إيران تحت عباءة المرشد: من يملك القرار بين الحرب والتفاوض والخلافة؟

تحولات السلطة بين المرشد، الحرس، ومجلس الأمن القومي الأعلى

ما يتقدم فعليًا هو نمط قرار أكثر انضباطًا حول هدف واحد: حماية النظام. وإذا احتاج هذا الهدف إلى تشدد، فسيُنتج تشددًا. وإذا احتاج إلى تفاوض، فسيُنتج تفاوضًا.

تداخل الصلاحيات بوصفه آلية بقاء لا علامة ضعف.

تظهر أهمية قاليباف كعقدة وصل بين الحرس والدولة.

الحرس هو الحارس العقائدي للنظام، فهو لا يمثل مجرد مؤسسة عسكرية، بل حاملًا لرؤية الدولة والأمن والثورة، وفاعلًا يعتبر نفسه مسؤولًا عن حماية جوهر النظام لا حدود الدولة فقط.

وهو المنفذ الاستراتيجي للسياسات العليا، لأنه يمتلك القوة الصاروخية، والبحرية اللامتماثلة، والشبكات الإقليمية، وأدوات الردع غير التقليدي، ما يجعل أي قرار كبير في السياسة الخارجية أو الأمنية غير قابل للتطبيق من دونه.

الحرس يمارس فيتو مؤسسيًا غير معلن.

تظهر فكرة التوازن بين المؤسسات إلى اختلال الميزان لمصلحة الأمن.

القرار في إيران اليوم يُنتج وفق معيار بقاء النظام. و سؤال “من يقرر الآن؟” لا يمكن فصله عن سؤال “أي نظام يتكون الآن؟”.

المقدمة: الحرب كاختبار لبنية القرار لا للقدرة العسكرية فقط

لم تغيّر الحرب الأخيرة ما تستطيع إيران فعله فقط، بل غيّرت أيضًا الطريقة التي تقرر بها ما يجب أن تفعله. فالنظام الإيراني دخل هذه المواجهة وهو قائم على صيغة مألوفة نسبيًا: مرشد أعلى يحتفظ بالشرعية النهائية، وحرس ثوري يتمتع بنفوذ واسع، ورئاسة وحكومة تديران جانبًا من الشأن التنفيذي، ومؤسسات موازية تتداخل صلاحياتها تحت سقف واحد. غير أن الضربات التي استهدفت رأس الهرم وجزءًا مهمًا من البنية القيادية دفعت هذا النظام إلى اختبار مختلف: ليس اختبار الصمود العسكري فقط، وإنما اختبار استمرار القرار نفسه تحت ضغط الاغتيال، والحرب، والانتقال القيادي. وفي هذا السياق، بات السؤال الأساسي في قراءة إيران اليوم هو: كيف يعاد إنتاج السلطة عندما تُصاب قمتها، وعندما تتسع الحاجة إلى قرارات سريعة في الحرب والتفاوض والأمن الداخلي في آن واحد؟

ما تكشفه المؤشرات الحديثة هو أن إيران لم تتجه إلى فراغ سلطوي، كما لم تعد تعمل وفق الصورة الهرمية الصلبة ذاتها التي حكمت سنوات سابقة. بل تبدو اليوم أقرب إلى بنية قرار أكثر جماعية، وأكثر أمنية، وأقل شفافية، يتقدم داخلها مجلس الأمن القومي الأعلى بوصفه مركز الثقل العملي، بينما يزداد الوزن النسبي للحرس الثوري والشخصيات المرتبطة به، وتتراجع قدرة المؤسسات المنتخبة على المبادرة المستقلة. وقد وصفت تقارير حديثة هذا المشهد بأنه شبيه بجسم قيادي جماعي، تتداخل داخله المراكز والوظائف، مع بروز محمد باقر قاليباف بوصفه وجهًا تفاوضيًا وسياسيًا، وصعود شخصيات أمنية وحرسية مثل أحمد وحيدي ومحمد باقر ذو القدر داخل البنية الأكثر تأثيرًا.

