بعد حرب إيران: هل تبحث واشنطن عن رابين جديد؟

بدأت الولايات المتحدة، فيما لا تزال آثار الحروب التي بدأت في السابع من أكتوبر تعيد تشكيل حسابات القوى الإقليمية، الانتقال من إدارة المواجهة إلى التفكير في البيئة السياسية التي تريد بناءها بعدها، وهو تحول يطرح سؤالًا يتجاوز نتائج الحروب نفسها إلى الطريقة التي ستوظف بها واشنطن هذه النتائج في غزة وسوريا ولبنان والعلاقات العربية الإسرائيلية. ففي 4 أيلول 2026، كشف الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد في موقع Axios أن إدارة دونالد ترامب بدأت إعداد استراتيجية لمرحلة ما بعد الحرب تقوم على احتواء إيران، وخفض احتمالات تجدد المواجهة في الجبهات المحيطة بإسرائيل، وتوسيع اتفاقيات التطبيع وصولًا إلى تطبيع سعودي إسرائيلي[1]، فيما تدخل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول ضمن حسابات التنفيذ، لأن واشنطن تريد التعاون مع الحكومة التي ستتشكل بعدها، من دون أن تربط خطتها بفوز مرشح إسرائيلي بعينه.
تعيد هذه اللحظة إلى الأذهان ما جرى بعد حرب الخليج عام 1991، عندما انتقلت إدارة جورج بوش الأب من قيادة التحالف العسكري ضد العراق إلى محاولة إعادة تنظيم العلاقات الإقليمية، فأطلق وزير الخارجية جيمس بيكر جولة دبلوماسية انتهت بعقد مؤتمر مدريد في تشرين الأول من العام نفسه، ودخلت واشنطن خلال ذلك في خلافات مع حكومة إسحاق شامير حول الاستيطان وضمانات القروض الأميركية. وتوضح الرواية الرسمية لوزارة الخارجية الأميركية أن إدارة بوش استخدمت ملف ضمانات بقيمة عشرة مليارات دولار للضغط على شامير، وأن المفاوضات التي بدأت بعد مدريد اكتسبت زخمًا إضافيًا بعد وصول إسحاق رابين إلى رئاسة الحكومة في انتخابات حزيران 1992، قبل أن تتجاوز الاتصالات السرية بين إسرائيل ومنظمة التحرير المسار التفاوضي في واشنطن وتفضي إلى إعلان المبادئ في أيلول 1993.
لا تسمح هذه السابقة بالقول إن واشنطن تبحث اليوم عن نسخة جديدة من رابين، لكن المقارنة تكتسب قيمتها عند مستوى آخر يتعلق بوظيفة الحكومة الإسرائيلية في اللحظة التي تلي الحرب. فقد احتاجت الولايات المتحدة بعد حرب الخليج إلى حكومة تستطيع التعامل مع التفاوض باعتباره وسيلة لتنظيم البيئة التي أنتجتها الحرب، فيما تحتاج الاستراتيجية التي تتشكل اليوم، إذا أرادت واشنطن تنفيذها، إلى قيادة إسرائيلية تستطيع الجمع بين الحفاظ على المصالح الأمنية التي تعتبرها إسرائيل أساسية وبين استخدام بعض النتائج العسكرية للحصول على ترتيبات سياسية وإقليمية أكثر استقرارًا.
غير أن هذا السؤال الإسرائيلي يقود إلى مسألة أكثر أهمية بالنسبة إلى الفلسطينيين، لأن المشروع الأميركي لا يتوقف عند إيران والتطبيع، وإنما يصل إلى غزة وإعادة الإعمار ومستقبل السلطة الفلسطينية وإعادة بناء المؤسسات السياسية. وهنا تظهر الفرضية الأساسية لهذه القراءة، إذ لا تكمن المشكلة المحتملة في أي تسوية مقبلة بالضرورة في غياب الحديث عن الدولة الفلسطينية، فالمشروع الأميركي الحالي يتحدث صراحة عن تقرير المصير والدولة وإنما في احتمال أن يتقدم بناء الإدارة الفلسطينية وتجديد شرعيتها بصورة أسرع من انتقال السيادة على الأرض، فتتكون مؤسسات أكثر قدرة على إدارة المجتمع من دون أن يتغير بالقدر نفسه توزيع السيطرة على المجال والحدود والموارد والأمن.
