انتخابات إسرائيل 2026 الصراع على من يقود اليمين: أزمة الشرعية، معركة المؤسسات، وحدود التغيير في دولة استعمارية
انتخابات تتجاوز صندوق الاقتراع

تجري انتخابات الكنيست السادسة والعشرين، المقرر عقدها في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، في لحظة لا تشبه الدورات السابقة. فهي أول انتخابات عامة بعد السابع من أكتوبر 2023 والحرب الإبادية على قطاع غزة، واتساع المواجهة إلى الضفة ولبنان وسوريا وإيران، كما تأتي بعد الانقسام الذي فجرته خطة إضعاف القضاء، وبعد انهيار الثقة بين الحكومة وقطاعات واسعة من الجيش والأجهزة الأمنية وعائلات القتلى والأسرى. لذلك لا يتعلق الاقتراع بتبديل حكومة فقط؛ إنه اختبار لقدرة النظام الإسرائيلي على تداول السلطة، وتحديد من يكتب الرواية الرسمية للإخفاق، ومن يسيطر على المؤسسات التي تنتج القرار والقوة والشرعية.
تبدأ القراءة الفلسطينية لهذه الانتخابات من رفض اللغة التي تصف بها إسرائيل صراعها الداخلي. فقد أدى الإفراط في متابعة الصحافة الإسرائيلية وترجمة استقطاباتها اليومية إلى تسلل تصنيفاتها إلى المجال العربي: يمين في مقابل وسط، متطرفون في مقابل معتدلين، نتنياهو في مقابل التغيير. لكن هذه المفاهيم وُلدت داخل صراع إسرائيلي على شكل الدولة وطريقة إدارتها، ولا تحتفظ بالمعنى نفسه عند الانتقال إلى الاحتلال والاستيطان والحرب على الفلسطينيين. قد يكون آيزنكوت أو بينيت أو لابيد أكثر تمسكًا باستقلال القضاء، وأقل اندفاعًا في إخضاع الإعلام والأجهزة الأمنية، وأكثر حرصًا على العلاقة مع الولايات المتحدة؛ لكن ذلك لا يجعلهم معسكر سلام، ولا يضعهم خارج الإجماع الصهيوني بشأن السيطرة على الفلسطينيين. لذلك لا تجري هذه الانتخابات بين يمين ويسار؛ فلا يوجد اليوم تيار يساري إسرائيلي منظم وقادر على موازنة اليمين، خصوصًا في الشأن الفلسطيني والعربي. إنها، في جوهرها، معركة على من يقود اليمين: نتنياهو وتحالفه القومي الديني والحريدي، أم قيادة أمنية مؤسساتية يمثلها، بدرجات مختلفة، آيزنكوت وبينيت وليبرمان وغيرهم؟
ما الذي ينتخبه الإسرائيليون؟
الكنيست مكون من 120 مقعدا، وتحتاج الحكومة إلى تأييد 61 عضوا على الأقل. إسرائيل دائرة انتخابية واحدة، والتصويت يجري لقوائم مغلقة، ثم توزع المقاعد نسبيا على القوائم التي تتجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25 في المئة. قدمت 38 قائمة ترشحها، لكن العدد الكبير لا يعني أن جميعها قوى فعلية؛ فالقائمة الواحدة قد تضم عدة أحزاب، كما في تحالف الصهيونية الدينية وزهوت، وتحالف بينيت ولبيد، والقائمة المشتركة التي تجمع الجبهة والتجمع والحركة العربية للتغيير.
أهمية النظام ليست تقنية فقط. فقد رفعت نسبة الحسم عام 2014 في سياق سياسي استهدف، من بين أمور أخرى، تصعيب وصول القوائم العربية الصغيرة ودفعها إلى الخسارة. لكن انقلب السحرعلى الساحر: أصبحت النسبة تهدد أيضا قوائم يمينية وحريدية صغيرة، وقد يؤدي سقوط إحداها إلى هدر عشرات آلاف الأصوات وتغيير ميزان الكتل. أما اتفاق فائض الأصوات فيفيد القوائم التي اجتازت الحسم، ولا ينقذ قائمة بقيت تحته. لذلك يجب التمييز دائما بين الحزب الذي يحصل على أصوات أكثر وبين المعسكر القادر على تركيب 61 مقعدا؛ الفوز الانتخابي لا يساوي تلقائيا القدرة على الحكم.
