جغرافية المرجعيات: هكذا بنت إيران مجالها السياسي من قصر شيرين إلى الحوزة

حارث أبو بديوي

النفوذ الإيراني المعاصر ليس ثمرةً متأخرة للثورة الإسلامية سنة 1979. وليس من الإنصاف التحليلي، كذلك، أن يُرَدَّ كلُّه، على نحوٍ سطحي ومبسّط، إلى أصلٍ صفويٍّ قديم، كأن التاريخ الإيراني لم يعرف الانقطاعات والالتواءات والتحولات العميقة.
إيران، كما تفسّر محطات عديدة في تاريخها، راكمت، عبر القرون، طبقاتٍ من المجال السياسي والمرجعي؛ بدأت أولًا من جغرافية الترسيم الإمبراطوري في مواجهة العثمانيين، ثم انتقلت، ببطءٍ وتوترٍ وذكاء تاريخي، إلى، ما أسمّيه، هنا؛ “جغرافية المرجعيات الدينية”، قبل أن تحاول الجمهورية الإسلامية، في خاتمة هذا المسار الطويل، الجمع بين الجغرافيتين معًا، في صيغة واحدة؛ دولةٌ ذات حدود صلبة، ومرجعيةٌ ذات مشروع يتجاوز الحدود.

بهذا الفهم، لا تبدأ الحكاية الإيرانية الحديثة من طهران، بل من خطٍّ ممتدٍّ من “قصر شيرين” إلى النجف ثم إلى قم.

وهنا، تجدر العودة الى إتفاقية “قصر شيرين” او “زهاب”، سنة 1639، بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية، والتي أنهت نحو مئة وخمسين سنة من الحروب المتقطعة بين الإمبراطوريتين، ورسّخت حدًّا سياسيًا، بقي، في خطوطه الكبرى، مؤثرًا في رسم العلاقة بين المجالين الإيراني والعثماني حتى الأزمنة الحديثة.
أما اتفاقات القرن التاسع عشر، وخصوصًا “أرضروم الثانية” سنة 1847، فهي تنتمي إلى سياق آخر، وإلى دولة أخرى داخل إيران، هي الدولة القاجارية،. وتعكس انتقال النزاع من لغة الإمبراطوريات إلى لغة الحدود والسيادة والتخوم، في زمن الدولة الحديثة.

وهذه ملاحظة، ليست مدرسية في التواريخ، لكنها، برأيي؛ المفتاح الأول لفهم الفكرة الإيرانية ذاتها؛ ففي قصر شيرين تعلّمت إيران كيف تحجز لنفسها مكانًا ثابتًا على الخريطة، قبل أن تتعلم لاحقًا كيف تسعى إلى حجز مكانٍ مماثل في خريطة الشرعية.

ومع ذلك، لا بد من حذرٍ منهجي في التعامل مع بعض القراءات المنفعلة التي تمنح معاهدة قصر شيرين أكثر مما تسمح به وثائقها. فالمصادر المرجعية المتاحة لا تؤيد القول بأن المعاهدة تضمنت نصًا صريحًا ومعلنًا يجعل السلطان العثماني وليَّ أمر المسلمين السنة في العالم، ويجعل الشاه الصفوي وليَّ أمر الشيعة فيه..!
هذه القراءة، وإن كانت مغرية سياسيًا، لكنها، بحسب من وجهة نظر موضوعية، أقرب إلى تأويل سياسي لاحق منها إلى بند قانوني ثابت في نص المعاهدة ذاته. والأدق أن يقال إن قصر شيرين كرّست توازنًا طويل الأمد بين قوّتين إمبراطوريتين لكل منهما هوية مذهبية متميزة، فنتج عنها عمليًا ما يشبه الاعتراف الضمني بمجالي نفوذ متقابلين داخل دار الإسلام، بشقّيه السنيّ والشيعي.
ومن هنا، فإن قصر شيرين لم تكن وثيقةً صريحة لتوزيع الوصاية على السنة والشيعة. لكنها كانت، من دون شك، العتبة التي استقرت عندها جغرافيا الصراع الإمبراطوري السني-الشيعي في صيغته العثمانية-الصفوية.

