الفاشر بين تصعيد الدعم السريع ومحاولات الهدنة الدولية

منذ اندلاع المواجهات المسلحة في أبريل/نيسان 2023، دخل السودان مرحلة من الصراع المفتوح بين الجيش وقوات الدعم السريع، وهو صراع تجاوز كونه خلافًا بين قيادتين عسكريتين ليظهر أزمة أعمق تتعلق ببنية الدولة السودانية نفسها، فالمواجهة التي بدأت في الخرطوم سرعان ما امتدت إلى أقاليم متعددة، لا سيما دارفور وكردفان، ما حوّلها إلى حرب متعددة الجبهات تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الانقسامات السياسية.

و مع إدراج خبراء تابعين للأمم المتحدة[1] الانتهاكات الجارية في دارفور ضمن توصيف قد يرقى إلى إبادة جماعية أعاد وضع مدينة الفاشر في مركز النقاش الدولي، هذا التطور يمنح ما يجري أبعادًا سياسية تتجاوز الإطار المحلي، ومع تصاعد العمليات العسكرية، وارتفاع كلفة النزوح والضحايا المدنيين، وتزايد المخاوف من انعكاسات عدم الاستقرار على الإقليم، بات ملف الفاشر حاضرًا على طاولة مجلس الأمن حيث يناقش مجلس الأمن مسألة هدنة إنسانية[2] باعتباره محاولة لاحتواء التداعيات ومنع اتساع نطاق الصراع، ويضع الصراع تحت رقابة دولية متزايدة.

تقع مدينة الفاشر في شمال إقليم دارفور غرب السودان، وهي عاصمة ولاية شمال دارفور وتضم مقر الفرقة السادسة مشاة[3] التابعة للجيش السوداني، ما يمنحها ثقلًا عسكريًا مباشرًا داخل الإقليم، كما تشكل المدينة نقطة تقاطع لطرق برية تربط دارفور بليبيا وتشاد من جهة، وبوسط السودان من جهة أخرى[4]، الأمر الذي يجعلها عقدة لوجستية حيوية لحركة الإمدادات والتجارة والعمل الإنساني. وتشير تقارير دولية إلى أن محيط دارفور يشهد نشاطًا واسعًا في قطاع تعدين الذهب، الذي أصبح أحد موارد اقتصاد الحرب في السنوات الأخيرة؛ ففي ظل الصراع الحالي، تحول الذهب من مورد اقتصادي إلى أداة تمويل مباشرة للمجهود العسكري؛ إذ تعتمد كل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع على عائداته في تمويل العمليات. وتشير تقارير إلى أن إنتاج الذهب في مناطق سيطرة الجيش يدرّ ما يقارب 150 مليون دولار شهريًا، فيما يُقدَّر أن قوات الدعم السريع أنتجت نحو 240 طنًا من الذهب خلال الفترة بين 2015 و2022، إلا أن ما يزيد على 70% من الإنتاج يُعتقد أنه يُهرَّب خارج القنوات الرسمية. كذلك فقد السودان نحو 20% من احتياطيات الذهب لدى البنك المركزي بعد اقتحام مقره خلال الحرب، ما فاقم اضطرابات سوق العملات[5].

في هذا السياق، لا تنبع أهمية الفاشر من موقعها الإداري أو العسكري فحسب إنما من كونها مساحة اختبار لعلاقة القوة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع؛ فالسيطرة على الإمدادات وحركة السكان، وإمكانية التأثير في الوصول الإنساني، تعني امتلاك أدوات ضغط تفاوضي فعلية، ومن ثمّ، فإن السيطرة على المدينة ليست هدفًا رمزيًا بلا معنى ، بل ورقة سياسية تُترجم ميدانيًا إلى شرعية لأمر واقع، من يسيطر على الأرض يملك القدرة على فرض شروطه السياسية، ومن يفرض شروطه يقترب من إعادة صياغة شكل الدولة، لذلك يرتبط التصعيد الجاري بحسابات تتصل بمستقبل توزيع السلطة في السودان وبموقع كل فاعل مسلح في ترتيبات ما بعد الحرب.