ثلاثة أسئلة خطرة تسبق الانتخابات
قبل النقاش في البرامج والأحزاب، تعيش إسرائيل ثلاثة أسئلة كانت تقدمها عادة بوصفها مشكلات تخص دولا ضعيفة أو أنظمة في العالم الثالث. مجرد تحولها إلى نقاش جدي يدل على تآكل الثقة بالقواعد المشتركة التي تنظم الصراع السياسي:
- هل تجري الانتخابات فعلا؟ التخوف هو أن تستخدم حالة الطوارئ أو مواجهة واسعة مع إيران أو لبنان ذريعة للتأجيل. لا توجد بين أيدينا بينة تثبت خطة جاهزة لافتعال حرب، ولا تستطيع الحكومة تمديد ولاية الكنيست بقرار منفرد؛ لكن استمرار الحرب يمنح نتنياهو قدرة على تغيير جدول الاهتمام وتقديم نفسه قائدا لا يجوز استبداله أثناء الخطر.
- هل تكون الانتخابات نزيهة؟ الخطر لا يقتصر على تزوير الصناديق، بل يشمل التضليل الرقمي، استخدام موارد الدولة، الضغط على الإعلام، الطعن في لجنة الانتخابات، محاولات استبعاد قوائم عربية، وصناعة رواية مبكرة عن تلاعب وقع قبل إعلان النتائج.
- هل يقبل اليمين الحاكم النتيجة؟ يمكنه أن يقبل الأرقام ويرفض شرعية الحكومة الناتجة عنها، ولا سيما إذا احتاجت إلى دعم فلسطيني. عندها قد توصف الأغلبية البرلمانية بأنها انقلاب على إرادة الأغلبية اليهودية، وتتحول المعركة إلى تعبئة ضد القضاء والإعلام ولجنة الانتخابات وأعضاء الكنيست أنفسهم.
من يقود اليمين؟
يتكون معسكر نتنياهو من الليكود، وشاس، ويهدوت هتوراه، والقوة اليهودية، والصهيونية الدينية المتحالفة مع زهوت، وقوى دينية صغيرة. يجمع هذا المعسكر بين قومية الليكود الشعبوية، والمشروع الاستيطاني الخلاصي عند سموتريتش وبن غفير، والمصالح القطاعية للحريديم. يقوده نتنياهو عبر معادلة بسيطة: حماية الحلفاء من القضاء والتجنيد والمحاسبة، مقابل حمايته من السقوط السياسي ومن نتائج محاكمته ولجنة التحقيق في السابع من أكتوبر.
في المقابل، يضم المعسكر المناهض لنتنياهو قوى يمينية وأمنية وليبرالية متباينة: حزب يشار بقيادة غادي آيزنكوت، وتحالف بينيت ولبيد، وإسرائيل بيتنا بزعامة أفيغدور ليبرمان، والديمقراطيين بقيادة يائير غولان، وأزرق أبيض، وحزب الاحتياطيين. ما يجمع هذه القوى هو الاعتراض على شخصنة الحكم، والدفاع النسبي عن القضاء، والمطالبة بتجنيد الحريديم ولجنة تحقيق رسمية. لكنها تختلف في الاقتصاد والدين والدولة، ولا تقدم، في معظمها، مشروعا لإنهاء الاحتلال.