من الحرب إلى إعادة ترتيب الإقليم
تكشف الاستراتيجية التي تعمل عليها إدارة ترامب أن واشنطن لا تنظر إلى إيران وغزة وسوريا ولبنان باعتبارها ملفات منفصلة يمكن إغلاق كل واحد منها بصورة مستقلة، وإنما تحاول جمعها داخل تصور إقليمي يقوم على منع إيران من استعادة المكانة والقدرات التي فقدتها خلال الحرب، وخفض احتمالات عودة المواجهة في المناطق المحيطة بإسرائيل، ثم استخدام الاستقرار النسبي لتوسيع العلاقات العربية الإسرائيلية. ولهذا تشمل الأفكار التي كشفها Axios الانتقال إلى المرحلة التالية من ترتيبات غزة، والسعي إلى اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا، وتثبيت التفاهمات المتعلقة بلبنان، والعمل على توسيع اتفاقيات التطبيع، وهو ما يجعل العلاقة بين نتائج الحرب والمشروع السياسي اللاحق جزءًا من الخطة نفسها لا مرحلتين منفصلتين.
تساعد تجربة عام 1991 على تفسير طبيعة هذا الانتقال، لكنها تكشف في الوقت نفسه اختلافًا أساسيًا بين المرحلتين. فقد احتلت القضية العربية الإسرائيلية بعد حرب الخليج موقعًا متقدمًا في الحسابات الأميركية، واعتبرت إدارة بوش أن دعم الدول العربية للتحالف ضد العراق يفرض عليها إظهار تقدم في القضية الفلسطينية، وهو ما أسهم في دفع مؤتمر مدريد. أما المشروع الحالي فيبدأ من إيران والأمن الإقليمي وإغلاق الجبهات، فيما تدخل القضية الفلسطينية إليه بصورة أساسية من بوابة غزة، ومستقبل إدارتها وإصلاح السلطة الفلسطينية والعلاقة بين هذه المسارات وبين التطبيع الإقليمي.
لذلك، لا يفيد استحضار رابين إذا تحول إلى محاولة للبحث عن تطابق تاريخي بين عامي 1992 و2026، لأن البيئة الإسرائيلية والفلسطينية والإقليمية تغيرت بصورة عميقة؛ ولأن واشنطن نفسها لا تضع المسألة الفلسطينية اليوم في الموقع الذي احتلته بعد حرب الخليج. لكن السابقة تصبح مفيدة عندما نستخدمها لفهم نوع القيادة التي قد تصبح أكثر قدرة على التعامل مع مرحلة الانتقال من القوة إلى السياسة، إذ لا تكفي المكاسب العسكرية إذا تعذر تحويلها إلى ترتيبات تخفض احتمال تجدد الحرب وتمنح الولايات المتحدة مساحة لإعادة بناء النظام الإقليمي الذي تريده.
آيزنكوت واستخدام نتائج الحرب سياسيًا
تظهر أهمية غادي آيزنكوت داخل هذه النقطة تحديدًا. ففي 3 أيلول 2026 نشرت جيروزالم بوست تقريرًا عن السياسات التي يتوقع أن يتبناها إذا أصبح رئيسًا للحكومة، ويكشف التقرير أن اختلافه عن نتنياهو لا يقوم على رفض استخدام القوة أو التخلي عن المطالب الأمنية الإسرائيلية، وإنما على نظرته إلى الوظيفة السياسية للسيطرة العسكرية بعد أن تحقق غاياتها المباشرة.[2] ففي سوريا، يريد الاحتفاظ في المرحلة الحالية بالمنطقة الأمنية وبالجانب السوري من جبل الشيخ، والحفاظ على حرية العمل الجوي الإسرائيلي، لكنه يرى أن بعض مناطق الانتشار يمكن استخدامها في تفاوض يضمن إبعاد القوات السورية عن الحدود والحصول على ترتيبات أمنية أفضل، وهو ما يكشف استعداده للنظر إلى السيطرة العسكرية بوصفها أداة تفاوض وليست غاية قائمة بذاتها.
