منصات في بودابست، وقنابل في طهران: التدخلية الجديدة وما تعنيه للأردن

في مساء السابع من نيسان/أبريل 2026، وقف نائب الرئيس الأمريكي على منصة داخل ملعب لكرة القدم في بودابست وأخذ يوجّه الناخبين المجريين حول كيفية التصويت. فقد وصل جي دي فانس إلى العاصمة المجرية معلنًا أنه جاء “ليساعد قدر الإمكان”، ثم شارك في تجمع انتخابي تابع لـ فيكتور أوربان، وأجرى اتصالًا مباشرًا مع دونالد ترامب عبر هاتفه المحمول ووضع مكبر الصوت أمام الجمهور، وفي الوقت نفسه اتهم الاتحاد الأوروبي بارتكاب “أحد أسوأ أشكال التدخل الخارجي في الانتخابات” التي رآها في حياته. وقد بدا أن المفارقة في هذا المشهد لم تستوقفه.
كان جوهر اتهامات فانس لبروكسل يرتكز على فكرة مألوفة لقرّاء المقال السابق. فقد رأى أن الاتحاد الأوروبي يُجبر شركات التواصل الاجتماعي على التحكم بالمعلومات التي يمكن للناخبين المجريين الوصول إليها، ويتعامل مع المواطنين ذوي السيادة، بحسب وصفه، “كما لو كانوا أطفالًا”. لم يكن هذا الخطاب جديدًا، بل مثّل الفصل الثالث من مسار بدأ خلال مؤتمر ميونخ للأمن في شباط/فبراير 2025، عندما أعلن جي دي فانس أن التهديد الأكبر الذي تواجهه أوروبا لا يتمثل في العدوان الروسي، وإنما في التآكل الليبرالي الداخلي. ثم تحولت هذه الرؤية إلى جزء من العقيدة الرسمية الأمريكية في كانون الأول/ديسمبر 2025، عندما نصت إدارة ترامب في استراتيجيتها للأمن القومي على التزام الولايات المتحدة بـ”تنمية مقاومة المسار الحالي لأوروبا داخل الدول الأوروبية”، وهي الصياغة التي وصفها معهد بروكينغز، بدقة لافتة، بأنها سياسة تهدف إلى إحداث تغيير دستوري في الأنظمة السياسية.
“تنمية مقاومة المسار الحالي لأوروبا داخل الدول الأوروبية”. هذه ليست علاقة تحالف، وإنما عقيدة تدخل مكتوبة ومعلنة، ثم جرى استعراضها علنًا على منصة في بودابست.
بعد أيام قليلة، خسر فيكتور أوربان الانتخابات. فقد حصل حزب تيسا بقيادة بيتر ماغيار على 138 مقعدًا بنسبة 53.6% من الأصوات، بما منحه أغلبية كاسحة. في المقابل، تراجع حزب فيدس، الذي شكّل لسنوات النموذج الذي احتفت به أوساط اليمين الأمريكي بوصفه مثالًا للدولة غير الليبرالية، إلى 37.8% فقط. وقد خلص باحثون في جامعة بروكسل الحرة إلى أن زيارة جي دي فانس كانت “على الأرجح ذات أثر عكسي”، إذ إن مشهد قوة أجنبية تخوض حملة انتخابية بصورة علنية على الأراضي المجرية عزز الحجة الأساسية للمعارضة بشأن السيادة الوطنية. وهنا تظهر المفارقة العميقة التي تتكرر في أماكن عديدة: الأحزاب التي تجعل من السيادة الوطنية جوهرًا أيديولوجيًا لهويتها، تعود مرة أخرى إلى قبول التدخل الخارجي ذاته الذي تزعم رفضه، ثم تتضرر منه سياسيًا.
