من يقرر مستقبل الضفة الغربية؟ السؤال الغائب في سجال ليبرمان ونتنياهو

أثار اقتراح رئيس حزب “إسرائيل بيتنا | ישראל ביתנו ” أفيغدور ليبرمان إسناد المسؤولية الأمنية والإدارية في أجزاء من الضفة الغربية إلى الأردن سجالًا مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. ففي مقابلة مع “בשבע | Besheva” رأى ليبرمان أن السلطة الفلسطينية لم تعد قادرة على إدارة هذه المناطق، وأن على إسرائيل إيجاد جهة تتولى المسؤولية عنها. وذكر خلال المقابلة المنطقتين B+C، قبل أن يوضح لاحقًا أنه قصد A+B.[1]
هاجم نتنياهو الاقتراح ووصف ليبرمان بأنه من اليسار، مطالبًا إياه بالتراجع عن طرح قد يتيح للجيش الأردني السيطرة على ما سماه “أراضي إسرائيل”. ورد ليبرمان بتوضيح تصوره: سيطرة إسرائيلية كاملة وتواصل جغرافي بين أجزاء المنطقة C، يقابلهما إسناد إدارة A+B إلى الأردن عوضًا عن السلطة الفلسطينية. ووصف الصيغة التي يقترحها بأنها “كونفدرالية إسرائيلية – أردنية”.[2]
ويكتسب وصف نتنياهو ليبرمان بأنه من “اليسار” دلالة إضافية في ظل المنافسة الانتخابية الإسرائيلية. فلم يناقش نتنياهو الاقتراح بوصفه ترتيبًا لإدارة الضفة فحسب، حيث قدمه بوصفه تنازلًا عن السيطرة الأمنية لا ينبغي أن يقبله ناخبو اليمين. ورد ليبرمان باستدعاء خطاب بار إيلان، الذي تحدث فيه نتنياهو سابقًا عن إمكان قيام دولة فلسطينية، قبل أن يؤكد هو نفسه ضرورة بقاء المنطقة “ج” تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. وبذلك اكتسب السجال بُعدًا انتخابيًا، إذ تنافس الطرفان على تقديم موقفيهما بوصفهما الأشد تمسكًا بالسيطرة الإسرائيلية على الضفة، بينما بقي حق الفلسطينيين في تقرير مستقبلها خارج النقاش.
إذا توقف النقاش عند رد نتنياهو، بدا الخلاف متعلقًا بدخول قوات أردنية إلى الضفة. لكن توضيح ليبرمان ينقل السؤال إلى مستوى آخر: كيف يمكن توزيع إدارة السكان والسيطرة على الأرض خلال المرحلة المقبلة؟ فاقتراحه يُسند إلى الأردن مسؤولية مناطق يعيش فيها معظم الفلسطينيين، ويُبقي لإسرائيل السيطرة على المنطقة التي تشكل الجزء الأكبر من مساحة الضفة. هنا لا يعود الأردن مجرد بديل مقترح للسلطة الفلسطينية؛ حيث يصبح جزءًا من ترتيب يفصل بين من يدير الفلسطينيين ومن يملك القرار في جغرافيا أرضهم. وفي السجال حول الجهتين اللتين ستتوليان هذين الدورين، يغيب الفلسطينيون بوصفهم أصحاب الحق في تقرير مستقبل الضفة.
المنطقة “ج” في قلب المقترح
نشأ تقسيم الضفة الغربية إلى المناطق “أ” و”ب” و”ج” ضمن ترتيبات أوسلو الانتقالية، التي كان يُفترض أن تقود إلى تسوية دائمة[3]. لكن استمرار التقسيم جعل مصير هذه المناطق، ولا سيما المنطقة “ج”، مؤثرًا مباشرة في مستقبل أي دولة فلسطينية. فالمنطقة “ج” تشكل نحو 60% من مساحة الضفة، وتضم المستوطنات ومساحات تفصل بين التجمعات الفلسطينية وتحيط بها[4]. لذلك لا يمكن النظر إلى السيطرة عليها باعتبارها شأنًا منفصلًا عن إدارة المنطقتين “أ” و”ب”.
