السيادة الرقمية تنقلب إلى الداخل: لماذا تنتهي الدول التي لا تستطيع حكم الآلات إلى حكم مواطنيها؟

السيادة الرقمية مصطلح واحد يخفي في طياته مفهومين مختلفين، غير أن قلة ممن يستخدمونه توضح أيهما تقصد. النوع الأول هو السيادة المُعلنة؛ إذ تُصدر الدولة قانونًا، وتشكل لجنة، وتسنّ تعليمات، ثم تعلن أن فضاءها الرقمي أصبح خاضعًا للحوكمة. هذا النوع متاح للجميع، فبوسع أي دولة أن تعلن امتلاكه.
أما النوع الثاني فهو السيادة المبنية. وهي لا تتحقق بالإعلانات أو التشريعات، بل تُبنى على القدرة الحقيقية: امتلاك القدرة الحاسوبية، وتطوير النماذج، وبناء البنية التحتية، وتأهيل الكفاءات الهندسية. وهي تعني أيضًا امتلاك القدرة على تطوير التكنولوجيا وتشغيلها وفهم بنيتها الداخلية، واستبدالها عندما تتدهور العلاقة مع الجهة التي تنتجها أو تتحكم بها. هذا النوع من السيادة لا تمتلكه إلا قلة من الدول. فقد بنت الصين هذه القدرات على مدى عقود ضمن استراتيجية مقصودة، بينما تتمتع الولايات المتحدة بها بحكم هيمنة شركاتها على قطاع التكنولوجيا العالمي. أما أوروبا، فتستثمر مليارات اليوروهات في محاولة لتحويل السيادة المُعلنة إلى سيادة فعلية، عبر تمويل نماذج ذكاء اصطناعي رائدة بلغاتها، وعلى بنيتها التحتية، بعدما أدركت – وإن جاء ذلك متأخرًا نسبيًا – أن وضع قواعد لتنظيم الآلات التي لا تملكها لا يعني امتلاكها. أما بقية الدول، فتكتفي بالإعلان.
الفجوة بين هذين النوعين من السيادة قد تبدو غير مرئية في الظروف العادية، لأن المواطنين لا يلمسونها في حياتهم اليومية. ويمكن للدولة أن تستمر سنوات وهي تعتمد على السيادة المُعلنة؛ فالقوانين تُسن، واللجان تجتمع، والتعليمات تُتداول، ويبدو المشهد الرقمي وكأنه يخضع للسيطرة. غير أن هذه الصورة لا تُختبر فعليًا إلا عندما يفرض الواقع اختبارًا حقيقيًا.
ظل الأردن، لسنوات، يعلن امتلاكه للسيادة الرقمية. ويكشف تتبع هذا المسار، زمنيًا، الكثير من الدلالات.
في عام 2023، أقرّت المملكة قانونًا جديدًا للجرائم الإلكترونية. وبررت الحكومة هذه الخطوة بالاستجابة لتحديات حقيقية، بعدما تضاعفت جرائم الاحتيال الإلكتروني والابتزاز وانتهاكات الخصوصية عدة مرات خلال عقد واحد. إلا أن نطاق القانون تجاوز هذه الجرائم، ليشمل تجريم مخالفات صيغت بعبارات فضفاضة، مثل نشر “الأخبار الكاذبة” أو “إثارة الفتنة”. كما ألزم المنصات الرقمية الأجنبية بفتح مكاتب لها في عمّان والخضوع لاختصاص القضاء الأردني، مع التلويح بتخفيض سرعة خدماتها داخل المملكة في حال الامتناع عن الامتثال. لكن أيًا من تلك المنصات لم يفتتح مكاتب في الأردن، ولم يُفعَّل هذا الجانب من القانون عمليًا، بينما انصبّ تطبيقه بصورة شبه كاملة على الداخل.
