سؤال “الهوية السياسية”؛ حزب  الأمة وخصومه السياسيون

في 18 أبريل 2026، أعلن حزب جبهة العمل الإسلامي عن نيته تغيير اسمه إلى “حزب الأمة”، وحين وافقت الحكومة على التغيير بعد أيام، كان اللافت للنظر أن الحزب لم يفعل شيئًا آخر؛ فاللون الأخضر في الهوية البصرية بقي كما هو، الشعار لم يتغير بعيدًا عن تغير الاسم، الوجوه ذاتها، بل وأكد الحزب أنه سيستمر في سياساته ذاتها. وهنا كانت الرسالة واضحة لمن أراد أن يقرأها: غيّرنا ما أُجبرنا على تغييره، وأبقينا على ما نؤمن به.

في هذا السياق، استقبل الأردنيون هذا الحدث بطريقتين مختلفتين؛ الأولى مؤيدة رأت في تغيير الاسم استمرارًا للمسار ذاته تحت غطاء قانوني جديد فبايعت الحزب باسمه الجديد، وأخرى رافضة لما جرى ووصفوه باستعراضٍ شعبوي. لكن عند النظر إلى الخطاب الرافض والبحث في البدائل التي يطرحها، يصمت الفضاء معلنًا عما هو أخطر من تغيير الاسم: غياب خطاب سياسي مضاد منهجي قادر على ترجمة الرفض إلى موقف.

احتفظ حزب الأمة بلونه وشعاره ووجوهه وسياساته لسبب واضح؛ وهو أن هويته الفعلية تتجسد في هذه العناصر، إذ يدرك حزب الأمة أن هويته لم تكن يومًا في اسمه. وفي السياق الأردني تحديدًا، لا يتشكل الانتماء السياسي عبر التسميات القانونية، وإنما يتراكم عبر عقود من الحضور في الأحياء والمساجد والجمعيات المحلية، ومن خلال الانخراط في ملفات ملموسة مثل الموقف من غزة والقضية الفلسطينية، والتشريعات الاقتصادية، والحضور البرلماني.

لهذا لم يتردد جمهور حزب الأمة في تجديد مبايعته عند تغيير الاسم، لأن انتماءه يتأسس على مستوى أعمق من التسمية. وحين علا في المؤتمر العام هتاف “بايعناك”، لم يكن ذلك مجرد تعبير عن ولاء حزبي، وإنما استدعاء لمفردة محمّلة بثقل رمزي خاص في الوجدان الأردني. وهذا بالضبط ما حوّل الحدث من نقاش حول تغير اسم إلى جدل حول حدود رمزية، إذ لم يكن الرفض نابع من التغيير في حد ذاته، وإنما كان نابعًا من إحساسٍ بتجاوزٍ رمزي عبّر عنه كثيرون وسمّوه بصراحة، وإن لم يُصاغ ضمن إطارٍ ممنهج.

وفي السياق ذاته تبرز إشكالية الطرف الآخر، فالرفض الذي أبدته شريحة من الأردنيين كان واضحًا في موقفه لكنه ظل مبهمًا في اتجاهه؛ فشككوا في جدوى تغيير الاسم، وتساءلوا عن علاقات الحزب الإقليمية، وهذه تساؤلات مشروعة، بل وضرورية، لكن الجملة التي غابت هي: “ونحن نريد…” فالرفض وحده لا يصنع هوية سياسية مشتركة، والمعارضة الفاعلة تحتاج ما يتجاوز الموقف السلبي إلى برنامج واضح، وحضور متراكم، ورموز يألفها الأردنيون. واللافت أن هذا الغياب ليس وليد اللحظة؛ فمنذ انتخابات 2016 والانتخابات التي تلتها، يتكرر المشهد ذاته: نسب مشاركة متدنية في الأوساط التي تعلن رفضها، وغياب عن صناديق الاقتراع بوصفه موقفًا، دون أن يُبنى على هذا الغياب أي بديل منظم، فالرفض تحوّل إلى عادة، والعادة لا تصنع سياسة.