هنا، تنفتح الفكرة الأعمق في هذا المسار كله؛ إذا كانت زهاب قد منحت إيران جغرافية الحدود، فإن القرون التالية دفعتها، بالتدريج، إلى ما يمكن تسميته بحق “جغرافية المرجعيات”. إذ، منذ العصر الصفوي، ترسّخت إيران بوصفها الدولة الشيعية الكبرى في العالم الإسلامي. لكن، هذا لم يكن يعني، بحال، أن المرجعية الشيعية العليا كانت إيرانية المركز. على العكس، ظلّ الثقل الأهم للاجتهاد والتقليد والفتوى، طوال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، في النجف وكربلاء وسامراء، أي في الحواضر الشيعية العراقية.
ومن هنا، نشأت تلك المفارقة البنيوية التي ستلازم إيران طويلًا؛ كانت تملك الدولة، لكنها لا تملك المرجعية الأرفع؛ كانت هي الجسد السياسي الأكبر للتشيع، لكن قلبه المرجعي الأعلى ظلّ خارجها.
وهذا التوتر بالتحديد، هو الذي سيُنتج، تاليًا، الحاجة الإيرانية إلى استعادة مركز الشرعية الدينية إلى داخل المجال الوطني نفسه.

وليس ثمة لحظة تكشف هذا التوتر بوضوح أشد من ثورة التنباك 1891–1892. ففي تلك الواقعة، ظهر على نحو جليّ أن الكلمة الفقهية الحاسمة داخل المجال الإيراني لم تكن تصدر من داخل إيران.
كان ميرزا حسن الشيرازي، صاحب الفتوى الأشهر ضد امتياز التبغ، يقيم في سامراء، لا في قم ولا في طهران، ومع ذلك استطاعت فتواه أن تربك الدولة القاجارية، وأن تهزّ توازنات الاقتصاد والسياسة معًا.
وما تكشفه ثورة التنباك يتجاوز كثيرًا مسألة الامتياز الاقتصادي نفسه؛ فهي تُظهر أن جغرافية المرجعية كانت، في لحظات معينة، أبلغ أثرًا من جغرافية الدولة، وأن إيران، قبل أن تسعى إلى احتضان المرجعية داخلها، كانت تعيش تحت تأثير مرجعية عليا تقع خارجها، لكنها تتدخل في صميم شؤونها وتفرض إيقاعها على المجتمع والسلطة.

ثم جاءت “الثورة المشروطة” لتمنح هذا المسار بعدًا دستوريًا بالغ العمق. ففي المتمم الدستوري لسنة 1907 أُُدرج النصُ الشهير الذي يقضي بتشكيل هيئة من خمسة مجتهدين أو أكثر للنظر في مدى توافق القوانين مع الشريعة الإسلامية، بما يشكل مفهوم “الفيتو” الشرعي الذي يتيح لرجال الدين عمليًا ردّ ما يرونه مخالفًا لها.
هذه اللحظة لا ينبغي التعامل معها بوصفها مجرد تسوية عابرة أو تنازل تقني لصللح رجال الدين، بل باعتبارها تحولًا بنيويًا في مفهوم الدولة الإيرانية الحديثة؛ فمنذ ذلك الحين، لم يعد الفقيه مجرد سلطة أخلاقية أو اجتماعية خارج الدولة، بل صار مضمرًا داخل هندستها الدستورية نفسها.
صحيح، أن هذه الصيغة ليست بعدُ “ولاية الفقيه” بالمعنى الذي ستنتجه الجمهورية الخمينية لاحقًا. لكنها كانت، من دون شك، أول إدخال مؤسّسي واضح للفقيه إلى صميم الشرعية التشريعية.
وهنا، في هذا الموضع بالذات، يمكن رؤية البذرة البعيدة لفكرة أن الدولة لا تكتمل، في المخيال الشيعي الإيراني، من دون آليةٍ ما تربط القانون بالفقه، والسياسة بالشرع، والسيادة برقابة العلماء.