لا يمثل منافسو نتنياهو خروجًا من اليمين، بل مشاريع مختلفة لقيادته. يقدم آيزنكوت نفسه بوصفه ممثلًا لليمين الأمني الدولاني، ويركز على استعادة كفاءة الدولة والجيش بعد السابع من أكتوبر، لكنه يرفض قيام دولة فلسطينية في الأفق السياسي الذي يعرضه، ويؤيد توسيع الاستيطان في المنطقة المصنفة «ج». وحتى اعتراضه على مشروع «E1» لا ينطلق من رفض مبدئي للاستيطان، بل من حساب الكلفة السياسية والإقليمية وتوقيت التنفيذ. أما بينيت، القادم من قيادة مجلس المستوطنات، فيتبنى منذ سنوات ضم المنطقة «ج» وإبقاء تجمعات الفلسطينيين ضمن حكم ذاتي مجزأ في المنطقتين «أ» و«ب». وليبرمان يمثل يمينًا قوميًّا علمانيًّا، يتمحور صراعه الداخلي حول الحريديم والتجنيد، لا حول الاحتلال أو الاستيطان. قد يكون هؤلاء أكثر احترامًا لقواعد المؤسسات من بن غفير وسموتريتش، لكنهم لا يقدمون مشروعًا لتفكيك بنية السيطرة الاستعمارية. الفارق بينهم وبين نتنياهو يتعلق بمن يدير هذه البنية وكيف يديرها، لا بوجودها من حيث المبدأ.
الخريطة الائتلافية وموقع الأحزاب العربية
سياسيا، تبدو الخريطة ثلاثة معسكرات لا معسكرين. الأول هو معسكر نتنياهو، ويجمع الليكود واليمين الديني والقوى الحريدية. والثاني معسكر صهيوني مناهض لنتنياهو، تتصدره شخصيات ذات خلفية عسكرية أو يمينية مثل آيزنكوت وبينيت وليبرمان، وتجاوره قوى ليبرالية أضعف. أما الثالث فيضم القوائم الفلسطينية: القائمة المشتركة، والقائمة العربية الموحدة، وقوائم شراكة عربية يهودية أصغر. وضع هذه القوائم في معسكر ثالث لا يعني أنها متشابهة؛ فالمشتركة تجمع توجهات وطنية وديمقراطية واجتماعية مختلفة، بينما تقدم الموحدة براغماتية ائتلافية تركز على الجريمة والإسكان والميزانيات والاعتراف بالقرى، وتختبر قوائم الشراكة إمكان بناء سياسة عربية يهودية خارج التقسيم القومي المغلق.
تكمن العقدة في أن الأصوات الفلسطينية قد تكون ضرورية حسابيا لتشكيل حكومة بديلة، لكنها تظل مستبعدة من تعريف الحكومة الشرعية عند أغلبية القوى الصهيونية. يستطيع الحزب العربي دعم حكومة من الخارج أو المشاركة فيها، كما حدث في تجربة 2021، لكن خصومه سيصورون الحكومة باعتبارها رهينة لمن لا يعترفون بيهودية الدولة أو يدعمون “العدو”. ويكشف ذلك أن المواطنة الفلسطينية داخل إسرائيل تعمل تحت سقف مشروط: يصوت الفلسطيني ويشغل مقعدا في الكنيست، لكن صوته يصبح موضع طعن عندما يحدد من يحكم. لذلك فإن موقع الأحزاب العربية ليس هامشا انتخابيا؛ إنه الاختبار الأكثر وضوحا لحدود الديمقراطية الإثنية الإسرائيلية.
لا ينبغي الحكم على شعارات المعارضة من دون العودة إلى تجربتها في الحكم. ففي عام 2021 نجحت أحزاب يمينية ووسطية وليبرالية، وبمشاركة القائمة العربية الموحدة، في إزاحة نتنياهو وتشكيل ما سمي إسرائيليًا “حكومة التغيير”. أحدثت تلك الحكومة فرقًا في إدارة بعض الملفات المدنية والمؤسساتية، وفي العلاقة بين الحكومة والقضاء، وأظهرت أن مشاركة حزب عربي في الائتلاف ممكنة من الناحية العملية. لكنها لم تحول “التغيير” الداخلي إلى تغيير في موقع الفلسطيني داخل المشروع الإسرائيلي.
استمر في عهدها الاستيطان وهدم المنازل والتهجير والسيطرة العسكرية، بل توسعت المخططات والعطاءات الاستيطانية خلال سنتها الأولى، وفق معطيات حركة “السلام الآن”. لم يكن ذلك انحرافًا عن برنامج الحكومة، لأن المسألة الفلسطينية جرى تحييدها مسبقًا لضمان بقاء الائتلاف. وتقدم هذه التجربة اختبارًا عمليًا للانتخابات المقبلة: يمكن لحكومة بديلة أن تحد من نفوذ بن غفير وسموتريتش، وأن تعيد بعض الصلاحيات إلى القضاء والجيش والهيئات المهنية، وأن تكون أكثر انتباهًا للكلفة الدولية؛ لكنها لا تحمل، في تركيبتها الحالية، مشروعًا لإنهاء الاحتلال أو تفكيك الاستيطان. لقد غيرت حكومة 2021 طريقة إدارة الدولة، ولم تغير البنية التي تحكم الفلسطينيين.
