الحياد المُتنازع عليه: كيف تشتري إسرائيل رواية الذكاء الاصطناعي؟

خلال أيام، يتوجه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع، ونتابع نحن من عمّان ورام الله وغزة نتيجةً لن نصوّت فيها، لكننا سندفع ثمنها؛ فمن سيجلس في مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية سيقرر مصير الضفة الغربية، ومستقبل الحرب على غزة، وشكل العلاقة مع الأردن في السنوات المقبلة. وحتى نفتالي بينيت الذي يُقدَّم بديلًا عن نتنياهو، دعا إلى ضم أكثر من 60% من الضفة الغربية، ويرفض الاعتماد على أحزاب عربية في تشكيل أي حكومة[1]. أما الفلسطينيون داخل إسرائيل، فقد صوّتت لجنة الانتخابات المركزية في أيلول على شطب قائمتيهم الرئيسيتين[2]، قبل أن تعيدهما المحكمة العليا إلى السباق الانتخابي في الثاني من تشرين الأول[3]. نحن إذًا أمام انتخابات تُحسم فيها مصائرنا، بينما يُنازَع الفلسطينيون داخل إسرائيل حتى على حقهم في المشاركة فيها.
في ظل ذلك باتت نماذج الذكاء الاصطناعي تلعب دورًا مهمًا باعتبارها مصدرًا يستقي منه الناخب معلوماته، فوفق استطلاع أجرته جمعية الإنترنت الإسرائيلية على عينة ممثلة من 1,005 إسرائيليين، يفكر ربع الإسرائيليين الاستعانة في أدوات الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارهم الانتخابي[4]. وحين يسأل المستخدم العربي ChatGPT أو Claude أو Gemini عن هذه الانتخابات، يتلقى إجابة هادئة متوازنة، تعرض “وجهات النظر المختلفة” بإنصافٍ ظاهر. وقد يبدو أن مشكلتنا مع هذه الأدوات هي انحيازها لإسرائيل، لكن هذه الحجة وحدها لم تعد تقول شيئًا جديدًا، وصارت جزءًا من اتهام متبادل؛ فرابطة مكافحة التشهير الأمريكية تقول العكس تمامًا، وتؤكد في تقرير موسّع أن نماذج اللغة الكبرى LLMs منحازة ضد إسرائيل[5]. وهكذا، بات كل من الطرفين العربي الفلسطيني والإسرائيلي يرى أن هذه الأدوات منحازة ضده، والسؤال الأجدى ليس ضد من تنحاز الآلة، وإنما من يعمل على صناعة ما تقوله، وكيف.
وإذا انتقلنا للحديث عن صناعة الرواية بوصفها جبهة حرب، فإن نتنياهو نفسه وصف الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول 2026، بأنها “الجبهة الثامنة” التي تخوضها إسرائيل إلى جانب جبهاتها العسكرية[6]، ومع أنه لم يذكر نماذج الذكاء الاصطناعي صراحة، فإنها تبدو الامتداد الأحدث لهذه الجبهة؛ إذ لا يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي في إسرائيل بوصفه أداة استهلاكية، وهو ما يتوافق مع إطلاق نتنياهو برنامجًا وطنيًا للذكاء الاصطناعي هدفه المعلن تثبيت موقع إسرائيل قوةً عظمى عالمية في هذا المجال[7]. ولم يقتصر هذا التفكير على المختبرات والجيش، فالرواية نفسها صارت جبهة.
ففي أيلول 2025، وقّعت الحكومة الإسرائيلية عقدًا مع براد بارسكيل، المدير السابق لحملة ترامب الانتخابية، ينص صراحة على إنشاء مواقع ومحتوى لتحقيق نتائج تأطير داخل محادثات GPT[8]، ثم تضاعف العقد ليبلغ 4.5 ملايين دولار شهريًا. وأنشأت شركته عشرة مواقع تتزين بزي المنصات البحثية ومواقع تدقيق الحقائق، تنفي الإبادة في غزة وتشكك في مقتل الطفلة هند رجب، ولا يتجاوز متوسط زوارها بضع مئات شهريًا؛ لأن جمهورها المستهدف ليس البشر أصلًا، وإنما روبوتات المحادثة[9] وفي الحملة الانتخابية الحالية، تستثمر الأحزاب الإسرائيلية بدورها في التأثير على إجابات هذه البوتس[10].
