مشروع الموازنة العامة الأردنية 2026: بين الواقع المالي والتحديات الهيكلية عبر القطاعات

تدخل الموازنة العامة للأردن اليوم مرحلة معقدة ومحمّلة بدلالات تتجاوز ما اعتدنا عليه في النقاشات السنوية حول الأرقام والاعتمادات والنسب. فلم تعد الموازنة مجرد وثيقة محاسبية تقيس الفرق بين الإيرادات والنفقات، ولا تقريرا ماليا يقدّم تصورا لاحتياجات السنة المقبلة؛ بل غدت انعكاسا مباشرا لقدرة الدولة على إعادة تعريف دورها، وترتيب أولوياتها، والتعامل مع مجتمع يتحرك أسرع من مؤسساتها، ولواقع اقتصادي واجتماعي لم يعد يحتمل الحلول الجزئية أو الاستجابات التقليدية.

في السنوات الأخيرة، دخل الأردن في مرحلة من الضغوط المركّبة: تباطؤ اقتصادي، ارتفاع تكاليف المعيشة، تراجع القدرة الشرائية، تطورات إقليمية غير مستقرة، أزمات طاقة ومياه، وتحديات مرتبطة بالمناخ والصحة والتعليم والبطالة. وقد أصبح واضحا أن قدرة الدولة على إدارة هذه التحولات لم تعد مرتبطة بامتلاك الموارد بقدر ما هي مرتبطة بكيفية إدارة الموازنة باعتبارها وثيقة سياسية بامتياز، تقرّر من يستحق، ومن يُمول، وأي القطاعات يتم الاستثمار فيها، وأيها يُترك للتراجع.

ورغم أن إنجاز مشروع الموازنة هذا العام قبل نهاية السنة يعد خطوة إجرائية مهمة تشير إلى قدر من الانضباط المالي والإداري، إلا أن هذا التطور الإجرائي لا يخفي حقيقة أعمق بكثير: الموازنة لا تزال تُدار بالآليات نفسها التي حكمت مراحل سابقة، والتي لم تعد قادرة على توفير حلول أو تقديم استجابات واقعية لتحديات الحاضر. فالأردن، اليوم، أمام متغيرات لم يعد من الممكن التعامل معها بمنطق التدرّج أو الإصلاح البطيء، بل بمنطق إعادة بناء مقاربة الدولة في إدارة ماليتها العامة.

من هذا المنطلق، تأتي هذه الورقة لتقدّم النقاش في سياقه السياسي والاقتصادي الأشمل، وفتح المجال لصياغة مسارات واقعية أمام صانع القرار، تعتمد على فهم متكامل للتحديات، وعلى رؤية قادرة على إعادة هندسة الموازنة كإطار وطني شامل، لا كوثيقة مالية تكرر نفسها عاما بعد عام.

ما يزال النهج المتّبع في إعداد الموازنة يعمل ضمن الإطار التقليدي ذاته، المحكوم بثقافة تقاسم المخصصات

الموازنة العامة وهيكلتها

بالرغم من التحسينات الإجرائية التي شهدتها عملية إعداد الموازنة هذا العام، إلا أن جوهر النهج المتّبع ما يزال يعمل ضمن الإطار التقليدي ذاته، وهو إطار يحدّ من قدرة الدولة على استخدام الموازنة كأداة استراتيجية للتوجيه ولصناعة التحوّل. فالعملية برمتها لا تزال محكومة بثقافة “تقاسم المخصصات” أكثر من كونها عملية تخطيط وطني موجّهة بالأولويات. وتستمر الوزارات في التنافس للحصول على أكبر جزء ممكن من “الكعكة المالية”، لا بناء على تقييم موضوعي للحاجات أو المشاريع ذات الأولوية الوطنية، بل وفق قدرتها على الدفاع عن مطالبها داخل المنظومة المالية.

في هذا السياق، تتكرر كل عام الظاهرة نفسها: مخصصات رأسمالية كبيرة تُدرج ضمن وثيقة الموازنة، لتبدو وكأنها تعكس طموح الدولة في تحقيق نمو وتنفيذ مشاريع تنموية واسعة؛ غير أن الواقع التنفيذي يظهر فجوة واضحة بين “المُعلن” و”المنفّذ”. إذ تتعثر غالبية هذه المشاريع بسبب تعقيدات الصرف، والبيروقراطيات الممتدة، وضعف المرونة في تحويل المخصصات، ما يجعل الكثير من الإنفاق الرأسمالي مجرد أرقام محاسبية لا تترك أي أثر تنموي حقيقي.

ويضاف إلى ذلك واقع آخر بات جزءا من البنية المالية للدولة، وهو ما يمكن تسميته بـ “الموازنة الظل”، حيث يعاد رسم الإنفاق بعد إقرار الموازنة، سواء عبر المناقلات أو عبر سحب مخصصات من وزارات لصالح جهات أخرى. هذا الواقع يخلق فجوات واسعة بين ما هو مُتخيّل عند إعداد الموازنة وما يتحقق فعليا عند تنفيذها، ويضع الوزارات أمام حالة من عدم اليقين تجعل التخطيط متوسط وطويل المدى مهمة صعبة، وربما مستحيلة في بعض الأحيان.