أين الخطاب المضاد إذن؟ الأحزاب السياسية لا تفتقر إلى الكفاءات أو الأفكار؛ ثمة محامون وأكاديميون وناشطون في المجتمع المدني يملكون رؤى واضحة حول ملفات الغلاء والبطالة والإصلاح الانتخابي. لكن هذه الرؤى تظل حبيسة المقالات والندوات وتعليقات الفضاء الرقمي، عاجزةً عن التحول إلى حضور منظم يلامس يوميات الأردنيين بالطريقة ذاتها التي يصل بها حزب الأمة إلى فئة من الأردنيين. فالحزب لم يبنِ قاعدته بالبيانات والمقالات، وإنما بشبكة من الروابط الاجتماعية الممتدة من الجمعيات الخيرية إلى النقابات المهنية إلى لجان الأحياء، شبكة تراكمت عبر عقود من الحضور اليومي في حياة الأردنيين واحتياجاتهم.

وعليه يمكن القول إن الفضاء السياسي الأردني خارج الإسلام السياسي ظل فارغًا نتيجة معادلة أكثر تعقيدًا تتصل ببنية التنظيم السياسي الأردني ذاته؛ فالتيارات اليسارية والليبرالية والقومية واليمينية حاضرة في المشهد الأردني بأسماء وتواريخ وكوادر مهمة، غير أنها تحولت تدريجيًا إلى هويات فكرية وثقافية أكثر منها مشاريع سياسية ذات قاعدة شعبية منظمة، فإنتاج الخطاب السياسي يختلف جوهريًا عن بناء الحضور السياسي؛ الأول يكفيه النص والتحليل والمنبر، أما الثاني فيحتاج إلى تراكم يومي في الفضاءات التي يواجه بها الأردنيون مشكلاتهم الفعلية، وهذا التراكم هو ما لم تستثمر فيه هذه التيارات بما يكفي. فبناء معارضة فاعلة في الأردن يبدأ بقرار ترجمة الأفكار إلى حضور حقيقي يشعر بأثره الأردنيين.

والمساحة المتاحة للتعبير السياسي في الأردن، وفق ما تكفله التشريعات والحقوق الدستورية، تظل أوسع مما يُستثمر فعليًا؛ الأحزاب مرخصة، والانتخابات تُجرى، والنقاش العام موجود. إذًا السؤال ليس عن الإمكانية، إنما عن الإرادة لتوظيف هذه المساحة التي يكفلها الدستور الأردني في بناء خطاب منظم يستطيع الأردنيون الالتفاف حوله والانطلاق منه، عوضًا عن الاكتفاء بالتعليق على هامش ما يفعله الآخرون.

وهنا نلفت النظر إلى أن أزمة حزب الأمة الحقيقية لن تظهر اليوم، ستظهر حين لا يكتفي القانون بتغيير الاسم ويطالب بمراجعة أعمق تمس التوجهات والبنية والعلاقات. عندها سيختبر المبايعون حزبهم، وسيُطرح سؤال أصعب بكثير من اختيار مسمى جديد، لكن هذه أسئلة المستقبل، أما سؤال اليوم فهو موجّه للطرف الآخر: متى تتحول طاقة الرفض الحقيقية والمشروعة إلى مشروع سياسي يعرف ما يريد ويعمل على بنائه بصبر وانتظام؟

المشهد السياسي الأردني لا يحتاج حزبًا يغيّر اسمه، فهو يحتاج خطاب مدروس يعرف ماذا يريد، ويبني حضوره من أسفل لا من أعلى. لأن الرفض بلا عنوان لا يتحول إلى خطاب مضاد، إنما يبقى صوتًا في فراغ؛ فراغ يحتاج إلى رؤية أوضح وخطاب أقرب للأردنيين، قادر على تقديم بدائل ملموسة تُحدث تغييرًا حقيقيًا وإيجابيًا في الحياة السياسية الأردنية.

زر الذهاب إلى الأعلى