الولايات المتحدة قبل انتخابات التجديد النصفي 2026: تحوّل سياسي أم إعادة ترتيب داخل النظام؟
ساهم بإعداد هذه الورقة كل من علي حجازي ومحمد القزاز

أُعدّت هذه الورقة استنادًا إلى جلسة حوارية عقدها معهد السياسة والمجتمع مع الصحفي والخبير في الشأن الأميركي عماد الرواشدة، وبمشاركة مجموعة من الباحثين والسياسيين والصحفيين، لمناقشة الانتخابات الأميركية وانعكاساتها الإقليمية.
مقدمة
تكشف التحولات الجارية في السياسة الأمريكية عن مشهد أكثر تعقيدًا من المنافسة التقليدية بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري. فخلف الاستقطاب الحزبي المعروف، يتسع انقسام آخر داخل كل حزب حول الاقتصاد، ودور الدولة، وحدود القوة الأمريكية في الخارج، والعلاقة مع إسرائيل، ومستقبل التدخل العسكري في الشرق الأوسط. ويكتسب هذا الانقسام أهمية إضافية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، لأنها تأتي في لحظة تتقاطع فيها الضغوط الاقتصادية الداخلية مع التداعيات السياسية للحروب الإقليمية، وصعود أجيال انتخابية جديدة، وتزايد التوتر بين القواعد الشعبية والمؤسسات التقليدية للحزبين.
وقد أعاد صعود شخصيات من الجناح التقدمي الديمقراطي، مثل عبد الرحمن السيد وزهران ممداني، طرح سؤال قديم بصورة جديدة: هل تتحول الولايات المتحدة فعلًا باتجاه سياسي مختلف، أم أن ما يجري يبقى حركة احتجاجية مؤثرة داخل نظام يمتلك قدرة كبيرة على استيعاب التحولات وإبطائها؟
يكتسب السؤال أهميته بالنسبة للشرق الأوسط لأن جزءًا متزايدًا من الجدل الداخلي الأمريكي أصبح يمس مباشرة قضايا كانت تُعامل سابقًا باعتبارها من الثوابت: حجم الانخراط العسكري الخارجي، وطبيعة العلاقة مع إسرائيل، وكلفة الحروب، والأولوية التي ينبغي أن تحظى بها آسيا مقارنة بالشرق الأوسط، وحدود تمويل الحلفاء، والعلاقة بين السياسة الخارجية والرفاه الاقتصادي للمواطن الأمريكي.
لكن قراءة هذه التحولات من زاوية صعود اليسار الديمقراطي وحده تقود إلى استنتاجات ناقصة، فالظاهرة الأكثر أهمية تتمثل في حدوث تصدعات متزامنة على جانبي الطيف السياسي. ففي الحزب الديمقراطي يتصاعد التوتر بين الجناح التقدمي والقيادة الوسطية التقليدية، فيما يواجه الحزب الجمهوري انقسامًا بين المؤسسة الأمنية المحافظة والتيار الشعبوي المرتبط بشعار «أمريكا أولًا». وعلى الرغم من الاختلاف الفكري الكبير بين الطرفين، تتقاطع أجزاء من اليمين الشعبوي واليسار التقدمي عند الاعتراض على الحروب الممتدة، والإنفاق الخارجي، ونفوذ المؤسسات الاقتصادية الكبرى.
من هنا، فإن انتخابات 2026 لا تبدو بوابة لتحول فوري في السياسة الأمريكية بقدر ما تمثل اختبارًا لحجم التحول الذي يحدث تحت سطح النظام السياسي، ولمدى قدرة المؤسسات التقليدية على احتوائه.
تحاول هذه الورقة تقدير اتجاهات التحول في السياسة الأمريكية من خلال قراءة انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، من خلال تحليل صعود التيارات التقدمية والانقسامات داخل الحزبين والقيود المؤسسية على انتقال هذه التحولات إلى صناعة القرار. كما تستشرف السيناريوهات المحتملة لنتائج الانتخابات وانعكاساتها على السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، ولا سيما إيران والقضية الفلسطينية وإسرائيل والأردن.