وهذه الممارسات تُنتج بيئة ذات ضبابية شديدة حول الأولويات الحقيقية للدولة. فقد يبدو في ظاهر الموازنة أن مجموعة من البرامج والمشاريع تقع في صدارة الاهتمام، لكن التنفيذ الفعلي قد يذهب باتجاهات أخرى تماما. ومن هنا، يصبح من الصعب قراءة “الرؤية الحكومية” من خلال وثيقة الموازنة وحدها، لأن الوثيقة لا تعكس، في كثير من الأحيان، ما سيحدث لاحقا على الأرض.

الدين العام اليوم أزمة إطار تفكير لا أزمة أرقام

إن الصورة العامة لكل ما سبق تشير بوضوح إلى أن المشكلة ليست في آليات إعداد الموازنة وحدها، بل في الفلسفة التي تحكم بناءها وتنفيذها. فالموازنة، لكي تصبح رافعة للنمو، يجب أن تتجاوز فكرة كونها مجرد وثيقة تقرّ موارد ونفقات، وأن تتحول إلى خريطة طريق اقتصادية واستراتيجية تتماشى مع حاجات القطاعات، وتراعي التحولات الخارجية، وتوفر المرونة الكافية للاستجابة للمتغيرات.

إن تحسين الشكل الإجرائي مهم، لكنه ليس كافيا. المطلوب هو إعادة بناء مفهوم الموازنة ذاتها، وتحويلها من ممارسة محاسبية سنوية، تنظر إلى الموازنة كعملية تقنية تقتصر على جمع الأرقام وضبط العجز في دورة مالية متكررة، إلى ممارسة سياسية-اقتصادية،  كأداة توجيهية تُعيد توزيع الموارد وفق أولويات وطنية، وتحوّلها من مجرد تسجيل مالي إلى آلية لصناعة السياسات ودفع النمو وتحديد مسار الدولة التنموي.

الدين العام والعجز – أزمة إطار لا أزمة أرقام

يُعدّ ملف الدين العام اليوم من أكثر الملفات التي تتطلب إعادة تفكير جذرية، ليس فقط لأنه يواصل مساره التصاعدي رغم كل محاولات الضبط المالي، بل لأن طريقة التعامل معه لا تزال محكومة بإطار قديم لا ينسجم مع طبيعة المرحلة ولا مع تحولات الاقتصاد الوطني. فالمشهد المالي العام يشير إلى تزايد الضغوط على الخزينة، حيث بلغ الإنفاق في الربع الأخير من عام 2025 ما يقارب 975  مليون دينار شهريا، بينما اقتربت الاقتراضات خلال فترة زمنية قصيرة من حاجز ملياري دينار، في ظل استمرار المتأخرات المالية التي لم يتم التعامل معها بصورة شاملة أو مؤسسية. ورغم وعود سابقة بتخفيض الدين بما يقارب ستة مليارات دينار، إلا أن مظاهر تحقق هذا الالتزام ما تزال غائبة عن الواقع.

تتجاوز المشكلة هنا الأرقام المجردة لتصل إلى منهجية إدارة الدين ذاته. فالدين العام لم يعد أداة تُستخدم لدعم مشاريع التنمية أو لتحريك عجلة الاقتصاد، بل أصبح – في كثير من الحالات – وسيلة لتمويل النفقات الجارية، وهو ما يفقد الاقتراض وظيفته الاقتصادية الأساسية. وفي ظل غياب استراتيجية وطنية موحدة لإدارة الدين، تتخذ عملية الاقتراض طابعا أقرب إلى “إطفاء الحرائق” منه إلى تخطيط مالي متماسك. وهذا بدوره يعزز الانطباع بأن الدين العام لم يعد جزءا من أدوات النمو، بل عبئا يتم ترحيله عاما بعد عام دون معالجة جذرية لأسبابه البنيوية.

ويزيد من عمق الأزمة أن النمو الاقتصادي لا ينعكس على سوق العمل، ما يضعف قاعدة الإيرادات الضريبية ويجعل قدرة الدولة على سداد الدين أو خفض العجز أكثر هشاشة. فعلى الرغم من أن بعض القطاعات سجلت معدلات نمو جيدة – إذ بلغ نمو قطاع الزراعة نحو 9%، فيما وصلت الصناعات التحويلية إلى 5% –  إلا أن هذا النمو لم يتحول إلى فرص عمل محلية. والسبب في ذلك يعود إما لطبيعة تلك القطاعات التي تعتمد على عمالة وافدة منخفضة التكلفة، أو لأنها قطاعات كثيفة رأس المال وليست كثيفة التشغيل. وفي المقابل، لا تزال القطاعات الأكثر قدرة على خلق فرص العمل – مثل السياحة، وتكنولوجيا المعلومات، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة – تعاني من ضعف في الاستثمار وغياب الدعم المالي الكافي.