في هذا السياق، يطرح المقال سؤالًا يتعلق بدوافع التصعيد في الفاشر، وكيف تتقاطع جهود الهدنة الدولية مع بنية صراع تتوزع فيه القوة بين فاعلين متعددين داخل الدولة. 

مِن أداة للنظام إلى فاعل مستقل

لربما يقتضي فهم هذه التطورات العودة إلى المسار الذي تشكل منذ وصول عمر البشير إلى السلطة عام 1989م عبر انقلاب عسكري أطاح بحكومة الصادق المهدي، خلال سنوات حكمه، اعتمد النظام على تسليح تشكيلات محلية في دارفور عُرفت باسم الجنجويد[6]، قبل أن يمنحها عام 2013م صفة رسمية تحت اسم قوات الدعم السريع. أُلحقت هذه القوات بجهاز الأمن والمخابرات الوطني، وتولى قيادتها محمد حمدان دقلو المعروف “بحميدتي”. هذا الترتيب أوجد بنية أمنية متعددة المستويات، تتوزع فيها أدوات القوة بين الجيش وأجهزة الأمن وقوة شبه عسكرية ذات قيادة مستقلة نسبيًا. مع مرور الوقت، تبلور واقعً أصبحت فيه مراكز القرار الأمني موزعة بين أكثر من جهة.

في عام 2011، فقد السودان جنوبه بعد الإنفصال، الأمر الذي حَرَمَ البلاد من نحو 75٪ من احتياطيات النفط[7]، وهو ما شكل صدمة اقتصادية حادة؛ حيث أن انخفاض الإيرادات وتدهور الموارد المالية أدى إلى انهيار العملة المحلية وارتفاع التضخم، ما أثار غضبًا شعبيًا متناميًا ضد سياسات الحكومة الاقتصادية. تزامن هذا مع صدور مذكرة توقيف[8] من المحكمة الجنائية الدولية بحق عمر البشير بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، ما زاد من حدة الاستياء الشعبي وساهم في خلق بيئة مهيأة لاندلاع احتجاجات واسعة. هذه الغضب الشعبي بلغ ذروته في ثورة ديسمبر/كانون الأول 2018، حيث خرج السودانيون في احتجاجات جماهيرية طالبت بإسقاط النظام وإحداث تغيير شامل في بنية الحكم.

يمثل الجدول لمحة عامة عن الطاقة في جنوب السودان 2021[9]

وفي الوقت الذي كانت فيه الدولة تواجه أزمة اقتصادية عميقة، برزت قوات الدعم السريع كلاعب أساسي في السودان بعد مشاركتها في التحالف العسكري الذي قادته السعودية في اليمن ابتداءً من عام 2015 ويذكر انها تتلقى تمويلًا من السعودية والإمارات [10]من اجل القتال وتأمين الحدود ما وفر لها موارد ضخمة، الأمر الذي انعكس على نفوذها السياسي والعسكري، توسع هذا النفوذ ترافق مع تصاعد حضورها في المشهد الداخلي، ما أضاف عنصرًا جديدًا إلى معادلة السلطة.

هذه المواجهة لم تنشأ فجأة ففي المناطق التي تعاني من ضعف الدولة يُقاس الاستقلال المالي بقدرته على اتخاذ قرار سياسي وأمني خارج منظومة الدولة لا بقدرة الفاعل المسلح على دفع الرواتب أو شراء العتاد فحسب. ومع تراكم الموارد واتساع هامش الحركة، تحولت علاقة قوات الدعم السريع بالمؤسسات الرسمية تدريجيًا: من ذراع أمني يعمل ضمن ترتيب سلطوي محدد، إلى شريك يفاوض، ثم إلى طرف ينازع على موقع القيادة نفسه. سقوط عمر البشير عام 2019 أزال السقف الذي كان يضبط التوازن بين مراكز القوة، فخرج التنافس من إطاره المكتوم إلى المجال العلني.