ما فعله جي دي فانس في بودابست ليس استثناءً، وإنما جزء من نمط متكرر ومنهجي. فالإدارة نفسها التي وقفت على منصة ملعب تتهم بروكسل بالتدخل في الانتخابات، كانت في الوقت ذاته تهدد إيران بتدمير “حضارتها بأكملها”، وتناقش إمكانية القيام بتحرك عسكري في نصف الكرة الغربي، بما في ذلك تجاه غرينلاند، ضمن إحياء جديد لـ مبدأ مونرو. لقد عملت التدخلية الأمريكية تاريخيًا عبر مسارين: المسار الصلب القائم على القوة والعقوبات وتغيير الأنظمة بصورة سرية، وهو المسار الذي استُخدم غالبًا ضد الخصوم في الجنوب العالمي؛ والمسار الناعم القائم على تمويل المجتمع المدني، ودعم وسائل الإعلام، وبناء المؤسسات الديمقراطية. أما ما يبدو جديدًا ومربكًا في هذه اللحظة التاريخية، فهو أن المسار الناعم قد جرى قلبه رأسًا على عقب. فالولايات المتحدة في ظل الإدارة الحالية لم تعد تستخدم أدوات قوتها الناعمة لتصدير الديمقراطية الليبرالية إلى الأنظمة السلطوية، وإنما باتت تستخدمها لتركيب حكومات غير ليبرالية والحفاظ عليها داخل الغرب نفسه. تغير الهدف، لكن الأدوات بقيت ذاتها.
هذه هي البنية التي وصفها الجزء الأول من هذه السلسلة بوصفها المشروع السياسي للرأسمالية الرقمية؛ وهو ما تسميه فرانشيسكا بريا بـ”البنية السلطوية المتكاملة”: نظام رأسي ومترابط من السيطرة المخصخصة، تبنيه نخب التكنولوجيا، ورجال رأس المال المغامر، والأيديولوجيون السياسيون، بحيث يتسلل مباشرة إلى الوظائف السيادية الأساسية داخل الدول الديمقراطية. لم يكن تجمع فانس وأوربان حدثًا دبلوماسيًا عابرًا، وإنما كان تجسيدًا علنيًا لهذه البنية السلطوية المتكاملة؛ الشبكة الأيديولوجية نفسها التي تمتلك المنصات، وتمول المرشحين، وتشغل مواقع السلطة، وهي تعرض مشروعها على الملأ، دون أي حرج، داخل ملعب وفي عاصمة أوروبية، قبل أيام قليلة فقط من الانتخابات.
“لقد جرى قلب المسار الناعم للقوة الأمريكية رأسًا على عقب. فلم يعد يُستخدم لتصدير الديمقراطية إلى الخارج، وإنما بات يُستخدم لتفكيكها من الداخل.”
يستحق الخطاب الذي استخدمه جي دي فانس بشأن وسائل التواصل الاجتماعي في بودابست قدرًا كبيرًا من التدقيق، لأنه يكمل دائرة متكاملة. فـ قانون الخدمات الرقمية الأوروبي، الذي صوره فانس على أنه شكل من أشكال الرقابة المفروضة على الناخبين المجريين، يفرض في الواقع شفافية الخوارزميات، ويحظر الإعلانات الموجهة إلى القاصرين، ويُلزم المنصات بتقييم مخاطرها المنهجية على النقاش العام. وهو لا يفرض على المنصات أي توجهات سياسية محددة أو يحدد لها ما يجب أن تروّج له. ما يفعله هذا القانون هو فرض المساءلة على البنية الخوارزمية نفسها: الآلية التي تعظّم التفاعل بصورة منهجية، وتدفع بمحتوى سياسي يغلب عليه الطابع اليميني إلى المستخدمين الشباب بغض النظر عن تفضيلاتهم، وتوصي بمقاطع مزيفة مولدة بالذكاء الاصطناعي وبمحتوى ذكوري متطرف للمراهقين، وتسرّع انتقال الجمهور من مشاعر التذمر المحلي إلى نزع الشرعية عن المؤسسات في الزمن الحقيقي. وعندما يدافع فانس عن هذه البنية في مواجهة التنظيم الأوروبي، فهو لا يدافع عن حرية التعبير، وإنما يدافع عن مسار التعبئة والتطرف الرقمي ذاته.