وفي هذا المفصل التاريخي بالذات، تبرز قم أكثر من مجرد مدينة، بل بوصفها قدرًا جغرافيًا وروحيًا أخذ يتشكل على مهل، حتى صار في النهاية أحد المفاتيح الكبرى لفهم إيران الحديثة.
مدينة قُم لم تولد عاصمةً للمرجعية، ولم تكن منذ نشأتها المدينة الأولى في العالم الشيعي. هي مدينة قديمة الجذور، ذات طبقات سابقة للإسلام، لكنها اكتسبت معناها الخاص حين دخلتها السيدة فاطمة المعصومة، أخت الإمام علي الرضا، وهي في طريقها إلى خراسان لزيارة أخيها في أوائل القرن التاسع الميلادي، لولا أن أدركها المرض في الطريق، وعلى تخوم قرية غير بعيدة عن طريق القوافل. ولم تلبث تلك السيدة أن وافتها المنية هناك، ودُفنت في هذه البقعة التي كانت، آنذاك،ىموضعًا على هامش الجغرافيا الكبيرة.
منذ تلك اللحظة، بدأ التحول الذي يصعب اختزاله بلغة السياسة وحدها؛ رحلة لم تكمل طريقها، ومرض في الطريق، وموت بعيد عن المقصد، وقبر في الأطراف؛ ثم ما لبث هذا القبر أن صار مقامًا، وهذا المقام أن صار مزارًا، وهذا المزار أن صار خزّانًا للحنين الشيعي والزيارة والقداسة.
هكذا، بدأت قم من الأثر الروحي والعاطفي قبل أن تصير حاضرةً للسلطة.

ولعل ما يجعل قصة قم آسرةً إلى هذا الحدّ، أنها لم تُبنَ دفعةً واحدة، بل تكوّنت على مهل، كما تتكون المدن التي يصنعها الإيمان أكثر مما يصنعها التخطيط. فقد أدى قبر السيدة “المعصومة”، عبر القرون، إلى تراكم قداسة، تحولت بالتدريج إلى مخزون معنوي أخذ ينمو، لا سيما في العهدين الصفوي والقاجاري.
وهكذا أصبحت قم، شيئًا فشيئًا، أكثر من قرية ضريح أو محطة زيارة؛ بل صارت فضاءً يلتقي فيه الحزن الشيعي، والذاكرة العائلية لأهل البيت، والشعور الإيراني بالحاجة إلى داخلٍ مقدس يوازن النجف ولا يلغيها.
وهنا، تجدر الإشارة إلى أن النجف، كانت طيلة زمن طويل، هي علوّ المرجعية وامتدادها التاريخي العابر للدولة؛ أما قم فكانت تتكون، بصبر القرون، لتصبح الجواب الإيراني عن ذلك العلوّ، أو على الأقل المرشح الأبرز لمنازلته داخل الجغرافيا الإيرانية نفسها.

غير أن من الضروري هنا التمييز بين قداسة قم ومرجعية قم. فالمدينة قديمة روحيًا، لكن حوزتها الحديثة، التي جعلت منها منافسًا حقيقيًا للنجف، لم تتبلور إلا مع انتقال عبد الكريم الحائري اليزدي إليها سنة 1922. ولننتبه، هنا، إلى أن هذه السنة بالذات مثّلت لحظة تأسيس كبرى؛ إذ تشير المصادر إلى أن الحائري إنما قصد قم أولًا زائرًا لمشهد فاطمة المعصومة، غير أن وصوله عومل بوصفه حدثًا كبيرًا من قبل علماء المدينة وأهلها. ومن هناك بدأ التحول الفعلي من “مدينة المقام” إلى مدينة المؤسسة العلمية.
ومع الحائري بدأت قم تتشكل بوصفها حوزة منظمة، قادرة على إنتاج طبقة واسعة من العلماء داخل إيران نفسها.
ومن هنا بالذات نشأ الاحتمال التاريخي الذي سيهزّ التكوين الإيراني كله لاحقًا؛ أن يصبح المركز المرجعي الشيعي الكبير داخل حدود الدولة الإيرانية، لا خارجها.
ثم يدخل العهد البهلوي ليمنح هذا المسار بُعده الصدامي الحاسم. فالقائد الفارسي الطموح رضا خان، الذي سيصبح لاحقًا رضا شاه بهلوي، كان رجلًا صاعدًا من المؤسسة العسكرية، وقد قورن، غير مرة، بالنموذج الكمالي التركي من حيث النزعة إلى بناء دولة مركزية قوية، وتحديث المجتمع من أعلى، وتقليص أدوار الوسائط التقليدية.
وكان ضابطًا في الجيش الإيراني، صعد بعد انقلاب 1921، ثم صار رئيسًا للوزراء، قبل أن ينتخبه البرلمان شاهًا سنة 1925. وهذا المسار نفسه يكشف أن الدولة البهلوية الأولى لم تولد من تطورٍ طبيعي داخل المجتمع، بل من إرادة صلبة لإعادة تشكيله بقوة الدولة. كما أن مشروعه الجمهوري في عشرينيات القرن العشرين، وإن لم يكتمل، يكشف حجم تأثره بالنماذج الحديثة الصاعدة في المنطقة، لكنه يكشف، في الوقت نفسه، أن بناء الدولة في إيران لم يكن ممكنًا حتى في أكثر صوره العسكرية والفوقية، دون حساب أثر العلماء وموقع المرجعية في بنية الشرعية الاجتماعية والسياسية.