وفي ظل هذه المعادلة، تصبح العلاقة بين النمو والدين علاقة غير صحية وغير مستقرة:

نمو غير مولّد لعمل ← قاعدة ضريبية ضعيفة ← عجز مالي مستمر ← لجوء أكبر إلى الدين ← دائرة مغلقة تتسع سنويا

وتزداد الصورة تعقيدا حين نلاحظ أن جزءا كبيرا من الدين يتم تمويله عبر قروض قصيرة الأجل، أو عبر سياسات “تبديل دين بدين” التي تؤجل الاستحقاق دون أن تعالج أصل المشكلة. وهذا النمط من الإدارة يجعل الدولة أسيرة للتزامات مالية تتآكل بسبب الفوائد وتضخم خدمة الدين، التي باتت تشكل واحدة من أكبر بنود الإنفاق العام.

ويُسهم غياب الشفافية الكاملة حول تفاصيل الدين – سواء فيما يتعلق بهيكله أو آجاله أو كلفته أو الجهات الدائنة – في توسيع فجوة الثقة، ليس فقط بين المواطن والحكومة، بل حتى بين مؤسسات الدولة نفسها. كما يحدّ من قدرة صانع القرار على رسم سياسات اقتصادية طويلة الأمد تستند إلى فهم دقيق لوضع المالية العامة.

الاقتصاد الأخضر في الأردن فرصة غير مستغلة رغم توفر استثمارات واعدة

إن ما يجعل أزمة الدين والعجز أكثر خطورة هو أنها أزمة إطار تفكير قبل أن تكون أزمة رقم. فالتعامل مع الدين اليوم يتطلب الانتقال من منطق “تغطية العجز” إلى منطق “إدارة الفائض الممكن”، ومن استراتيجيات قصيرة المدى إلى استراتيجية وطنية واضحة المعالم ترتبط بالنمو، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتعزيز الإنتاجية، وإعادة هيكلة القطاعات التي تستهلك جزءا كبيرا من النفقات دون مردود حقيقي.

وبذلك يصبح ربط الدين بالنمو، وربط النمو بالتشغيل، وربط التشغيل بتوسيع القاعدة الضريبية، هو المفتاح الوحيد للخروج من المعادلة الحالية. فالمعالجة لا يمكن أن تتم عبر تعديل رقم هنا أو خفض بند هناك، بل عبر تغيير جذري في المسار المالي والاقتصادي للدولة.

الإنفاق العام – عجز في الإدارة قبل أن يكون عجزا في المال

من أبرز التحديات التي تكشفها القراءة المتعمقة للموازنة أن الإنفاق العام يعاني من فجوة واسعة بين ما يُقرّ على الورق وما يُنفّذ فعليا على الأرض. فالوزارات، على الرغم من امتلاكها مخصصات مالية كافية في كثير من الأحيان، تجد نفسها غير قادرة على تنفيذ المشاريع المبرمجة ضمن خطتها السنوية.

ويضاف إلى ذلك أنّ التعليمات المالية كثيرا ما تتغيّر في منتصف العام، ما يدفع الوزارات إلى إعادة مواءمة خططها أو البحث عن بدائل، فتتعثر المشاريع وتتأخر جداولها الزمنية. كما أن المخصصات المالية لا تُصمّم دائما بما يتوافق مع طبيعة التحديات القطاعية، خصوصا في القطاعات التي تتطلب تدخلا سريعا أو مرونة موسمية مثل المياه والزراعة والصحة، الأمر الذي يخلق فجوات بين الاحتياجات الفعلية وما تسمح به التعليمات.

ولا يقف الخلل عند حدود إجراءات الصرف والتخطيط، بل يمتد إلى نظام المكافآت الذي يشكل أحد أبرز مظاهر الهدر في المالية العامة. فالمكافآت تُصرف سنويا بمبالغ ضخمة، دون أن تكون مرتبطة بقياس أداء أو بدور إنتاجي حقيقي، ما يجعلها عبئا إضافيا على الموازنة ويشوّه منظومة الحوافز داخل القطاع العام، ويُضعف الدافع على تحسين الأداء أو رفع الكفاءة. أما الإنفاق الرأسمالي، الذي يفترض أن يكون رافعة للنمو الاقتصادي، فيواجه بدوره بطئا شديدا في التنفيذ. وفي كثير من الحالات يتحول هذا الإنفاق إلى مجرد أرقام مدرجة في الموازنة دون أثر فعلي على التنمية أو تحسين الخدمات.

وبذلك تتشكل صورة متكاملة عن اختلالات الإنفاق العام: فجوة في التنفيذ، ضعف في المرونة، هدر في الحوافز، بطء في المشاريع، وتخطيط يعاني من الانفصال عن الأولويات الوطنية. هذه الاختلالات لا تفرض فقط تحديا ماليا، بل تكشف الحاجة إلى إعادة بناء “الآلة التنفيذية” للدولة، لأنها، في صورتها الحالية، تقف حجر عثرة أمام أي محاولة جادة لتحويل الموازنة إلى أداة استراتيجية للتنمية والإصلاح.

