جنوب لبنان أمام مرحلة جديدة.. التصعيد يسبق التفاوض وإعادة تشكيل قواعد ما بعد اليونيفيل

يدخل ملف جنوب لبنان مرحلة أكثر تعقيداً، تتقدم فيها التطورات الميدانية على المسار السياسي، فيما تتقاطع ثلاثة ملفات باتت تحدد اتجاه المرحلة المقبلة: محاولة إسرائيل فرض وقائع عسكرية جديدة قبل الجولة الثامنة من المفاوضات، تصاعد الضغط الأميركي في ملف سلاح حزب الله، والبحث عن صيغة أمنية جديدة للجنوب مع اقتراب نهاية مهمة «اليونيفيل» بصيغتها الحالية.

لا تعني هذه التطورات انهيار المسار التفاوضي. على العكس، تتمسك واشنطن وبيروت باستمراره، لكن المفاوضات تتحول تدريجياً من مسار يفترض أن يقود إلى خفض التصعيد والانسحاب الإسرائيلي إلى إطار أوسع لإعادة تنظيم الوضع الأمني في الجنوب والعلاقة بين لبنان وإسرائيل. وفي هذه المرحلة، تحاول إسرائيل الوصول إلى الجولة المقبلة وهي تمتلك أوراقاً ميدانية إضافية، بينما يسعى لبنان إلى منع تحول الوقائع العسكرية المؤقتة إلى ترتيبات دائمة.

تظهر منطقة علي الطاهر بوصفها نقطة الاختبار الأبرز في التصعيد الحالي. وكان لافتاً أن السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى أشار إلى انتظار ما سيجري في المنطقة خلال يومين، قبل أن يعلن الجيش الإسرائيلي، بعد ساعات، إطلاق حزب الله طائرتين مسيرتين فيها.

بالنسبة إلى حزب الله، يرتبط التحرك بمنع القوات الإسرائيلية من التقدم نحو المنطقة أو تثبيت سيطرة جديدة عليها. أما إسرائيل، فتعاملت معه باعتباره مبرراً لتوسيع عملياتها، مع اعتماد نمط يقوم على تكثيف الغارات والتدمير قبل أي تقدم بري، بهدف تقليص قدرة الحزب على استهداف القوات المتقدمة وتقليل الخسائر البشرية.

المسألة هنا تتجاوز السيطرة على نقطة جغرافية محددة. نجاح إسرائيل في تثبيت وجودها في علي الطاهر سيمنحها ورقة إضافية في التفاوض، ويكرس قاعدة تقوم على أن حدود انتشارها الميداني قابلة للتغيير بالقوة كلما اعتبرت أن الجانب اللبناني لم ينفذ التزاماته في ملف السلاح.

بالتوازي، بدأ الإسرائيليون بتسريب تقييمات تعتبر أن تجربة «المناطق التجريبية» لم تحقق النتائج المطلوبة، مع اتهام الجيش اللبناني بعدم التحرك بالسرعة والجدية الكافيتين في سحب سلاح حزب الله. وتوفر هذه الرواية أساساً سياسياً لرفض الانسحاب من مناطق إضافية، وربط أي خطوة إسرائيلية لاحقة بتقدم ملموس في حصرية السلاح.

الموقف الأميركي أصبح أكثر وضوحاً في ترتيب الخطوات المطلوبة. فواشنطن تضع سلاح حزب الله في مقدمة الأولويات، وتعتبر أن إحراز تقدم فيه يسبق الضغط الجدي على إسرائيل لوقف عملياتها أو تقديم تنازلات ميدانية.

هذا الترتيب يختلف عن المقاربة اللبنانية التي تتمسك بتلازم المسارين: الانسحاب الإسرائيلي ووقف العمليات من جهة، واستكمال حصر السلاح بيد الدولة من جهة أخرى. أما حزب الله فيرفض البحث في تسليم سلاحه شمال الليطاني قبل الانسحاب ووقف العمليات الإسرائيلية.