أما استطلاعات الرأي، فتشير في صورتها العامة إلى تقارب المعسكرات وعجز كل طرف عن حسم الانتخابات وحده، لكن لا ينبغي تحويلها إلى نتيجة مسبقة. تتغير الخريطة بتغير نسبة المشاركة، واتجاه الأصوات غير المحسومة، وقدرة القوائم الصغيرة على تجاوز الحسم، ونسبة التصويت في المجتمع الفلسطيني، وأي تطور أمني يسبق الاقتراع. كما أن السؤال الحاسم لا تجيب عنه الاستطلاعات بسهولة: هل يستطيع عدد من الأحزاب التي ترفض نتنياهو أن تتفق بعد الانتخابات على رئيس حكومة وبرنامج وحدود للشراكة العربية؟ لهذا تكون خريطة التحالفات أكثر أهمية من الرقم المتقلب لكل قائمة.
إسرائيل الأولى وإسرائيل الثانية
يقوم الانقسام المعسكري فوق انقسام إثني وطبقي وثقافي أقدم. تشير عبارة إسرائيل الأولى إلى النخب الأشكنازية العلمانية التي هيمنت تاريخيا على القضاء والجامعات والإعلام والاقتصاد وقيادات الجيش والدولة. وتشير إسرائيل الثانية إلى قطاعات شرقية ومزراحية وتقليدية ودينية شعرت بالإقصاء، ثم وجدت في انقلاب الليكود عام 1977 وصعود شاس لاحقا طريقا إلى التمثيل والقوة. ليس هذا التصنيف حدّا مطلقا: ليس كل الشرقيين يمينيين ولا كل الأشكناز ليبراليين، لكنه يفسر جزءا مهما من الولاء السياسي والاستقطاب.
المفارقة أن نتنياهو نفسه أشكنازي، لكنه نجح في تقديم محاكمته والصراع معه كأنهما محاولة من النخب القديمة لاستعادة الدولة من إسرائيل الثانية. لذلك لا ترى قطاعات من قاعدته الدفاع عنه بوصفه دفاعا عن فرد فقط، بل حماية لمكانتها الاجتماعية وللانقلاب التاريخي على الهيمنة الأشكنازية. ويمنح شاس هذا الانقسام شكله الحريدي الشرقي، بينما تمثل يهدوت هتوراه الحريدية الأشكنازية. وعلى الرغم من اختلاف الذاكرة الاجتماعية بينهما، يجتمع الحزبان على أولوية الإعفاء من التجنيد، والتعليم الديني والميزانيات القطاعية؛ أي إن التحالف الحريدي مع نتنياهو ليس تطابقا أيديولوجيا كاملا، بل صفقة بقاء ومصالح متبادلة.
اليمين أكبر من حكومة اليمين والاستيطان بوصفه خلاصًا
لا يمكن تفسير هيمنة اليمين بوصفها نتيجة لمناورات نتنياهو الائتلافية وحدها. فاليمين في إسرائيل أكبر من حكومة اليمين، وصعود سموتريتش وبن غفير ليس سبب التحول الاجتماعي بقدر ما هو أحد نتائجه السياسية. لقد سبقت الحكومة الحالية تحولات طويلة في التعليم والجيش والثقافة والحركة الاستيطانية والمؤسسات الدينية، نقلت المستوطنين والصهيونية الدينية من موقع الضغط على الدولة إلى موقع المشاركة في تشغيل أجهزتها وتحديد أولوياتها. لا ترى هذه القوى الاستيطان سياسة قابلة للتفاوض، بل مرحلة في مسار ديني وتاريخي نحو السيادة اليهودية على كامل الأرض. ما تعتبره إنجازات يشمل شرعنة البؤر، وتوسيع المستوطنات، وأسرلة صلاحيات الإدارة المدنية، وإضعاف السلطة الفلسطينية، وتدمير إمكان الدولة الفلسطينية، وتوسيع حضور المتدينين والمستوطنين في الجيش والشرطة والوزارات.