وتظهر هذه المقاربة بصورة أوضح في غزة والضفة الغربية، إذ يريد آيزنكوت إنهاء حكم حماس ويقبل بالتعامل مع السلطة الفلسطينية إذا انحصر الاختيار بينها وبين استمرار الحركة، كما يقبل ربط خطوات جزئية في نزع السلاح بخطوات مقابلة في إعادة الإعمار مع تمسكه بممر أمني إسرائيلي داخل القطاع. وفي الضفة، يريد التراجع عن بعض السياسات التي دفع بها إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وإعادة صلاحيات إلى الجيش والمؤسسات المهنية، وتشديد التعامل مع عنف المستوطنين، لكنه يرفض في الوقت نفسه مناقشة إقامة دولة فلسطينية في المدى القريب والمتوسط، وهو ما يكشف أن التغيير الذي يقترحه يطال طريقة إدارة السيطرة وكلفتها السياسية أكثر مما يطال أسسها في هذه المرحلة.
بهذا المعنى، لا يقدم آيزنكوت نقيضًا أمنيًا لنتنياهو، وإنما يقدم تصورًا آخر لكيفية استخدام القوة التي راكمتها إسرائيل، إذ يريد الحفاظ على حرية العمل العسكري والقدرة على الردع، لكنه يبدو أكثر استعدادًا لتحويل بعض الانتشار العسكري إلى مقابل تفاوضي وإعادة بناء العلاقة مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية، وقبول مبادرات جزئية تخفف الكلفة السياسية والدبلوماسية على إسرائيل. وهنا تصبح المقارنة مع رابين ذات دلالة محددة، لأن رابين لم يتعامل مع التسوية باعتبارها خروجًا من مفهوم الأمن الإسرائيلي، وإنما استخدم التفاوض لتحقيق أهداف اعتبرها جزءًا منه، فيما يبقى الفارق الجوهري أن آيزنكوت لا يضع الدولة الفلسطينية في أفق سياسي قريب.
قد تجد واشنطن، إذا وصل نهج من هذا النوع إلى الحكم شريكًا أسهل في ملفات سوريا وغزة والتطبيع والعلاقات الإقليمية، لكن ذلك لا يعني اتفاقًا على حدود التسوية الفلسطينية، إذ تتحدث خريطة الطريق الأميركية عن انسحاب إسرائيلي كامل من غزة ومسار سياسي نحو تقرير المصير والدولة، بينما يريد آيزنكوت الاحتفاظ بممر أمني داخل القطاع ويرفض الدولة في المدى المنظور. وبالتالي، يمكن أن ينتقل الخلاف حتى في حال وصول حكومة إسرائيلية أكثر تعاونًا مع واشنطن من سؤال الدخول في التسوية إلى سؤال حدودها وسرعة تنفيذها والعلاقة بين الأمن الإسرائيلي والسيادة الفلسطينية.
