من الأزمة الميدانية إلى باب المندب: التحول العسكري في اليمن واحتمالات إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية

تشهد الساحة اليمنية تحولًا عسكريًا وأمنيًا بالغ الخطورة، مع تقدم الحوثيين على الساحل الغربي وسيطرتهم على مواقع ومناطق ذات أهمية استراتيجية. فالحديث عن مدينة المخا، والتوسع باتجاه باب المندب، والوصول إلى الأرخبيل وجزيرة ميون والمناطق الساحلية المجاورة، يعني أن التطورات الحالية تتجاوز تغير خطوط السيطرة داخل اليمن، وتدفع الصراع من مستوى الحرب الداخلية إلى مستوى الصراع على الممرات البحرية والمصالح الإقليمية والدولية.
تكشف هذه التطورات المتسارعة عن أزمة بنيوية داخل القوات المناهضة للحوثيين، وتتجاوز في دلالاتها حدود الخسارة الميدانية العابرة. فقد حقق الحوثيون تحولًا سريعًا في مركز الثقل العملياتي، وانتزعوا أهم مكسب جغرافي واستراتيجي لهم منذ سنوات، فيما تشير سرعة التطورات إلى فقدان القوات الحكومية المبادرة العملياتية، وانتقال الأزمة من نطاقها الميداني الداخلي إلى حسابات باب المندب والممرات البحرية.
تكمن خطورة ما جرى في سرعة تراجع القوات الحكومية والقوى المناهضة للحوثيين، بقدر ما تكمن في قدرة الحوثيين على التقدم. وهنا يبرز سؤال مركزي: كيف تقدم الحوثيون بهذه السرعة؟ ولماذا عجزت القوات الحكومية والقوات المساندة لها عن الصمود أو احتواء الهجوم؟ تقود الإجابة إلى حقيقة أعمق؛ فما يظهر اليوم على الأرض يعكس خللًا في منظومة القيادة والسيطرة والتماسك السياسي والعسكري، أكثر من كونه تراجعًا تكتيكيًا لوحدات عسكرية منفصلة.
إذا استمر هذا المسار، قد يصبح اليمن مركزًا لإعادة رسم توازنات إقليمية، خصوصًا في ظل التداخل بين الحرب اليمنية والتصعيد الإيراني-الأميركي، والصراع على مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر. ومع ذلك، ما زال الحديث عن انهيار كامل ونهائي للقوات الحكومية سابقًا لأوانه؛ إذ توجد تشكيلات وقوات ومناطق قادرة على القتال والمناورة، كما أعلنت الحكومة اليمنية نيتها شن هجمات معاكسة.
تفسير تقهقر القوات الحكومية يبدأ من مستويات رئيسية، في مقدمتها انهيار القيادة والسيطرة، فأي جيش أو قوة عسكرية لا تقاس كفاءته العملياتية بعدد أفراده أو حجم تسليحه فقط، وإنما بقدرته على اتخاذ القرار، ونقل الأوامر، وتنسيق الوحدات. ويبدو أن أحد أهم أسباب التراجع السريع يتمثل في الفجوة بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية والتشكيلات المحلية والقوى القبلية والقوات المنتشرة في الجبهات المختلفة.
يرتبط المستوى الثاني بغياب الجيش الموحد. فالمعضلة اليمنية منذ سنوات تتجاوز القدرة على مواجهة الحوثيين إلى غياب مؤسسة عسكرية وطنية موحدة تعمل وفق عقيدة قتالية مشتركة وتحت قيادة واحدة. فالقوات المناهضة للحوثيين تضم تشكيلات متعددة الانتماءات والخلفيات، وتختلف في علاقاتها الإقليمية، ومناطق انتشارها، وأولوياتها السياسية، ومصادر تمويلها، وقياداتها، ورؤيتها لمستقبل الدولة اليمنية. وقد تكون هذه المشكلة قابلة للاحتواء في مرحلة الدفاع الثابت أو الهدوء النسبي، لكنها تتحول إلى نقطة ضعف خطيرة عندما تواجه هجومًا سريعًا من خصم عنيد، لأن مثل هذه اللحظة تحتاج إلى قرار مركزي واستجابة موحدة.
