من هو “رجل الدولة”؟

كتب: حارث أبو بديوي

يُستخدم تعبير «رجل الدولة» في الخطاب السياسي العربي المعاصر بكثرة، حتى كاد يتحول أحياناً إلى لقب تكريمي، بأحسن أحواله، يطلق على من شغل منصباً رسمياً رفيعاً، فيما يتم إطلاقه أحياناً بشكل عشوائي يوشك أن يجرده من معناه، ويفرغه من أهم دلالاته.


بالتعريف القاموسي، تُعرّف المعاجم الإنجليزية كلمة Statesman بأنها «السياسي الخبير الذي يحظى بالاحترام لما يتمتع به من حسن الحكم والتقدير». وتشمل تعريفاتٌ أخرى مَن يشارك في إدارة الشأن العام أو في تشكيل سياساته، ضمن نفس الفئة. وتتفق المراجع في أغلبها على أن رجل الدولة، ليس وصفاً قانونياً ولا رتبة رسمية، وإنما حكم تقييمي على نوع الشخصية السياسية وطريقة أدائها.

قد يكون رجل الدولة رئيساً للحكومة، أو وزيراً، أو سفيراً، أو نائباً. كما قد يكون رئيسَ حزب أو زعيم معارضة. وقد يكون أكاديمياً أو مثقفاً معروفاً تجاوز دوره التعليق على السياسة إلى التأثير الحقيقي في تشكيل الرؤية العامة والخيارات والسياسات، والانتقال من تشخيص المشكلات إلى التفكير في بدائلها ومقتضياتها العملية.
وعليه، لا يبدو المنصب الرسمي شرطاً في التعريف أو الاصطلاح. لكن الفاعلية في الشأن العام، والانشغال الحقيقي بمستقبل الدولة وخياراتها، شرطان أساسيان.


يمكن لرجل الدولة أن يكون من صفوف المعارضة، وليس فقط من مؤسسات الحكم. الفرق ليس في موقعه من الحكومة، وإنما في موقع الدولة من تفكيره.
وفي المقابل، قد يكون المسؤول الحكومي كفؤاً تماماً في إدارة مهمته، من غير أن يكون بالضرورة رجل دولة، فالوزير قد ينجح في وزارته باعتبارها قطاعاً إدارياً، أما رجل الدولة فيرى الوزارة داخل الصورة الكلية للدولة. ورئيس الحكومة قد يقيس نجاحه بإنجازات حكومته خلال سنوات ولايتها، أما رجل الدولة فيضيف سؤالاً آخر؛ ماذا سيبقى من هذه القرارات للدولة بعد أن تغادر حكومتي.
ومن أكثر العبارات دلالة في هذا السياق ما ذهب إليه تشرشل، بأن رجال الدولة لا يُستدعون لحسم المسائل السهلة، فهذه كثيراً ما تحسم نفسها؛ وإنما يبدأ الامتحان الحقيقي حين تصبح الموازين غير واضحة والبدائل محاطة بالضباب، ويكون على صاحب القرار أن يختار من دون أن يمتلك يقيناً كاملاً بما سيحدث.
وهنا، تحديداً يفترق رجل الدولة عن الإداري الجيد. ويظهر فنّ رجل الدولة في المفاضلة بين خيارات ناقصة، بعضها أقل ضرراً أو أكثر قابلية للاستمرار من بعض، لا في التمييز بين الخير والشر.
ولهذا، تحتاج الدولة في أزمنتها الصعبة إلى شيء أكبر من معرفة الإجراءات. تحتاج إلى الحكم والتقدير والقدرة على تحمل المسؤولية.
يقدم ماكس فيبر، عالم الاجتماع والاقتصاد الألماني، وأحد أبرز مؤسسي علم الاجتماع الحديث، في محاضرته الشهيرة «السياسة بوصفها حِرفة»، واحداً من أكثر التصورات الحديثة عمقاً للشخصية القادرة على التعامل مع السلطة.
لم يضع فيبر تعريفاً معجمياً لـ«رجل الدولة»، بيد أنه سأل سؤالاً شديد الصلة به؛ ما الصفات التي ينبغي أن تتوافر في الإنسان لكي يكون جديراً بالتعامل مع السلطة والمسؤولية التي تفرضها؟ ويجيب بثلاث صفات، هي؛ الشغف، والشعور بالمسؤولية، وحسن التقدير. و«الشغف» عند فيبر يعني تحديداً؛ الارتباط الجاد بقضية تستحق العمل من أجلها.
والمفارقة اللافتة، بحق، أني وجدتُ، رغم اختلاف البيئة والزمان، لدى أبي الحسن الماوردي، الفقيه والقاضي العباسي، وصاحب كتابَي «الأحكام السلطانية» و«تسهيل النظر وتعجيل الظفر»، وجدتُ ثلاثية مشابهة تسبق ثلاثية فيبر، وتدخل مباشرة في بناء المفهوم؛ إذ، يحدد الماوردي ثلاث صفات يجب أن يتسم بها “مَن يُستكفى لشؤون العامة”، وهي؛ الخُلُق، الكفاية، والهمّة، ويقول في عبارة شديدة التكثيف «الهمة رائد الجد». وتكتسب «الهمة»، بالذات، موقعاً خاصاً في التعريف، حيث لا يصنع امتلاك الأفكار وحده رجلَ دولة.
ثم يدخل عامل الزمن بوصفه عنصراً أساسياً في مفهوم رجل الدولة.
وإذا كان السياسي اليومي مضطراً إلى التعامل مع الحدث، فإن رجل الدولة ينشغل أيضاً بما وراء الحدث. إذا اندلعت حرب في مكان بعيد، أول ما يخطر بباله انعكاساتها على الطاقة والتجارة والتحالفات والأمن والاقتصاد في بلده. وإذا ظهرت ثورة تكنولوجية يسأل عما ستفعله بالتعليم وسوق العمل والإدارة والسيادة، في بلاده، بعد عشر سنوات، أو أقل أو أكثر.
ويمكن تلخيص هذه السمة بأن رجل الدولة يحوّل الحدث إلى تقدير دولة.
وقد لامس هنري كيسنجر، الفكرة بدقة، عندما حاول في كتابه Leadership أن يضع تصوراً لطبيعة القيادة السياسية الكبرى، حيث يميز بين نمط رجل الدولة ونمط «النبي». وذهب إلى أن رجل الدولة لا يستسلم للواقع كما هو، لكنه لا يتصرف أيضاً كما لو كانت القيود غير موجودة؛ يحاول تعديل الظروف حتى لا تجرف مجتمعه، ويوازن بين الرؤية وإدراك الحدود، ويتحمل مسؤولية التفكير ليس فقط في أفضل النتائج الممكنة، بل في أسوأها أيضاً. ثم يصوغ كيسنجر واحداً من أدق اختبارات القيادة؛ «منع مطالب الحاضر من أن تطغى على المستقبل»