المشكلة التي تركها أوسلو
إذا كان رابين يساعد على فهم وظيفة القيادة الإسرائيلية في مرحلة ما بعد الحرب، فإن أوسلو يقدم السابقة الأكثر أهمية لفهم المعضلة التي قد تواجه الفلسطينيين؛ لأن المسألة التي بقيت مفتوحة منذ التسعينيات لم تكن مجرد الخلاف على التفاوض، وإنما العلاقة بين بناء مؤسسات قادرة على إدارة السكان وبين الانتقال من الحكم الذاتي إلى السيادة. فقد نص إعلان المبادئ عام 1993 على إقامة سلطة حكم ذاتي فلسطينية انتقالية ومجلس منتخب، وعلى نقل صلاحيات إلى الفلسطينيين في مجالات التعليم والصحة والشؤون الاجتماعية والضرائب والسياحة وغيرها، فيما ترك القدس واللاجئين والمستوطنات والترتيبات الأمنية والحدود إلى مفاوضات الوضع النهائي، وحدد المرحلة الانتقالية بخمس سنوات يفترض أن تنتهي خلالها إلى تسوية دائمة.
لم يصمم أوسلو هذه الإدارة باعتبارها النهاية السياسية المقصودة، ولم يقدم الحكم الذاتي بوصفه بديلًا معلنًا عن التسوية النهائية، لكن التجربة أظهرت أن المؤسسات التي تنشأ لإدارة المرحلة الانتقالية تستطيع الاستمرار حتى عندما يتعطل الانتقال الذي يفترض أن تقود إليه. واستمرت السلطة الفلسطينية في تحمل مسؤوليات واسعة تتعلق بإدارة المجتمع والخدمات والاقتصاد والأمن الداخلي، فيما ظلت قضايا الأرض والحدود والمستوطنات والقدس والسيادة خارج التسوية النهائية، الأمر الذي جعل المؤقت يتحول تدريجيًا إلى بنية سياسية مستقرة نسبيًا من دون أن يحقق الهدف الذي أنشئ من أجله.
من هنا تكتسب الترتيبات التي تبنيها الولايات المتحدة في غزة أهميتها. ففي كانون الثاني 2026، أعلنت الإدارة الأميركية تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة وأسندت إليها استعادة الخدمات الأساسية وإعادة بناء المؤسسات المدنية وتثبيت الحياة اليومية، باعتبارها جزءًا من تنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب. ثم نشر مجلس السلام في 30 تموز خريطة طريق تنص على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع وتمكين الحكم الفلسطيني وإعادة الإعمار وإطلاق مسار سياسي موثوق يحقق تقرير المصير والدولة الفلسطينية، وهو ما يعني أن المشروع الأميركي المعلن لا يقدم الإدارة الفلسطينية بديلًا رسميًا عن السيادة.
لكن الاعتراف بهذا العنصر لا يلغي المعضلة وإنما يجعلها أكثر دقة، لأن وجود الدولة الفلسطينية في نهاية الخطة لا يضمن وحده أن تصل إليها المراحل التي تسبقها. فالإدارة وإعادة الإعمار وبناء المؤسسات ونزع السلاح والرقابة الأمنية تمثل إجراءات يمكن البدء بها وقياس تقدمها، فيما يحتاج انتقال السيادة إلى توافق سياسي أعمق بين إسرائيل والفلسطينيين والولايات المتحدة والقوى الإقليمية، وهو ما يفتح احتمال أن تتقدم المؤسسات التي تدير المرحلة بسرعة أكبر من الآليات التي يفترض أن تنهيها. وهذه هي النقطة التي تجعل تجربة أوسلو ذات صلة مع اختلاف الظروف والأطراف والخطط، لأن المشكلة لا تبدأ من إنشاء إدارة فلسطينية وإنما من تحول المرحلة الانتقالية إلى وضع مستقر لا ينتقل إلى الغاية السياسية التي أنشئت من أجلها.
التسوية الوظيفية
يمكن وصف هذا الاحتمال بـ”التسوية الوظيفية” والمقصود بها صيغة تتوسع فيها وظائف المؤسسات الفلسطينية وقدرتها على إدارة السكان والاقتصاد والخدمات وإعادة الإعمار والأمن الداخلي، من دون أن يصاحب هذا التوسع انتقال متناسب في السيطرة على الأرض والحدود والمجال الأمني. ولا يفترض المفهوم أن الدولة الفلسطينية أزيلت من الأفق، وإنما يصف فجوة محتملة بين بناء سلطة قادرة على أداء وظائف الحكم وبين امتلاك العناصر التي تحول هذه السلطة إلى سيادة سياسية فعلية.