تنطلق هذه المقالة من فرضية مفادها أن صناعة القرار في إيران اليوم لم تعد تُدار بالصيغة التقليدية التي تضع المرشد بوصفه مركزًا منفردًا ينسق بين المؤسسات، وإنما دخلت مرحلة انتقالية تقوم على تعدد مراكز القرار داخل إطار أمني جماعي تقوده مؤسسات وشخصيات أقرب إلى الحرس الثوري ومجلس الأمن القومي الأعلى، مع تراجع الوزن الفعلي للمؤسسات المدنية المنتخبة، وبقاء الشرعية النهائية مرتبطة بموقع المرشد لكن من دون احتكار كامل لآليات القرار اليومي.

أولًا: من مركزية المرشد إلى تعددية أمنية منضبطة

لفترة طويلة، أمكن فهم النظام الإيراني من خلال شخصية المرشد الأعلى بوصفه نقطة الارتكاز التي تدير التوازن بين المؤسسات المختلفة، وتحسم الخلافات حين تصل إلى حدودها القصوى. لكن الحرب الأخيرة أظهرت أن هذه الصيغة لم تعد تفسر وحدها ما يجري داخل النظام. فبعد مقتل علي خامنئي، ثم تولي مجتبى خامنئي المنصب في ظروف حرب واختفاء نسبي وغموض حول طريقة ممارسته للسلطة، برز فراغ نسبي في مركز القيادة الفردية المباشرة، جرى ملؤه عبر آلية أكثر جماعية. هذا لا يعني اختفاء موقع المرشد، فمجتبى خامنئي يتمتع بشرعية رسمية ناتجة عن قرار مجلس خبراء القيادة، ويُنظر إليه بوصفه صاحب الكلمة العليا على مستوى المبدأ. لكنه لا يبدو، حتى الآن، في موقع الأب من حيث القدرة الشخصية الراسخة على إدارة جميع خطوط القرار بصورة مباشرة ومعلنة.

هنا يظهر التحول الأهم: القرار في إيران لم يعد يمر ببساطة من قمة هرمية واضحة إلى بقية المؤسسات، وإنما بات يتحرك داخل شبكة أكثر كثافة من المراكز المتداخلة، تتقدم فيها المؤسسات الأمنية العليا. وقد ذكرت تقارير حديثة أن مجلس الأمن القومي الأعلى بات “في مركز السلطة الآن”، وأن الحرب عززت نفوذه بعد أن كان علي خامنئي نفسه قد بدأ يمنحه مزيدًا من الصلاحية حتى قبل مقتله. هذا يعني أننا لا نشهد انهيارًا للهيكل، وإنما إعادة ترتيب داخل الهيكل نفسه، حيث يتم تعويض ضعف المركز الفردي النسبي عبر تقوية هيئة جماعية تستطيع جمع العسكري والمدني والأمني والتفاوضي في آن واحد.

هذا التحول يمكن فهمه بوصفه انتقالًا من مركزية شخصية إلى تعددية أمنية منضبطة. أي أن إيران لا تتحول إلى نظام جماعي مفتوح تتساوى داخله المؤسسات، وإنما إلى صيغة تبقى فيها الكلمة العليا رمزيًا وشرعيًا للمرشد، بينما تنتقل الإدارة اليومية الحساسة إلى شبكة ضيقة من الفاعلين الأمنيين والسياسيين ذوي الصلة المباشرة بالحرس ومجلس الأمن القومي الأعلى. بهذا المعنى، فإن السلطة اليوم لا تتوزع بالتساوي، لكنها لم تعد أيضًا محتكرة بالكامل من مركز واحد ظاهر كما كان في الماضي. وهذا يفسر لماذا تبدو إيران قادرة على الاستمرار تحت الضغط، من دون أن تبدو شديدة الوضوح من حيث من يصدر القرار الأخير في كل ملف.