من ساندرز إلى الجيل الجديد
يصعب تفسير صعود التيار الديمقراطي الاجتماعي في الولايات المتحدة باعتباره ظاهرة انتخابية بدأت مع ممداني أو عبد الرحمن السيد. جذور المسار تعود إلى مجموعة من الصدمات التي تراكمت خلال العقدين الأخيرين وغيّرت علاقة قطاعات من المجتمع الأمريكي بالنخبة السياسية والاقتصادية.[1]
ظهر بيرني ساندرز[2] في انتخابات 2016 بوصفه تعبيرًا واضحًا عن اعتراض يساري على المؤسسة التقليدية للحزب الديمقراطي. لم تكن أهمية ساندرز مرتبطة بفوزه بالترشيح الرئاسي، بل بقدرته على تحويل أفكار ظلت لعقود على هامش الخطاب السياسي الأمريكي إلى قضايا مركزية: الرعاية الصحية العامة، التعليم، الديون الطلابية، التفاوت الاقتصادي، نفوذ الشركات الكبرى، وتمويل الحملات الانتخابية.
وأظهرت الخلافات التي رافقت الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في 2016 حجم التوتر بين هذه الحركة الجديدة والمؤسسة الحزبية. ثم استمر المسار مع وصول مجموعة من النواب التقدميين إلى الكونغرس ضمن ما عُرف بـThe Squad، لتنتقل الحركة من حملة انتخابية مرتبطة بشخص ساندرز إلى تيار سياسي أكثر اتساعًا وتنظيمًا.
ظهر ممداني والسيد في مرحلة لاحقة من هذا المسار، لكن أهميتهما تأتي من اختلاف البيئة الديموغرافية والسياسية التي يعملان داخلها. فالتيار التقدمي الجديد يعتمد بصورة أكبر على الشباب، والمناطق الحضرية، والمجتمعات الأكثر تنوعًا عرقيًا وثقافيًا، والناخبين الذين يربطون بين العدالة الاجتماعية في الداخل وبين الموقف من الحروب والسياسة الخارجية.
ومن هنا تشكلت معادلة سياسية جديدة: الناخب الذي يرفض هيمنة الشركات الكبرى على الاقتصاد قد يكون أيضًا أكثر استعدادًا لمساءلة المساعدات العسكرية الخارجية؛ والناخب الذي يطالب بتوسيع الرعاية الصحية قد يسأل عن الكلفة الداخلية لحرب جديدة؛ والجيل الذي ينظر إلى السياسة من خلال مفاهيم العدالة وحقوق الإنسان قد يطبق المعايير نفسها على السياسة الأمريكية تجاه فلسطين.
حرب غزة والتحول في المزاج السياسي الأمريكي
أعطت حرب غزة دفعة قوية لتحول كان قائمًا أصلًا داخل بعض شرائح المجتمع الأمريكي. فقد أصبحت القضية الفلسطينية أكثر حضورًا في الجامعات، والحركات الشبابية، والنقاشات داخل الحزب الديمقراطي، ووصلت إلى مستويات كان يصعب تصورها قبل سنوات قليلة.
أظهرت الاحتجاجات الطلابية خلال 2024 أن القضية لم تعد محصورة في مجموعات سياسية أو مجتمعات عربية ومسلمة، بل دخلت بصورة أوسع في الخطاب السياسي لجيل شاب ينظر إلى الحرب من زاوية أخلاقية وحقوقية. وامتد هذا التحول إلى قطاعات من جيل الألفية وبعض الشرائح الليبرالية داخل المجتمع الأمريكي، بما فيها شرائح يهودية أمريكية بدأت تميز بصورة أوضح بين دعم إسرائيل وبين تأييد سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.
لكن وزن العامل الفلسطيني يحتاج إلى وضعه ضمن سياقه الأمريكي، فموقف الناخب من غزة يتقاطع مع موقفه من الاقتصاد، والتضخم، وأسعار الطاقة، والإنفاق العام، والحروب الخارجية. ولذلك فإن تأثير الحرب يصبح سياسيًا أكبر عندما تصل كلفتها أو تداعياتها إلى الداخل الأمريكي.
وقد ظهر ذلك بوضوح مع انتقال التوتر الإقليمي إلى أسواق الطاقة وسلاسل التوريد. فالتصعيد مع إيران، واضطراب حركة الملاحة، والمخاوف المرتبطة بمضيق هرمز، كلها تربط السياسة الخارجية مباشرة بأسعار الوقود والزراعة والصناعة. وفي هذه اللحظة يتحول النقاش حول الشرق الأوسط من مسألة جيوسياسية بعيدة إلى قضية انتخابية داخلية.