استفاد الحوثيون من هذا الواقع. فالجماعة تعمل ضمن قيادة أكثر مركزية نسبيًا، وتمتلك قدرة أعلى على توحيد عملية صنع القرار العسكري والسياسي والإعلامي. كما استفادت من انهيار الثقة قبل انهيار المواقع؛ فالانهيار العسكري يبدأ أحيانًا من شعور المقاتلين بأن التعزيزات لن تصل، وأن الإسناد الجوي غير مضمون، وأن الجبهة المجاورة قد تنهار، وأن خطوط الإمداد اللوجستي غير مضمونة. عند هذه النقطة تصبح المواقع العسكرية هشة، وتتحول الحرب النفسية وسرعة الحركة وتفكك الثقة داخل الطرف المقابل إلى عوامل حاسمة في تفسير سرعة التراجع.
يمكن إجمال أسباب انهيار وتراجع الخطوط الدفاعية الحكومية في غياب استراتيجية موحدة لدى القوات الحكومية، ووقوع المفاجأة، وفقدان المبادرة. كانت القوات الحكومية في وضع دفاعي، بينما فرض الحوثيون توقيت ومكان الاشتباك. وتمكنوا من اختراق خط الدفاع الأول، ما أدى إلى تأثير الدومينو؛ إذ استغل الحوثيون انهيار قطاعات دفاعية لخلق انهيار متتابع في القطاعات المتجاورة. كما أن الإسناد الجوي السعودي، على الرغم من وجوده، لم يكن كافيًا على الساحل في اللحظة التي اجتاحته فيها القوات الحوثية، وكانت القوات الحكومية بحاجة إلى مستوى أعلى من هذا الإسناد.
إلى جانب ذلك، ظهر غياب واضح للعمق الدفاعي الكافي لدى القوات الحكومية، بينما ركز الحوثيون قوتهم في النقاط الحاسمة. كما أن تعدد مكونات القوات الحكومية وغياب التجانس العملياتي الكامل أضعفا قدرتها على الصمود. وتزيد هذه المشكلة حدة مع اعتماد القوات الحكومية بصورة كبيرة على الدعم الخارجي، وضعف التنسيق بين القرار السياسي والعسكري. ولا يمكن فصل ذلك عن تأثير الضغط الناري للصواريخ الباليستية والمسيرات الحوثية، وغياب احتياط قادر على التدخل بسرعة لدى القوات الحكومية والفصائل المساندة لها.
تكشف هذه التطورات حدود الاعتماد على الإسناد الخارجي؛ فالدعم الخارجي وحده لا يصنع قوة وطنية متماسكة. وعندما يعتمد الجيش على الطيران الخارجي، والمعلومات الاستخباراتية الخارجية، والتمويل الخارجي، والقرار السياسي الخارجي، فإن أي تغير في موقف الحليف ينعكس مباشرة على الميدان.
استغل الحوثيون فرصة عملياتية سانحة، واختاروا التوقيت في لحظة شديدة التعقيد، مستفيدين من بيئة استراتيجية مواتية. ووظفوا قدراتهم القتالية بأكبر قدر عملياتي مؤثر مقابل نقاط الضعف الموجودة لدى القوات الحكومية. وبهذا انتقلوا من الدفاع إلى المبادرة، وهو تحول نوعي حقيقي؛ إذ لم يعودوا ينتظرون الهجمات أو يديرون حرب استنزاف داخل مناطقهم فقط، وإنما باتوا قادرين على فتح جبهات متعددة تستنزف قدرات القوات الحكومية والقوات المساندة لها في أكثر من محور قتال. كما أصبحوا يبادرون بالهجوم، وينفذون عمليات متزامنة، ويستخدمون الصواريخ والمسيرات، ويجمعون بين العمليات البرية والضغط الإقليمي. وبهذا انتقلوا من نموذج قوة محلية إلى نموذج فاعل عسكري إقليمي.
تشكل هذه التطورات تحديًا مباشرًا للأمن القومي السعودي. فالخطر لم يعد مقتصرًا على صواريخ عابرة للحدود أو مسيرات أو هجمات على منشآت الطاقة، وإنما امتد إلى إمكانية تغيير الخريطة العسكرية على الساحل اليمني. وهذا يضع السعودية أمام خيارات صعبة: التدخل العسكري الأوسع، أو إعادة بناء القوة اليمنية، أو البحث عن تسوية سياسية جديدة.