وتحت هذا العنوان تبرز فكرة فرعية مهمة: تداخل الصلاحيات بوصفه آلية بقاء لا علامة ضعف. كثير من القراءات الخارجية تميل إلى اعتبار الغموض في بنية القرار الإيرانية دليل ارتباك أو تفكك. لكن ما تكشفه التطورات الحديثة هو أن هذا التداخل جزء من تصميم النظام نفسه. فقد نقلت THE ASSOCIATED PRESS عن علي واعظ أن الفصائلية “مبنية في DNA النظام”، وأن تعدد مراكز القوة وتداخل السلطات كان أحد أسباب بقاء النظام بعد استهداف رأسه وقياداته العليا. هذا يعني أن غياب الوضوح الكامل ليس دائمًا عيبًا في بنية الحكم الإيرانية، بل قد يكون وسيلة لامتصاص الصدمات، ومنع شلل المؤسسة عند ضرب شخص أو مركز بعينه. بعبارة أخرى، الغموض في إيران ليس خللًا فقط، بل أداة حكم أيضًا.[1]

وهذا يفضي إلى نتيجة تحليلية مهمة: لم تعد دراسة صناعة القرار في إيران ممكنة عبر النصوص الدستورية وحدها، ولا عبر تتبع تسلسل هرمي رسمي كما لو أن المؤسسات تعمل ميكانيكيًا. فالحرب كشفت أن الدولة الإيرانية تحمل داخلها بنية مرنة نسبيًا لإعادة توزيع الصلاحيات عند الأزمات الكبرى. صحيح أن هذه المرونة ترفع درجة التداخل والضبابية، لكنها تمنح النظام قدرة أعلى على البقاء، خصوصًا في لحظات الانتقال القيادي أو الحرب. ومن ثم، فإن السؤال “من يحكم إيران؟” أصبح أقل فائدة من سؤال “كيف تتوزع سلطة القرار بين مراكز مترابطة ومتنافسة داخل سقف أمني واحد؟”

ثانيًا: مجلس الأمن القومي الأعلى بوصفه غرفة القرار الجديدة

إذا كان التحول العام يتمثل في انتقال القرار من مركزية فردية إلى تعددية أمنية، فإن المؤسسة التي تجسد هذا التحول أكثر من غيرها هي مجلس الأمن القومي الأعلى. فهذه الهيئة لم تعد تبدو مجرد إطار تنسيق بيروقراطي بين المؤسسات، بل تحولت عمليًا إلى غرفة القرار الأكثر حساسية، حيث تتقاطع ملفات الحرب والتفاوض والأمن الداخلي والخلافة والترتيب المؤسسي. وقد أشارت تقارير حديثة بوضوح إلى أن المجلس بات في مركز السلطة الفعلية بعد الحرب، وأنه يضم كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، مع تعزز نفوذ التيار الأمني داخله خلال الأزمة.

تكمن قوة المجلس في تركيبته ووظيفته معًا. فهو يجمع الرئاسة، وممثل المرشد، وقيادات الحرس، والمؤسسات التنفيذية، في مكان واحد، بما يسمح بدمج القرار العسكري والتفاوضي والاستراتيجي. لكن الحرب غيرت ميزان القوى داخل هذه المنصة نفسها. فبينما تبقى الرئاسة حاضرة شكليًا، ازدادت كثافة الحضور الحرسـي والأمني، وصعدت شخصيات متشددة أو ذات خلفية حرسية إلى مواقع مركزية، من بينها أحمد وحيدي ومحمد باقر ذو القدر. والأخير عُيّن أمينًا للمجلس في 24 مارس 2026 خلفًا لعلي لاريجاني الذي قُتل في غارة إسرائيلية، وهو تطور مهم لأنه يربط الأمانة التنفيذية للمجلس مباشرة بشخصية عسكرية-أمنية ثقيلة ذات صلات عميقة بالحرس والدولة الأمنية.

