نتنياهو، وبين تباينات عميقة حول جوهر القضية الفلسطينية.
وعند اختبار الفرضية عبر التصويتات، تتضح الصورة أكثر تعقيدًا. ففي شباط/فبراير 2024، صوّت الكنيست بأغلبية 99 عضوًا مقابل 9 أعضاء لصالح موقف يرفض الاعتراف الأحادي بالدولة الفلسطينية، أو فرضها عبر “إملاءات دولية”.² ورغم أن القرار صيغ في سياق رفض المسار الدولي غير التفاوضي، فإن أهميته تكمن في أنه لم يكن تصويتًا حكوميًا محدودًا، بل نال دعمًا واسعًا شمل أطرافًا من خارج الائتلاف الحاكم. ويكشف هذا التصويت أن رفض الدولة الفلسطينية، أو على الأقل رفض فرضها عبر مسار دولي، أصبح أقرب إلى موقف واسع داخل معظم الطيف الصهيوني بعد السابع من أكتوبر.
وتعزز هذا الاتجاه في تموز/يوليو 2024، حين صوّت الكنيست على قرار يرفض إقامة دولة فلسطينية غرب نهر الأردن. وحصل القرار على 68 صوتًا مقابل 9 أصوات، وساندته قوى من المعارضة، بينما فضّل حزب “يوجد مستقبل/يش عتيد” بزعامة لبيد مغادرة الجلسة بدلاً من التصويت ضد القرار. ³ ودلالة هذا السلوك مهمة؛ فالمغادرة لا تعني تبني موقف صريح مؤيد للدولة الفلسطينية، بل تعكس محاولة تجنب الكلفة السياسية الداخلية للتصويت ضد ما يُقدَّم في إسرائيل بوصفه “إجماعًا أمنيًا”. وبناءً عليه، فإن معيار التصويت يضعف الفرضية إذا كانت تعني تحولًا جوهريًا نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية، لكنه يدعمها جزئيًا إذا كان المقصود تغيرًا في اللغة، وفي طريقة إدارة العلاقة مع المجتمع الدولي.
أما في ملف الضم، فإن التمييز بين الضم القانوني الرسمي والضم الزاحف يعد أمرًا أساسيًا. ففي تموز/يوليو 2025، صوّت الكنيست بأغلبية 71 مقابل 13 صوتاً لصالح قرار رمزي يدعو إلى فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية وغور الأردن. ⁴ واللافت أن بعض قوى المعارضة اليمينية، مثل “يسرائيل بيتينو/ إسرائيل بيتنا”، دعمت القرار، بينما غابت قوى وسطية عن التصويت أو لم تدخل في مواجهة مباشرة ضده. ويشير هذا السلوك إلى أن المعارضة قد تعارض الضم الرسمي الشامل بسبب كلفته الدولية وعلاقتها بالولايات المتحدة وأوروبا، لكنها لا تشكل بالضرورة جبهة مبدئية صلبة ضد ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة.
وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح أكبر في تصويت تشرين الأول/أكتوبر 2025 على مشاريع قوانين مرتبطة بضم الضفة الغربية ومعاليه أدوميم. ورغم أن نتنياهو حاول ضبط التصويت لأسباب سياسية ودبلوماسية، مرّ مشروع قانون أولي لضم معاليه أدوميم، وصوّت لصالحه كل من لبيد وبني غانتس.⁵ وهنا تبرز أهمية معيار التصويت بدرجة كبيرة، لأنه يكشف أن المعارضة الوسطية قد ترفض خطاب بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير حول الضم الشامل، لكنها لا ترفض بالضرورة ضم الكتل الاستيطانية الكبرى، خاصة المرتبطة بالقدس ومحيطها.
ومن هنا تبرز أهمية مخطط بناء E1، فالمنطقة الواقعة بين القدس الشرقية ومستوطنة معاليه أدوميم ليست مجرد مشروع عمراني، بل عقدة جيوسياسية تمس الترابط الجغرافي للضفة الغربية، وإمكان قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. وقد حصل مشروع E1 في آب/أغسطس 2025 على موافقة نهائية، ويتضمن آلاف الوحدات السكنية قرب معاليه أدوميم، وسط تحذيرات من أنه قد يفصل الضفة الغربية عن القدس الشرقية، ويقوض عمليًا قابلية تطبيق حل الدولتين. ⁶ وبما أن بعض قادة المعارضة دعموا ضم معاليه أدوميم، يصعب افتراض أنهم سيجعلون إلغاء مشروع E1 شرطًا حاسمًا إذا وصلوا إلى السلطة. والأرجح، في حال تشكلت حكومة بقيادة بينيت ولبيد، هو تجميد المشروع أو إبطاؤه لتفادي الصدام مع واشنطن والاتحاد الأوروبي، لا إلغاؤه من حيث المبدأ.