هذه النقطة تحديدًا تفسر جانبًا من التحول لدى اليمين واليسار معًا. فاليسار يرفض الحروب من منطلق العدالة الاجتماعية ومناهضة التدخل، بينما يرى جزء من اليمين الشعبوي أن الموارد الأمريكية ينبغي أن توظف في الداخل وأن “الحروب التي لا تنتهي” تتعارض مع شعار “أمريكا أولًا”.
ويعزز هذا التحول في المواقف أثر التغير الجيلي داخل المجتمع الأمريكي؛ إذ يظهر جيل Z وجيل الألفية قدرًا أكبر من التشكيك في التدخلات الخارجية والمساعدات العسكرية غير المشروطة، مع اهتمام أوسع بقضايا العدالة الاقتصادية والاجتماعية. ومع استمرار الانقسامات داخل الأجيال الشابة نفسها، فإن الأثر الأهم لهذا التحول يتمثل في تآكل الإجماع التقليدي حول دور الولايات المتحدة في الخارج أكثر من تشكل إجماع تقدمي بديل.
الجغرافيا الانتخابية… السقف الذي يصطدم به التقدميون
تكشف تجربة التيار التقدمي فارقًا جوهريًا بين النجاح في مدينة أو دائرة انتخابية والنجاح على مستوى ولاية أو على المستوى الوطني.
في المراكز الحضرية الكبرى يستطيع المرشح التقدمي بناء قاعدة انتخابية تتكون من الشباب، والأقليات، والطبقة المتعلمة، والناخبين الليبراليين. أما انتخابات مجلس الشيوخ فتجبر المرشح على مخاطبة ولاية كاملة تضم مدنًا وضواحي ومناطق ريفية وشرائح اجتماعية أكثر محافظة.
ولهذا يصبح الانتقال من انتصار محلي إلى انتصار على مستوى الولاية اختبارًا مختلفًا تمامًا.
تمثل حالة عبد الرحمن السيد مثالًا واضحًا على هذه المعضلة. فنجاحه في الانتخابات التمهيدية يعبر عن قوة القاعدة التقدمية، بينما تضعه الانتخابات العامة أمام تركيبة ديموغرافية وسياسية أكثر تنوعًا، إضافة إلى منافسة مالية وإعلامية كبيرة من القوى التي ترى في صعود هذا التيار تهديدًا للتوازنات القائمة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في مجلس الشيوخ؛ لأن العضو يمثل ولاية كاملة، في حين يمثل عضو مجلس النواب دائرة أصغر وأكثر تجانسًا. ولهذا يستطيع الجناح التقدمي تحقيق اختراقات أسرع في مجلس النواب وفي الانتخابات البلدية مقارنة بمجلس الشيوخ.
وتفسر هذه الحقيقة قدرة المؤسسة الديمقراطية الوسطية على البقاء. فهي تدرك أن السيطرة الوطنية تحتاج إلى ولايات متأرجحة وضواحٍ وشرائح مستقلة لا تتطابق مواقفها مع برامج اليسار الديمقراطي الاجتماعي.
لذلك سيستمر الصراع داخل الحزب الديمقراطي، لكنه سيأخذ على الأرجح شكل تفاوض دائم بين جناحين بدل انتصار نهائي لأحدهما.
أزمة هوية داخل الحزب الديمقراطي
لم يعد الخلاف داخل الحزب الديمقراطي محصورًا في مستوى الإنفاق الاجتماعي أو الضرائب. فقد امتد إلى سؤال أوسع يتعلق بهوية الحزب ودور الولايات المتحدة في العالم.
تحافظ المؤسسة التقليدية على رؤية تستند إلى التحالفات الدولية، والاقتصاد الليبرالي، والدور القيادي للولايات المتحدة في النظام العالمي، والعلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل. في المقابل، يطالب التيار التقدمي بربط أكبر بين السياسة الخارجية وحقوق الإنسان، وتقليص التدخلات العسكرية، ووضع شروط على بعض أشكال المساعدات الخارجية، وتوجيه الموارد نحو الداخل.
وتنعكس هذه المواجهة على العلاقة بين القاعدة والقيادة. فالمؤسسة ترى أن بعض المواقف التقدمية قد تضعف قدرة الحزب على المنافسة في الولايات المتأرجحة، بينما يرى التقدميون أن المؤسسة أصبحت مرتبطة بصورة مفرطة بالشركات الكبرى والمانحين ومصالح النخبة الاقتصادية.
هذه المواجهة مرشحة للاستمرار بعد انتخابات 2026. فالتيار التقدمي يمتلك قاعدة متنامية وقدرة على فرض قضايا جديدة على جدول الأعمال، لكنه يفتقر حتى الآن إلى التوزيع الجغرافي الذي يسمح له بالسيطرة على الحزب وقيادته ومرشحيه في المستوى الوطني.