القطاعات الحيوية والموازنة

  1. قطاع المياه: القطاع الأكثر حساسية

يشهد قطاع المياه أزمة آخذة في التعمّق، تتجاوز الجوانب الإدارية والمالية التقليدية لتلامس مستوى التهديد المباشر للأمن الوطني. فالمؤشرات المتراكمة خلال السنوات الأخيرة تكشف عن اختلالات بنيوية لم تعد تسمح بالتعامل مع ملف المياه بوصفه مسألة خدمية أو تقنية، بل باعتباره أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في الدولة. وقد ارتفعت ديون القطاع إلى ما يقارب 600 مليون دينار، فيما تحتاج مشاريعه الحيوية إلى تمويلات تتجاوز 2.3 مليار دولار، إضافة إلى نحو 700 مليون دولار لمشاريع أخرى لا يمكن تأجيلها.

هذا العبء المالي الضخم يقف إلى جانب مجموعة من التحديات المركّبة التي تُضعف قدرة القطاع على العمل بكفاءة. فهناك اعتداءات متكررة على الشبكات والبنية التحتية تشكّل استنزافا مباشرا للقدرة التشغيلية، وتفاقم فاقد المياه الذي يصل إلى نحو 40% من مجمل الكميات المنتجة، وهو رقم يعكس حجم الهدر الذي يتحمله الاقتصاد الوطني. كما يظهر ضعف الوعي المجتمعي في التعامل مع الموارد المائية، سواء في الاستخدام المنزلي أو الزراعي، مما يضاعف الضغط على منظومة تعاني أساسا من هشاشة هيكلية.

إلى جانب ذلك، ترتفع كلف ضخ المياه إلى مستويات غير مسبوقة، إذ يستهلك القطاع حوالي 16%  من إجمالي الطاقة الوطنية، ما يجعل كفاءة الطاقة عنصرا حاسما في استدامة تشغيل الشبكات. ومع غياب مخصصات مرنة للطوارئ، يصبح التعامل مع الانقطاعات المفاجئة أو الأعطال الكبيرة معتمدا على الاجتهادات، لا على خطط استجابة سريعة وممولة مسبقا. أما بطء إنجاز المشاريع ذات الأولوية العالية، فيعكس فجوة واضحة بين التخطيط والتمويل والتنفيذ، ويؤدي إلى تأخر تحسين الشبكات وتعزيز القدرة الإنتاجية.

تتقاطع هذه التحديات لتؤكد أن إصلاح قطاع المياه لا يمكن أن يستمر ضمن إطار التحسينات الجزئية أو الإجراءات المتفرقة. فالمياه تمثل قطاعا محوريا تعتمد عليه قطاعات أخرى حيوية مثل الزراعة، والصناعة، والسياحة، والصحة. وأي خلل في هذا القطاع ينعكس فورا على منظومة الإنتاج والاقتصاد والخدمات، ما يجعل إصلاحه الجذري شرطا أساسيا للحفاظ على توازن الدولة وقدرتها على مواكبة التحديات المستقبلية.

  • قطاع الصحة: تمويل مرتفع وخدمة لا تنسجم معه

يحصل القطاع الصحي على نسبة مرتفعة نسبيا من الموازنة تصل إلى نحو 12%، لكن هذا التمويل لا ينعكس على مستوى الخدمة. فالنظام الصحي يتسم بتعدد الأنظمة الإدارية، وتشتت المسؤوليات، وارتفاع الفاتورة العلاجية، خاصة في الأمراض المزمنة. كما أن الأمراض المرتبطة بالتدخين -خصوصاً السرطانات الناتجة عنه- إلى جانب الضغط والسكري، تُراكم كلفاً صحية متنامية تزيد العبء المالي على الدولة سنوياً، حتى مع وجود إعفاءات طبية أو انخفاض نسبي في أسعار الأدوية. ويزداد هذا العبء تعقيداً مع الحاجة إلى توسيع الشراكات بين وزارة الصحة ومركز الحسين للسرطان لضمان وصول المرضى إلى خدمات تشخيص وعلاج متقدمة، وتوزيع الحالات بين المستشفيات بشكل يخفّف الضغط ويحسّن كفاءة الإنفاق الصحي.

النموذج الأمثل لهذا القطاع، كما يتضح من التجارب الدولية، يقوم على التحول من دور “راعية الخدمة” إلى “ضامن الخدمة”، عبر إنشاء صندوق للتأمين الصحي الوطني وإدارة موحدة لعملية الشراء والتعاقد مع مزودي الخدمات.