غير أن رضا شاه، هذا، وبعد أن استقر له الحكم، دخل في أكثر أطوار التحديث السلطوي قسوةً تجاه المؤسسة الدينية والمجتمع التقليدي. إذ مضى في المركزية الصارمة، وفي إعادة تشكيل التعليم والقضاء والإدارة، وبلغ ذروة صدامه الرمزي مع الحقل الديني في سياسات منع ارتداء الحجاب التي بلغت ذروتها في الثلاثينيات.
والمغزى هنا، لا يقتصر على الحجاب باعتباره مجرد لباس شرعي أو تقليدي، بل كونه تحول إلى ساحة اشتباك على فكرة الدولة نفسها؛ هل الدولة وارثةٌ للتقاليد أم قاطعةٌ معها؟ هل هي وصيّة على المجتمع أم شريكة له؟
وفي هذا السياق، تكتسب حادثة الشيخ محمد تقي بافقي في قم مكانتها الرمزية العميقة. إذ كان بافقي معروفًا بمعارضته الصريحة لرضا شاه، وصار اسمه لصيقًا بواحدة من أشهر لحظات الصدام بين البلاط والحوزة في قم. وكانت الرسالة في جوهرها حازمة. ومفادها إن الدولة الحديثة لا تريد فقط تنظيم الدين، بل إخضاعه وإعادة تعريف حدوده.

لكن التاريخ الإيراني لا يسير في خطوط مستقيمة، بل كثيرًا ما يتحرك بالمفارقة. فـقم التي ضُربت في عهد الأب، ازدهرت في عهد الابن. وكان التحول المهم بعد إبعاد رضا شاه سنة 1941، وصعود نجله محمد رضا شاه بهلوي إلى العرش، حيث تبدّل المناخ السياسي نسبيًا، واستعادت المؤسسة الدينية بعض هوامش الحركة، وأتيح لقُم أن تنمو في ظل فضاء أقل قمعًا من عهد الأب.
وهنا، يبرز اسم السيد حسين البروجردي بوصفه الشخصية التي رفعت قم من مركز محترم إلى مركز مرجعي فائق الثقل. وفي هذا الطور اتسعت الشبكات العلمية والمالية والتعليمية للمدينة، وصارت أكثر قدرة على اجتذاب الطلبة والرمزية من داخل إيران وخارجها.
ومن ثم، فإن القول: إن الازدهار الحقيقي الحديث لمرجعية قم وقع في عهد محمد رضا شاه قول وجيه تاريخيًا، شرط أن يُفهم باعتباره نتيجة تفاعل بين حاجة الدولة إلى تمركز المرجعية داخل إيران، وحاجة الحوزة إلى فضاء أقل بطشًا وأكثر قابلية للنموّ.

ومن هنا، تبرز الفكرة الدقيقة، التي تفرض نفسها على متن النقاش، حول محاولة إيران الشاه إضعاف النجف عبر تقوية قم.
صحيح أن المصادر التي راجعتُها لا تقدم، بصيغة مباشرة، وثيقةً رسمية تقول إن الشاه اتخذ قرارًا صريحًا بهذا العنوان، لكن القراءة السياسية للمسار تسمح بقول قوي ومقنع؛ إن صعود مرجعية كبرى في قم كان يخدم الدولة الإيرانية موضوعيًا، لأنه جاء ليخفف من اعتماد المجال الديني الإيراني على مركز مرجعي أعلى يقع خارج الحدود، في العراق.
وبعبارة أخرى، فإن تمركز المرجعية داخل إيران لم يكن مجرد تطور ديني، بل كان أيضًا مكسبًا سياديًا للدولة، حتى إن لم يُصَغ في مرسوم معلن. وكلما قويت قم، اقتربت إيران من تجاوز تلك المفارقة القديمة التي عاشتها طويلًا؛ دولة شيعية كبرى، لكن مرجعيتها العليا خارجة عنها.