هنا يصبح من المفيد استحضار مقاربة الفاعلين المسلحين غير الدوليين الدعم السريع لا يطابق النموذج الكلاسيكي للميليشيا الخارجة عن الدولة، ولا نموذج المؤسسة الرسمية المنضبطة بالكامل؛ إنه فاعل هجين: يستند إلى شرعية قانونية عندما منحه له البشير سابقًا، لكنه يبني نفوذه عبر موارد وتحالفات تتجاوز البنية المؤسسية. هذا النوع من الفاعلين لا يهدف فقط إلى التأثير في القرار السياسي، بل إلى امتلاك أدوات الحكم ذاتها: الأرض، الاقتصاد المحلي، الحركة، والعنف المشروع.

وفي الحرب الدائرة منذ2023 حيث انفجرت المواجهة العسكرية في الخرطوم بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، قبل أن تمتد سريعًا إلى أقاليم أخرى، خصوصًا دارفور وكردفان، لم يكن الأمر اشتباكًا محدودًا داخل العاصمة، هو لحظة كشفت خللًا عميقًا في بنية السلطة. فالسودان بحكم موقعه الجغرافي الرابط بين الساحل الأفريقي وشمال أفريقيا والقرن الأفريقي والبحر الأحمر[11]، لا يحتمل فراغًا طويلًا في مراكزه السيادية من دون أن تتجاوز ارتداداته حدوده. بالفعل، سرعان ما دخلت أطراف إقليمية ودولية على خط الأزمة، سواء عبر مواقف سياسية أو أدوار غير مباشرة، كلٌّ وفق حساباته الاستراتيجية: دعمت الإمارات العربية المتحدةقوات الدعم السريع [12]ماليًا لتعزيز نفوذها في دارفور وربط شبكات الموارد بالنشاط العسكري، اما مصر فدعمت الجيش السوداني دبلوماسيًا[13] وعسكريًا بشكل جزئي لضمان أمن حدودها والممرات الإقليمية، بينما ركزت الولايات المتحدة على الحد من تأثير النزاع على الاستقرار الإقليمي والأمني، بالإضافة إلى ذلك، كانت لدول الجوار مثل إثيوبيا تأثير مباشر على الحدود ومسارات النزوح.

الفاشر كساحة لإعادة توزيع السيادة

في هذا الإطار، تصبح الفاشر أكثر من جبهة عسكرية، السيطرة على الطرق والمنافذ الحيوية تعني التحكم في الإمدادات، وحركة السكان، والوصول الإنساني. هذه السيطرة تنتج سلطة فعلية تتجاوز الاعتراف الرسمي. السيادة، في معناها العملي، لا تُمارس عبر البيانات السياسية، بل عبر القدرة على تنظيم المجال المكاني. عندما تتمكن قوة مسلحة من تحديد من يدخل ومن يخرج، ومن يحصل على الإمداد ومن يُحرم منه، فإنها تمارس شكلًا من أشكال الحكم.

يعكس التنافس في الفاشر صراعًا على احتكار السيادة بوصفها قدرة فعلية على تنظيم المجال الجغرافي والتحكم بأدوات الإكراه حيث توزعت السيطرة خلال عامي 2024-2025 حيث يحتفظ الجيش السوداني بنحو 60٪ من المساحة الإجمالية للبلاد، متركزة في الشرق والشمال حيث توجد الموانئ والمنافذ الدولية ومؤسسات الاعتراف الرسمي، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على ما يقارب 40٪ من الأراضي، خاصة في دارفور وأجزاء من كردفان، وهي مناطق ترتبط بموارد اقتصادية ومسارات إمداد حيوية[14]

بهذا المعنى، لا ينقسم السودان إلى مناطق نفوذ فحسب، بل إلى نمطين من ممارسة السلطة سيادة رسمية مركزية مقابل سيادة ميدانية لامركزية. ويصبح الصراع في الفاشر تجسيدًا لهذا الانقسام، إذ تمثل المدينة نقطة تماس بين هذين الشكلين من السيطرة، حيث يسعى كل طرف إلى تحويل النفوذ الجغرافي إلى شرعية سياسية مستدامة، وهنا تتضح خطورة الوضع فلا يبدأ انهيار الدولة بفقدان العاصمة، بل بفقدان قدرتها على احتكار تنظيم المجال والسيطرة على أدوات الإكراه.

