عن صديقي جمال زهران و.. عمّان التي “جذبته”

حارث أبو بديوي
حكاية جمال زهران، في أحد تجلياتها هي حكاية جذب غامض بين إنسان هشّ ومدينة قديمة، بين روح متعبة ووسط بلد، ظلّ، رغم كل ما أصابه من تبدلات، قادراً على أن يكون ملاذاً لمن لا يجدون مكانهم كاملاً في المسارات الطبيعية للحياة.
جمال زهران، بهذا المعنى، هو أحد العناوين وربما الأسرار. أما الموضوع الأوسع فهو ذلك النداء الخفي الذي تمارسه الأمكنة على بعض الأرواح. نداء لا يسمعه الجميع، ولا يستجيب له إلا من كان في داخله كسرٌ ما، أو.. حاجة عميقة إلى مكان لا يطالبه بالتفسير الدائم لنفسه.
في كل مدينة تقريباً هناك أمكنة تجذب أبناءها المتعبين. ليست أجمل الأمكنة بالضرورة، ولا أكثرها راحة. لكنها أمكنة لها روح. فيها وجوه تتكرر، ومقاهٍ حنونة، وأرصفة تقبل العابرين والمقيمين في آن. وسط البلد في عمّان واحد من هذه الأمكنة. هو ليس سوقاً تجارياً ولا موقعاً سياحياً ولا ذاكرة عمرانية قديمة فحسب، بل فضاء اجتماعي وثقافي ونفسي وعاطفي، يجد فيه بعض الناس ما لا يجدونه في غيره. يجدون الألفة.
انجذاب جمال زهران إلى وسط البلد لم يكن مجرد عادة يومية، أو إقامة عابرة قرب كشك الطليعة أو درج الكلحة أو مقهى السنترال. كان ثمة ما هو أعمق؛ علاقة وجدانية ونفسية وروحية بالمكان. كأن وسط البلد، بكل صخبه وفوضاه وتاريخه ووجوهه، صار بالنسبة إليه البيت الأكثر احتمالاً.
في اللغة الشعبية نقول عن بعض الناس إنهم “مجاذيب”. وغالباً ما تُقال الكلمة بخفة أو بسخرية أو بشيء من التبسيط الجارح. لكن في معناها الأعمق، وخصوصاً في المخيال الصوفي، المجذوب ليس شخصاً خارج الكرامة أو المعنى. هو إنسان غلبه الجذب، كأن نداءً خفياً شده إلى جهة ما، أو حال ما، أو مقام ما. لا يعود يتحرك وفق حسابات الناس العادية، بل وفق انجذاب داخلي لا يمكن تفسيره بسهولة.
جمال، بهذا المعنى، الرقيق لا المبتذل، كان مجذوباً إلى عمّان. أو لعل عمّان هي التي جذبته. جذبه وسط البلد تحديداً، لا بوصفه مكاناً مثالياً، بل بوصفه مكاناً قابلاً لاحتمال هشاشته. هناك، في تلك الجغرافيا الصغيرة، استطاع أن يكون حاضراً دون أن يضطر كل يوم إلى الدفاع عن حقه في الوجود. كان يرى الناس، ويرونه. يكتب عن يومياته، يقرأ، يتابع، يتحدث، ويصير شيئاً فشيئاً جزءاً من مشهد المكان.
والجذب إلى المكان، في التفسير النفسي، قد يكون بحثاً عن ملاذ آمن. حين يمر الإنسان بأزمات نفسية أو انتكاسات قاسية، تصبح بعض الأمكنة أكثر من أمكنة. تتحول إلى نظام حماية داخلي؛ يصنع للإنسان المتعب عالماً قابلاً للتوقع. والعالم القابل للتوقع، بالنسبة إلى من عاش ارتباكاً داخلياً أو خيبة كبرى نوع من النجاة.
لذلك، يصعب القول إن جمال كان يريد أن يغادر هذا النمط من الحياة ولم يستطع. ربما كان، في جانب من جوانب تجربته، يأنس به أيضاً. منغمساً فيه. متصالحاً معه أحياناً. صحيح أن أزماته المالية والمعيشية كانت قاسية، وصحيح أن حالته كانت تحتاج إلى رعاية أوسع وأكثر انتظاماً، لكن الصحيح أيضاً أنه لم يكن غريباً تماماً عن عالمه اليومي. كان مندمجاً في عمّان القديمة، مأخوذاً بها، مشدوداً إلى تفاصيلها، كأنها صارت لغته الأخيرة في الحياة.
بعد موته، تدفقت كلمات كثيرة، بين دعاء، رثاء، صور، شهادات، حديث عن مظلوميته، وعن أنه لم يأخذ نصيبه. وهذه مشاعر نبيلة في أصلها، ولا يجوز الاستهانة بها. لكنها تظل مشاعر متأخرة. ولو أن جزءاً صغيراً منها تحوّل في حياته إلى تعاطف عملي، أو دعم حقيقي، أو رعاية مؤسسية، أو مساحة كتابة منتظمة، أو سند يحفظ كرامته في لحظات الضيق، فربما عاش أياماً أفضل. لا أقول إن حياته كانت ستتغير كلها، ولا نقاش في سرّ الأعمار، فالأعمار بيد الله وحده، لكن الإنسان لا يحتاج دائماً إلى معجزة كي ينجو. أحياناً يحتاج إلى يد كريمة في الوقت المناسب.