في شباط/فبراير من هذا العام، شكّلت الحكومة لجنة وطنية لحماية الأطفال من مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي، وكُلّفت بوضع توصيات بشأن التدابير التقنية اللازمة لتحقيق ذلك. وبحلول الربيع، كانت اللجنة تدرس فرض حد أدنى للعمر لاستخدام منصات التواصل الاجتماعي. ويُعد هذا الإجراء الأكثر قابلية للدفاع عنه بين الأدوات الثلاث. لكنه يشبه الخطوة التي اتخذها الاتحاد الأوروبي، مع اختلاف جوهري يلخص جوهر المسألة بأكملها.
فعندما يقيّد الاتحاد الأوروبي وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي، فإنه يفعل ذلك بالتوازي مع فرض غرامات بمليارات اليوروهات على الشركات المالكة لهذه المنصات، وإلزامها بإعادة تصميم أنظمتها، والاستثمار في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي رائدة خاصة به. أما الأردن، فلا يملك سوى تنفيذ الجزء الأول من هذه المعادلة. فبلد يبلغ عدد سكانه أحد عشر مليون نسمة لا يمثل سوقًا قادرة على تغيير سياسات شركة مثل “ميتا”. وحتى أستراليا، رغم مكانتها الاقتصادية والسياسية، لم تحصل على تعاون المنصات إلا لأن الشركات خشيت أن تتحول تجربتها إلى سابقة تمتد إلى أسواق أكبر. أما المثال الأردني، فلا يثير القلق في وادي السيليكون. وبعد مرور خمسة أشهر، لم تنشر اللجنة أي نتائج أو توصيات. فاللجنة التي لا تستطيع إلزام الشركات التي يفترض أنها تنظم عملها، مهما حسنت نواياها، تتحول في النهاية إلى رسالة موجهة إلى الداخل؛ رسالة تقول للأهالي القلقين إن الدولة حاضرة.
ثم جاءت الصورة، في ربيع هذا العام، وبمناسبة الذكرى الثمانين لاستقلال المملكة، نشرت السفارة الأردنية في واشنطن تصميمًا احتفاليًا يظهر فيه العلم الأردني مرفوعًا فوق قمة صخرية تحت سماء صافية، مع الإشارة إلى مناسبة الاستقلال. غير أن الصورة حملت جميع السمات الدالة على أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ظهر نجم العلم بخمس رؤوس بدلًا من سبعة. وينص الدستور الأردني بدقة على أن يتكون النجم من سبع رؤوس، محددًا أبعادها وهندستها، لما تحمله من دلالات ترمز إلى السبع المثاني وإلى إرث الثورة العربية الكبرى. لكن النموذج اختار نجمة خماسية، لأنها الشكل الأكثر شيوعًا للأعلام في البيانات التي تدرب عليها. وبما أن النجمة السباعية الأردنية نادرة في الصور المتاحة عالميًا، فقد استبدلها النموذج بالشكل الأكثر انتشارًا. وهكذا، جرى اختزال أكثر الرموز الوطنية ارتباطًا بالهوية، وفي أكثر المناسبات الوطنية رمزية، إلى المتوسط البصري العالمي، عبر صورة نشرتها سفارة الدولة نفسها في واشنطن. وفي تموز/يوليو، أصدرت الحكومة تعميمًا يحظر استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في إنشاء أو تعديل الشعارات الوطنية والأعلام والرموز السيادية، مع إلزام الجهات المعنية باستخدام النسخ الرسمية المعتمدة فقط.
إذا قُرئ هذا التعميم بمعزل عن السياق، بدا وكأنه إجراء احترازي. أما إذا وُضع ضمن تسلسل الأحداث، فإنه يكشف دلالة مختلفة. فالتهديد الذي طال الرموز الوطنية، وكان موثقًا وواضحًا، لم يصدر عن مواطن أساء استخدام إحدى الأدوات الرقمية، بل نشأ داخل مؤسسات الدولة نفسها، عندما استعانت بآلة لا تملكها ولا تستطيع معرفة كيفية عملها. وجاء رد الدولة بالأداة الوحيدة التي تمتلكها: قاعدة قانونية تُلزم المواطنين الأردنيين، لكنها لا تُلزم الآلة.