  • المناخ والبيئة: اقتصاد غير مستغل

أصبح البعد المناخي اليوم أحد المكونات الجوهرية للسيادة الاقتصادية للدول، ولم يعد مجرّد ملف بيئي أو قطاع جانبي يمكن التعامل معه وفق منطق الاستجابة البطيئة. فالتغير المناخي بات يفرض نفسه كمحدد مباشر للقدرة على إدارة الموارد، وحماية الأمن الغذائي، وضمان استقرار قطاعات المياه والطاقة والصحة، وحتى النقل. هذه التشابكات الواسعة تجعل تجاهل البعد المناخي مخاطرة لا يمكن تحمّل تبعاتها، خصوصا في دول تعاني أصلا من هشاشة الموارد الطبيعية مثل الأردن.

ورغم إدراك هذا الواقع، تكشف الموازنة العامة عن فجوة واضحة بين الوعي بأهمية الاقتصاد الأخضر وبين حجم الإنفاق الفعلي المخصص له. ففي الوقت الذي توفر فيه الفرص الخضراء استثمارات واعدة تصل إلى 295  مليون دولار عبر مشاريع مختلفة، فإن الإنفاق البيئي المباشر في الموازنة لا يتجاوز 4.2 مليون دينار فقط، منها 900  ألف دينار للشرطة البيئية. هذا التفاوت بين الإمكانات المتاحة والموارد المخصصة يعكس غياب إطار مؤسسي قادر على تحويل البعد المناخي من خطاب سياسي إلى سياسة مالية واضحة.

وتزخر الساحة الوطنية بفرص كبيرة في هذا المجال، تمتد من مشاريع الهيدروجين الأخضر التي بدأت بالفعل في بعض المناطق، إلى مشاريع تحسين كفاءة الطاقة في المباني والمرافق العامة، مرورا بقطاع واسع وواعد في إدارة النفايات الذي يمكن أن يشكل رافعة اقتصادية وبيئية معا. كما أن التحول نحو النقل الكهربائي ليس مجرد خيار بيئي، بل سياسة اقتصادية طموحة قادرة على تقليل فاتورة الطاقة وتحديث قطاع النقل. وتبرز كذلك الحاجة الملحة إلى خفض انبعاثات المباني الحكومية بوصفه مدخلا لتقليل الاستهلاك وتحسين الكفاءة، إلى جانب فرص الربط بين المياه والطاقة والزراعة ضمن إطار “الأمن المناخي” الذي بات ضرورة وطنية.

لكن هذه الفرص تظل معلّقة ما لم تُترجم إلى مشاريع مُحكَمة ذات عائد اقتصادي قابل للقياس. ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى ضعف القدرات الفنية في صياغة المشاريع المناخية وفق المعايير الدولية، إضافة إلى غياب التنسيق المؤسسي بين الجهات المعنية، إذ يعمل كل قطاع بمعزل عن الآخر، مما يعوق الاستفادة من التشابكات الطبيعية بين الهواء والماء والطاقة والغذاء.

الموازنة بلا رؤية لا تستطيع مواجهة تداخل الأمن المائي والطاقة والصحة والتحولات المناخية

إن تحقيق التحول المطلوب في البعد المناخي يتطلب إدارة أكثر نضجا لهذا الملف، تتأسس على بناء قدرات فنية، وتوحيد الرؤية بين الوزارات، وتوجيه جزء من الإنفاق العام نحو مشاريع قادرة على خلق القيمة، بحيث يتحول الاقتصاد الأخضر من فرصة غير مستغلة إلى محرّك فعلي للنمو والتنمية والاستدامة.

  • قطاع النقل: إصلاحات تتعطل بسبب السياسات المالية

يمتلك الأردن خططا جيدة للتحول إلى النقل الكهربائي وربط قطاع النقل بالتحولات المناخية، إلا أن هذه الجهود تتأثر سلبا بتغييرات مفاجئة في الرسوم والضرائب. ويؤدي غياب التنسيق بين الجهات المالية والقطاعية إلى تغييب البعد الاستراتيجي في قرارات يفترض أن تتعامل مع النقل كقطاع يحدد اتجاهات النمو والتحضر لعقود مقبلة.

  • القطاع الخاص: شريك لم يتمكّن من الشراكة بعد

يحتل القطاع الخاص موقعا محوريا في أي عملية تحول اقتصادي، لكن وضعه في الأردن يعكس مفارقة واضحة: فبينما تُنتظر منه أدوار كبيرة في توليد النمو وخلق فرص العمل واستقطاب الاستثمارات، يبقى أداؤه أقل بكثير من هذه التوقعات. وليس هذا القصور نتيجة ضعف ذاتي في قدراته أو محدودية في طاقته الإنتاجية؛ بل يعود في جوهره إلى طبيعة البيئة التي يعمل ضمنها، وهي بيئة ما تزال تفتقر إلى العناصر الأساسية التي تجعل القطاع الخاص شريكا فعليا في التنمية.

فالمستثمر يواجه منظومة معقدة من الرسوم المتعددة التي تتراكم فوق الضرائب، وتشكل عبئا إضافيا يزيد من كلفة الدخول إلى السوق أو التوسع فيه. كما يعاني من عدم استقرار السياسات، إذ تتغير اللوائح والأنظمة المالية والضريبية بشكل مفاجئ، ما يخلق حالة من عدم اليقين تحول دون اتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأجل. وفي ظل هذا الغموض، يصبح غياب الحوافز الحقيقية عقبة إضافية، إذ لا تقدم البيئة الاستثمارية ما يكفي من المزايا التنافسية التي تشجع على المخاطرة أو الابتكار.