وهنا يظهر البعد الأردني. فـ الأردن مجتمع متصل بالإنترنت بنسبة 92.5%، ويواجه معدل بطالة بين الشباب يبلغ 45%، إضافة إلى وجود عدد كبير من اللاجئين، وبيئة رقمية تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى الساحات الرئيسية لحروب المعلومات الإقليمية. وقد أظهرت حرب إيران عام 2026 معنى ذلك عمليًا: حملات تضليل منسقة، ومقاطع مزيفة مولدة بالذكاء الاصطناعي يصعب تمييزها عن المشاهد الحقيقية، ومحتوى مصمم بعناية لاستثارة المشاعر وتصوير الدولة الأردنية بوصفها خائنة لقضية المقاومة، بما ينقل النقاش من المظالم الحقيقية إلى نزع الشرعية في مجتمع عالي الاتصال ويعمل تحت ضغط نفسي مرتفع. المسار التصاعدي نفسه، والبنية الخوارزمية نفسها، مع اختلاف الفاعلين والروايات، بينما تبقى الآليات متطابقة.
استجابة الأردن حتى الآن اتجهت بصورة أكبر نحو نموذج السيطرة، أي إدارة البيئة المعلوماتية من خلال الأدوات القانونية. وقد أدى قانون الجرائم الإلكترونية إلى إنتاج النتيجة التي تعتمد عليها الجهات الفاعلة في حروب المعلومات: الفراغ. فعندما يلجأ الصحفيون إلى الرقابة الذاتية وينسحب المواطنون من المجال العام الرقمي، فإن هذا المجال لا يبقى فارغًا. وإنما تمتلئ مساحته فورًا بحملات التضليل المنسقة دون أي مواجهة أو تصحيح. نموذج السيطرة، مهما كانت مبرراته الأمنية على المدى القصير، يمنح الخصوم البيئة المثالية التي يحتاجونها للعمل.
السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه اللحظة على الأردن، وعلى كل دولة تتحرك داخل هذا المشهد، ليس سؤالًا تقنيًا وإنما سؤال عقيدة ونهج. ما هو النموذج الذي ينبغي أن يحكم التعامل مع الفضاء الرقمي؟
عقيدة السيطرة تنظر إلى البيئة الرقمية باعتبارها مساحة يجب إدارتها، وأصواتها يجب ضبطها، وتهديداتها يجب كبحها، وأضرارها يجب احتواؤها عبر التقييد. هذا النموذج واضح وقابل للإدارة ومألوف للمؤسسات. لكنه في الوقت نفسه نموذج خاسر بنيويًا، لأنه يخلق البيئة التي تستغلها حملات التضليل، ويجعل الدولة تبدو وكأنها التهديد الرئيسي لوصول مواطنيها إلى المعلومات.
أما عقيدة الأمن الإنساني، فتنظر إلى البيئة الرقمية كما هي فعلًا: ساحة صراع يكون فيها المواطنون في الوقت نفسه الهدف، والميدان، وخط الدفاع الأول. وهي لا تسأل كيف يمكن إسكات المحتوى الضار، وإنما كيف يمكن بناء مناعة معرفية جماعية ضد تقنيات التلاعب التي تنتجه. كما أنها تتعامل مع الطيف الكامل للأمن: الصحة النفسية لشاب في السادسة عشرة من عمره في عمّان جرى دفعه نحو التطرف عبر منصة ألعاب إلكترونية؛ وشرعية الدولة المؤسسية عندما تنتشر روايات التخوين بسرعة زمن الحرب؛ والتماسك الاجتماعي طويل المدى في مجتمع أصبحت عملية تشكيل وعي شبابه السياسي تُدار إلى حد كبير عبر وسائل إعلام أجنبية وخوارزميات مصممة لتعظيم التفاعل. هذه ليست قضايا منفصلة، وإنما قضية واحدة تُرى من مسافات مختلفة.
الأمن الإنساني غير قابل للتجزئة. فما يحدث للتطور النفسي لجيل كامل، ينعكس مباشرة على أمن الدولة التي سيتولى هذا الجيل حكمها يومًا ما. والسؤال ليس ما إذا كان الأردن قادرًا على تحمل كلفة التعامل مع الفضاء الرقمي باعتباره مجالًا من مجالات الأمن الإنساني، وإنما ما إذا كان قادرًا على تحمل كلفة عدم القيام بذلك، وإلى متى يمكن تأجيل الإجابة.