غير أن هذه القوة التي نمت في قم لم تبقَ، للمفارقة، في خدمة النظام الملكي طويلًا. فحين أطلق محمد رضا شاه الثورة البيضاء سنة 1963، وهي حزمة واسعة من الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، شملت الإصلاح الزراعي، وتوسيع المشاركة السياسية، ومنح النساء حق التصويت، انفجرت من داخل قم نفسها معارضة دينية حادة.
كانت الثورة البيضاء “برنامج تحديث عنيف الإيقاع قلب التوازنات الاجتماعية والريفية والسياسية”.
وحدث أن تزامنت الثورة البيضاء مع صعود نجم مجتهد جديد، هو روح الله الخميني، الذي كان من أبرز من هاجموا هذه الإصلاحات من داخل الحوزة القمية، حيث مثلت معارضته لإصلاحات الشاه، سنة 1963 لحظة فاصلة في صعوده السياسي.
وهنا تتجلى المفارقة التاريخية، فالحوزة التي ازدهرت، في جانب من جوانبها، داخل مناخ عهد محمد رضا، بدأت تنتج من قلبها القوة التي ستقلب عرشه نفسه.
ومن هذه النقطة، تنقلب المعادلة كلها. فالنجف، في صورتها الغالبة تاريخيًا، بقيت أميل إلى التحفظ والاحتراز من الاستيلاء المباشر على الدولة، حتى وهي تمارس تأثيرًا بالغًا في المجتمع والسياسة من خارج السلطة التنفيذية.
أما قم الخمينية، فقد دفعت الفكرة إلى أقصاها؛ لم يعد الفقيه مرشدًا أخلاقيًا، ولا مجرد رقيب دستوري، ولا حتى مرجعًا عابرًا للحدود، بل صار مؤسسًا لشرعية الدولة نفسها.
وهنا فقط تكتمل، بالمعنى العميق، جغرافية المرجعيات الإيرانية؛ من قصر شيرين التي ثبّتت حدًّا سياسيًا، إلى النجف التي احتفظت طويلًا بعلوّ المرجعية، إلى قم التي أعادت توطين هذه المرجعية داخل إيران، ثم إلى الجمهورية الإسلامية التي سعت، لأول مرة بهذا الوضوح، إلى احتكار الحدّ والمرجع معًا.

بهذه القراءة، لا تبدو إيران الحديثة انتقالًا فجًا من الصفويين إلى الخميني، بل مسارًا بطيئًا، كثيف الطبقات، عميق الدلالات. في الطبقة الأولى، ثبّتت قصر شيرين الحيّز الإمبراطوري في مواجهة العثمانيين. وفي الطبقة الثانية، عاشت إيران التناقض بين كونها الدولة الشيعية الكبرى وبين بقاء المرجعية العليا خارجها، في النجف وسامراء. وفي الطبقة الثالثة، بدأت قم، منذ دفن المعصومة فيها، ثم منذ حوزة الحائري، ثم ازدهارها في عهد محمد رضا شاه، تصوغ بديلًا إيرانيًا عن هذه المفارقة. ثم جاءت الثورة الخمينية لتجعل من هذا البديل مبدأ حكم، لا مجرد احتمال تاريخي. وهكذا، أصبحت قم أكثر من مدينة ضريح، وأكثر من حوزة، وأكثر من رمز تعبدي. صارت العقدة التي التقت فيها القداسة والفقه والسيادة والجيوسياسة في بنية واحدة.

ومن ثم، فإن الوصف الأدق للفكرة الإيرانية ليس أنها مجرد “مشروع صفوي متواصل”، ولا أنها فقط “نتاج ثوري حديث”، بل إنها رحلة طويلة من جغرافية الترسيم إلى جغرافية المرجعيات.
في قصر شيرين حجزت إيران مكانًا على الخريطة. وفي النجف واجهت الحقيقة القاسية؛ حيث روح التشيع الأعلى خارج جسد الدولة الإيرانية. وفي قم بدأت محاولة استعادة هذه الروح إلى الداخل الإيراني، بوصفها بنية سلطة. ثم جاءت الجمهورية الإسلامية لتقول، بالفعل لا بالشعار وحده، إن إيران لا تريد أن تكون دولة ذات حدود فحسب، بل دولةً ذات مرجعية، ومرجعيةً ذات دولة.

زر الذهاب إلى الأعلى