المؤلم أننا كثيراً ما نكتشف قيمة الأشخاص بعد غيابهم. نعيد ترتيب صورتهم بأثر رجعي. نمنحهم محبة واسعة حين لا يعودون قادرين على الانتفاع بها. نكتب عنهم بحنان، ونؤنّب أنفسنا قليلاً، ثم تعود الحياة إلى إيقاعها القديم. لكن السؤال الذي يتركه جمال ليس سؤال العاطفة فقط، بل سؤال المسؤولية، أن كيف نتعامل مع الإنسان المختلف، الهش، المثقف، المنكسر، الذي لا يطلب الكثير، لكنه يحتاج إلى ما هو أعمق من التحية العابرة؟
لم يكن جمال أولَ حالة من هذا النوع في عمّان، ولن يكون الأخيرة. للمدن أسراها، كما لها شعراؤها ومؤرخوها وحراس ذاكرتها. في عمّان أسماء عاشت على الحواف، لكنها صارت جزءاً من الحكاية.. هؤلاء، مهما بدا حضورهم بسيطاً أو هامشياً، يتركون في المكان شيئاً لا تتركه الشخصيات الرسمية دائماً.
فالمدينة لا تتكوّن من بناياتها وشوارعها وأسواقها فقط. تتكوّن أيضاً من وجوهها المتكررة. من الشخص الذي نراه دائماً في الزاوية نفسها. من الرجل الذي صار علامة على مقهى أو على بسطة على الرصيف. من البائع، والقارئ، والمتسكع، والمجذوب، والشيخ، والصحافي القديم، والطالب الذي مرّ ثم غادر. هؤلاء يصنعون أدب المكان، حتى لو لم يكتبوا رواية واحدة. يكفي أن يكونوا قد عاشوا المكان حتى صار حضورهم جزءاً من لغته.
في عمان، وسط البلد ليس مكاناً محايداً. هو ذاكرة سياسية وثقافية واجتماعية. مرّت منه الصحافة، والكتب، والأحزاب، والمقاهي، والباعة، والغرباء، والحالمون. وفيه دائماً شيء من الحنان وشيء من القسوة. يحتضن المتعبين، لكنه لا ينقذهم تماماً. يمنحهم اسماً ووجهاً وحضوراً، لكنه لا يمنحهم دائماً ضمانة عيش. لذلك تبدو حكاية جمال زهران حكاية وسط البلد نفسه؛ مكان قادر على صناعة الألفة، لكنه عاجز وحده عن صناعة الرعاية.
من غير اللائق، برأيي، أن نبتذل سيرة جمال بتحويله إلى حكاية غرائبية، أو إلى شاهد إدانة قاسٍ ضد الجميع. الرجل أكرم من ذلك. كان له ضعفه، وله مزاجه، وله تعقيداته، وله متعته الخاصة بالحياة التي اختارته أو اختارها. لكنه، في الوقت نفسه، يضعنا أمام سؤال أخلاقي لا يمكن الهروب منه؛ هل نرى الناس حقاً وهم بيننا، أم نراهم بوضوح أكبر حين يغيبون؟
ربما كان جمال زهران واحداً من أولئك الذين لا يمكن فهمهم خارج المكان. لا تكفي سيرته الجامعية، ولا بداياته الصحفية، ولا أزمته، ولا مقالاته البسيطة، ولا يومياته في وسط البلد. كل ذلك مهم، لكنه لا يكتمل إلا حين نراه داخل المشهد؛ رجل يمشي في عمّان القديمة، يحمل كيسه الذي يحتوي سجائره وأدويته وأشياءه البسيطة، يتوقف عند الطليعة، يجلس في السنترال، يراقب الناس، يكتب عن التفاصيل، وينتمي إلى مكان لم يمنحه كل ما يحتاج، لكنه منحه ما هو نادر أيضاً؛ الإحساس بأنه معروف.
وهذه، ربما، هي خلاصة الجذب. أن يجد الإنسان مكاناً يعرفه ويعرفه. مكاناً لا يكون فيه ناجحاً بالضرورة، ولا سعيداً دائماً، لكنه لا يكون غريباً تماماً. مكاناً يشبه الندبة التي في داخله، فيبقى قريباً منها، لأنه، باختصار، يخاف أن يفقد آخر خيط يربطه بالعالم.
رحل جمال زهران، وبقي السؤال.
وبقي وسط البلد أيضاً، بوجوهه و”طليعته” و”سنتراله” ودرجه وكتبه وأرصفته، يواصل جذب المتعبين والحالمين والمختلفين. كأن في المكان سراً لا يراه إلا من احتاج إليه. وكأن بعض المدن لا تحفظ تاريخها في الحجر وحده، بل في أولئك الذين جذبهم المكان حتى صاروا جزءاً من سرّه.
