ورقة سياسات: زيادة الرواتب خطوة اجتماعية مهمة وفرصة لإصلاح منظومة الأجور والحماية الاجتماعية في الأردن

أكدت ورقة سياسات، أصدرها معهد السياسة والمجتمع حول قرار زيادة رواتب الموظفين والمتقاعدين أن القرار؛ من حيث الاتجاه العام، يمثل خطوة اجتماعية مهمة تستجيب لتآكل القوة الشرائية الذي تراكم خلال السنوات الماضية، وتعيد فتح ملف الأجور والرواتب التقاعدية بعد جمود امتد لأكثر من أربعة عشر عاماً. واعتبرت أن أهمية القرار لا تقتصر على قيمته النقدية المباشرة، بل تكمن أيضاً في كونه يعكس إدراكاً رسمياً متزايداً للحاجة إلى حماية الفئات الأقل دخلاً، وتخفيف الضغوط المعيشية عنها، خصوصاً أن الجزء الأكبر من دخول هذه الفئات يذهب إلى الاستهلاك الأساسي.
وقدمت الورقة التي جاءت بعنوان زيادة الرواتب في الأردن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية والأزمة البيانية، قراءة تحليلية في قرار زيادة الرواتب بقيمة 30 ديناراً للموظفين والمتقاعدين المدنيين والعسكريين الذين تقل رواتبهم الإجمالية عن 600 دينار، اعتباراً من موازنة عام 2027، مستندة إلى الورشة النقاشية التي عقدها المعهد بتاريخ 20 حزيران 2026، وما تخللها من ملاحظات فنية وتعقيبات بحثية.
ورأت الورقة أن زيادة الرواتب يمكن أن تترك أثراً اجتماعياً واقتصادياً إيجابياً إذا جرى إدماجها ضمن رؤية إصلاحية أوسع، إذ إن توجيه دعم نقدي مباشر إلى الشرائح ذات الدخل المحدود يسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي، وتحفيز الطلب المحلي، وتخفيف حدة الضغوط على الأسر التي تضررت من ارتفاع تكاليف المعيشة. كما أشارت إلى أن القرار يفتح نقاشاً وطنياً ضرورياً حول العلاقة بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية، وحول كيفية بناء سياسات عامة أكثر قدرة على الموازنة بين حماية المواطنين والحفاظ على متانة المالية العامة.
ولفتت الورقة إلى أن القيمة الحقيقية للقرار تتمثل في الفرصة التي يتيحها للانتقال من المعالجات الظرفية إلى بناء قواعد مؤسسية دائمة في إدارة ملف الرواتب والحماية الاجتماعية. فبدلاً من التعامل مع زيادة الرواتب بوصفها إجراءً منفصلاً أو استجابة لضغط آني، يمكن تحويلها إلى مدخل لإعادة التفكير في هيكلية الأجور، وتطوير أدوات حماية الفئات الأكثر هشاشة، وربط السياسات الاجتماعية بالبيانات والأدلة والتقييم المستمر.
وفي هذا السياق، شددت الورقة على أن القرار يكتسب أهمية خاصة لأنه يأتي في مرحلة تشهد فيها الدولة الأردنية مسارات تحديث سياسي واقتصادي وإداري، الأمر الذي يجعله قابلاً لأن يكون جزءاً من رؤية إصلاحية متكاملة تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع والاقتصاد. واعتبرت أن زيادة الرواتب يمكن أن تنسجم مع أهداف التحديث إذا ما جرى تصميمها وتمويلها ضمن إطار طويل المدى، لا يكتفي بتخفيف الضغوط المعيشية الآنية، بل يعالج جذور الاختلالات في منظومة الأجور والحماية الاجتماعية.
