الخوارزمية هي السلاح
كيف أصبح نضج الرأسمالية المُرقمنة البنية التحتية لليمين المتطرف العالمي - ولماذا يُعدّ توجه الاتحاد الأوروبي لحظر وسائل التواصل الاجتماعي على من هم دون السادسة عشرة إجراءً في إطار الدفاع الجيوسياسي بقدر ما هو تدبير لحماية الطفولة.

يشهد المشهد الجيوسياسي المعاصر تحولًا بنيويًا عميقًا تقوده عملية نضوج ما يمكن توصيفه بدقة بـ«الرأسمالية المُرقمنة». ضمن هذا النموذج الصاعد، تتراجع ديناميات السوق التقليدية والعمليات الديمقراطية لصالح اقتصادات قائمة على المنصّات، ما يفضي إلى تراكم سريع لثروات وسلطات غير مسبوقة في يد طبقة جديدة من النخب التكنولوجية – «الأسياد الرقميون». وقد باتت هذه الطبقة تسيطر على بنى تحتية هائلة للبيانات، وقدرات متقدمة في الذكاء الاصطناعي، وشبكات اتصال عالمية، متجاوزة بذلك دور القيادة المؤسسية لتغدو فاعلًا جيوسياسيًا مستقلًا يمتلك قدرة استثنائية على توسيع وتسريع وتوجيه الأيديولوجيا السياسية على نطاق عالمي.
وفي صلب هذا التحول يتموضع شكل متطور من «الحرب الهجينة» العابرة للحدود. ويتمثل هدفه الرئيس في التآكل المنهجي للثقة العامة بالمؤسسات التاريخية، عبر توظيف البُنى الخوارزمية لتجاوز الفضاء التداولي المدني بالكامل، ودفع الجماهير مباشرةً من تظلمات محلية محدودة إلى نزع الشرعية عن الدولة. وفي أوروبا وأمريكا الشمالية، تجلّت هذه الحملة الأيديولوجية من خلال تحالفات استراتيجية – وإن اتسمت أحيانًا باللامركزية – بين مليارديرات التكنولوجيا الأمريكيين، وشركات تنقيب البيانات، والحركات الشعبوية اليمينية. فمن عمليات جمع البيانات التأسيسية التي أسهمت في دفع استفتاء «بريكست» ومهّدت لصعود «ريفورم يو كيه»، إلى التضخيم الخوارزمي المباشر لحزب «البديل من أجل ألمانيا»، جرى تسليح المنصّات الرقمية لاستغلال خطوط الانقسام المجتمعي وتطبيع السرديات المتطرفة.
تاريخيًا، اعتمدت التيارات اليمينية على قواعد انتخابية أكبر سنًا، جرى حشدها عبر وسائل البث التقليدية ومن خلال استثمار المخاوف المتجذّرة المرتبطة بالهجرة والتحولات الديموغرافية. أما اليوم، فقد أتاحت البنية التحتية الرقمية لهذه الحركات تجاوز الحراس التقليديين كليًا.
لقد بات رأس المال يمتلك الآن الأداة الأقصى لتوسيع وتسريع الأيديولوجيا السياسية، محوّلًا الثروة الخاصة إلى نفوذ اجتماعي–سياسي مباشر وغير وسيط.
ولفهم حجم هذا التسارع، يغدو من الضروري تفحّص التطور البنيوي للاقتصاد العالمي. إذ إن الانتقال من الرأسمالية الصناعية المتأخرة إلى ما يعرّفه الباحثون بـ«الرأسمالية المُرقمنة» – أو «الإقطاعية التكنولوجية» كما يصوغها الاقتصادي يانيس فاروفاكيس – قد أعاد تشكيل العلاقة بين رأس المال والدولة والمواطن على نحو جذري. ففي هذا النظام الإقطاعي التكنولوجي، لا تمارس التكتلات التقنية الإكراه بالمعنى الذي عُرف في الأنظمة السلطوية التاريخية، بل تقوم بتصميم منظومات رقمية شاملة ولا مفرّ منها تُجبر الأفراد على الانخراط فيها بوصف ذلك شرطًا للبقاء الاقتصادي والاجتماعي والمدني. وما إن يصبح المستخدمون داخل هذه المنظومات، حتى يخضعوا لبُنى خوارزمية تتحكم في تدفّق المعلومات وتحدّد حدود الخطاب العام ومعاييره. وتُستخلص كميات هائلة من البيانات السلوكية والبيومترية وتُغذّى بها نماذج تنبؤية وخوارزميات لتعديل السلوك، ضمن حلقة تغذية راجعة يُعاد فيها تسليع انتباه الإنسان بصورة مستمرة، وتتلاشى فيها إلى حدّ كبير الحدود الفاصلة بين الاستهلاك الاقتصادي، والتفاعل الاجتماعي، والتنشئة السياسية.