الانقسام الجمهوري… «أمريكا أولًا» أمام مقتضيات القوة العالمية
يقابل أزمة الهوية الديمقراطية انقسام آخر داخل الحزب الجمهوري وحركة MAGA.[3]
قام جزء أساسي من شعبية ترامب على تعهدات تتعلق بإنهاء الحروب الخارجية، وإعادة التصنيع إلى الولايات المتحدة، وحماية الحدود، وتقليل الكلفة التي تتحملها واشنطن دفاعًا عن حلفائها. لكن الوصول إلى السلطة وضع هذه التعهدات أمام مقتضيات مختلفة تتصل بموقع الولايات المتحدة كقوة عالمية.
وقد أدى التصعيد في الشرق الأوسط والعلاقة الوثيقة مع حكومة بنيامين نتنياهو إلى توترات داخل البيئة الشعبوية الجمهورية. برزت أصوات مثل تاكر كارلسون والنائب توماس ماسي لتنتقد التدخلات الخارجية وتسأل عن مدى انسجامها مع “أمريكا أولًا”.
هذا الخلاف يتجاوز الأشخاص، جزء من القاعدة العمالية والريفية التي دعمت ترامب تريد أن يرى الموارد موجهة إلى الصناعة والاقتصاد وأمن الحدود. وعندما ترتفع أسعار الطاقة أو تتعطل التجارة بسبب أزمة خارجية، يصبح الدفاع عن الانخراط العسكري أكثر صعوبة أمام هذه القاعدة.
أما تأثير هذا الانقسام في انتخابات التجديد النصفي فقد يظهر عبر المقاطعة أكثر من انتقال الأصوات، فالجمهوري الغاضب من السياسة الخارجية قد لا يصوت للديمقراطيين، لكنه قد يمتنع عن التصويت، وهو أمر قادر في الدوائر المتقاربة على تغيير النتائج.
ويحتل نائب الرئيس جيه دي فانس موقعًا حساسًا داخل هذه المعادلة. فهو يحاول الجمع بين خطاب “أمريكا أولًا” والمقتضيات التقليدية للأمن القومي، وبين القاعدة الشعبوية والمؤسسة الجمهورية. ولذلك فإن مواقفه من الحروب الخارجية تشكل جزءًا من معركة أوسع على مستقبل الحزب الجمهوري بعد ترامب.
ما الذي يمكن أن تغيره انتخابات التجديد النصفي؟
تشير طبيعة الانتخابات النصفية تاريخيًا إلى أن الحزب الذي يسيطر على البيت الأبيض يواجه عادة خسائر في مجلس النواب. وفي البيئة السياسية الحالية، يبقى احتمال حصول الديمقراطيين على أغلبية محدودة في مجلس النواب قائمًا بصورة جدية، بينما يبدو قلب مجلس الشيوخ أكثر صعوبة.[4]
إذا تحقق هذا الاحتمال، ستدخل واشنطن مرحلة حكومة منقسمة، بخلاف الوضع الحالي الذي يتيح للرئيس والحزب الجمهوري هامشًا أوسع للحركة في ظل توافق السيطرة على السلطتين التنفيذية والتشريعية من قبل الحزب الجمهوري.
أغلبية ديمقراطية في مجلس النواب ستوفر للحزب أدوات رقابية واسعة: التحقيقات البرلمانية، جلسات الاستماع، استدعاء المسؤولين والوثائق، النزاعات حول الموازنة، وربما تحريك إجراءات عزل أو مساءلة سياسية. حتى إذا لم تؤد هذه الإجراءات إلى عزل الرئيس، فإنها تستطيع استنزاف الإدارة وإبطاء أجندتها الداخلية وإبقاء البيت الأبيض في حالة دفاع سياسي دائم، لكن أثرها على السياسة الخارجية سيكون أقل.
تمتلك الرئاسة الأمريكية مجالًا واسعًا للحركة في العلاقات الخارجية والأمن القومي. وعلى مدى عقود توسعت قدرة السلطة التنفيذية على استخدام الأوامر التنفيذية، وإعلانات الطوارئ، والقرارات الإدارية، والتفسيرات القانونية الواسعة لتجاوز الجمود التشريعي. ولهذا يمكن لترامب أن يصبح أضعف تشريعيًا بعد 2026، مع احتفاظه بهامش مهم في إدارة ملفات إيران وإسرائيل والتجارة والتحالفات.