استنادًا إلى ذلك، يمكن تقييم الفرضية على ثلاثة مستويات. أولًا، في قضية الدولة الفلسطينية، لا تدعم التصويتات فرضية حدوث تحول جوهري؛ فالمعارضة الصهيونية، باستثناء اليسار وبعض الأحزاب العربية، لم تُظهر استعدادًا واضحًا للتصويت دفاعًا عن هذا الخيار. ثانيًا، في قضية الضم، قد تؤدي المعارضة إلى تجميد الضم القانوني الرسمي أو الحد من اندفاعه، لكنها لا تبدو مستعدة لتفكيك منطق الضم الزاحف أو التخلي عن الكتل الاستيطانية الكبرى. ثالثًا، في ملف E1، قد يكون التغيير الأكثر واقعية هو العودة إلى سياسة “التجميد الحذر” تحت ضغط دولي، وليس إلغاء المخطط من حيث المبدأ.
وعليه، فإن الفرضية الأصلية صحيحة جزئيًا فقط. فسقوط نتنياهو وحلفه اليميني المتطرف قد يبدل سلوك إسرائيل الدبلوماسي، ويخفف حدة الخطاب، ويعيد الاعتبار لحسابات العلاقة مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية. لكنه، وفق معيار التصويت داخل الكنيست، لا يضمن تغييرًا بنيويًا في الموقف من الدولة الفلسطينية أو الضم أو E1 ، فالمعارضة الإسرائيلية الحالية تبدو أقرب إلى معارضة لأسلوب نتنياهو وتحالفاته الداخلية، لا إلى معارضة كاملة للمنطق الاستيطاني والأمني الذي يحكم السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
الخلاصة أن السؤال لا ينبغي أن يكون: هل ستسقط حكومة نتنياهو؟ بل: أي حكومة ستأتي بعدها، وعلى أي ائتلاف، وبأي التزامات تصويتية صريحة؟ فإذا تشكلت حكومة وسط-يمين بقيادة بينيت ولبيد، فالأرجح أن نشهد تهدئة في الخطاب وتجميدًا انتقائيًا لبعض الملفات، من دون انتقال جذري نحو الدولة الفلسطينية. أما إذا احتاجت الحكومة إلى دعم فعلي من اليسار والأحزاب العربية، فقد تبرز فرصة أكبر لوقف الضم وتجميد E1: لذلك يبيّن السلوك التصويتي أن رهان التغيير لا ينبغي أن يقوم على تبدل الأسماء فقط، بل على اختبار عملي: من يصوّت ضد الضم؟ ومن يصوّت لصالح الدولة الفلسطينية؟ ومن يلتزم صراحة بتجميد E1؟
الهوامش والمراجع
1. Reuters, “Netanyahu’s Biggest Rivals Join Forces for Israel’s Next Election,” April 2026؛ Israel Policy Forum, “Bennett and Lapid Unite,” April 2026.
2. Knesset, “Diktat for Establishing Palestinian State Will Endanger the State of Israel,” February 21, 2024؛ Reuters, “Israeli Parliament Backs Netanyahu’s Rejection of ‘Unilateral’ Recognition of Palestinian State,” February 21, 2024.
3. The Times of Israel, “Knesset Votes Overwhelmingly Against Palestinian Statehood Days Before PM’s US Trip,” July 18, 2024.
4. The Times of Israel, “Knesset Votes 71-13 for Non-Binding Motion Calling to Annex West Bank,” July 23, 2025؛ The Jerusalem Post, “Knesset Approves Israeli Sovereignty in West Bank,” July 2025.
5. The Times of Israel, “2 West Bank Annexation Bills Get Initial Nod,” October 22, 2025؛ Al Jazeera, “Can Israel Annex the West Bank If the US Says No?” October 24, 2025.
6. Reuters, “Israel Approves Settlement Plan to Erase Idea of Palestinian State,” August 20, 2025؛ Associated Press, “Israel Announces a Settlement Project That Critics Say Will Effectively Cut the West Bank in Two,” August 2025.