فالعنف في الفاشر لا يمكن اختزاله في كونه نتيجة جانبية للقتال في سياقات الصراع الممتد فيتحول العنف إلى وسيلة لإعادة تشكيل البيئة السياسية، والتهجير القسري يعيد توزيع السكان ويتجسّد ذلك بوضوح في التهجير القسري للسكان فقد نزح أكثر من 9.5 مليون شخص داخليًا[15] في السودان منذ بداية الحرب، وكان لدارفور وحدها نصيب كبير من هذه الحركة، مع تقديرات تفيد بأن أكثر من 800 ألف شخص أُفرِغوا من مناطقهم في الإقليم [16]، وبالتالي يعيد توزيع موازين القوة المحلية، فالمجتمعات التي تُفرَّغ من سكانها تفقد قدرتها على تشكيل ضغط سياسي أو عسكري. بهذا المعنى، يصبح التحكم الديمغرافي جزءًا من استراتيجية السيطرة.

كذلك، فإن انهيار الخدمات العامة لا يخلق فقط أزمة إنسانية، بل يُنتج فراغًا سياديًا يُعاد ملؤه من قبل الفاعلين المسلحين. في الفاشر وعموم دارفور، لم يعد السؤال من يقدّم الخدمة، بل من يسمح بوصولها. تشير تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن أكثر من 70٪ من المرافق الصحية في دارفور خرجت عن الخدمة خلال فترات التصعيد في 2023–2024، فيما تعرّضت قوافل مساعدات متعددة للتأخير أو المنع أو إعادة التوجيه. هذا الانهيار حوّل الغذاء والدواء من حق عام إلى مورد خاضع للتفاوض الميداني.

في هذا السياق، يمارس الفاعل المسلح دور “الوسيط الإجباري” عبر اثنتين من آليات عملية:

أولًا، التحكم في الممرات الإنسانية: واجهت عشرات القوافل قيود وصول في دارفور، ولم تصل المساعدات [17]إلى جميع المناطق المستهدفة إلا بعد ترتيبات ميدانية مع القوى المسيطرة محليًا.

ثانيًا، التحكم في الحركة السكانية: مع نزوح أكثر من 9.5مليون شخص، فتصبح نقاط العبور ومخيمات النزوح فضاءات خاضعة لمن يسيطر أمنيًا على الإقليم، السماح بالخروج أو العودة أو الوصول إلى المساعدات يمنح الفاعل المسلح قدرة غير مباشرة على تشكيل أنماط الولاء أو فرض الصمت.

التفكك الاجتماعي الناتج عن استمرار الانتهاكات يعمّق هذه المعادلة، المجتمعات المنقسمة أقل قدرة على إنتاج خطاب سياسي موحد أو مقاومة منظمة. الانقسامات العرقية أو القبلية أو الجغرافية تتحول إلى خطوط فصل تُستخدم لإدامة السيطرة[18]. بهذا المعنى، فلا يمكن اعتبار المدنيون مجرد ضحايا، إنما يتحول وجودهم وتوزعهم إلى عنصر ضمن هندسة القوة.