ومن هنا ينبغي التمييز بين نتيجتين مختلفتين: فوز الديمقراطيين بمجلس النواب قد يغير ميزان القوة السياسي في واشنطن، لكنه لن يؤدي تلقائيًا إلى انقلاب في السياسة الخارجية الأمريكية.
تاسعًا: ترامب بين القيود الداخلية واتساع السلطة التنفيذية
إيران ومعادلة “لا حرب ولا سلم”
يمتلك ترامب هامشًا واسعًا في إدارة السياسة الخارجية عبر الأدوات التنفيذية والتفسير المرن للصلاحيات، إلا أن هذا الهامش يبقى مقيدًا بالحسابات الانتخابية، والانقسامات داخل الحزب الجمهوري، وعلاقة الإدارة بالكونغرس، والكلفة الاقتصادية والمادية لأي تصعيد خارجي. وتظهر هذه المعضلة بأوضح صورها في الملف الإيراني، حيث تتقاطع الحاجة إلى إظهار القوة مع مخاطر الانزلاق إلى حرب واسعة مرتفعة الكلفة.
تمثل العلاقة مع إيران أحد أكثر الملفات قدرة على اختبار التناقضات داخل إدارة ترامب، تعمل في المحيط السياسي للرئيس رؤيتان مختلفتان: الأولى يقودها تيار شعبوي براغماتي يرى أن حربًا إقليمية جديدة ستستنزف الموارد، وترفع أسعار الطاقة، وتناقض الوعود الانتخابية المتعلقة بإنهاء الحروب. وترتبط هذه الرؤية بشخصيات قريبة من اتجاه جيه دي فانس.
أما الثانية فتمثلها قوى أكثر تشددًا داخل المؤسسة الأمنية والسياسية، وتدفع نحو الضغط الأقصى والردع العسكري الصارم، وتلتقي في جوانب عديدة مع رؤية الحكومة الإسرائيلية ومع جماعات ضغط مؤيدة لها.
ينتج عن هذا الانقسام نمط سياسي يقوم على التصعيد المحدود، ثم المفاوضات، ثم إعادة الضغط، بدل الانتقال المباشر إلى حرب شاملة أو اتفاق شامل.
ويضاف إلى الحساب السياسي عامل اقتصادي مباشر. فأي اضطراب كبير في الخليج أو مضيق هرمز يرفع أسعار الطاقة والنقل والأسمدة والمواد الأولية، وينعكس على المواطن الأمريكي قبل الانتخابات.
كما توجد قيود عسكرية لا تقل أهمية. فالمواجهات الإقليمية الأخيرة استهلكت جزءًا من مخزون منظومات الاعتراض والدفاع الجوي والصواريخ المتقدمة، بينما تحتاج الصناعات الدفاعية إلى وقت لتعويض هذه المخزونات. ويعني ذلك أن فتح جبهة واسعة جديدة في الشرق الأوسط قد يؤثر في جاهزية الولايات المتحدة في ساحات أخرى، وعلى رأسها منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
لهذا تبدو حالة «لا حرب ولا سلم» أكثر من مجرد مماطلة شخصية من ترامب. إنها نتيجة منطقية لتعارض عدة ضغوط: ضرورة إظهار الردع، وخشية الحرب الشاملة، وحسابات الانتخابات، وأسعار الطاقة، والانقسام داخل الإدارة، والجاهزية العسكرية.
إسرائيل وفلسطين: ثبات التحالف وحدود التحول
تقوم العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية على تحالف استراتيجي عميق تدعمه مؤسسات أمنية وتشريعية وتمويلية راسخة، مع بقاء هامش للاختلاف بين الحكومتين في التوقيت وحدود التصعيد عندما تتعارض الحسابات الإسرائيلية مع المصالح الأمريكية الأوسع، ولا سيما ما يتعلق بأسعار الطاقة والاستقرار الإقليمي والكلفة الداخلية لأي مواجهة واسعة.
وفي المقابل، يشهد المجتمع الأمريكي تحولًا تدريجيًا في الموقف من القضية الفلسطينية، خصوصًا بين الشباب والتقدميين وبعض الشرائح اليهودية الليبرالية، مع اتساع النقاش حول شروط المساعدات وحقوق الإنسان والاستيطان. لكن ترجمة هذا التحول إلى سياسة رسمية تبقى بطيئة بسبب قوة الأطر المؤسسية الداعمة لإسرائيل، ومنها الالتزام بالتفوق العسكري النوعي وترتيبات المساعدات طويلة المدى والإجماع الواسع داخل الكونغرس. لذلك يبدو التغير الأقرب في الخطاب والضغط السياسي أكثر منه في جوهر التحالف، مع استمرار الفارق بين مقاربة بايدن التقليدية القائمة على الاحتواء وحل الدولتين، ومقاربة ترامب الأكثر صفقاتية واعتمادًا على ميزان القوة على الأرض.