هذا الصعود يجعل المجلس أقرب إلى “منصة دمج” بين الدولة الرسمية والدولة الأمنية. لم يعد ينسق فقط بين مؤسسات موجودة سلفًا، بل بات هو الإطار الذي تتجمع داخله خيوط القرار الكبرى، خصوصًا عندما تتعلق بالتفاوض مع الولايات المتحدة، أو بإدارة الحرب، أو بموقع المضائق، أو بإعادة بناء الأجهزة العسكرية. وتؤكد خطوة تأسيس “مجلس الدفاع الوطني الأعلى” بعد حرب يونيو 2026، بقرار من مجلس الأمن القومي الأعلى نفسه، أن المؤسسة الأمنية لا تكتفي بإدارة الأزمة، بل تعيد أيضًا إنتاج أدوات مؤسسية جديدة داخل الدولة لتثبيت أولوية المنظور الدفاعي والعسكري في مرحلة ما بعد الحرب.

وتحت هذا المحور تظهر أهمية قاليباف كعقدة وصل بين الحرس والدولة. فمحمد باقر قاليباف لا يبرز هنا كشخصية فردية فقط، وإنما كنموذج لصانع القرار الإيراني الجديد. الرجل يحمل خلفية حرسية، وخبرة تنفيذية، وعلاقات ممتدة داخل الدولة ومؤسساتها، وقدرة على التحرك بين المعسكرات المختلفة. وقد وصفت تقارير حديثة قاليباف بأنه الوجه الأبرز للمجلس ورئيس المفاوضين مع الولايات المتحدة، كما نقلت THE ASSOCIATED PRESS عن محللين أنه الأقدر على جسر الانقسامات بين الفصائل، بحكم رصيده داخل الحرس، وعلاقاته بالمحافظين، والدعم الذي بات يحظى به أيضًا من إصلاحيين ووسطيين في سياق الحرب والتفاوض. هذا يضعه في موقع وسيط بين “الشرعية المؤسسية” و”القدرة الأمنية”، وبين الخطاب البراغماتي والحاجة إلى تثبيت قرار يمكن للدولة والحرس معًا احتماله وتنفيذه.[2]

وهنا تتضح دلالة المجلس بصورة أعمق. فوجود قاليباف على واجهته، بدلًا من أن يكون الرئيس هو الوجه الطبيعي الأول للقرار، يعكس أن إيران لم تعد تدير ملفاتها الكبرى عبر الترتيب الدستوري الشكلي وحده. فالقرار لم ينتقل إلى شخصية جديدة بعينها، وإنما إلى ساحة مؤسسية مغلقة نسبيًا، يبرز داخلها من يستطيع الجمع بين الرصيد الأمني والقبول السياسي والقدرة التنفيذية. ومن ثم، فإن مجلس الأمن القومي الأعلى لا يمثل فقط إعادة تموضع لمؤسسة، بل يعبر عن منطق حكم جديد نسبيًا: الجماعية المنضبطة تحت سقف أمني.

ثالثًا: صعود الحرس الثوري من أداة تنفيذ إلى شريك مقرِّر

القول إن الحرس الثوري أصبح مؤثرًا في القرار الإيراني لم يعد كافيًا، لأنه كان مؤثرًا أصلًا منذ سنوات طويلة. الجديد اليوم أن الحرس لم يعد مجرد المؤسسة الأكثر نفوذًا أو الجهاز التنفيذي الأقوى، بل بات شريكًا مباشرًا في صناعة القرار السيادي ذاته. أي أن دوره لم يعد يقتصر على تنفيذ ما يُقرر فوقه، أو على التأثير من الخارج عبر الضغط غير الرسمي، بل أصبح مدمجًا في آليات إنتاج القرار نفسه من خلال الشخصيات، والمؤسسات، والفيتوهات، والأدوات التي لا يمكن تجاوزها.