في غزة، تستطيع جهة فلسطينية أن تتولى البلديات والخدمات والتعليم والصحة والاقتصاد وإعادة الإعمار وإدارة المؤسسات اليومية، فيما تستمر ترتيبات الانسحاب ونزع السلاح والأمن وفق مراحل وشروط منفصلة. وفي الضفة الغربية، تستطيع سلطة أكثر قدرة وشرعية أن تحسن الخدمات والإدارة والاقتصاد والأمن الداخلي، وأن تستفيد من تراجع بعض السياسات الإسرائيلية المرتبطة بالضم وعنف المستوطنين، من دون أن ينتقل إليها بالضرورة التحكم بالمنطقة ج أو المستوطنات أو الحدود أو المجال الأمني، وهو ما يجعل مقدار التحسن في الإدارة غير كاف لقياس مقدار التقدم السياسي.
وتظهر أهمية هذا التمييز عندما نقارن بين خريطة الطريق الأميركية ورؤية آيزنكوت، فالأولى تتحدث عن انسحاب إسرائيلي كامل من قطاع غزة ومسار نحو تقرير المصير والدولة، بينما يحتفظ الثاني بمطالب أمنية تتضمن ممرًا إسرائيليًا ويرفض الدولة في المدى القريب والمتوسط. وهذا التباين يعني أن وجود حكومة إسرائيلية أقل صدامًا مع واشنطن وأكثر استعدادًا للمشاركة في ترتيبات إقليمية لا يحل تلقائيًا السؤال الفلسطيني؛ لأن الخلاف يمكن أن ينتقل من رفض العملية السياسية نفسها إلى التفاوض على حدودها وسرعة تنفيذها والعلاقة بين الصلاحيات التي يحصل عليها الفلسطينيون وبين مقدار السيطرة التي تتخلى عنها إسرائيل.
ولهذا لا ينبغي قياس أي حكومة إسرائيلية مقبلة بمقدار اختلاف خطابها عن خطاب نتنياهو وحده، فقد يؤدي ضبط عنف المستوطنين وإعادة بناء العلاقة مع السلطة الفلسطينية وتسهيل إعمار غزة وتحسين العلاقات مع واشنطن والعواصم العربية إلى تغيرات سياسية مهمة وملموسة، لكنها لا تحدد وحدها طبيعة التسوية التي ستنشأ.
الانتخابات الفلسطينية وتجديد الشرعية
تدخل الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في 28 تشرين الثاني 2026 في هذه البيئة السياسية، لا باعتبارها دليلًا على وجود خطة أميركية لإعادة تشكيل النظام الفلسطيني، إذ لا توجد معلومات موثوقة تثبت أن واشنطن طلبت إجراء الانتخابات أو شاركت في اختيار موعدها، وإنما باعتبارها تطورًا قد يتقاطع وظيفيًا مع الحاجة إلى مؤسسات أكثر شرعية إذا توسع الدور الفلسطيني في غزة والضفة. فقد أصدر الرئيس محمود عباس في 9 تموز مرسومًا دعا فيه الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة إلى انتخاب مجلس تشريعي جديد في 28 تشرين الثاني، ثم أكد في 3 آب استمرار الانتخابات في موعدها، فيما أعلنت لجنة الانتخابات المركزية مواصلة استعداداتها رغم التحديات المتعلقة بالقدس وغزة والقيود الإسرائيلية على الحركة والتنقل.