لهذا لا تتعامل القوة اليهودية والصهيونية الدينية مع احتمال خسارة الحكم كتداول عادي، بل كخطر على مشروع خلاص تحقق منه الكثير. وهي لا تريد التراجع قيد أنملة عن هذه المكاسب. بل إن أثر سموتريتش لا يقاس بعدد مقاعد حزبه فقط؛ قوته الحقيقية جاءت من وزارة المالية والصلاحيات المدنية في الضفة، أي من السيطرة على الآلة التي تعيد هندسة المكان الفلسطيني. أما بن غفير فحول وزارة الأمن القومي إلى منصة لتسليح المجتمع اليهودي، وتشديد القمع في القدس والداخل والسجون، ونقل الكهانية من الهامش إلى مركز الشرعية الحكومية.
الانتخابات معركة على مؤسسات الدولة
لا يدور الصراع على مقاعد الكنيست وحدها، بل على القضاء والإعلام والشرطة والجيش والشاباك والموساد ومصلحة السجون. في القضاء، يريد نتنياهو وحلفاؤه تقليص رقابة المحكمة العليا، وتغيير موازين تعيين القضاة، وإضعاف المستشارة القضائية، وتوسيع قدرة الحكومة على العمل بلا قيود. يقدمون ذلك باعتباره استعادة لحكم الأغلبية، بينما يراه خصومهم انقلابا سلطويا وحماية لرئيس الحكومة من المحاسبة.
تشبه الحرب على الإعلام، في بعض أدواتها، نموذج فيكتور أوربان في هنغاريا: لا ضرورة لإغلاق جميع المنابر، بل يكفي إضعاف الإعلام العام والمهني، وتغيير الهيئات المنظمة، ومكافأة المنصات الموالية، وبناء جمهور يعيش داخل منظومة معلومات بديلة. الخطاب التخويني يحول الصحافي والقاضي والموظف المهني إلى جزء من دولة عميقة مزعومة. وعندما تضيع الحقيقة المشتركة، يصبح ممكنا وصف الخسارة الانتخابية بأنها مؤامرة لا نتيجة.
أما المؤسسات الأمنية، فالصراع فيها لم يحسم. يحاول اليمين إخضاع التعيينات والعقيدة المهنية للقيادة السياسية، بينما تخشى قيادات في الجيش والشاباك من تسييس الأجهزة وتحميلها وحدها مسؤولية السابع من أكتوبر. الشرطة ومصلحة السجون أكثر تعرضا للاستحواذ المباشر: توسعت صلاحيات وزير الأمن القومي في توجيه سياسة الشرطة، وارتبطت إدارة السجون بسياسة عقابية وانتقامية ضد الأسرى الفلسطينيين. لذلك تتعلق الانتخابات أيضا بمن يملك أدوات الإكراه داخل الدولة، لا بمن يشغل مكتب رئيس الحكومة فقط.
السابع من أكتوبر وحملتان متضادتان
يشكل السابع من أكتوبر مركز الحملة الدعائية. خطاب الليكود والائتلاف لا يكتفي بتوزيع المسؤولية، بل يقترب أحيانا من رواية تخوينية: الأجهزة الأمنية امتلكت المعلومات، أخفتها أو تجاهلتها، ولم توقظ نتنياهو، ثم حاولت تحميله الإخفاق. هذه الرواية خطرة لأنها لا تناقش خطأ مهنيا فقط؛ إنها تزرع شبهة أن مؤسسات الدولة تواطأت أو ضحت بالأمن لإسقاط رئيس الحكومة. وفي الاتجاه المقابل، تقول المعارضة إن نتنياهو وحكومته بنيا سياسة احتواء حماس، تجاهلا التحذيرات الاستراتيجية، قسما النظام الفلسطيني، وأدارا الدولة بمنطق البقاء السياسي، ولذلك يتحملان المسؤولية العليا.