يمكن تفكيك هذا الدور إلى ثلاثة مستويات: المستوى الأول أن الحرس هو الحارس العقائدي للنظام، فهو لا يمثل مجرد مؤسسة عسكرية، بل حاملًا لرؤية الدولة والأمن والثورة، وفاعلًا يعتبر نفسه مسؤولًا عن حماية جوهر النظام لا حدود الدولة فقط. المستوى الثاني أنه المنفذ الاستراتيجي للسياسات العليا، لأنه يمتلك القوة الصاروخية، والبحرية اللامتماثلة، والشبكات الإقليمية، وأدوات الردع غير التقليدي، ما يجعل أي قرار كبير في السياسة الخارجية أو الأمنية غير قابل للتطبيق من دونه. أما المستوى الثالث، فهو أنه يمارس فيتو مؤسسيًا غير معلن: أي أن أي تفاوض كبير، أو تسوية خارجية، أو انفتاح حساس، لا يمكن أن يستقر أو يُنفذ إذا اصطدم برفض حرسـي صلب. وهذا ما يجعل الحرس شريكًا في تحديد السقف، لا مجرد منفذ ضمنه.

وتعطي أزمة مضيق هرمز مثالًا دقيقًا على هذا التحول. فقد أشارت تقارير THE ASSOCIATED PRESS إلى أن وزير الخارجية عباس عراقجي أعلن فتح المضيق أمام الملاحة التجارية ضمن تفاهم وقف إطلاق النار، قبل أن تعلن المؤسسة العسكرية بعد ساعات إعادة إغلاقه ردًا على الحصار الأميركي. ثم جاءت انتقادات من وكالة تسنيم المقربة من الحرس، معتبرة أن الموقف بشأن المضيق يجب أن يصدر عن مجلس الأمن القومي الأعلى لا عن الخارجية وحدها. هذا المثال لا يكشف فقط خلافًا تكتيكيًا، بل يعرض بنية القرار نفسها: السياسة الخارجية في إيران لم تعد مجالًا تتحكم به وزارة الخارجية بوصفها مؤسسة اختصاص، وإنما فضاءً يتقاطع فيه التفاوض مع الأمن العسكري، والحرس مع المجلس، والدبلوماسية مع اعتبارات الردع. وبذلك، يصبح الحرس جزءًا من تعريف القرار، لا فقط من تنفيذه.[3]

وتحت هذا المحور تظهر فكرة التوازن بين المؤسسات إلى اختلال الميزان لمصلحة الأمن. فالرئاسة والحكومة ما تزالان موجودتين، والمؤسسات المدنية لم تختفِ شكليًا، لكن القدرة على احتكار المبادرة انتقلت بعيدًا عنهما. صعود أمين أمن قومي ذي خلفية حرسية، ووجود أحمد وحيدي وذو القدر ضمن النواة المؤثرة، وبروز قاليباف لا الرئيس كواجهة التفاوض، كلها مؤشرات على أن الدولة المدنية في إيران باتت تؤدي دورًا إداريًا أو تغليفيًا أكثر من كونها مركزًا حقيقيًا لقرار الحرب والسلم. وهذا لا يعني أن الحرس يحكم وحده، بل يعني أن منطق الأمن أصبح المرجع الذي تُرتب داخله بقية المؤسسات.

ويزداد هذا التفسير قوة مع النقاشات الأميركية حول مستقبل القيادة العليا. فقد أشار Washington Institute إلى أن مجتبى خامنئي، بحكم صلاته القوية بالحرس، قد يتجه إلى خيارات أكثر تشددًا واعتمادًا على الردع غير المتكافئ إذا استقر موقعه، ما يعزز احتمال أن يصبح الحرس ليس فقط داعمًا للمرشد الجديد، بل الرافعة الأساسية لنمط القيادة المقبل. وفي هذه الحال، تصبح صناعة القرار الإيرانية أقل دقة على مستوى الفصل بين المؤسسة الدينية والمؤسسة العسكرية، وأكثر ميلًا إلى نموذج يقوده تحالف بين الشرعية العليا والحامل الأمني الفعلي لها.[4]