وبيّنت الورقة أن من أبرز الجوانب الإيجابية في القرار أنه أعاد الاعتبار لسؤال العدالة الاجتماعية في السياسات الاقتصادية، وفتح المجال أمام نقاش أكثر عمقاً حول الفئات المستحقة للدعم، ومعايير الاستحقاق، وآليات التمويل، ومدى قدرة الدولة على توجيه مواردها نحو الأكثر حاجة. كما أكدت أن النقاش الذي أثاره القرار لا يدور حول مبلغ الثلاثين ديناراً وحده، بل حول قدرة الدولة على تطوير منهجية أكثر تقدماً في صناعة السياسات العامة، تقوم على التخطيط الاستباقي لا ردود الفعل، وعلى الأرقام الدقيقة لا التقديرات المتضاربة.
وقدّمت الورقة مجموعة من البدائل التي يمكن أن تعزز الأثر الإيجابي للقرار، وفي مقدمتها إعادة تصميم الزيادة وفق نظام شرائحي متدرج بدلاً من السقف الصارم عند 600 دينار، بما يمنع إقصاء من يتجاوز العتبة بفارق محدود. كما دعت إلى مأسسة آلية دائمة تربط الرواتب التقاعدية المتدنية بمعدل التضخم ضمن سقف محدد، بما يحافظ على القوة الشرائية للفئات الأقل دخلاً ويمنع تآكل أثر الزيادة بمرور الوقت.
وأكدت الورقة أن إنصاف متقاعدي الضمان الاجتماعي ورفع الحد الأدنى لرواتبهم يمثلان أحد المسارات المهمة لتعزيز عدالة القرار وتوسيع أثره الاجتماعي، خصوصاً أن هذه الفئة تضم أعداداً كبيرة من أصحاب الرواتب المتدنية. واعتبرت أن معالجة هذه الثغرة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها عبئاً مالياً فقط، بل بوصفها استثماراً في الاستقرار الاجتماعي، وتعزيزاً للثقة بمنظومة الحماية الاجتماعية.
وفي جانب التمويل، رأت الورقة أن ضمان استدامة القرار يتطلب الانتقال من الحلول المؤقتة إلى إصلاحات مالية أعمق، تقوم على تنمية الموارد، وتحسين كفاءة التحصيل، ومعالجة التهرب الضريبي، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، ورفع كفاءة المؤسسات الحكومية. واعتبرت أن تمويل الزيادة بصورة مستدامة هو ما يحوّلها من عبء محتمل على الموازنة إلى سياسة اجتماعية واقتصادية رشيدة قابلة للاستمرار.
وخلصت الورقة إلى أن زيادة الـ30 ديناراً تمثل خطوة أولى مهمة في مسار طويل، وأن نجاحها لا يتوقف على صرفها فقط، بل على قدرة صانع القرار على تحويلها إلى مدخل لإصلاح أوسع في منظومة الأجور والتقاعد والحماية الاجتماعية. وأكدت أن القرار الجيد يمكن أن يصبح قراراً مكتمل الأثر إذا استند إلى ثلاثة شروط أساسية: بيانات موثوقة، وتمويل مستدام، وتصميم عادل لا يستثني الفئات الأضعف.
واختتمت الورقة بالتأكيد على أن أهمية القرار تكمن في ما يتيحه من فرصة لإعادة بناء السياسات العامة على أسس أكثر معرفة وعدالة واستدامة، بما يساعد الدولة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى حوكمة السياسات، ومن القرارات المجتزأة إلى الإصلاحات المتكاملة التي تخدم المواطن وتحافظ في الوقت ذاته على الاستقرار المالي والاقتصادي.
وتأتي هذه الورقة ضمن جهود المعهد في تقديم قراءات تحليلية معمّقة للسياسات العامة، وتعزيز النقاش الوطني القائم على البيانات والأدلة، بما يسهم في تطوير مقاربات أكثر عدالة واستدامة في التعامل مع القضايا الاقتصادية والاجتماعية في الأردن.
للاطلاع على كامل الورقة أنقر هنا