المجتمع اليهودي والإنجيليون وAIPAC: تعدد مراكز التأثير المؤيدة لإسرائيل
لم تعد البيئة الأمريكية المؤيدة لإسرائيل كتلة سياسية متجانسة؛ إذ تظهر انقسامات متزايدة داخل المجتمع اليهودي الأمريكي نفسه، بين شرائح أرثوذكسية ومحافظة أكثر ارتباطًا بالحكومات الإسرائيلية اليمينية، وقطاعات ليبرالية ووسطية تميل إلى مقاربات أكثر نقدًا للاستيطان والتصعيد، وتمنح مساحة أكبر لخطاب التسوية وحل الدولتين، وهو ما أسهم في تعزيز حضور جماعات مثل J Street.[5]
وفي موازاة ذلك، تختلف أدوات التأثير بين القوى المؤيدة لإسرائيل؛ فـ ـAIPAC تعمل أساسًا عبر التمويل الانتخابي والعلاقات المؤسسية مع الكونغرس، بينما يستند النفوذ الإنجيلي إلى قاعدة شعبية واسعة داخل الحزب الجمهوري وإلى تأثير مباشر في الانتخابات التمهيدية والهوية الأيديولوجية للحزب. ومع تصاعد التيار الشعبوي الجمهوري، تتعرض هذه المنظومة بدورها لضغط متزايد حول كلفة الالتزامات الخارجية وحدود العلاقة مع إسرائيل، بما يجعل النقاش المستقبلي داخل اليمين الأمريكي مرتبطًا بدرجة أكبر بتعريف «أمريكا أولًا» وحدود ما يقتضيه من دعم للحلفاء التقليديين.
السيناريوهات المحتملة
- السيناريو الأول: حكومة منقسمة واستمرارية في السياسة الخارجية – السيناريو الأرجح
يفوز الديمقراطيون بأغلبية محدودة في مجلس النواب، بينما يحتفظ الجمهوريون بمجلس الشيوخ. تتوسع التحقيقات والرقابة البرلمانية على إدارة ترامب، وتتراجع قدرتها على تمرير التشريعات الداخلية الكبرى، ويزداد الاستقطاب مع اقتراب انتخابات 2028.
في الوقت نفسه يحتفظ الرئيس بهامش واسع في السياسة الخارجية، تستمر سياسة الضغط على إيران مع تجنب حرب شاملة، وتبقى العلاقة مع إسرائيل قوية مع خلافات متكررة حول حدود التصعيد، ويزداد الضغط على الحلفاء لتحمل أعباء أكبر.
يواصل التقدميون تحقيق مكاسب داخل الحزب الديمقراطي، لكنهم يبقون أقلية مؤثرة أكثر من كونهم قيادة جديدة للحزب.
الانعكاس على المنطقة: تغيير في الخطاب الأمريكي أكثر من تغيير في البنية الاستراتيجية.
الانعكاس على الأردن: استمرار العلاقة الاستراتيجية مع الحاجة إلى توسيع العلاقات داخل الكونغرس ومع الجيل السياسي الجديد.
- السيناريو الثاني: صعود تدريجي للتقدميين مع إعادة تشكيل الحزب الديمقراطي – احتمال متوسط على المدى المتوسط
يحقق عدد أكبر من المرشحين التقدميين انتصارات في الكونغرس والانتخابات المحلية، ويتحول الضغط الجيلي إلى قوة داخل المؤسسات الحزبية.
تزداد المطالب بربط بعض المساعدات العسكرية بشروط، ويصبح خطاب حقوق الإنسان أكثر مركزية، ويضعف التأييد غير المشروط للتدخلات الخارجية.
ومع ذلك يبقى التحول تدريجيًا بسبب مجلس الشيوخ، والجغرافيا الانتخابية، ومؤسسات الأمن القومي، والقيادة الوسطية للحزب.
الانعكاس على الأردن: ارتفاع أهمية بناء علاقات مع أجنحة الحزب الجديدة ضمن استراتيجية اتصال متعددة المستويات.