رابعًا: تراجع الرئاسة وصعود منطق البقاء النظامي

حتى يكتمل التحليل، لا يكفي أن نرصد من صعد، بل يجب أن نوضح من تراجع. والرئاسة هي أوضح المؤسسات التي تراجعت قدرتها الفعلية على التأثير في القرار الكبير. فمسعود پزشكيان ما يزال رئيسًا، وما يزال اسمه مرتبطًا رسميًا برئاسة مجلس الأمن القومي الأعلى وبعض المؤسسات الجديدة كـ“مجلس الدفاع الوطني الأعلى”، لكن المعطيات الحالية تشير إلى أن موقعه في صناعة القرار الكبرى محدود، خصوصًا في زمن الحرب والانتقال القيادي. وقد وصف Soufan Center البراغماتيين،[5] ومنهم پزشكيان، بأنهم “بلا قوة تقريبًا”، بينما أظهرت THE ASSOCIATED PRESS أن المجلس الذي يفترض أن الرئيس يرأسه اسميًا يضم في الواقع مراكز ثقل أشد تأثيرًا، مثل ممثل المرشد، وقيادات الحرس، ورئيس البرلمان.

هذا التراجع لا يعني غياب الرئاسة عن المشهد، بل يعني أن وظيفتها أعيد تعريفها داخل سقف أضيق. فهي قادرة على إدارة بعض ملفات الشأن التنفيذي، وربما المشاركة في إعطاء القرار صيغة مؤسساتية رسمية، لكنها لا تبدو قادرة على قيادة الخيارات الاستراتيجية أو فرض أجندة مستقلة في ملفات الحرب والتفاوض والخلافة. وهذا ينسجم مع التحول الأوسع الذي كشفته الحرب: المؤسسات المنتخبة لم تعد المرجع العملي الأول في القضايا الكبرى، بل صارت تعمل ضمن حدود يحددها منطق أمني أعلى. من هنا، يبدو الحديث عن “رئاسة إصلاحية” أو “رئاسة براغماتية” أقل أهمية من السؤال عن مدى سماح البنية الأمنية لها بالحركة.

وتحت هذا العنوان تبرز الفكرة الأكثر أهمية: القرار في إيران اليوم يُنتج وفق معيار بقاء النظام. فالحرب، والحصار، والضغط الاقتصادي، وخطر الاحتجاجات، جعلت معيار البقاء يتقدم على بقية المعايير الأيديولوجية والمؤسساتية. وقد نقلت THE ASSOCIATED PRESS  بوضوح أن أولوية القيادة تبقى البقاء، وأن التدهور الاقتصادي والضغط على التجارة النفطية يرفعان من قيمة أي صفقة أو تهدئة يمكن أن تخفف التهديد عن تماسك النظام الداخلي. كما نقلت عن علي واعظ قوله إن تخيل تقديم تنازل للغرب من أجل ضمان بقاء النظام أسهل من تخيل تقديم تنازل للشعب إذا كان ذلك يمس السيطرة الداخلية. هذه ملاحظة شديدة الأهمية لأنها تسمح بقراءة القرار الإيراني لا بوصفه أيديولوجيًا فقط، ولا أمنيًا فقط، بل بوصفه أيضًا “بقاءيًا”. أي أن كل خيار كبير يُقاس بالسؤال التالي: هل يحمي تماسك النظام أم يعرّضه للاهتزاز؟