وتتعقد الصورة أكثر مع بطء الإجراءات الإدارية التي تُطيل زمن الموافقات والتراخيص، فتُجمّد رأس المال وتقلل من قدرة الشركات على التحرك بسرعة والاستفادة من الفرص. كما يشكّل ضعف التمويل التنموي أحد أبرز التحديات، إذ يفتقر القطاع الخاص إلى أدوات تمويلية تستهدف الصناعات الإنتاجية أو المشاريع الواعدة، خاصة تلك التي تحتاج إلى رأس مال كبير أو فترة استرداد طويلة.

ويضاف إلى ذلك ما يعانيه البعض من منافسة غير عادلة مع القطاع العام في بعض المجالات، حيث تُمنح القطاعات الحكومية ميزات لا تتوفر للقطاع الخاص، مثل حصول المؤسسات الحكومية على إعفاءات لا تُمنح لنظيراتها في القطاع الخاص، ما يقلّل كلفة التشغيل لديها بشكل كبير، ما يؤدي إلى اختلالات في السوق ويضعف الحافز على التطور والابتكار.

نتيجة لهذه العوامل مجتمعة، يصبح دور القطاع الخاص محدودا بطبيعته، غير قادر على توليد النمو الذي يتوقعه الجميع منه أو فتح أسواق جديدة، رغم أنه يمتلك الإمكانيات البشرية والمالية التي تجعل منه، في الظروف المناسبة، القاطرة الأساسية للتحول الاقتصادي. إن تمكين هذا القطاع يتطلب إصلاحات جذرية في بيئة الأعمال، تشمل استقرار السياسات، تبسيط الإجراءات، توفير الحوافز، وتعزيز التمويل التنموي، حتى يتحول من لاعب هامشي إلى شريك مركزي في تحقيق النمو والتنمية.

الحل يبدأ بحزمة تدخلات دقيقة تُعيد ضبط العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص. يتطلب ذلك فتح المجال أمام الشركات الخاصة عبر شراكات واضحة ومحددة بالأدوار. كما يجب توجيه الحوافز نحو الصناعات ذات القيمة المضافة لا نحو القطاعات التقليدية، وربط الإعفاءات الضريبية بمعايير الأداء والتصدير والتشغيل. وإصلاح بيئة الأعمال يجب أن يركّز على ثلاثة ملفات محددة: تقليص كلفة الالتزام بالأنظمة، تسريع الترخيص والاستثمار خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً، وتأسيس صندوق تمويل تنموي موجّه للمشاريع الإنتاجية لا العقارية. بهذه الإجراءات يصبح القطاع الخاص قادراً على لعب دوره الطبيعي كمحرّك للنمو وكمصدّر للفرص لا كمستفيد انتظاري للامتيازات.

الحوكمة – جوهر المشكلة وغرفة المحركات المعطّلة

على الرغم من أن الأزمة المالية تبدو في ظاهرها مرتبطة بالأرقام والنسب وحجم الإيرادات والعجز، إلا أن المشهد الأعمق يكشف أن جوهر المشكلة يكمن في البنية الإدارية ذاتها، وفي طرائق اتخاذ القرار وتنفيذه. فالمؤشرات المتراكمة عبر السنوات تشير إلى أن الخلل الأكبر ليس في حجم الموارد المتاحة، بل في الكفاءة المؤسسية في إدارتها وتوجيهها. ومن هنا، يصبح ملف الحوكمة “غرفة المحركات المعطّلة” التي تعيق تحرك بقية القطاعات مهما توفرت لها النوايا والموارد.

تبدأ الأزمة من مستوى الصلاحيات داخل الوزارات والمؤسسات الحكومية. فالكثير من القيادات التنفيذية تجد نفسها مقيدة بتعليمات مالية وإدارية تفتقر إلى المرونة المطلوبة للتعامل مع القطاعات الحيوية، التي تحتاج استجابة سريعة وقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب. وأي تعديل بسيط في بند إنفاق أو تحويل مخصصات يحتاج عادة إلى سلسلة طويلة من الموافقات المتتالية، ما يحوّل العمل الحكومي إلى مسار بطيء يشبه بيروقراطية ما قبل التحول الرقمي، رغم أن الدولة قطعت أشواطا في إجراءات الأتمتة.

ولا يتوقف الأمر عند حدود الصلاحيات؛ فالكفاءات الفنية التي تستطيع إعداد مشاريع مؤهلة للحصول على التمويل – سواء المحلي أو الدولي – قليلة، وغالبا ما تعمل ضمن بيئة غير محفّزة. فالموظف الذي يمتلك القدرة على إعداد دراسة جدوى محكمة، أو صياغة مقترح مشروع يلبي شروط الجهات التمويلية، يجد نفسه محاصرا بإجراءات إدارية، أو غير قادر على رؤية مسار وظيفي واضح، أو غير مدعوم بأنظمة حوافز تُكافئ الأداء الحقيقي.