هذه الفجوة هي جوهر المأزق الحالي. إسرائيل تريد تنفيذ الالتزامات اللبنانية أولاً، والحزب يريد تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية أولاً، فيما لا تملك الدولة اللبنانية حتى الآن آلية تسمح بتجاوز هذه المعادلة.

إلى جانب ذلك، تعمل واشنطن على فصل الملف اللبناني عن مسارها مع إيران. حزب الله لا يزال يراقب الاتصالات الأميركية–الإيرانية ويراهن على احتمال إنتاجها مظلة سياسية تخفف الضغط عليه في لبنان. في المقابل، ترفض الولايات المتحدة وإسرائيل تحويل لبنان إلى جزء من أي مقايضة مع طهران، وتريدان إبقاء التفاوض اللبناني–الإسرائيلي مساراً مستقلاً.

لذلك، حتى التوصل إلى تفاهم أميركي–إيراني لن يعني بالضرورة خفض الضغط على حزب الله. الاتجاه الأميركي الحالي يقوم على منع طهران من استخدام أي تفاهم إقليمي لتثبيت الوضع السابق للحزب، مع إبقاء أدوات الضغط السياسية والدبلوماسية والعقوبات قائمة.

والتغيير الأكثر أهمية يتعلق بطبيعة المفاوضات نفسها. إسرائيل لم تعد تتعامل معها باعتبارها مفاوضات تقنية تقتصر على الانسحاب ووقف العمليات العسكرية وترتيبات الحدود، بل تدفع نحو توسيعها لتشمل مستويات إضافية من التنسيق الأمني، ثم ملفات اقتصادية وتنظيم العلاقة بين الدولتين.

وتصريحات السفير الأميركي بأن المطلوب استمرار المفاوضات وصولاً إلى اتفاق بين لبنان وإسرائيل «بغض النظر عن وجود حزب الله أو عدم وجوده» تعكس هذا الاتجاه. الهدف الأميركي لم يعد فقط إدارة أزمة الجنوب، وإنما بناء إطار مستدام يمنع العودة إلى الوضع الذي سبق الحرب.

ضمن هذا السياق يبرز البحث في إعطاء «اتفاق الإطار» مرجعية دولية أوسع عبر مجلس الأمن. وفي حال تطور هذا المسار، سيصبح النقاش متعلقاً بكيفية مواءمة أي إطار جديد مع القرار 1701 وبقية المرجعيات الدولية، وبطبيعة الالتزامات الأمنية التي ستترتب على الطرفين.

وهذه نقطة شديدة الحساسية بالنسبة إلى لبنان، لأن الانتقال من تطبيق 1701 إلى إطار جديد قد يعيد تعريف الالتزامات المتبادلة، وحدود انتشار القوات، وآليات التحقق، والعلاقة بين الانسحاب الإسرائيلي وحصر السلاح.

بالتوازي مع المفاوضات، يقترب لبنان من استحقاق أمني آخر يتعلق بمستقبل «اليونيفيل». التفويض الحالي ينتهي في 31 كانون الأول/ديسمبر 2026، فيما لم تتبلور حتى الآن صيغة نهائية للقوة أو الآلية التي يمكن أن تحل محلها.

المشكلة ليست في العثور على دول مستعدة للمناقشة فقط، بل في تحديد مهمة القوة الجديدة وضمان أمن عناصرها. أي قوة دولية جديدة تحتاج إلى توافق في مجلس الأمن، بينما تحتاج القوة الأوروبية المحتملة إلى ضمانات بعدم استهدافها وإلى تفاهم واضح على قواعد عملها.

إسرائيل تريد أن تكون الآلية الجديدة أكثر فاعلية في التحقق من حصرية السلاح ومنع إعادة بناء قدرات حزب الله. الحزب، في المقابل، لن يقبل بسهولة بقوة تمتلك صلاحيات تنفيذية مباشرة ضده. وبين الموقفين، يخشى لبنان حصول فجوة أمنية بين انتهاء مهمة «اليونيفيل» وبدء عمل البديل.

