مشروع قانون الإدارة المحلية: إصلاح يبحث عن مستفيد

طرحت الحكومة الأردنية مؤخرًا مشروع قانون الإدارة المحلية، الذي كان من أبرز معالمه الفصل بين السلطة السياسية التشريعية للمجلس البلدي المنتخب والإدارة التنفيذية والمالية للمدير التنفيذي المعيّن، كما برز فيه تعديلات مهمة أخرى مثل: رفع نسبة تمثيل المرأة إلى ثلاثين بالمئة، وإلزام البلديات بالتحول الرقمي وعقد جلسات استماع وموازنة تشاركية مع المواطنين. ومع ذلك، قوبل هذا المشروع بحالة واسعة من التحفظ الشعبي الأردني، وهي حالة يمكن ملاحظتها بوضوح عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.

واللافت أن هذا النمط يتكرر في المشهد الأردني كلما أُعلن عن مشروع تشريعي جديد يرتبط بتفاصيل الحياة اليومية للمواطن، فبينما تُصاغ القوانين من منطلق الرؤى الإصلاحية ومشاريع التحديث الحكومية، يُعيد المواطن قراءتها بلغة الشارع وواقع احتياجاته اليومية. وقد ظهر هذا التباين جليًا حتى في التغطية الإعلامية الرسمية التي صاحبت الإعلان عن القانون؛ فرغم أن الظهور المتكرر للوزير المهندس وليد المصري جاء بخطاب سهل وسلس ومفهوم عند المجتمع الأردني، إلا أن هذا الظهور رافقته موجة واضحة من الرفض الشعبي، وهو ما يكشف عن مشكلة أن الوزير والمواطن كانا يتحدثان من منطلقات مختلفة تمامًا: الحكومة تتحدث عن الإصلاح والتحديث المؤسسي، والمواطن يقيس الخطاب بمقياس حاجاته اليومية المباشرة. ولذلك جاء جزء كبير من التفاعل الرقمي بطابع رفضي عام، دون نقاش تفصيلي لمواد القانون التي في مضمونها فائدة للمواطن، واتجه المواطن مباشرة نحو التعبير عن الاحتياجات اليومية التي لم ير أن مشروع القانون الجديد يتطرق لها.

هذا التباين الحادّ في التلقي والفهم يتجاوز إذًا مجرّد ضعفٍ في أداء الإعلام الرسمي، لِيَكشف اختلافًا حقيقيًا في الأجندات والأولويات بين الدولة والمجتمع، وانفصالًا بين التطلعات الرسمية للحكومة الساعية للتطوير، والواقع الاجتماعي الأردني الواقع تحت ضغط الظروف المعيشية الصعبة.

وصحيح أنه يمكن القول إن هذه الإصلاحات الهيكلية التي ستمس العمل اليومي للبلديات ومراكز الإدارة المحلية لها أهمية استثنائية؛ فاشتراط مؤهلات علمية محددة للترشح لرئاسة البلديات يرفع كفاءة الإدارة المحلية، ورفع نسبة التمثيل النسائي وتثبيت مقعد للمرأة في المكتب التنفيذي يمكّنها في صناعة القرار التنموي، ولجان الحوكمة وإلزام البلديات بالبث المباشر لجلسات الاستماع ونشر التقارير المالية الربعية يحمي المال العام. هذه خطوات كفيلة، حال تطبيقها بكفاءة ونزاهة، بإحداث نقلة نوعية ترفع مكانة الأردن وتُعزز التزامه بالمعايير الدولية للحوكمة الرشيدة والتمكين الشامل.

بالرغم من ذلك يبقى السؤال الأهم هنا: لماذا لم يلمس المواطن أثر هذا القانون في تفاصيل حياته؟ فلا تتوقف المسألة عند هاجس التطبيق أو مخاوف التعثر البيروقراطي، إذ إن الإشكالية أعمق من ذلك؛ فالقانون بحد ذاته، بنصوصه ومواده، لم يتطرق أصلًا إلى الاحتياجات اليومية التي تشغل المواطن الأردني. فالمواد الإصلاحية التي تضمنها القانون، من فصل السلطات واشتراط الكفاءة ورفع نسبة التمثيل النسائي وتعزيز الحوكمة المالية، تمثل إصلاحات مؤسسية لا يمكن إنكار أهميتها، غير أنها في المقابل لم تتضمن أي إشارة إلى الملفات التي يقيس عليها المواطن نجاح أي قانون بلديات، كتثبيت عمال المياومة، وهو المطلب الذي تكرر بشكل كثيف على كل منشورات وزارة الإدارة المحلية التي أعلنت عن القانون، أو ربط الموازنات التشاركية بخدمات ملموسة كالطرق والإنارة. فالفجوة إذًا ليست فجوة تطبيق محتملة في المستقبل، هي فجوة تصميم تشريعي منذ الأساس؛ إذ خاطب القانون أولويات الدولة التنموية ولم يخاطب أولويات الشارع وهموم المواطن الأردني البسيطة.

وبذلك لضمان أن يُترجَم هذا القانون إلى ثقة مؤسسية فعلية، يحتاج، ولو في مراحله اللاحقة أو عبر أنظمته التنفيذية، إلى تضمين مؤشرات خدمية مباشرة تمس حياة المواطن اليومية، إلى جانب مؤشرات الحوكمة المؤسسية التي تضمنها أصلًا، بحيث يصبح نجاح القانون مقاسًا بأثره الملموس على المواطن الأردني وما يسعى له من خدمات، لا ببنيته التشريعية وحدها التي تنفصل ولو جزئيًا عن هموم المواطن الأردني الرئيسية.

يمكن تسمية هذا النمط بمنطق الخدمة مقابل منطق الحوكمة، أي أن أجندة الدولة الأردنية ترتكز على الحوكمة الرشيدة وإصلاح البنية المؤسسية واستدامة المال العام، بينما يقيس المواطن الأردني قانون الإدارة المحلية بمقياس مختلف تمامًا، وهو جودة الطرق والإنارة والخدمات الأساسية، إضافة إلى ملفات يراها ملحة مثل تثبيت عمال المياومة وتوفير فرص العمل في البلديات. ورغم أن القانون يركز على الهيكلة التشريعية وتنظيم الموازنات دون التطرق للتفاصيل التشغيلية، ظهرت مطالب تثبيت عمال المياومة كأحد أكثر الموضوعات تكرارًا في تعليقات الشارع الأردني، وهو ما يوضح أن المواطن يستمر في رؤية البلدية باعتبارها مزوّد للخدمات ومصدرًا للتأمين الاجتماعي والوظيفي، أكثر من كونها مؤسسة حوكمة وتنمية كما يحاول مشروع القانون تأكيده.

أخيرًا، يبقى التحدي الحقيقي أمام صانع القرار الأردني هو كيفية قياس نجاح القانون بعد إقراره، لا أثناء صياغته فقط؛ فالمعيار الذي سيحدد مصير هذا التشريع في الشارع لن يكون عدد جلسات الحوار التي عُقدت أو حجم التغطية الإعلامية التي رافقته، وإنما مدى قدرة البلديات، في أول سنة من التطبيق، على إظهار أثر ملموس في ملفات كانت غائبة عن نص القانون نفسه.

زر الذهاب إلى الأعلى