في هذا النظام، تتحول الفاعلية الإنسانية ذاتها إلى سلعة. إذ تُستلب العمليات النفسية–الاجتماعية التي كانت تُدار تقليديًا عبر الأسرة أو المجتمع أو الدولة، لتُعاد صياغتها داخل شركات خاصة بهدف إدامة التفاعل المطوّل وتعزيز الاصطفاف الأيديولوجي. وبما أن نماذج أعمال المنصّات تقوم على تعظيم زمن البقاء على الشاشة، فإن خوارزمياتها تميل بطبيعتها إلى تفضيل المحتوى الذي يثير استجابات انفعالية عالية الحدّة، مثل الغضب والخوف والاستنكار الأخلاقي. وفي هذا السياق، تجد الأيديولوجيات الشعبوية اليمينية – القائمة على سرديات الانحدار الحضاري، والتهديد الديموغرافي، والسخط على النخب – بيئة مثالية للتوسع السريع. ولا يُعدّ التلاقي بين ثروات التكنولوجيا الجديدة والسياسة اليمينية في الولايات المتحدة تحالفًا ظرفيًا، بل ينبع من قناعة مشتركة مفادها أن الحوكمة الديمقراطية تمثل عائقًا، وأن التنظيم هو الخصم، وأن السوق – الذي يهيمنون عليه – ينبغي أن يكون المبدأ المنظّم للمجتمع.
غير أن توظيف البيانات الضخمة لتحقيق مكاسب انتخابية فورية لدى الفئات الأكبر سنًا لا يمثل سوى بُعد واحد من هذا المشروع. إذ تعتمد الاستدامة طويلة الأمد للأجندة الشعبوية اليمينية على طموح أعمق يتمثل في السيطرة الأيديولوجية على الجيل القادم. فمن خلال التضخيم الخوارزمي والتفاعل المُوجَّه عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات المرتبطة بعالم الألعاب، يتعرض الأطفال والمراهقون لعملية مستمرة من «التشكيل الأيديولوجي»، تُفضي إلى خلق قابلية للانجذاب نحو التطرف اليميني، وتبني رؤى ذكورية إقصائية، والانخراط في أطر تفسيرية تآمرية مثل «نظرية الاستبدال العظيم»، مع تركيز خاص على الهشاشات النفسية لدى الفتيان في مراحل التشكّل المبكرة. وقد أفضى التداخل بين الخوارزميات والفضاءات الرقمية ضعيفة التنظيم إلى نشوء ظاهرة باتت تحظى باعتراف متزايد من قبل الباحثين والأجهزة الأمنية على حد سواء: مسار أتمتة للتطرّف، مُحسَّن عبر التمرير اللانهائي وأنظمة التعزيز المتقطّع، يعمل بشكل منهجي على توجيه المستخدمين اليافعين نحو محتوى استقطابي. يستهدف الفتيان والفتيات معًا؛ ولا شيء في ذلك عَرَضي.
ولا يقتصر الأمر على كونه أزمة في الصحة العامة، بل يمثل عملية أيديولوجية عابرة للأجيال – تمر قنواتها عبر هواتف الأطفال.