ومن هنا تأتي أهمية البراغماتية بلا ليبرالية: فإيران قد تبدي مرونة تفاوضية، أو انفتاحًا تكتيكيًا، أو استعدادًا لتهدئة، لكن ذلك لا يعني صعود تيار إصلاحي بالمعنى المتعارف عليه، ولا يعكس بالضرورة مراجعة أيديولوجية عميقة. الأدق أن هذه البراغماتية قد تكون أداة بقاء يديرها النظام الأمني نفسه لشراء الوقت، وتخفيف العقوبات، ومنع الانفجار الاجتماعي، وإعادة ترتيب التوازنات الداخلية بعد الحرب. ولذلك، فإن أي ليونة في الخطاب أو التفاوض يجب ألا تُقرأ سريعًا بوصفها عودة إلى الاعتدال، بل بوصفها احتمالًا لتكتيك أمني عقلاني يخدم استمرارية الحكم.

بهذا المعنى، فإن تراجع الرئاسة لا يفتح المجال بالضرورة أمام هيمنة عقائدية صلبة لا تعرف البراغماتية، كما لا يعني انتصارًا لتيار تفاوضي مدني. ما يتقدم فعليًا هو نمط قرار أكثر انضباطًا حول هدف واحد: حماية النظام. وإذا احتاج هذا الهدف إلى تشدد، فسيُنتج تشددًا. وإذا احتاج إلى تفاوض، فسيُنتج تفاوضًا. لكن في الحالتين، المرجعية ليست صناديق الاقتراع ولا توازنات الحكومة، بل صيانة البقاء داخل دولة أمنية يعاد ترتيبها بعد الحرب.

خامسًا: الخلافة وإعادة تركيب السلطة العليا في إيران

لا يمكن فهم صناعة القرار في إيران اليوم من دون إدراج سؤال الخلافة داخل التحليل. فالحرب لم تقع في لحظة استقرار قيادي، بل تزامنت مع انتقال حاد في قمة النظام بعد مقتل علي خامنئي وتولي مجتبى خامنئي المنصب. وقد أشار تقرير CFR الصادر في فبراير 2026 إلى أن ملف الخلافة كان مفتوحًا أصلًا، وأن من بين السيناريوهات المحتملة انتقال إيران إلى صيغة أكثر سلطوية تتعاظم فيها مكانة العناصر العسكرية والأمنية بصورة رسمية أو شبه رسمية. بهذا المعنى، فإن الحرب لم تغيّر فقط توازن المؤسسات الموجودة، بل سرعت أيضًا اختبار شكل السلطة العليا المقبلة.[6]

هنا يمكن طرح ثلاث فرضيات فرعية: الأولى أن الترتيب الحالي مؤقت، وأن الجماعية الأمنية الراهنة مجرد آلية عبور إلى حين استقرار المرشد الجديد وقدرته على فرض موقعه الكامل. الثانية أن إيران تتجه فعلًا إلى نموذج مرشد أضعف ومؤسسات أمنية أقوى، بحيث تبقى الشرعية العليا دينية، لكن الإدارة الحقيقية تنتقل أكثر فأكثر إلى تحالف الحرس والمجلس والأجهزة العليا. الثالثة أن النظام قد يحافظ شكليًا على مركزية المرشد، لكنه عمليًا سيتحول إلى بنية قرار أكثر جماعية، حيث يصبح المجلس والحرس والمقربون من بيت القيادة جزءًا من القيادة اليومية لا مجرد معاونين لها. وكل واحدة من هذه الفرضيات تجد ما يسندها جزئيًا في التطورات الحالية، ما يجعل إيران اليوم أقرب إلى “معمل إعادة تركيب السلطة” منها إلى دولة عادت ببساطة إلى وضع ما قبل الحرب.