ويتفاقم هذا الخلل البشري والإداري بسبب غياب الربط المؤسسي بين رؤية التحديث الاقتصادي وبين إطار الموازنة العامة. فالرؤية تتحدث عن التحول نحو اقتصاد منتج ومنافس، قائم على الابتكار والشراكات مع القطاع الخاص، وعلى رفع مساهمة القطاعات ذات القيمة المضافة؛ لكن الموازنة تُعد وتُدار ضمن منطق منفصل تماما عن هذه الأهداف. ونتيجة لذلك، يظهر تناقض واضح بين ما تطرحه الدولة كأهداف استراتيجية وبين ما تخصصه فعليا من موارد.

وعلى المستوى الأعلى، يبقى السؤال الأكثر حساسية مطروحا دون إجابة واضحة: من يقود “العقل المالي” للدولة؟! هل هي وزارة المالية، أم وزارة التخطيط، أم رئاسة الوزراء، أم متطلبات صندوق النقد، أم الضغوط القطاعية؟

هذا التشتت في مراكز القرار المالي يخلق سياسات غير متجانسة، ويجعل عملية التخطيط المالي منفصلة عن التنفيذ، ويضعف القدرة على معالجة التحديات بطريقة متكاملة. ويترتب على هذا الغموض أن كثيرا من القرارات المالية تُتخذ كرد فعل على ضغوط أو أزمات، لا ضمن إطار رؤية موحدة تُحرك جميع القطاعات في الاتجاه ذاته.

ويؤدي هذا التداخل إلى فجوة خطيرة بين التخطيط والتنفيذ. فالمشاريع الكبرى تُعلن، لكن تنفيذها يتباطأ أو يتعثر. والمسارات الإصلاحية تُطرح، لكن لا تظهر نتائجها على أرض الواقع. وكلما اتسعت هذه الفجوة، تقلصت قدرة الدولة على تحويل مواردها إلى إنجاز ملموس، وزادت كلفة المشروع الواحد، وتراجع الأثر الحقيقي للإنفاق العام.

إن أزمة الحوكمة ليست تفصيلا إداريا يمكن تجاوزه، بل هي مفتاح فهم جميع الإشكالات الأخرى: لعجز، الدين، ضعف الاستثمار، بطء المشاريع، هدر الموارد، تراجع الثقة، وتشتت السياسات. وعليه، فإن أي إصلاح مالي أو اقتصادي سيظل ناقصا ما لم تُعالج جذور الخلل المؤسسي، ويُعاد بناء منظومة الحوكمة بطريقة توحد القرار المالي، وتمنح الوزارات المرونة، وتُفعّل مبدأ المساءلة، وتربط الموارد بالمخرجات لا بالمدخلات.

الخاتمة – نحو موازنة تعيد تعريف دور الدولة

لقد تجاوزت التحديات التي تواجه الموازنة الأردنية حدود المعالجات المالية التقليدية، ودخلت في عمق البنية المؤسسية والفكرية للدولة. فالموازنة، التي كانت تُعدّ سابقا مجرد وثيقة محاسبية تنظّم العلاقة بين الإيرادات والنفقات، أصبحت اليوم منصة سياسية واقتصادية تحدد من خلالها الدولة موقعها في المستقبل، وما إذا كانت قادرة على التعامل مع التحولات المتسارعة، أم ستظل أسيرة دوامة إدارة الأزمة المستمرة.

في لحظة تتصاعد فيها الضغوط المرتبطة بالمناخ والمياه والطاقة، وتتزايد فيها كلف القطاع الصحي، وتتوسع فيها الفجوات الاجتماعية، وتشتد فيها التقلبات الإقليمية، لم يعد بالإمكان إدارة الموازنة بعقلية السنوات الماضية. فالتداخل بين الأمن المائي، وأزمة الطاقة العالمية، ومتطلبات الصحة العامة، والتحول نحو الاقتصاد الأخضر، والاحتياجات التنموية، يفرض على الدولة أن تنظر إلى الموازنة بوصفها أداة تخطيط وطني استراتيجي لا مجرد التزام سنوي.

في هذا السياق، يصبح من الضروري أن يُعيد صانع القرار النظر في طبيعة الموازنة نفسها: كيف تُبنى؟ كيف تُدار؟ وكيف تُنفّذ؟ فالموازنة بلا رؤية لا تستطيع مواجهة واقع تتداخل فيه أسئلة الاستدامة، والحوكمة، والقطاع الخاص، والتحول الرقمي، والعدالة الاجتماعية. ومن دون تحويل الموازنة إلى “خريطة استراتيجية”، يبقى التخطيط الاقتصادي منفصلا عن التحديات الحقيقية، ويظل الإنفاق العام أسيرا لردود الفعل بدلا من المبادرات.