وفي مواجهة هذا التهديد غير المتكافئ، شرعت الحكومات الأوروبية والاتحاد الأوروبي في إطلاق هجوم تنظيمي مضاد واسع النطاق. فقد فرض «قانون الخدمات الرقمية» التزامات بالشفافية الخوارزمية، وألزم المنصّات بإجراء تقييمات للمخاطر، وفرض غرامات قد تصل إلى ستة في المئة من إجمالي الإيرادات السنوية العالمية. غير أن الجهات التنظيمية باتت تدرك على نحو متزايد محدوديته البنيوية: إذ يشكل هذا القانون إطارًا للإنفاذ اللاحق ولالتزامات الشفافية، وهو غير كافٍ جوهريًا للتصدي للأضرار النفسية الفورية والآنية التي تُحدثها آليات التضخيم الخوارزمي على نطاق واسع. فالتنفيذ بطيء، بينما الضرر يحدث لحظيًا؛ وتكمن الفجوة بينهما تحديدًا في المساحة التي تتم فيها عملية «التشكيل» الأيديولوجي.
ينبغي فهم التوجّه المتسارع داخل دول الاتحاد الأوروبي نحو حظر وسائل التواصل الاجتماعي على من هم دون السادسة عشرة على مستويين مترابطين. فمن جهة، يمثل هذا التوجّه تدخّلًا مشروعًا في مجال الصحة العامة، استجابةً للأضرار المثبتة التي تُلحقها تصاميم تعظيم التفاعل بالصحة النفسية للمراهقين. ومن جهة أخرى – وهو ما يستدعي إقرارًا صريحًا – يشكّل آلية دفاع جيوسياسية ذات طابع استراتيجي، تهدف إلى تحصين المشروع الأوروبي في مواجهة حرب أيديولوجية منسّقة تستهدف تقويض الاتحاد الأوروبي، تقودها البنى الفاعلة في الرأسمالية المُرقمنة. ومن خلال فرض حدٍّ عمري صارم يُطبَّق عبر محافظ هوية رقمية أوروبية تراعي الخصوصية، وتقنيات تحقق بيومتري من العمر، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى «قطع» المسار الذي تُستخرج عبره البيانات السلوكية من الفئات الأكثر قابلية للتأثر، وتُضخّ من خلاله مضامين مُراد لها أن تدفع نحو الراديكالية. وبهذا المعنى، يمثّل هذا التوجّه إعلانًا بأن التشكّل النفسي–الاجتماعي للجيل القادم من الناخبين الأوروبيين لن يُترك لآليات الرأسمالية المُرقمنة. ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى كفاية هذه الإجراءات.
وهنا يبرز التساؤل: ماذا تفعل الأردن في هذا السياق؟ تُعدّ الدولة الأردنية دولة شابة، حيث يشكّل من هم دون الخامسة والثلاثين غالبية السكان، كما تتمتع بدرجة عالية من الاتصال الرقمي، في ظل ضغوط تجعل هذا التحدي بعيدًا عن كونه نظريًا: وجود أعداد كبيرة من اللاجئين، وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، واستمرار حالة عدم الاستقرار الإقليمي. ومن منظور الصحة العامة، يثور التساؤل حول ما إذا كانت الأضرار المثبتة للتصميمات الخوارزمية على الصحة النفسية للمراهقين تُترجم إلى سياسات وطنية ملموسة، أم أن النقاش لا يزال محصورًا في إطار «زمن الشاشة» بدلًا من معالجة مسألة التشكيل الأيديولوجي.
أما من منظور الأمن القومي، فيتعلق الأمر بمدى قدرة الدولة على التعامل مع المنصّات المملوكة خارجيًا لا بوصفها أدوات اتصال فحسب، بل كوسائط تأثير هجينة تسهم فعليًا في تشكيل الاتجاهات السياسية لدى الجيل القادم من المواطنين.
صحيح أن القيود الأوروبية على من هم دون السادسة عشرة تظل موضع جدل وغير مكتملة، إلا أنها تعبّر عن إدراك متزايد بأن ترك هذا المسار دون مواجهة لا يمثّل حيادًا، بل خيارًا بحد ذاته. والسؤال المطروح أمام الأردن – كما أمام سائر الدول التي تتحرك ضمن هذا السياق – هو ما إذا كان هذا الخيار سيُتخذ بوعي واستراتيجية، أم سيُترك ليتشكل بحكم الأمر الواقع.