تظهر أهمية هذه النقطة في رد ليبرمان نفسه. فبينما دافع عن نقل مسؤولية “أ” و”ب” إلى الأردن، شدد على ضرورة خلق تواصل جغرافي بين أجزاء المنطقة “ج” وإبقائها تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة[5]. وإذا جرى ربط المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية على نحو يرسخ هذا الواقع، فإن السؤال لا يعود مقتصرًا على الجهة التي تقدم الخدمات أو تتولى الأمن في المدن الفلسطينية، بل يمتد إلى قدرة تلك المدن على الاتصال بعضها ببعض وإمكان قيام دولة فلسطينية على أرض متصلة.
بهذا المعنى، يفصل اقتراح ليبرمان بين السكان والأرض. فهو يبحث عن جهة تتحمل مسؤولية إدارة حياة الفلسطينيين اليومية، لكنه يتمسك ببقاء السيطرة على مساحة واسعة من أرضهم لإسرائيل. وقد يبدو نقل الإدارة تغييرًا في الجهة المسؤولة عن شؤون السكان، إلا أنه لا يجيب عن السؤال السياسي الأهم: ما مصير الأرض التي يفترض أن يمارس الفلسطينيون عليها حقهم في تقرير المصير؟ بل إن التركيز على الجهة التي تديرهم قد يحجب استمرار السيطرة على الجغرافيا التي تحدد مستقبلهم.
ولا تقف الوقائع المتعلقة بالأرض عند حدود المنطقة “ج”. فقد وثقت حركة “السلام الآن” إجراءات إسرائيلية امتدت إلى المنطقتين “أ” و”ب”، شملت المساس بصلاحيات السلطة الفلسطينية والضغط على مواردها المالية، إلى جانب نشاط استيطاني في مناطق خاضعة لإدارتها.[6] لا يعني ذلك أن الحكومة الإسرائيلية تبنت اقتراح ليبرمان، ولا أن الخلاف المعلن بينه وبين نتنياهو شكلي. لكنه يوضح السياق الذي يُطرح فيه الاقتراح: تتعرض صلاحيات السلطة للتآكل، وتتسع الإجراءات الإسرائيلية المؤثرة في الأرض، ثم يظهر طرح يدعو إلى إسناد إدارة مناطق فلسطينية إلى جهة أخرى. ومن هنا تكتسب فكرة “من يدير السكان ومن يسيطر على الأرض” دلالتها العملية.
السلطة الفلسطينية والانتخابات: من يختار جهة الإدارة؟
ينطلق ليبرمان من رفض استمرار السلطة الفلسطينية في إدارة المنطقتين “أ” و”ب”، ثم يقترح الاتفاق مع الأردن ليحل محلها في المسؤولية الأمنية والإدارية. وهذا يتجاوز نقد أداء السلطة أو التشكيك في قدرتها على الحكم؛ فهو ينقل قرارًا يتعلق بمستقبل مؤسسة فلسطينية إلى نقاش سياسي إسرائيلي، من دون أن تكون الإرادة الفلسطينية نقطة انطلاقه. فالسلطة قابلة للنقد والإصلاح أو التغيير، لكن السؤال عمن يمثل الفلسطينيين ويدير شؤونهم لا يُحسم بتسمية بديل لها من خارجهم.
وجاء طرح ليبرمان قبل أيام من فتح باب الترشح للانتخابات التشريعية الفلسطينية في 26 أيلول 2026، وفق الجدول الذي أعلنته لجنة الانتخابات المركزية، على أن يُجرى الاقتراع في 28 تشرين الثاني[7]. ولا يثبت تقارب الموعدين أن ليبرمان قصد الرد على الانتخابات أو التأثير فيها. مع ذلك، يكشف التزامن مفارقة سياسية: ففي وقت يُطرح فيه مسار انتخابي فلسطيني لإعادة تشكيل المؤسسات والتمثيل، يُطرح في السجال الإسرائيلي تصور يتجاوز المؤسسة الفلسطينية القائمة ويبحث عن جهة تدير مناطق فلسطينية.