جوهر الأزمة ليس مالياً بل مؤسسياً: الحوكمة هي غرفة المحركات المعطّلة في الدولة

إن مسار الإصلاح الاقتصادي في الأردن بحاجة إلى انتقال من الخطاب العام إلى التدخلات العملية القابلة للتنفيذ، وهو ما يتطلب بناء مجموعة من الأدوات والسياسات التي تُحدث فرقاً حقيقياً في الميدان. الخطوة الأولى تبدأ بإصلاح النظام الضريبي عبر ربط ضريبة الدخل والمبيعات والجمارك والخزينة على منصة موحّدة تُلزم جميع الوزارات والمؤسسات باستخدام الفوترة الإلكترونية، وتأسيس وحدة دمج بيانات تكشف أنماط التهرب وتغلق الثغرات التي ينفذ منها الفساد، بحيث يصبح التحصيل شفّافاً وعادلاً ويستند إلى قاعدة ضريبية أوسع دون إرهاق الفئات الهشة. وفي موازاة ذلك، يجب إعادة تعريف الاقتراض عبر إنشاء لجنة لاعتماد المشاريع الممولة بالدين، تمنع الاقتراض للإنفاق الجاري وتُخضع أي قرض جديد لدراسة عائد اقتصادي مثبت، مع نشر تقرير ربع سنوي يوضح أثر كل دين على الاقتصاد، الأمر الذي يحوّل الدين من فجوة تمويل إلى أداة نمو.

ولأن القطاعات الحيوية تحتاج إلى استجابة أسرع من النظام المالي التقليدي، فإن إنشاء صندوق وطني للتدخل السريع في المياه والصحة والزراعة، يُتيح للوزارات الصرف المباشر خلال 72 ساعة، سيضمن قدرة الدولة على التعامل مع التحديات المتسارعة في هذه القطاعات المرتبطة مباشرة بالأمن الوطني. كما يتطلب إصلاح المياه والصحة إعادة هيكلة شاملة تتجاوز التجزئة، من خلال دمج سلطة المياه مع شركة مياه الأردن، وتوحيد المشتريات الطبية بين وزارة الصحة والمستشفيات الجامعية والخدمات الطبية ضمن نظام مركزي واحد، وربط الإنفاق بالأداء الفعلي للمؤسسات الصحية.

وفي المقابل، يمكن للأردن إطلاق نهضة خضراء عملية عبر مشاريع جاهزة للتنفيذ، بدءاً بتحويل 50 مدرسة حكومية إلى مدارس شمسية نموذجية خلال عام، وتأسيس منطقة تجريبية للهيدروجين الأخضر في معان أو الأزرق، وتوجيه الحوافز الضريبية نحو صناعات خضراء محددة مثل إعادة التدوير والزراعة الذكية والإلكترونيات الشمسية، إلى جانب إطلاق صندوق مخصص لتمويل المبادرات الشبابية في الاقتصاد الأخضر. كما أن تمكين القطاع الخاص يتطلب إصلاحات “ضيقة وعميقة” تشمل إلغاء نسبة كبيرة من التراخيص المسبقة وتحويلها إلى نظام إخطار إلكتروني، وتقليص زمن تسجيل الشركات إلى 24 ساعة، وتأسيس وحدة “المسار السريع” للمشاريع الاستثمارية الكبرى، وإلزام الوزارات بنشر تقارير إنجاز شهرية تعزز الشفافية وتزيد الثقة لدى المستثمرين.

وأخيراً، لن ينجح أي إصلاح ما لم يُدعّم بنظام صارم لتقييم الأداء الحكومي قائم على النتائج لا الجهود، عبر إنشاء لوحة متابعة وطنية مرتبطة برئاسة الوزراء، تعتمد مؤشرات إلزامية للأولويات الوطنية، وتربط المكافآت والعقوبات مباشرة بمستوى الإنجاز، بحيث يصبح الانضباط المالي والإداري ثقافة مؤسسية لا مجرد توجيه سياسي. عندها فقط يمكن للإصلاحات أن تتحول من رؤية على الورق إلى واقع ينعكس على الاقتصاد والمجتمع ويعيد بناء الثقة في قدرة الدولة على قيادة مسار تنموي مستدام.

إن تبني هذه الخطوات لا يمنح الموازنة القدرة على إدارة السنة المالية فقط، بل يمكّنها من أن تكون أداة لإدارة المستقبل. وبهذا التحول، تنتقل الموازنة من كونها عبئا سنويا تتكرر فيه المشكلات نفسها، إلى منصة وطنية تُفتح عبرها مسارات جديدة للنمو الاقتصادي، وتعزّز فيها ثقة المواطن بالدولة، ويتدعم من خلالها الاستقرار السياسي والاجتماعي.

فالميزانية، في جوهرها، ليست أرقاما تُسجل على الورق، بل رؤية دولة وطموح شعب. وبإعادة تعريفها، يمكن للأردن أن ينتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص، ومن الاستجابة للضغوط إلى صياغة مستقبل اقتصادي أكثر استقرارا وقدرة على مواجهة التحديات.

زر الذهاب إلى الأعلى