تأثير القوى الإقليمية على ديناميات الصراع والخيارات المحتملة

لقد تجاوزت الحرب في الفاشر حدود النزاع الداخلي فتداخلت فيها أجندات إقليمية ودولية[19] تؤثر في دينامية الصراع؛ الصراع الدائر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع يتم تحت دعم وتنافس قوى إقليمية تريد ترسيخ نفوذها في شرق أفريقيا، وهو ما يظهر في عدة مسارات: دعم مالي ولوجستي مباشر لبعض الفاعلين المسلحة، ضغوط دبلوماسية من جهات إقليمية لتحريك مسار الهدنة، ومحاولات التأثير على نتائج الصراع بما يخدم مصالح تلك الأطراف. كما اتُهمت الإمارات بتمويل وإرسال مرتزقة لخدمة أهداف في النزاع، في حين تقود دول مثل مصر وإثيوبيا والسعودية مساعي لحل سياسي متوازن بدافع الحفاظ على الاستقرار الإقليمي

يمتد تأثير الصراع أيضًا إلى البحر الأحمر، حيث يربط شمال شرق إفريقيا بالممرات البحرية العالمية، ويشكل شريانًا حيويًا للتجارة الدولية، خصوصًا للنفط والسلع الأساسية. أي تصعيد عسكري يمكن أن يعطل عمل ميناء بورتسودان[20] ويزيد من المخاطر الأمنية على السفن التجارية، ما يرفع تكلفة النقل ويجعل استقرار الممرات البحرية محور اهتمام القوى الخليجية والإقليمية. بهذا المعنى، يصبح التدخل الإقليمي مرتبطًا ليس فقط بموازين القوة الداخلية، بل أيضًا بحماية المصالح الاستراتيجية على البحر الأحمر وضمان حرية الملاحة.

وفي ضوء تعقيد التدخلات المحلية والإقليمية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات محتملة:

  1. حسم عسكري جزئي مع تثبيت تقسيم أمر واقع: يواصل الجيش وقوات الدعم السريع السيطرة على مناطق محددة، مع تثبيت خطوط النفوذ دون إنهاء الصراع كليًا.
  2. هدنة مؤقتة مع إعادة تموضع: اتفاقات وقف إطلاق النار قصيرة الأمد تسمح لكل طرف بإعادة ترتيب قوته ومواقعه، لكنها لا تعالج جذور التنافس على السلطة أو إعادة بناء مؤسسات الدولة.
  3. تدويل أعمق للصراع: تدخلات إقليمية ودولية مباشرة، سواء عبر ضغوط سياسية أو دعم عسكري، يمكن أن تحول الصراع من نزاع داخلي إلى أزمة إقليمية، مع مخاطر تمددها إلى البحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية.

الهدنة بين النص والواقع

في ظل هذا التعقيد، تبرز محاولات الهدنة الدولية كاختبار آخر لطبيعة الصراع[21]، حيث تفترض وجود أطراف قادرة على ضبط مقاتليها، والالتزام بوقف إطلاق النار، والخضوع لآليات رقابة. غير أن الفاشر تكشف أن ميزان القوة على الأرض هو الذي يحدد مدى جدية أي التزام. طالما بقيت السيطرة الميدانية مصدر الشرعية الفعلية، فإن الالتزام بالهدنة سيظل مرتبطًا بالحسابات العسكرية،

فالمشكلة لا تكمن فقط في غياب الثقة، إنما في تعدد مراكز القرار فالفاعل المسلح الذي يمتلك استقلالًا ماليًا وعسكريًا لا يرتبط التزامه بمرجعية مركزية واحدة. هذا يجعل أي اتفاق هشًا بطبيعته.والهدنة، في هذه الحالة، لا تُفهم كخطوة نحو تسوية شاملة، انها أداة لإعادة التموضع فكل طرف يقيس فائدتها بقدر ما تمنحه من فرصة لإعادة ترتيب أوراقه.

من هنا، يصبح الرهان الدولي على الهدنة دون معالجة جذور اختلال ميزان القوة رهانًا محدود النتائج. لا يمكن فصل المسار الإنساني عن المسار السياسي. طالما بقيت الفاشر ساحة لإعادة توزيع السيادة، فإن أي وقف مؤقت للنار لن يغير جوهر الصراع.