لا تجعل الانتخابات، بحد ذاتها، مشكلات النظام السياسي الفلسطيني أو معيقات إجرائها تحت الاحتلال أمرًا محلولًا. لكنها تعيد تأكيد المبدأ الذي يغيب عن اقتراح ليبرمان: مستقبل المؤسسات الفلسطينية شأن يقرره الفلسطينيون. أما استبدال السلطة بترتيب يُصاغ خارج هذا المسار، فلا يتعلق بمجرد تعديل إداري؛ إذ يؤثر في الجهة التي تمارس الصلاحيات على الفلسطينيين، وفي موقع الفلسطينيين أنفسهم من القرار المتعلق بمستقبلهم. وتصبح هذه المسألة أكثر حساسية حين يقترن نقل الإدارة بالإبقاء على السيطرة الإسرائيلية على المنطقة “ج”.
الأردن بين مسؤولية السكان وحق الفلسطينيين في الأرض
يفترض طرح ليبرمان استعداد الأردن لتولي المسؤولية التي يقترح نقلها إليه. فقد قال في المقابلة إن الأردن “لا خيار لديه”، وتحدث عن احتمال دخول قوات أردنية أو تشكيل قوات تحت قيادة أردنية[8]. غير أن تصريحه لا يقدم تفاهمًا معلنًا مع عمان، ولا يستطيع أن يحدد بالنيابة عنها دورها غرب النهر. كما أن المسألة بالنسبة إلى الأردن أوسع من سؤال قبول مهمة أمنية أو إدارية؛ فهي تتصل بمستقبل الدولة الفلسطينية، وطبيعة العلاقة بين الضفتين، وحدود الدور الأردني في قضية تقوم، في أساسها، على حق الفلسطينيين في أرضهم.
وتكمن إحدى إشكاليات المقترح في أنه ينقل إلى الأردن مسؤولية إدارة الفلسطينيين، بينما يُبقي لإسرائيل السيطرة على المنطقة “ج”. فإذا كانت الجهة التي تدير السكان لا تملك القرار في المساحة الأكبر من الضفة، فإن ما يُطرح لا يعالج مستقبل الضفة بوصفها أرضًا لدولة فلسطينية، انما يعيد توزيع الأعباء المرتبطة بسكانها. عندئذ يصبح السؤال الأردني مرتبطًا بتعريف القضية الفلسطينية نفسها: هل تظل قضية شعب يطالب بالسيادة وتقرير المصير، أم تتحول إلى قضية إدارة سكان تتقاسم أطراف أخرى مسؤولياتهم؟
يكتسب توقيت السجال دلالة إضافية في هذا السياق. ففي 22 أيلول 2026، حذر الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة من الاستيلاء على الأراضي وتوسيع المستوطنات وطرد الفلسطينيين، ووصف ما يجري في الضفة بأنه “ضم فعلي” يسعى إلى جعل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أمرًا مستحيلًا[9]. وفي اليوم التالي، برز طرح ليبرمان الذي يقترح إسناد إدارة المنطقتين “أ” و”ب” إلى الأردن مع إبقاء السيطرة الإسرائيلية على المنطقة “ج”. ولا يشير تقارب التوقيت إلى صلة مباشرة بين الخطاب والاقتراح، لكنه يُظهر اختلاف نقطة الانطلاق في كل منهما: مستقبل الأرض والدولة وحق الفلسطينيين في تقرير المصير في الموقف الأردني، مقابل توزيع مسؤوليات الإدارة والسيطرة في اقتراح ليبرمان.
وكانت وزارة الخارجية الأردنية قد أكدت، في إدانتها إجراءات الضم الإسرائيلية، أن لا سيادة لإسرائيل على الضفة الغربية المحتلة، وربطت تسوية القضية الفلسطينية بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وتجسيد دولته المستقلة على أرضه[10]. لذلك ينبغي التمييز بين دعم الأردن للفلسطينيين ودولتهم، وبين افتراض أن يحل محل مؤسساتهم في إدارة أجزاء من الضفة ضمن ترتيب يحافظ على السيطرة الإسرائيلية على أرض واسعة منها. الأول موقف أردني معلن؛ أما الثاني فهو اقتراح سياسي إسرائيلي، ولا يوجد ما يثبت قبول الأردن به.