كلما اتسع التهديد في اليمن والبحر الأحمر، تزداد الحاجة إلى قراءة العلاقة بين الأمن اليمني والصراع الإيراني-الغربي. فقد سبق أن هددت إيران بإمكانية توجيه الحوثيين للتدخل في الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر، وهذا ما جرى. ومن هنا، قد يصبح اليمن مرة أخرى ساحة للتفاوض الإقليمي بين القوى الكبرى، وليس مجرد ملف داخلي منفصل. فهناك تعدد للاعبين، من الولايات المتحدة وإيران إلى السعودية والإمارات. وعلى الرغم من انسحاب القوات العسكرية الإماراتية، فإن النفوذ والتأثير الإماراتي على القوى المحلية ما زال قائمًا.
في هذا السياق، يبرز سؤال عدن بوصفه سؤالًا استراتيجيًا، فمن الناحية العسكرية، لا تبدو عدن هدفًا عملياتيًا مباشرًا للحوثيين، لكن أي تقدم حوثي في اتجاه الساحل الغربي والمحافظات الجنوبية يخلق ضغطًا كبيرًا عليها. فالهدف الحوثي قد لا يكون احتلال عدن مباشرة، لكنه قد يؤدي إلى تشتيت قواتها، وقطع طرق الإمداد، وإنهاك القوات الحكومية، وزيادة عمليات النزوح نحو الجنوب، وخلق حالة من الذعر السياسي في المنطقة. وبذلك يمكن أن تكون عدن هدفًا استراتيجيًا حتى من دون أن تكون هدفًا عملياتيًا مباشرًا.
تفتح هذه التطورات أربعة سيناريوهات محتملة. يتمثل السيناريو الأول في الهجوم المضاد ووقف الانهيار، وهو السيناريو الأكثر إيجابية بالنسبة للحكومة اليمنية. ويتطلب ذلك توحيد القيادة، وتوفير تعزيزات لوجستية منظمة، وإسناد جوي فعال ومكثف قادر على إحداث التأثير، إلى جانب القدرة على تنفيذ هجمات معاكسة تستعيد بعض المناطق التي سيطر عليها الحوثيون. نجاح هذا السيناريو يحتاج إلى قرار سياسي وعسكري سريع.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تثبيت الحوثيين لمكاسبهم. ويعد هذا السيناريو خطيرًا على المدى المتوسط. فإذا تمكن الحوثيون من تثبيت سيطرتهم على الساحل، وتأمين طرق الإمداد، ومنع الهجمات المضادة، ونشر دفاعاتهم الساحلية والصاروخية، فإن المكاسب التي حصلوا عليها خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية قد تتحول إلى واقع استراتيجي جديد. وبهذا يصبح الحوثيون قادرين على التأثير في البحر الأحمر وباب المندب، وتصبح عملية استعادة هذه المناطق أكثر تعقيدًا وكلفة.
أما السيناريو الثالث، فهو انهيار سياسي وعسكري متسارع. هذا لا يعني بالضرورة سقوط الدولة اليمنية، لكنه قد يفتح الباب أمام انقسامات داخل القوات، واتهامات متبادلة، وانهيار بعض الجبهات، وزيادة المعاناة الإنسانية، واتساع عمليات النزوح، وتوسع الحوثيين. وسيجعل هذا السيناريو مناطق الجنوب وعدن أكثر هشاشة.
أما السيناريو الرابع، فهو تدويل أكبر للصراع. فإذا تعرضت الملاحة الدولية في باب المندب لتهديد مباشر ومستمر، قد تصبح الأزمة اليمنية أكثر تدويلًا، بما يفتح المجال أمام عمليات بحرية دولية ضد منصات إطلاق الصواريخ، وعمليات استخبارية، وتدخلات إقليمية. وقد يؤدي التدخل الخارجي إلى إضعاف الحوثيين، لكنه يمنحهم في الوقت ذاته فرصة لتقديم أنفسهم كقوة تواجه تدخلًا دوليًا.
تكمن الخلاصة في أن الخطر الحقيقي لا يتعلق فقط بالمكاسب التي استطاع الحوثيون اقتناصها، وإنما باحتمال تحول انهيار القوات اليمنية إلى فراغ أمني واستراتيجي يستثمره الحوثيون لتغيير ميزان القوة في اليمن، ثم استخدام هذا التحول للتأثير في السعودية ومصالحها، وفي منطقة باب المندب والبحر الأحمر. ويقتضي ذلك إدماج التأثير والنفوذ الإيراني في قراءة المشهد، والربط بين مضيق هرمز وباب المندب.
ما سيحدد مستقبل اليمن هو قدرة الأطراف على استعادة المبادرة وتوحيد القرار العسكري، ومنع تحول الانهيار التكتيكي الحالي إلى انهيار استراتيجي شامل.