زيارة قائد الجيش رودولف هيكل إلى روما جاءت في هذا السياق، وتركز جانب من محادثاته على آلية التحقق ودور الدول التي يمكن أن تشارك فيها. لكن المسار لا يزال في مرحلة البحث، ولا توجد حتى الآن قوة جاهزة للانتشار فور انتهاء مهمة «اليونيفيل».

رغم التصعيد، لا تزال الجولة الثامنة من المفاوضات قائمة، ويتوقع عقدها في روما خلال أيلول/سبتمبر. وتتمسك الولايات المتحدة باستمرار الاجتماعات حتى في غياب اختراق كبير، وتريد الحفاظ على حد أدنى من الدورية، بما يمنع انهيار القناة السياسية.

يتحرك الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد بين بيروت وتل أبيب لهذا الغرض، ويركز بصورة خاصة على تثبيت الحدود باعتباره ملفاً يمكن تحقيق تقدم فيه مقارنة بالملفات الأكثر تعقيداً، مثل الانسحاب والمناطق التجريبية والسلاح.

كما ينتظر أن تدخل آلية التحقق ضمن جدول أعمال الجولة المقبلة، بعد تراجع الأميركيين عن تولي هذه المهمة مباشرة. إلا أن الخلاف على صلاحيات الجهة التي ستتولى التحقق، وعلى الشروط الإسرائيلية المرتبطة بعملها، سيجعل الوصول إلى اتفاق سريع أمراً صعباً.

المسار الأكثر ترجيحاً خلال الأسابيع المقبلة هو استمرار التفاوض بالتوازي مع تصعيد ميداني مضبوط لكنه قابل للتوسع. إسرائيل ستسعى إلى تحسين مواقعها قبل أي تفاهم، ولن تتجه بسهولة إلى انسحاب إضافي من دون مقابل في ملف السلاح. حزب الله سيحاول منع تغيير خطوط السيطرة من دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، وسيستمر في ربط البحث في سلاحه شمال الليطاني بالانسحاب ووقف العمليات.

أما الدولة اللبنانية فلا تمتلك عملياً خيار الانسحاب من المفاوضات. بيروت التزمت أمام المجتمع الدولي حصرية السلاح وانتشار الجيش، وتعتبر أن التفاوض هو الوسيلة المتاحة لاستعادة الأراضي ووقف العمليات وعودة السكان وإطلاق إعادة الإعمار. الخروج من المسار سيضعف قدرتها على المطالبة بالضغط على إسرائيل، وقد يترك إدارة النزاع بالكامل لموازين القوى العسكرية.

لذلك، لا تبدو المرحلة المقبلة مرحلة تسوية نهائية، بل مرحلة إعادة تشكيل قواعد التفاوض نفسها. المعركة الفعلية لم تعد فقط على مساحة تنسحب منها إسرائيل أو منطقة ينتشر فيها الجيش اللبناني؛ بل على شكل النظام الأمني الذي سيحكم جنوب لبنان بعد «اليونيفيل»، وعلى العلاقة بين حصرية السلاح والانسحاب الإسرائيلي، وعلى ما إذا كان التفاوض سينتهي بترتيب أمني محدود أم بإطار أوسع يعيد تنظيم العلاقة بين لبنان وإسرائيل.

في المدى القريب، ستبقى الكلمة للميدان، لكن وظيفة التصعيد ستكون بصورة متزايدة تحسين شروط التفاوض لا إلغاءه. وما ستتمكن إسرائيل من تثبيته ميدانياً، وما تستطيع الدولة اللبنانية إنجازه في ملف حصرية السلاح، والصيغة التي ستظهر لخلافة «اليونيفيل»، ستحدد مجتمعة شكل الجولة التالية وحدود التسوية الممكنة في جنوب لبنان.

زر الذهاب إلى الأعلى