ويضيف موقع مجتبى خامنئي نفسه طبقة أخرى من التعقيد، فالرجل وصل إلى المنصب بقرار رسمي من مجلس الخبراء، ويملك صلات وثيقة بالحرس، لكنه يواجه أيضًا حساسية داخلية مرتبطة بفكرة التوريث، وانتقادات من شخصيات رأت في اختياره مظهرًا من مظاهر إعادة إنتاج السلطة داخل عائلة واحدة. هذا يفتح احتمال أن يعتمد أكثر على المؤسسة الأمنية لتعويض ما قد يفتقده من رسوخ شخصي أو قبول طبيعي مقارنًا بوالده. وإذا صح هذا التقدير، فإن الحرب والخلافة معًا تدفعان نحو تكوين صيغة حكم يكون فيها المرشد محتفظًا بالشرعية العليا، لكن مدعومًا أكثر من أي وقت مضى بتحالف أمني-مؤسسي كثيف.

ومن هنا، فإن سؤال “من يقرر الآن؟” لا يمكن فصله عن سؤال “أي نظام يتكون الآن؟”. فالمشهد الحالي قد لا يكون فقط إدارة أزمة حرب، بل أيضًا مقدمة لتثبيت نمط جديد في الحكم الإيراني، يتراجع فيه الفصل القديم نسبيًا بين المرشد، والحرس، والمجالس العليا، لصالح تكوين أكثر اندماجًا بين هذه المستويات. وإذا استمر هذا المسار، فإن دراسة إيران مستقبلًا ستحتاج إلى تجاوز ثنائية “المتشددين والإصلاحيين” لمصلحة قراءة أدق تتبع تحالفات الأمن، والخلافة، والشرعية، والمؤسسات العليا المغلقة.

الخاتمة: إيران اليوم بين الشرعية العليا والحكم الأمني الجماعي

ما تكشفه إيران بعد الحرب هو أن صناعة القرار لم تعد تُفهم من خلال الدستور وحده، ولا من خلال صورة المرشد وحدها، ولا من خلال ثنائية المتشددين والإصلاحيين كما كانت تُستخدم في كثير من الأدبيات السابقة. مركز الثقل انتقل إلى مكان آخر: إلى شبكة أمنية-سياسية أكثر جماعية، يتقدم فيها مجلس الأمن القومي الأعلى بوصفه غرفة القرار الأهم، ويتعاظم فيها دور الحرس الثوري بوصفه شريكًا مقررًا، وتتراجع فيها قدرة الرئاسة على المبادرة المستقلة، بينما يبقى معيار بقاء النظام هو المرجع العملي الذي يربط بين الحرب، والتفاوض، والخلافة، وإدارة الداخل.

إيران لا تبدو اليوم أمام تفكك مباشر في السلطة، لكنها ليست أيضًا أمام عودة بسيطة إلى ما قبل الحرب. الأدق أننا أمام انتقال من مركزية شخصية إلى أوليغارشية أمنية منضبطة؛ أي حكم تتوزع فيه السلطة بين مؤسسات وشخصيات متداخلة، مع احتفاظ المرشد بالشرعية العليا، لكن من دون احتكار كامل لعملية القرار اليومي. ولهذا، فإن فهم إيران في هذه المرحلة يتطلب الانتقال من سؤال “من هو الرجل الأقوى؟” إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف تُنتج القرارات داخل دولة أعادت الحرب وصل الأمن بالخلافة، وربطت التفاوض بالبقاء، ودفعت المؤسسة العسكرية من هامش التأثير إلى قلب الحكم؟ هذا هو التحول الحقيقي الذي يحدد إيران الآن، والذي سيحدد على الأرجح مسارها الإقليمي في المرحلة المقبلة.


[1] https://apnews.com/article/iran-us-war-leadership-24061a2a22ea5d74d3df89149ebcc3da

[2] https://apnews.com/article/iran-us-war-leadership-24061a2a22ea5d74d3df89149ebcc3da

[3] https://apnews.com/article/iran-us-war-leadership-24061a2a22ea5d74d3df89149ebcc3da

[4] https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/what-kind-supreme-leader-would-mojtaba-khamenei-be

[5] https://thesoufancenter.org/intelbrief-2026-march-26/

[6] https://www.cfr.org/reports/leadership-transition-in-iran

زر الذهاب إلى الأعلى