وهنا تكمن النقطة التي يغفلها الجدل حول “الانحياز”: هذه الحملات لا تنجح رغم حياد الآلة، وإنما بسببه. فروبوتات المحادثة مصممة لتعرض في كل قضية “الرأي والرأي الآخر”. وحين يسألها مستخدم: “هل ترتكب إسرائيل إبادة جماعية؟”، تبحث عن طرفين لتعرضهما بالتساوي. وهنا تؤدي المواقع الإسرائيلية دورها؛ فهي مكتوبة بلغة هادئة ومليئة بالمصادر، فتختارها الآلة لتمثل “الطرف الآخر” في الإجابة. هذا ما يشرحه هيرفي ليتوكو، الرئيس السابق للعمليات في الوكالة الفرنسية المسؤولة عن رصد التدخل الرقمي الأجنبي[11].
بهذا المعنى، لا يحتاج من يريد التأثير إلى أن يجعل الآلة منحازة؛ يكفيه أن يضمن لروايته مقعدًا في رواية الطرف الآخر. وحين يتحول السؤال عن الإبادة إلى نقاش له طرفان متكافئان، تتحول الإبادة من حقيقة إلى وجهة نظر. ولا يتطلب ذلك جهدًا كبيرًا؛ إذ وجدت دراسة لشركة Anthropic أن نحو 250 وثيقة مضللة تكفي لتعليم نموذج لغوي سلوكًا غير مرغوب فيه، مهما كان حجمه[12].
لهذا، فتقرير رابطة مكافحة التشهير ليس مجرد شكوى، وإنما جزء من جهد إسرائيلي منظم: جهات تراقب هذه الأدوات وتضغط على الشركات، وأخرى تنشر محتوى تتعلم منه الآلة، وأحزاب تحاول الظهور في إجاباتها، وشركات تختبر أنظمتها في إسرائيل تحديدًا.
أما نحن في الرواية العربية الفلسطينية، فلدينا دراسات أقل وبشكل متفرق، أبرزها دراسة نُشرت هذا العام في مجلة Third World Quarterly، أثبتت أن ChatGPT منحاز ضد الفلسطينيين بالعربية والإنجليزية، لدرجة أنه يتجاهل حق العودة وينكر النكبة في بعض إجاباته[13] لكن هذه الدراسات تبقى داخل الجامعات، ولا تتحول إلى ضغط على الشركات ولا إلى محتوى يصل إلى الآلة، ولا يوجد جهد من المؤسسات والمراكز البحثية أو الجهات الحكومية للتأثير على أجوبة النماذج.
بالتالي الخلل أعمق من غياب الضغط، والمسألة ليست بشكل دقيق تحيز النماذج بالإجابة لطرف من الأطراف، فالآلة تبني إجاباتها مما هو متاح، والمتاح غير متكافئ: دراسة على إجابات هذه الأدوات للناخبين الإسرائيليين وجدت أن 84% منها يستند إلى مواقع إخبارية إسرائيلية[14]في حين لا تتجاوز المواقع العربية 0.6% من مواقع الإنترنت كلها[15].
وحين يسأل الفلسطيني داخل إسرائيل، الذي كادت أحزابه تُشطب، عن هذه الانتخابات بلغته، فهو يسأل أداة لم تُصمَّم لأجله؛ فاختبارات الحياد لدى Anthropic تقيس التوازن بين مواقف اليسار واليمين، واستُطلعت لتطوير معاييرها آراء أشخاص من الولايات المتحدة وبريطانيا والهند[16]، ولا شيء فيها عن العربية أو عن الصراع.
وما يعنيه ذلك لنا هو أن ندرك أن الرواية لم تعد تُحسم في الصحف والشاشات وحدها، وأن البنية المعرفية التي تتغذى منها نماذج الذكاء الاصطناعي صارت ساحة صراع لها أدواتها وميزانياتها.
ولعل من المطلوب عربيًا: أن تتولى مراكز الأبحاث العربية تدقيقًا دوريًا ومنهجيًا لما تقوله هذه الأدوات بالعربية عن قضايانا، وأن تنشر نتائجه وتضعه أمام الشركات. وأن نطالب هذه الشركات بشفافية المصادر؛ فإذا كانت Claude وChatGPT وGemini قد نبّهت إلى أن مواقع بارسكيل ممولة من الحكومة الإسرائيلية، بينما أغفلت ذلك أدوات أخرى، فإن وسم المحتوى الممول حكوميًا ممكن تقنيًا، ويجب أن يصبح قاعدة لا استثناء. وأن نبني محتوى عربيًا رصينًا، موثقًا، منظمًا، ومتاحًا، لأن هذه الصفات تحديدًا هي ما يجعل المحتوى قابلًا لأن تلتقطه إجابات نماذج الذكاء الاصطناعي.