وعند وضع الأدوات الثلاث جنبًا إلى جنب، يتكشف نمط واضح. فجميعها تستهدف تنظيم سلوك الأردنيين: ما يقولونه، وما يشاهده أطفالهم، وكيف يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي. لكنها لا تنظم التكنولوجيا ذاتها. فالمنصات الرقمية والنماذج الذكية تُدار من سان فرانسيسكو، أما القواعد التي تفرض عليها التزامات فعلية فتُصاغ في واشنطن وبروكسل وبكين. أما الأدوات التي يمتلكها الأردن، فلا يتجاوز أثرها حدوده الوطنية، أي إنها تنتهي عند المواطنين الأردنيين.
ولا تمثل هذه الحالة إخفاقًا أردنيًا بقدر ما تعكس النتيجة الطبيعية لغياب النوع الثاني من السيادة الرقمية. فالدولة التي لا تمتلك رأس المال والقدرات الحاسوبية اللازمة لبناء التكنولوجيا والتحكم بها، لا تستطيع التأثير في البنية التحتية الرقمية العالمية. ولذلك تلجأ إلى تنظيم المجال الوحيد الذي تستطيع الوصول إليه، وهو مجتمعها الداخلي. فكلما تراجعت قدرة الدولة على التأثير في البنية التحتية الرقمية، ازداد ميلها إلى توسيع نطاق الرقابة والتنظيم داخل حدودها. وعندما تعجز السيادة عن أن تُمارس على التكنولوجيا، تتحول إلى سيادة تُمارس على المواطنين.
تكمن المفارقة الهادئة التي يقوم عليها هذا المقال في انقلابٍ يستحق أن يُصاغ بوضوح. فما نشهده ليس مجرد استعراض للسيادة، أو ممارسة ساخرة لها، وإن كان قد يحمل شيئًا من ذلك. فكل أداة من هذه الأدوات تستجيب لمصدر قلق حقيقي؛ فالاحتيال الإلكتروني حقيقة، والمخاطر التي يتعرض لها الأطفال على المنصات الرقمية حقيقة، وتشوه الرموز الوطنية عندما تعيد نماذج الذكاء الاصطناعي إنتاجها وفق أنماطها الإحصائية حقيقة أيضًا. غير أن هذه الأدوات جميعها تقوم على البنية نفسها؛ فهي تضبط مستخدمي التكنولوجيا، بينما يبقى مطورو هذه التكنولوجيا خارج نطاق المساءلة. فالقانون يستدعي المواطن لأنه لا يستطيع استدعاء المنصة، واللجنة تطمئن أولياء الأمور لأنها لا تستطيع تقييد الخوارزمية، والتعميم يصحح سلوك المستخدم الأردني لأنه لا يملك القدرة على تصحيح سلوك الآلة. ويكشف التعميم حدود هذه المقاربة بوضوح. فالدولة تستطيع معاقبة مواطن ينشر علمًا يحمل نجمة خماسية، لكنها لا تستطيع تعليم نموذج الذكاء الاصطناعي أن يرسم النجمة الأردنية ذات الرؤوس السبعة.
من هنا تبرز الفرضية الأساسية: كلما انخفضت قدرة الدولة على التحكم بالبنية التحتية الرقمية، ازداد اعتمادها على توسيع أدوات الضبط والسيطرة داخل مجتمعها. وهي فرضية تستحق أن تُختبر بجدية. في اتجاهها الأول، تبدو الفرضية متماسكة إلى حد بعيد. فالأردن ليس حالة استثنائية، بل يمثل نموذجًا ضمن ظاهرة أوسع. فقد شهد العقد الماضي توسعًا موثقًا في إصدار قوانين الجرائم الإلكترونية في كثير من الدول النامية، صيغت تحت عناوين مكافحة الاحتيال وتعزيز الأمن الرقمي، لكنها استُخدمت عمليًا في ملاحقة الصحفيين والمدونين والمنتقدين، في الوقت الذي عجزت فيه تلك الدول عن تطوير أي جزء من البنية التحتية الرقمية التي تدّعي تنظيمها. وما يجمع هذه الدول ليس الموقع الجغرافي، بل الفجوة بين ما تستطيع إعلانه وما تستطيع بناءه.