هنا تصبح لجنة التحقيق ساحة حسم. يريد خصوم نتنياهو لجنة رسمية مستقلة تملك الوثائق واستدعاء الشهود، بينما يرفض هو صيغة تمنح القضاء والنخب المؤسسية سلطة تعيين اللجنة وكتابة رواية الإخفاق. وستحدد الحكومة المقبلة الفترة التي يشملها التحقيق، وكيف توزع المسؤولية بين المستوى السياسي والجيش والشاباك. الانتخابات، بهذا المعنى، تصويت على من يكتب التاريخ الرسمي للسابع من أكتوبر، ومن يتحمل العقوبة السياسية وربما القانونية.
وتضاعف المحاكمة الجنائية الطابع الوجودي للمعركة بالنسبة إلى نتنياهو. خسارة الحكم لا تعني إدانته أو سجنه تلقائيا، لكنها تحرمه قوة المنصب وقدرته على التأثير في التشريعات والتعيينات وفرص العفو أو التسوية، وقد تطلق معركة خلافته داخل الليكود. لذلك لا يخوض الانتخابات كزعيم قد يعود إلى المعارضة، بل كسياسي يرى في استمرار الحكم درعا شخصيا وعائليا وأيديولوجيا.
فلسطين والجبهات الإقليمية – مزايدة داخل اليمين
في الضفة الغربية، المرجح استمرار الاستيطان والضم الزاحف بغض النظر عن هوية رئيس الحكومة. قد تختلف السرعة والشكل القانوني وحجم الاحتكاك مع واشنطن وأوروبا، لكن لا توجد داخل المنافسة الصهيونية الكبرى قوة تعد بتفكيك البنية الاستيطانية أو إنهاء السيطرة العسكرية. وفي غزة، تتقارب المواقف حول منع عودة حماس إلى الحكم، واشتراط أي انسحاب بنزع السلاح، والاحتفاظ بحرية العمل العسكري. الفارق هو أن نتنياهو واليمين الديني يفتحان الباب بوضوح أكبر أمام التهجير والاستيطان، بينما يقدم خصومهما إدارة أمنية أكثر مؤسساتية وحرصا على الشرعية الدولية.
المشهد نفسه يظهر إقليميا. في لبنان وسوريا وإيران، تقدم أصوات معارضة لنتنياهو أحيانا مقترحات أكثر صقورية: توسيع الضربات، تثبيت مناطق أمنية، منع إعادة بناء حزب الله، ورفع سقف المواجهة مع إيران. يمكن تفسير جزء من ذلك كدعاية لإحراج نتنياهو وانتزاع صفة الحزم منه، لكنه يعبر أيضا عن أرضية أيديولوجية مشتركة في مجتمع استعماري يرى القوة العسكرية أداة طبيعية لإعادة تشكيل الإقليم. لذلك فإن سقوط نتنياهو لا يعني بالضرورة تخفيف الحرب؛ قد ينتج قيادة تحاول إثبات أنها أكثر كفاءة في استخدامها.
أما الأردن، فلا يحتل مركز الحملة الحزبية، لكنه حاضر كحد أمني وكطرف مطلوب منه تحمل نتائج السياسات الإسرائيلية: ضبط الحدود، منع التهريب، مواجهة إيران، واستيعاب الضغوط الناتجة من الضفة والقدس. الخطر بالنسبة إلى الأردن ليس برنامجا حزبيا معلنا لترحيل الفلسطينيين إليه فقط، بل تراكم سياسات الضم والتهجير التي تعيد إنتاج فكرة الوطن البديل كواقع إقليمي حتى عندما لا تذكر بالاسم. وفي سوريا، تتقاطع الرغبة في منع التموضع الإيراني مع تصور إسرائيل لنفسها صاحبة مجال أمني يتجاوز حدودها، بما يفتح الباب أمام مناطق عازلة وضربات دائمة وربما هندسة سياسية للمجال السوري.