من يقرر مستقبل الضفة؟
يكشف سجال نتنياهو وليبرمان خلافًا بشأن الدور الذي يمكن أن يُمنح للأردن في الضفة، لكنه يكشف أيضًا حدود النقاش الإسرائيلي حين يدور حول إدارة المناطق والسيطرة عليها من دون البدء بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. ففي تصور ليبرمان، تُنقل مسؤولية الفلسطينيين في “أ” و”ب” إلى الأردن، وتبقى المنطقة “ج” تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. أما اعتراض نتنياهو فاستهدف احتمال وجود الجيش الأردني غرب النهر، ولم يُعد الفلسطينيين إلى موقع أصحاب القرار في مستقبل أرضهم.
لهذا لا يُقاس أثر الاقتراح بما إذا كان قابلًا للتنفيذ غدًا أو ما إذا كان الأردن سيقبله؛ بل بما يكشفه عن طريقة التفكير في مستقبل الضفة: البحث عمن يدير السكان، فيما يستمر التعامل مع السيطرة على الأرض بوصفها أمرًا محسومًا أو قابلًا للتوسيع. هنا يكمن السؤال الذي غاب عن السجال: هل ستبقى الضفة تُناقش باعتبارها أرضًا لشعب له حق في السيادة والدولة، أم ستُختزل تدريجيًا إلى مناطق تُوزع مسؤولية إدارتها بين أطراف أخرى، بينما يُقرر مستقبل جغرافيتها من دون الفلسطينيين؟
[1] Ynet, “Liberman Called for Jordan to Govern Palestinians in the West Bank: ‘They Have No Choice,’” September 23, 2026, אביגדור ליברמן: ירדן צריכה לשלוט בשטחי A ו-B ביהודה ושומרון
[2] Arutz Sheva, “Liberman Proposed an Agreement with Jordan to Administer Areas A and B; Netanyahu Attacked,” September 23, 2026, ליברמן הציע להגיע להסכמה עם ירדן על ניהול שטחי A ו-B – נתניהו תקף | ערוץ 7
[3] United Nations, Israeli-Palestinian Interim Agreement on the West Bank and the Gaza Strip (Oslo II), September 28, 1995, Israeli-Palestinian Interim Agreement on the West Bank and the Gaza Strip (a.k.a. “Oslo II”) – Question of Palestine
[4] Peace Now, “The Quiet Annexation of Areas A and B and Steps to Bring Down the Palestinian Authority,” August 13, 2026, The Quiet Annexation of Areas A and B and Ste… | Peace Now
[5] Arutz Sheva, “Liberman Proposed an Agreement with Jordan to Administer Areas A and B; Netanyahu Attacked,” September 23, 2026, ליברמן הציע להגיע להסכמה עם ירדן על ניהול שטחי A ו-B – נתניהו תקף | ערוץ 7
[6] Peace Now, “The Quiet Annexation of Areas A and B and Steps to Bring Down the Palestinian Authority,” August 13, 2026, The Quiet Annexation of Areas A and B and Ste… | Peace Now
[7] Central Elections Commission–Palestine, “CEC Announces Legal Timetable for the 2026 Legislative Elections,” July 23, 2026, لجنة الانتخابات تعلن المدد القانونية للانتخابات التشريعية 2026 – Central Elections Commission-Palestine
[8] Ynet, “Liberman Called for Jordan to Govern Palestinians in the West Bank: ‘They Have No Choice,’” September 23, 2026, אביגדור ליברמן: ירדן צריכה לשלוט בשטחי A ו-B ביהודה ושומרון
[9] King Abdullah II Official Website, “King Abdullah II’s Address at the Opening Session of the 81st United Nations General Assembly,” September 22, 2026, خطاب جلالة الملك عبدﷲ الثاني في الجلسة الافتتاحية لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين – أيلول 2026 – الموقع الرسمي لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين
[10] Jordanian Ministry of Foreign Affairs and Expatriates, “Jordan Condemns Israeli Measures Aimed at Annexing Occupied Palestinian Territories,” February 15, 2026, الأردن يدين بأشد العبارات إجراءات الحكومة الإسرائيلية الهادفة إلى ضم الأراضي الفلسطينية المحتلة