لكن الفرضية تصبح أكثر تعقيدًا عندما تُقرأ في الاتجاه المقابل. فالصين تمتلك واحدة من أكبر القدرات الرقمية في العالم، وتمارس في الوقت نفسه مستويات عالية من الضبط الداخلي. وفي حالتها، لم يكن بناء القدرات بديلًا عن السيطرة، بل وسيلة لتعزيزها؛ إذ تتكامل السيادة التقنية والسيادة السياسية بدلًا من أن تحل إحداهما محل الأخرى. أما الولايات المتحدة، التي تمتلك القسم الأكبر من البنية التحتية الرقمية العالمية، فقد شهد هذا الربيع توجهًا مماثلًا نحو الداخل، وإن كان بطبيعة مختلفة. فقد استخدمت الحكومة أدواتها التنظيمية عبر قيود التصدير، والقوائم السوداء، والمطالبة بما وصفه مسؤولون أمريكيون بـ«المواءمة» (Alignment)، ليس ضد المواطنين، بل تجاه إحدى أكبر شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية.
ولهذا، فإن الصياغة الأكثر دقة للفرضية تبدو أكثر تحديدًا وأشد صرامة: امتلاك القدرات لا يحدد ما إذا كانت الدولة ستلجأ إلى الضبط والتنظيم، وإنما يحدد الجهة التي تستطيع إخضاعها لهذا الضبط. فالدول التي تمتلك التكنولوجيا تستطيع تنظيم الشركات المطورة لها، أما الدول التي تفتقر إلى هذه القدرات، فلا يبقى أمامها سوى تنظيم مواطنيها. فالسيطرة ثابتة في جميع الأحوال، أما امتلاك القدرات فهو الذي يحدد اتجاهها وموضوعها.
هكذا يبدو، في الواقع، التصادم بين نوعي السيادة الرقمية. فهو ليس مواجهة بين نظريتين، بل تداخل بين قوتين تعمل كل منهما في المجال ذاته، وتظهران في تفاصيل الحياة اليومية. فنموذج ذكاء اصطناعي بُني اعتمادًا على قدرات تكنولوجية تملكها جهة أخرى يرسم نجمة خماسية داخل الفضاء الرمزي الأردني، حيث تتشكل الثقة والهوية والسردية الوطنية، من دون أن يعبر أي حدود. وفي المقابل، ترد دولة لا تمتلك سوى السيادة المُعلنة بإصدار تعميم إداري. كلا الطرفين يمارس الشكل الوحيد من السيادة الذي يملكه؛ فالآلة تحكمها الاحتمالات، بينما تحكم الدولة الأفراد. ويجد المواطن نفسه عند نقطة التقاطع بين هذين النمطين من السلطة، يتأثر بنماذج لم يخترها، ويخضع لقواعد فرضها واقع التبعية التقنية.
وإذا صحت هذه الفرضية، فإنها تقود إلى توقع واضح: كل قدرة تكنولوجية جديدة تُبنى في الخارج ستقابلها، على الأرجح، قيود جديدة تُفرض في الداخل. ولن يكون المقياس الحقيقي لضعف الدولة الرقمي فيما تعجز عن بنائه، بل فيما تضطر إلى منعه. ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه السنوات المقبلة، في الأردن كما في المنطقة، هو: أيهما يتسارع بوتيرة أكبر؛ تراكم القدرات الرقمية خارج الحدود، أم اتساع أدوات الضبط داخلها؟ وهل يحتسب من يصوغون التعاميم الرسمية هذا الفارق المتزايد، أم أنهم يواصلون إصدارها من دون إدراك لحجمه؟