نحو  إعادة التفكير في  العلاقة مع إيران 

شكّلت جنازة المرشد الأعلى السابق لإيران، علي خامئني، فرصة للحرس الثوري الإيراني والتيار المحافظ لإرسال رسائل عديدة مكثفة ورمزية، مرتبط كل منها بالوفد المشارك، بالإضافة إلى رسائل أخرى إلى الداخل الإيراني والخارج على السواء، وكان ملاحظاً حضوراً عربياً وإسلامياً بصورة عامة وخليجياً بصورة خاصة، بالتزامن مع التقارير التي تتحدث عن تدشين قنوات متعددة خلفية واقتصادية وسياسية بين دول المنطقة وإيران في مرحلة ما بعد مذكرة التفاهم بين الطرفين. 

لم تظهر مشاركة لأيّ وفد أردني في مراسم التشييع، مما يعكس حالة الجفاف والأزمة المستدامة بين الدولتين، بخاصة بعد الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، التي قامت خلالها إيران بتوجيه العديد من الصواريخ تجاه قواعد عسكرية أردنية (بدعوى وجود قوات أميركية)، فضلاً عن الدعاية السياسية والإعلامية المستمرة ضد الأردن وشيطنته وتشويه سياساته منذ الثورة الإيرانية في العام 1979. 

على الجهة المقابلة ينظر الأردن إلى “نظام ولاية الفقيه” منذ الثورة الإيرانية وحتى اليوم نظرة ارتياب، وهنالك حالة من انعدام الثقة بين الطرفين، وفي كل المفاوضات واللقاءات المعلنة وغير المعلنة كان المسؤولون الأردنيون يواجهون المسؤولين الإيرانيين بوقائع عن أنشطة إيرانية ضد الأمن الوطني الأردني وقوائم من الأهداف الأردنية، وقد جرت العديد من المحاولات لتحسين العلاقات بين  الطرفين، منذ مرحلة الملك الحسين إلى الملك عبدالله الثاني، وكانت إحدى آخر الجولات في بغداد بين مسؤولين أردنيين وإيرانيين وتخللها العديد من الجلسات الموازية، حينذاك، للحوار السعودي الإيراني، الذي انبثق عنه تحسن ملحوظ في العلاقات بين الدولتين، بينما بقيت العلاقة الأردنية- الإيرانية برسم الأزمة والغموض والتوتر. 

هذا الواقع مع امتداه التاريخي لا يعني بالضرورة الاستسلام لهذه الصيغة السلبية، فالعلاقات بين الدولة تحدّدها وتؤطّرها المصالح الاستراتيجية وليس العواطف والحرد والغضب، ولنا فيما حدث في الخليج آية في ذلك، إذ سارع الأشقاء إلى مناقشة مستقبل العلاقة مع إيران غداة التوقيع على مذكرة التفاهم، وأرسلوا وفوداً للتعزية، وتحدثت تسريبات إعلامية عن اتفافيات اقتصادية ومالية هائلة بين هذه الدول وإيران. 

 دول الخليج تعرّضت بصورة أكبر من الأردن، اقتصادياً وسياسياً وأمنياً وعسكرياً لضرر شديد من السياسات والسلوك الإيراني، لكن مصالحها دفعتها إلى تجاوز ذلك كله والمضي قدماً نحو مرحلة جديدة في العلاقة مع النظام الإيراني، الذي أثبت بعد الحرب أنّه ليس سهل الكسر ولا هو نظام هشّ وضعيف، بل قوي ومتماسك، وحتى إدارة ترامب ومسؤوليها لم يتمكنوا من تجاوز هذه الحقيقة فاضطروا للتراجع عن الأهداف الكبيرة وتأطير أهداف أكثر تواضعاً، وكذلك الأمر في إسرائيل تؤشر أغلب التحليلات العسكرية الحالية إلى مراجعات في تقدير حجم القوة الإيرانية وكيفية التعامل معها خلال الفترة القادمة.  

في نقاش مع مسؤولين وسياسيين أردنيين لمّا يُطرح الموضوع الإيراني تستدعى الذاكرة من جولات النقاش غير المفيدة أو يتم التساؤل عن جدوى الحوار أو المصالح المشتركة المترتبة عليه، مقارنة بالجيو سياسي الخليجي المضطر إلى التعامل مع إيران، وفي هذا المنطق تسطيح شديد للمشهد الإقليمي المترابط من جهة ولحجم المصالح الاستراتيجية المترتبة على فتح قنوات تواصل وتطوير مفاهيم مشتركة للمصالح السياسية والاقتصادية والأمنية المشتركة، وإذا لم نحصل إلاّ على تحسين العلاقات مع العراق عبر هذه القناة من التحالف ففي ذلك وحده مصالح استراتيجية أردنية كبيرة. 

الأفضل، بالضرورة، أن يكون هنالك حوار إقليمي تقوده القوى الإقليمية المتوسطة (السعودية، تركيا، باكستان، مصر) Regional Middle Powers التي باتت لاعباً إقليمياً مهماً، وتمثل نواة لمحور قادر على إعادة تشكيل التوازن، لكن حتى اللحظة فإنّ الحوار مع إيران يأخذ طابعاً فردياً بين هذه الدول، حتى في الخليج نفسه، فعلاقة إيران مع كل دولة لها خصوصية مختلفة عن الدول الأخرى، لذلك من الضروري أن نطوّر مقاربة أردنية واضحة في تجسير الحوار مع إيران خلال المرحلة القادمة، وإذا كانت هنالك خشية لدى المسؤولين الأردنيين من تكرار جولات غير مجدية من هذا الحوار، فلماذا لا تكون هنالك مساحة لمراكز التفكير لفتح خطوط مما يطلق عليه المسار الثاني Track Two  من الدبلوماسية، بخاصة أنّ إيران تمتاز بدور كبير للخبراء ومراكز التفكير والأبحاث وكثير منها مرتبط بوزارة الخارجية والمرشد ورئاسة الجمهورية. 

زر الذهاب إلى الأعلى