إذًا، الرواية لا تنتهي بإعلان نتائج انتخابات الكنيست، وغيابنا عنها- وأقصد الرواية، كعرب وفلسطينيين- حتى الآن خيار، لا قدر.
[1] وحدة الدراسات السياسية، “انتخابات الكنيست 2026: ملامح الخريطة السياسية والحزبية في إسرائيل”، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 5/8/2026، شوهد في 22/10/2026، في: https://www.dohainstitute.org/ar/PoliticalStudies/Pages/2026-knesset-elections-israeli-political-and-party-map.aspx
[2] “Arab Parties Denounce Ban from Israel’s October Election,” Al Jazeera, 24/9/2026, accessed on 22/10/2026, at: https://www.aljazeera.com/news/2026/9/24/israel-moves-to-bar-both-main-arab-lists-from-october-election
[3] “Israel’s Supreme Court Overturns Election Panel Ban on Arab Parties,” Al Jazeera, 2/10/2026, accessed on 21/10/2026, at: https://www.aljazeera.com/news/2026/10/2/israels-supreme-court-overturns-election-panel-ban-on-arab-parties
[4] “Quarter of Israelis Consider Using AI for Election Votes, Survey Shows,” The Jerusalem Post, 31/8/2026, accessed on 20/10/2026, at: https://www.jpost.com/israel-election-2026/article-907116
[5] “Anti-Jewish and Anti-Israel Bias Found in Leading AI Models, New ADL Report Finds,” ADL, 25/3/2025, accessed on 1/10/2026, at: https://www.adl.org/resources/press-release/anti-jewish-and-anti-israel-bias-found-leading-ai-models-new-adl-report
[6] “Prime Minister Netanyahu’s 2026 UN General Assembly Speech,” Jewish Virtual Library, 24/9/2026, accessed on 30/9/2026, at: https://jewishvirtuallibrary.org/prime-minister-netanyahus-2026-un-general-assembly-speech
[7] “Netanyahu Launches National AI Program: ‘Israel Will Be a Global Power’,” Israel National News, 10/8/2026, accessed on 18/10/2026, at: https://www.israelnationalnews.com/news/431502
[8] “Exhibit AB to Registration Statement, Registration No. 7649,” FARA eFile, U.S. Department of Justice, 18/9/2025, accessed on 22/10/2026, at: https://efile.fara.gov/docs/7649-Exhibit-AB-20250918-1.pdf
[9] Nick Cleveland-Stout, “Israel Is Paying Millions to Train AI Chatbots How to Talk About Gaza. It’s Working,” Drop Site News,28-7-2026, accessed on 22/10/2026, at: https://www.dropsitenews.com/p/israel-brad-parscale-ai-chatbots-gaza
[10] “Poll-rigging Bots and AI Robocalls: The Dark Tech Running Israel’s Election Campaigns,” Haaretz, 11/8/2026, accessed on 22/10/2026, at: https://www.haaretz.com/israel-news/security-aviation/2026-08-11/ty-article-magazine/israel-elections-2026-the-dark-tech-running-israels-election-campaigns/0000019f-eb5f-d101-a5bf-eb5f63800000
[11] نيك كليفلاند-ستوت، “كيف تسمم ‘إسرائيل’ نماذج الذكاء الاصطناعي بروايتها عن حرب غزة؟”، ترجمة نون بوست، 30/7/2026، شوهد في 22/10/2026، في: https://www.noonpost.com/380607/
[12] “A Small Number of Samples Can Poison LLMs of Any Size,” Anthropic, 9-10-2026, accessed on 20/10/2026, at: https://www.anthropic.com/research/small-samples-poison
[13] G. King, D. Abbas & D. Jegić, “The Political Economy of AI: A Content Analysis of ChatGPT Outputs and Anti-Palestinian Media Bias,” Third World Quarterly (2026), pp. 1–18, accessed on 22/10/2026, at: https://laur.lau.edu.lb:8443/xmlui/handle/10725/17706
[14] “We Ran a Massive AI Election Simulation: Here Is What the Chatbots Recommended to Our AI Personas (Based on 7,051 Citations),” Chatoptic, 28-5-2026, accessed on 22/10/2026, at: https://www.chatoptic.com/blog/israel-2026-elections-ai-visibility-simulation
[15] “From Roots to Relevance,” Strategy& / Abu Dhabi Arabic Language Centre, accessed on 22/10/2026, at: https://www.strategyand.pwc.com/m1/en/industries/culture-and-entertainment/from-roots-to-relevance/from-roots-to-relevance.pdf
[16] “Preparing for the 2026 US Midterms.”