- السيناريو الثالث: إعادة اصطفاف شعبوي عابر للحزبين – السيناريو الأكثر أهمية على المدى البعيد
يتوسع التقاطع بين اليمين الشعبوي واليسار التقدمي حول رفض الحروب، وتقليل الالتزامات الخارجية، ومواجهة الشركات الكبرى، وإعطاء الأولوية للداخل.
يبقى الخلاف بين الطرفين عميقًا في القضايا الاجتماعية والثقافية والهجرة والاقتصاد، لكنهما يضغطان من اتجاهين مختلفين على نموذج السياسة الخارجية الذي ساد بعد الحرب الباردة.
هذا السيناريو لا ينتج تحالفًا سياسيًا بين اليمين واليسار، لكنه يضعف الإجماع الذي سمح للولايات المتحدة بممارسة تدخل خارجي واسع بكلفة سياسية داخلية محدودة.
النتيجة الاستراتيجية: انتقال تدريجي من سياسة الهيمنة المفتوحة إلى سياسة أكثر انتقائية، تعتمد على الردع والشركاء والتحالفات الإقليمية بدل الحروب المباشرة طويلة الأمد.
- السيناريو الرابع: تصعيد إقليمي يعيد تثبيت المؤسسة التقليدية – سيناريو قائم يرتفع مع حدوث أزمة كبرى
تندلع مواجهة واسعة مع إيران أو تتوسع الحرب الإقليمية بصورة تهدد المصالح الأمريكية مباشرة. يؤدي ذلك إلى ارتفاع الطلب الداخلي على الأمن، ويستعيد التيار المؤسسي في الحزبين جزءًا من المبادرة، وتتراجع قدرة التيارات المناهضة للتدخل على فرض أجندتها مؤقتًا.
لكن نجاح هذا السيناريو في إعادة بناء الإجماع القديم سيعتمد على مدة الحرب وكلفتها. فإذا امتدت المواجهة وارتفعت أسعار الطاقة وازدادت الخسائر، قد يحدث الأثر العكسي وتتسع المعارضة الداخلية.
مؤشرات ينبغي مراقبتها حتى انتخابات 2026
توجد مجموعة من المؤشرات القادرة على تحديد أي السيناريوهات يصبح أكثر ترجيحًا.
- الأول هو أداء المرشحين التقدميين في الولايات التي تحتاج إلى ائتلاف انتخابي يتجاوز المدن الكبرى. نجاحهم في هذه البيئات سيكون أكثر دلالة من الانتصارات البلدية أو في الدوائر الديمقراطية الآمنة.
- الثاني هو حجم الأغلبية التي يستطيع الديمقراطيون تحقيقها في مجلس النواب، لأن أغلبية محدودة جدًا ستفرض قيودًا على قدرة الحزب على إدارة حكومة منقسمة.
- الثالث هو مسار الانقسام داخل MAGA، وبصفة خاصة موقف القاعدة المحافظة من إيران والعلاقة مع نتنياهو.
- الرابع هو اتجاه أسعار الطاقة والتضخم والاقتصاد الأمريكي، لأنها ستحدد إلى أي مدى يستطيع الناخب فصل السياسة الخارجية عن وضعه المعيشي.
- الخامس هو تطور المواقف داخل المجتمع اليهودي الأمريكي وبين الإنجيليين، لأن أي تغير في هاتين البيئتين سيؤثر في الحسابات الحزبية تجاه إسرائيل.
- السادس هو مستوى استنزاف القدرات والذخائر الأمريكية، واتجاه إعادة بناء المخزون الدفاعي، لأن القدرة المادية ستحدد هامش الحركة العسكري بقدر ما تحدده الإرادة السياسية.
- السابع هو تطورات الضفة الغربية والسياسة الإسرائيلية؛ إذ يمكن لتصعيد واسع أن يحول العلاقة مع إسرائيل من عنصر إجماع إلى موضوع انتخابي أكثر انقسامًا.
تكشف المؤشرات السابقة أن الولايات المتحدة تتجه إلى مرحلة إعادة ترتيب داخلية تتجاوز صعود عدد من الشخصيات التقدمية، لكنها تتحرك بوتيرة أبطأ من أن تنتج تحولًا جذريًا في المدى القريب. فالإجماع الذي حكم جانبًا واسعًا من السياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة يتعرض لضغوط متزامنة من الجناح التقدمي في اليسار، والتيار الشعبوي في اليمين، والتحولات الجيلية، إلى جانب الكلفة المتزايدة للحروب والضغوط الاقتصادية والمنافسة الاستراتيجية مع الصين.
