المنتصرون في الحرب، والخاسرون في السياسة: قراءة في مذكرة التفاهم الأمريكية-الايرانية وتصميم الصراع في الشرق الأوسط

تقرأ هذه الدراسة مذكّرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية بوصفها وثيقةً لتأجيل الحرب لا لإنهائها، إذ أعادت تغليف النزاع في صيغةٍ قابلة للتجديد كل ستين يومًا وأبقت كل المسائل الجوهرية معلّقة. فهذه المذكّرة هي آلية لإدارة نزاعٍ مؤجَّل، والنقاط الأربع عشرة أعادت تغليف الخلاف في صيغةٍ قابلة للتجديد كل ستين يومًا، وأحالت المسائل الجوهرية جميعًا إلى لجانٍ ومجموعات عمل. يوجد مفارقةً مركزية: الحرب التي شُنّت لاقتلاع الجمهورية الإسلامية انتهت إلى تثبيتها بحبرٍ أمريكي. فرغم مقتل المرشد علي خامنئي وخلافة ابنه مجتبى، ظفرت طهران بتعهّدٍ أمريكي بالسيادة وعدم التدخّل، وخرج النظام من حربٍ استهدفت إنهاءه حاملًا ضمانة بقاءٍ موقّعةً من خصمه الأكبر.
وفي لوتسيرن تتّضح هندسة التأجيل. وتكشف القراءة الدقيقة لهذه البنية منطقها الداخلي: حين يعجز طرفان عن الاتفاق على المضمون، يتّفقان على الإجراء. فاللجان ومجموعات العمل تنصب ممتصّات صدمات قبل أن تُبنى التسوية، وتجمّد توزيع القوة لحظة إنشائها فتمنح إيران نافذة ترميمٍ لكوادرها وشبكاتها واقتصادها. ومن هذه البنية يتولّد الغموض، الذي ليس عيبًا في الصياغة بل هو التوازن الوحيد الذي يتيح لكل طرفٍ إعلان النصر أمام جمهورٍ يطلب نقيض ما يطلبه الآخر. غير أن هذا الإبهام يحمل ساعة نفادٍ تعمل ضدّه، وهكذا يستهلك التنفيذُ رصيدَ الإبهام الذي وُلدت عليه الوثيقة، فيتحوّل أصلُ قوّتها إلى مصدر تآكلها.
ويبلغ التناقض ذروته عند الملف النووي، حيث فعلت الحرب نقيض غايتها المعلنة. فجوهر الأزمة في زمن الاختراق لا في حجم المخزون، والرقابة الدولية تستطيع إحصاء المادة وقياسها، فيما تعجز عن محو الخبرة البشرية والقدرة الصناعية التي تشكّل العمود الفقري للبرنامج. ولذلك جعلت الحرب مطلب «التخصيب الصفري» شعارًا غير قابلٍ للتحقّق، إذ دفعت إيران إلى رفع مستويات التخصيب وتركيب أجهزة طردٍ أكفأ، فتقلّص الزمن الذي كان اتفاق ٢٠١٥ يضمنه – نحو عام – إلى ما يقارب الأسبوع. وبعد توقّف وصول المفتّشين وفقدان استمرارية المعرفة بالمخزون، فتتحوّل آلية الرقابة من ضمانةٍ للثقة إلى مصدرٍ إضافي للشك.
ومن الملف النووي إلى الممرّ الذي يهدّد الاقتصاد الدولي. يبقى مضيق هرمز الجدار الحامل للبناء كلّه، حيث تعمل الورقة الإيرانية عبر سوق التأمين والشحن قبل الألغام والزوارق، فمجرّد ارتفاع إدراك المخاطر يرفع أقساط التأمين ويُقفز بأجور الشحن قبل أن تُطلق طهران رصاصةً واحدة، فتغدو علاوةُ المخاطر سلاحَها الحقيقي القادر على إيلام خصومها وهرمز مفتوح. وإلى جانب هذا الممرّ نقطة انفجارٍ لا يضبطها الموقّعون، ففي قلب الوثيقة لغمٌ بنيوي اسمه لبنان. إذ تقف إسرائيل وحزب الله خارج التوقيع، فيُطرح سؤالٌ بنيوي بلا جواب: كيف تُوقف خليةٌ أمريكية–إيرانية حربًا يخوضها طرفٌ ثالث يرفض الانضباط؟ فإسرائيل تحتفظ بخيارٍ صافٍ بلا كلفةٍ تعاقدية، وتمسك بأداتي ضغطٍ متكاملتين: العمل العسكري المنفرد، والفيتو غير المباشر عبر الكونغرس.
ويبقى الكونغرس قيدًا داخليًّا مُهملًا، فيتو نائمًا على رفع العقوبات وتمويل الإعمار في ظل سيطرة الحرس الثوري على قطاع الإنشاءات. وفي المقابل، انتقل الخليج من متفرّجٍ إلى مهندسٍ للتسوية يملك أوراق النفط والتطبيع والقواعد، فتتماسك التسوية بضمانته أو تنهار بغيابها. وحين تكتمل الصورة تنكشف المفارقة الكبرى التي تختصر الحرب كلّها: ذهبت واشنطن إلى الحرب لإكراه طهران على نزع سلاحها، فانتهت تتفاوض من موقعٍ يفرض عليها أن تدفع – رفعَ عقوبات، وأموالًا مجمّدة، وإعمارًا، وتخلّيًا عن تغيير النظام – لتثبّت نتيجةً كان الطريق الدبلوماسي يتيح بلوغها في فبراير. فالدرس النظري قاعدة: الردع متاحٌ ورخيص، والإكراه على التفكيك باهظٌ ونادر النجاح أمام دولةٍ مصمّمة على البقاء.
وتبقى المسارات حتى نهاية ٢٠٢٦ مفتوحة بين استمرار العملية محلّ التسوية بوصفه الأرجح، ومسار تصعيدٍ يرتفع احتماله بعد التجديد النصفي الأمريكي في نوفمبر، ومسار انهيارٍ إن اصطدم التخصيب بالجدار ورفض الكونغرس رفع العقوبات. وتتوزّع المتغيّرات الحاكمة في عناقيد متشابكة تهدّد بفشلٍ مترابط، يحرّكها متغيّرٌ ثامن ديناميكي هو اتجاه الزمن الذي ينحاز لطهران كلّما طالت العملية. تمثّل مذكّرة التفاهم مأسسةً لجمودٍ استراتيجي: توازن “لا حربَ ولا سلام” يبقى فيه هرمز صمّام الضغط الدائم، ولبنان فتيله، واليورانيوم عقدته، والخليج ضامنه، وإسرائيل خطره. والوقت، في الشرق الأوسط، نادرًا ما يقف في صالح من يؤجّل، لأن كلّ خصمٍ مؤجَّل يُراكم أوراقه، وكلّ لجنةٍ تُخفي قرارًا لم يُتَّخذ بعد. وهو توازنٌ يستعصي على القياس على النزاعات المجمّدة كهدنة كوريا، لأنه توازنٌ متحرّك دائم الاهتزاز يقوم على فاعلٍ لا يضبط حلفاءه وآخر محوريٍّ يرفض التوقيع. وهنا تكمن مفارقة المذكّرة الأخيرة: أرادت واشنطن حربًا تُنهي تورّطها في الشرق الأوسط، فإذا بها تخرج من الحرب إلى تورّطٍ من نوعٍ آخر – أكثر هدوءًا، لكنه أطول أمدًا وبلا مخرج.
لقراءة الورقة البحثية الكاملةً، اضغط على الرابط التالي