ختامًا، ما تكشفه الفاشر في النهاية هو أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة السوداني هل تبقى الدولة إطارًا مركزيًا يحتكر أدوات العنف والتنظيم؟، أم تتحول إلى ساحة تنافس بين فاعلين يمتلك كل منهم جزءًا من السيادة؟ هذا السؤال لا يخص دارفور وحدها، بل يطال مستقبل النظام السياسي ككل.

الدعم السريع يمثل نموذجًا لفاعل استطاع تحويل موقعه من أداة أمنية إلى مركز قوة مستقل هذا التحول لم يحدث فجأة، بل عبر تراكم الموارد، وتوسيع الشبكات، واستغلال لحظات الفراغ السياسي. في غياب إعادة بناء مؤسسية شاملة، سيظل هذا النموذج قابلًا لإعادة الإنتاج، سواء في شكله الحالي أو في أشكال أخرى.

أن ما  يحدث في الفاشر ليس مجرد معركة على مدينة هو اختبار لقدرة السودان على أن تكون الدولة إطارًا جامعًا تتحكم فيه السلطة والسيادة بشكل مركزي، حيث لم تعد أدوات الحكم مقتصرة على المؤسسات الرسمية، بل أصبحت مرتبطة بالسيطرة على الأرض، الموارد، وحركة السكان، كل فاعل مسلح يمتلك جزءًا من هذه السيطرة يمكنه فرض شروطه على الواقع، ما يجعل أي اتفاق أو هدنة غير ممكن إذا لم يُعالج جذور هذا التعدد في مراكز القوة، وحتى لا يتحول الانفصال إلى شرق وغرب السودان.

حيث تظهر الفاشر أن البقاء على قيد الحياة للدولة لا يعتمد فقط على من ينتصر عسكريًا، بل على من يستطيع تحويل نفوذه الميداني إلى شرعية سياسية مستدامة، لذلك، أي تسوية بدون إعادة بناء مؤسسات الدولة وإعادة توزيع السلطة بشكل متوازن ستكون مؤقتة، وأي هدنة ستظل مجرد فترة توقف في صراع لم يُحسم بعد، مما يضع مستقبل السودان ككل أمام تحدٍ كبير.


[1] سودان تربيون، “مسؤول أممي: أحداث الفاشر «كارثة مروعة» وواجبنا محاسبة المسؤولين”، سودان تربيون، 9 فبراير 2026،انظر:https://sudantribune.net/article/310474.

[2] الأمم المتحدة-مكتب الأمم المتحدة في جنيف، “السودان – أعضاء مجلس الأمن قلقون إزاء استمرار العنف ويدعون إلى وقف القتال”، الأمم المتحدة-مكتب الأمم المتحدة في جنيف، 27 فبراير/شباط 2026، انظر  https://www.ungeneva.org/ar/news-media/news/2026/02/116187/alswdan-ada-mjls-alamn-qlqwn-aza-astmrar-alnf-wydwn-aly-wqf-alqtal

[3] الأخبار الدولية، “Why is Darfur, Fashir strategically important in W Sudan؟”، Mehr News Agency، 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، انظر https://en.mehrnews.com/news/238376/Why-does-Darfur-Fashir-have-strategic-importance-in-W-Sudan?

[4] المرجع السباق

[5] العربي الجديد، “السودان يكثّف جهود التنقيب عن الذهب رغم الحرب”، العربي الجديد، 24 فبراير/شباط 2026، انظر: https://www.alaraby.co.uk/economy/السودان-يكثّف-جهود-التنقيب-عن-الذهب-رغم-الحرب

[6] الجزيرة نت، “الجنجويد”، موسوعة الجزيرة نت، 16 فبراير/شباط 2014، انظر: https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2014/2/16/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%AC%D9%88%D9%8A%D8%AF

[7] إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، “السودان – التحليل الدولي للطاقة”، إدارة معلومات الطاقة الأمريكية(EIA)، آخر تحديث، انظر: https://www.eia.gov/international/analysis/country/SDN (eia.gov)

[8] المحكمة الجنائية الدولية، “دارفور، السودان”، المحكمة الجنائية الدولي ة(International Criminal Court)، انظر: https://www.icc-cpi.int/darfur