ولا يمكن فصل هذه المزايدة عن التحولات داخل المجتمع اليهودي الإسرائيلي. فالحرب الطويلة لم تنتج مراجعة أخلاقية واسعة بقدر ما وسعت قبول العقاب الجماعي والتهجير واستخدام القوة بلا قيود، ورسخت تصور الفلسطيني باعتباره مشكلة أمنية أو ديموغرافية لا شعبا صاحب حقوق. تتنافس الأحزاب على دغدغة هذا المزاج: بعضها بلغة الانتقام والخلاص الديني، وبعضها بلغة الردع والكفاءة والجيش المهني. واللغة الثانية تبدو أقل عنفا، لكنها قد تمنح السياسات نفسها شرعية دولية أوسع وقدرة تنفيذية أكبر. لذلك لا يصح أن تقاس خطورة الحزب بحدة شعاراته وحدها؛ فقد يكون المشروع المؤسسي المنضبط أكثر قدرة على تثبيت السيطرة من خطاب متطرف يصطدم بالعالم.
ما الذي قد يتغير، وما الذي سيستمر؟
إذا خسر نتنياهو، فقد يحدث تغيير حقيقي داخل النظام الإسرائيلي: تتراجع شخصنة الحكم، وتستعيد المحكمة العليا والمستشارة القضائية والهيئات الرقابية جزءًا من استقلالها، وقد تتشكل لجنة تحقيق رسمية في إخفاق السابع من أكتوبر، ويتراجع النفوذ المباشر لبن غفير وسموتريتش في الشرطة والسجون وإدارة الضفة. وقد تصبح الحكومة الجديدة أكثر تنسيقًا مع الجيش والولايات المتحدة وأوروبا، وأكثر حذرًا في منح المستوطنين غطاءً سياسيًا علنيًا. هذه فروق حقيقية لا يجوز إنكارها، لأن شكل المؤسسة ودرجة انفلاتها يؤثران في حياة الفلسطينيين وفي مستوى العنف الممارس ضدهم.
لكن الخطأ هو تحويل هذه الفروق إلى “عودة إسرائيل إلى الاعتدال”. ليست هناك نقطة إسرائيلية معيارية معتدلة انحرفت عنها حكومة نتنياهو ثم ستعود إليها الدولة بمجرد سقوطه. فالسيطرة على القدس والضفة، وحماية المستوطنات، ورفض حق العودة، والتفوق القومي اليهودي، والتعامل مع غزة بوصفها مشكلة أمنية، واستخدام القوة لإعادة تشكيل المنطقة، عناصر سبقت الحكومة الحالية وتجاوزتها. قد تكون الحكومة البديلة أبطأ في الضم، وأكثر حساسية للكلفة الدولية، وأقل استعدادًا للاصطدام بالقضاء والمؤسسة العسكرية، لكنها قد تكون أكثر كفاءة في إدارة الاحتلال وتسويقه والدفاع عنه دوليًا. لذلك فالمقارنة الدقيقة ليست بين التطرف والاعتدال، بل بين إدارة خلاصية وفجة للمشروع الاستعماري، وإدارة أمنية مؤسساتية للمشروع نفسه.
سيناريوهات ما بعد الاقتراع
لا تكفي معرفة القائمة الأولى لتوقع الحكومة. الاحتمالات الأهم أربعة:
- أغلبية لنتنياهو: تمنحه شرعية جديدة لاستكمال إضعاف القضاء والإعلام، وتوسع نفوذ اليمين الديني والاستيطاني، وتتيح لجنة تحقيق خاضعة جزئيا لمنطق الائتلاف، مع محاولة إيجاد مخرج سياسي أو قانوني لمحاكمته.
- أغلبية صهيونية مناهضة لنتنياهو: تنهي قيادته الشخصية وقد تعيد بعض الاستقلال للمؤسسات، لكنها لا تنتج تحولا يساريا أو تسوية فلسطينية. وستفتح صراع خلافة داخل الليكود وعلى قيادة اليمين كله.
- بديل يحتاج دعما عربيا: هذا هو السيناريو الأكثر حساسية. يمكن أن تقدم المشتركة أو الموحدة دعما من داخل الحكومة أو خارجها، لكن اليمين سيطعن في شرعيتها ويصورها حكومة تقوم على أصوات غير شرعية قوميا، بما يرفع احتمال التحريض والعنف السياسي.