وعليه، فإن المسألة الأساسية خلال السنوات المقبلة لن تكون فقط من يسيطر على الكونغرس أو البيت الأبيض، بل أي تصور للمصلحة الأمريكية سينجح في فرض نفسه: استمرار الانخراط الخارجي الواسع، أم الانتقال إلى سياسة أكثر انتقائية في استخدام القوة وتوزيع الموارد والالتزامات. وستحدد نتيجة هذا الصراع الداخلي تدريجيًا حدود الدور الأمريكي في النظام الدولي، وبصورة خاصة مستوى انخراط واشنطن في الشرق الأوسط وطبيعة علاقتها بحلفائها وخصومها في المنطقة.
بالنسبة للأردن، تبقى العلاقة مع الولايات المتحدة راسخة بفعل أهميته الجغرافية والأمنية ودوره في التعاون الاستخباراتي ومكافحة الإرهاب والتنسيق الدفاعي، إلى جانب ما تدعمه الاتفاقات والمساعدات طويلة الأجل. لكن التحولات داخل السياسة الأمريكية تفرض على عمان توسيع أدوات إدارة هذه العلاقة، بحيث لا تبقى محصورة في الخطاب الأمني والجيوسياسي، بل تمتد إلى قضايا التنمية واللاجئين والصحة والاستقرار الاقتصادي وحقوق الإنسان، بما يسمح بالتواصل مع المؤسسة التقليدية والتيارات التقدمية الصاعدة في آن واحد. الأنسب لذلك هو تنويع قنوات العلاقة داخل واشنطن والحفاظ على توازن طويل المدى يتجاوز الرهان على حزب أو تيار بعينه.
[1] شكلت حرب العراق عام 2003 إحدى اللحظات المؤسسة لهذا التحول. فقد أضعفت الحرب الثقة بالسياسة الخارجية الأمريكية، خصوصًا لدى الأجيال التي رأت ارتفاع الكلفة البشرية والمالية للتدخلات العسكرية من دون نتائج تتناسب مع تلك الكلفة. ثم جاءت الأزمة المالية عام 2008 لتضيف بعدًا اجتماعيًا واقتصاديًا أكثر عمقًا؛ إذ تعرضت الطبقة الوسطى لضغوط شديدة، واتسعت فجوات الدخل والثروة، بينما ترسخ لدى قطاعات واسعة انطباع بأن النظام المالي قادر على حماية المؤسسات الكبرى بصورة أسرع من قدرته على حماية الأسر والطبقة العاملة.
[2] سياسي أمريكي بارز وعضو مستقل في مجلس الشيوخ الأمريكي ممثلاً لولاية فيرمونت. يعرف بتوجهاته اليسارية والاشتراكية الديمقراطية، كما ترشح مرتين لنيل بطاقة الترشح للرئاسة الأمريكية عن الحزب الديمقراطي في عامي 2016 و2020
[3] شعار سياسي ” Make America Great Again ” للحملة التي استخدمت في السياسة الأمريكية، وظهرت بشكل بارز في حملة الانتخابات الرئاسية 2016 لدونالد ترامب. أنشئت في عام 1979 عندما كانت الولايات المتحدة تعاني من تدهور اقتصادي تميز بالركود، وقد استخدم الشعار لأول مرة في حملة الانتخابات الرئاسية في عهد رونالد ريغان عام 1980. تم استخدام الشعار أيضا في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون، على الرغم من أنه أشار لاحقا إلى البيان بوصفه صافرة الكلب عنصرية خلال الانتخابات 2016.
[4] يصعب تغير موازين القوى في مجلس الشيوخ مقارنة بمجلس النواب بسبب طبيعة التمثيل الانتخابي؛ فالسيناتور يمثل ولاية كاملة ويحتاج إلى ائتلاف انتخابي واسع يجمع المدن والضواحي والمناطق الريفية، وهو ما يدفع المرشحين عادة نحو مواقف أكثر وسطية. لذلك تنتقل التحولات السياسية والاجتماعية إلى مجلس النواب بوتيرة أسرع، بينما يعمل مجلس الشيوخ كأحد عناصر الاستمرارية المؤسسية في النظام الأمريكي.
[5] منظمة ليبرالية غير ربحية هدفها هو الدعوة وتعزيز القيادة الأميركية لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية وذلك بطريقة سلمية ودبلوماسية.