.
وبوضوح أكثر، فإن على رجل الدولة أن يحمي المستقبل من استبداد الحاضر. قد يرفض مكسباً شعبياً سريعاً لأن ثمنه الاقتصادي سيظهر بعد سنوات، وقد يتخذ قراراً غير مريح اليوم لأنه يعتقد أنه يحمي مؤسسة أو مورداً أو موقعاً استراتيجياً سيحتاجه الجيل التالي.
وعليه، فإن رجل الدولة ليس فقط صاحب مبادئ، بل صاحب بدائل. وهذه إحدى المناطق التي تفصل الخطابة عن الحكم.
ولهذا، جعل الماوردي الكفاية شرطاً أساسياً فيمن تُسند إليهم الأعمال، ويصف وزير التفويض بأنه من يفوض إليه «تدبير الأمور برأيه وإمضاؤها على اجتهاده». فحسن المقصد لا يعوض نقص القدرة، والرؤية التي لا تعرف أدواتها تبقى مجرد حلم أو أمنية.
ولعل أحد أدق الاختبارات لرجل الدولة لا يتعلق بما يفعله أثناء وجوده في الموقع، بل بما يحدث بعد مغادرته؛ ماذا ترك وراءه. هل بنى مؤسسة، أم بنى اعتماداً على شخصه. هل اعتبر ظهور شخصية قوية إلى جانبه إضافة إلى الموقع الذي يشغله، أم تهديداً له.


هنا، تحديداً، يفترق رجل الدولة عن رجل السلطة؛ رجل السلطة يحتاج إلى استمرار الحاجة إليه، أما رجل الدولة فمن علامات نجاحه أن تستطيع الدولة الاستمرار من دونه. وهو بهذا المعنى قادر على تخيل الدولة بعده.
يمكن، بعد ذلك كله، اقتراح تعريف مركب؛ رجل الدولة هو فاعل مؤثر في الشأن العام، يمتلك رؤية للدولة ومعرفة بآلياتها ومصالحها، ويجمع بين الخُلُق والكفاءة والهمة وحسن التقدير؛ يقرأ الأحداث في سياق آثارها المستقبلية، ويستطيع تحويل رؤيته إلى خيارات وبدائل قابلة للعمل، ويحسب نتائج ما يقترحه ويتحمل مسؤوليتها، ويرى الحكومة والحزب والمنصب مراحل وأدوات ضمن كيان أوسع وأبقى هو الدولة.

رجل الدولة، باختصار مكثف، لا يُعرَف بالموقع الذي يشغله في الدولة، بل بالموقع الذي تحتله الدولة في تفكيره.

زر الذهاب إلى الأعلى