- استعصاء بلا 61 مقعدا: سقوط قوائم قرب نسبة الحسم قد ينتج حكومة أقلية، أو وحدة اضطرارية، أو انشقاقات، أو انتخابات جديدة. وفي أثناء ذلك تستمر حكومة انتقالية في إدارة الحروب والتحقيقات والتعيينات الحساسة.
صراع على من يملك الدولة
هذه الانتخابات بالغة الخطورة لأنها تجمع ثلاثة مستويات في لحظة واحدة: مصير نتنياهو الشخصي والقضائي؛ مستقبل التحالف بين اليمين الشعبوي والحريديم والصهيونية الدينية؛ والسيطرة على القضاء والإعلام وأجهزة القوة ورواية السابع من أكتوبر. وإذا جاءت النتيجة متقاربة أو قامت حكومة بدعم فلسطيني، فقد ينتقل الصراع من المنافسة البرلمانية إلى رفض الشرعية والتعبئة في الشارع. الصراع الداخلي ليس حتميا، لكنه احتمال واقعي حين يعتقد طرف أن خسارته لا تعني فقدان الحكومة فقط، بل فقدان الدولة والمشروع والتاريخ الذي بناه.
قد تنهي الانتخابات حكم نتنياهو، لكنها لن تنهي هيمنة اليمين. جوهرها المفاضلة بين يمين قومي ديني شعبوي يريد إخضاع المؤسسات لإرادة الأغلبية اليهودية، ويمين أمني مؤسساتي يريد ترميم الدولة وكفاءتها وشرعيتها مع الإبقاء على بنيتها الصهيونية والاستعمارية. لذلك فإن السؤال الفلسطيني ليس: من يفوز في إسرائيل؟ بل: أي صيغة من صيغ القوة الاستعمارية ستتولى إدارة الحرب والسيطرة، وما المساحة التي تتيحها تناقضات المجتمع الإسرائيلي للفعل الفلسطيني والعربي؟
الخطر الآخر هو أن تتحول الانتخابات الإسرائيلية مرة جديدة إلى برنامج انتظار فلسطيني: انتظار سقوط نتنياهو، ثم انتظار تشكيل الحكومة، ثم انتظار عودة المفاوضات أو تغير الموقف الأميركي. الانتخابات متغير سياسي مهم يجب فهمه والاستعداد لنتائجه، لكنها ليست بديلًا من استراتيجية فلسطينية. فالتحولات الجوهرية في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين لم تنتج تاريخيًا من تبدل الحكومات وحده، بل من تغير موازين القوة وكلفة استمرار الاحتلال. لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال الفلسطيني أي حكومة إسرائيلية نفضل، وإنما كيف نتعامل مع الحكومة التي ستتشكل، وكيف نمنع اختلاف أدوات إدارة المشروع الاستعماري من حجب ثبات غاياته الأساسية.
مراجع مختارة
- مؤسسة الدراسات الفلسطينية، دليل إسرائيل العام، الفصل المتعلق بالأحزاب والنظام السياسي الإسرائيلي.
- المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية «مدار»، «انتخابات الكنيست الخامسة والعشرين تفرز حكومة ستكون الأشد تطرفا»، 6 تشرين الثاني/نوفمبر 2022.
- أنطوان شلحت، «اليمين الإسرائيلي يشكل الأكثرية في الكنيست منذ فترة طويلة»، مركز مدار، 6 تشرين الثاني/نوفمبر 2022.
- المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، دليل الأحزاب والقوائم لانتخابات 2026: https://www.idi.org.il/policy/parties-and-elections/elections/2026-1/
- لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية، النظام الانتخابي وتوزيع المقاعد وفق طريقة بدر-عوفر.
- عبد القادر بدوي، «وهم العودة إلى الاعتدال المعلق على الانتخابات الإسرائيلية المقبلة»، الترا صوت، 11 أيلول/سبتمبر 2026.
- Chatham House, “Israel’s General Election Will Be Like No Other Before,” 22 July 2026.
- Yoav Peled, “The Ascendance of Ethno-National Populism in Israel,” Nationalism and Ethnic Politics, 2025.
- Momi Dahan, “Voting Gap by Origin,” CESifo Working Paper No. 10857, 2023.