[9] إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، “السودان — التحليل الدولي للطاقة”، إدارة معلومات الطاقة الأمريكية(EIA)، آخر تحديث، انظر: https://www.eia.gov/international/analysis/country/SDN (eia.gov)

[10] الجزيرة نت، “قوات الدعم السريع في السودان”، موسوعة الجزيرة نت، 15 مايو/أيار 2023، انظر: https://aja.me/2hwi2h (aljazeera.net)

[11] International Crisis Group، “السودان”، المجموعة الدولية للأزمات (أفريقيا / القرن الأفريقي)، انظر: https://www.crisisgroup.org/africa/horn-africa/sudan?utm_medium=social&utm_source=twitter (crisisgroup.org)

[12] وكالة إفي، “السودان يقطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات ويعلنها دولة معتدية”، EFE (أخبار عالمية)، 6 مايو/أيار 2025، انظر: https://efe.com/en/latest-news/2025-05-06/sudan-cuts-diplomatic-ties-uaw-aggressor-state/? (efe.com)

[13]منتدى الشرق الأوسط للعلوم العسكرية، “عاجل: مصر تعترف رسمياً بدعم الجيش السوداني في حربه ضد ميليشات الدعم السريع”، MEMilitary.com، 11 يناير/كانون الثاني 2025،

[14] وكالة الاتحاد الأوروبي لشؤون اللجوء، “خارطة: مناطق السيطرة والنفوذ في السودان”، دليل البلد – السودان، تحديث يونيو/حزيران 2025، انظر: https://www.euaa.europa.eu/country-guidance-sudan/21-map-areas-control-and-influence (euaa.europa.eu)

[15] الجزيرة نت، “بالأرقام.. ملايين السودانيين بين الجوع والنزوح والتعنيف وسط الحرب”، الجزيرة نت، 17 ديسمبر/كانون الأول 2025، انظر: https://www.aljazeera.net/news/2025/12/17/%D8%A3%D8%B1%D9%82%D8%A7%D9%85-%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%85%D8%A9-%D9%85%D9%84%D8%A7%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D9%82%D8%A8%D8%B6%D8%A9 (aljazeera.net)

[16] مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، “السودان – مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية”، مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية(OCHA)، انظر: https://www.unocha.org/sudan (unocha.org)

[17] موقع ALLAFRICA، “مجلس الأمن الدولي يعقد مشاورات مغلقة حول السودان”، allAfrica.com، 9 فبراير/شباط 2026، انظر: https://www.allafrica.com/stories/202602100011.html (allAfrica.com)

[18] رويترز، “بدو سودانيون عالقون بينما تغذي الحرب الجريمة والانقسامات العرقية”، Reuters، 9 فبراير/شباط 2026، انظر: https://www.reuters.com/world/africa/sudanese-nomads-trapped-war-fuels-banditry-ethnic-splits-2026-02-09/? (reuters.com)

[19] الجزيرة نت، “السودان… التدخل الأجنبي ينذر بإطالة أمد الحرب”، الجزيرة نت، 29 مارس/آذار 2024، انظر: https://www.aljazeera.net/politics/2024/3/29/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AC%D9%86%D8%A8%D9%8A-%D9%8A%D9%86%D8%B0%D8%B1-%D8%A8%D8%A5%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A9

[20] وكالة إفي، “السودان يقطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات ويعلنها دولة معتدية”، EFE، 6 مايو/أيار 2025، انظر: https://efe.com/en/latest-news/2025-05-06/sudan-cuts-diplomatic-ties-uaw-aggressor-state/ (efe.com)

[21] Anews، “مجلس الأمن الدولي يدين العنف في السودان ويدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار”، Anews، 25 فبراير/شباط 2026، انظر: https://www.anews.com.tr/world/2026/02/25/un-security-council-condemns-violence-in-sudan-calls-for-immediate-ceasefire (anews.com.tr

زر الذهاب إلى الأعلى