تكتسب هذه الانتخابات وزنًا يتجاوز توزيع المقاعد بين القوائم، لأنها تأتي بعد عشرين عامًا من آخر انتخابات تشريعية فلسطينية، وفي وقت تبحث فيه الأطراف الفلسطينية والدولية في شكل المؤسسات التي ستتعامل مع غزة وإعادة الإعمار والإصلاح والتمويل. وإذا اتجهت المرحلة المقبلة إلى إسناد مسؤوليات سياسية ومالية وإدارية أكبر إلى مؤسسات فلسطينية، فإن تجديد المجلس التشريعي وإعادة تحديد أوزان القوى داخل النظام يستطيعان توفير شرعية أحدث لهذه المؤسسات، وإنتاج عنوان سياسي تستطيع الدول العربية والولايات المتحدة والجهات الدولية التعامل معه، من دون أن يعني ذلك أن الانتخابات وحدها تستطيع معالجة الانقسام أو حسم مسألة الحكم في غزة.
يبقى السؤال الأهم ما إذا كانت الانتخابات ستصل أصلًا إلى صناديق الاقتراع، إذ أظهرت التجارب السابقة أن استكمال الترتيبات القانونية والتنظيمية لا يضمن إجراءها، كما حدث في 2021 حين انتهى المسار إلى التأجيل رفض إسرائيل إجراء الانتخابات في القدس الشرقية.[3] ويتكرر الاحتمال نفسه في 2026 مع امتلاك إسرائيل قدرة فعلية على تعطيل الاستحقاق عبر تقييد التصويت والنشاط الانتخابي في القدس، أو رفض مشاركة حماس بصورة مباشرة أو من خلال دعم شخصيات وقوائم حتى وإن كانت قريبة منها، بما قد يفرض التأجيل ميدانيًا من دون حاجة إلى قرار إسرائيلي معلن. وتذهب تقديرات إسرائيلية إلى أن بعض الأطراف الفلسطينية قد تجد في هذا السيناريو مخرجًا مناسبًا إذا توقعت نتائج غير مواتية، لأنه ينقل مسؤولية التعطيل إلى إسرائيل ويخفف كلفته الداخلية.[4]
ومن هنا يصبح السؤال الذي تطرحه الانتخابات أكثر أهمية من معرفة من سيفوز بها وحده، لأن تجديد الشرعية لا يحدد بنفسه الوظيفة التي ستستخدم من أجلها. فإذا ارتبط المجلس والمؤسسات التي ستنبثق عن الانتخابات بمسار يحدد بصورة واضحة انتقال الصلاحيات والسيطرة على الأرض والحدود، فإن الاقتراع سيصبح جزءًا من عملية سياسية تنقل النظام الفلسطيني من إدارة الحكم الذاتي إلى بناء السيادة. أما إذا تولت المؤسسات المنتخبة مسؤوليات أكبر في غزة والضفة، وحصلت على تمويل دولي وقدرة إدارية أوسع، بينما بقيت القضايا التي تحدد السيادة مؤجلة إلى مرحلة غير محددة، فإن الانتخابات قد تمنح شرعية جديدة لمرحلة انتقالية تستطيع الاستمرار بدل أن تكون أداة للخروج منها.
بهذا المعنى، يبقى سؤال ما إذا كانت واشنطن تبحث عن “رابين جديد” مفيدًا لفهم جانب من اللحظة الراهنة، لكنه لا يقدم الاختبار الحقيقي لما ستنتجه مرحلة ما بعد الحرب. فقد تجد الولايات المتحدة حكومة إسرائيلية أكثر استعدادًا للتعاون في احتواء إيران وإغلاق الجبهات وتحسين العلاقات العربية الإسرائيلية وإعادة إعمار غزة وقد يمثل ذلك تغيرًا مهمًا قياسًا بسياسات حكومة نتنياهو، إلا أن القيمة السياسية لهذا التحول بالنسبة إلى الفلسطينيين ستتوقف على ما إذا كان سيغير العلاقة بين الحكم والسيطرة، لا على مقدار الاختلاف في الخطاب أو درجة الانفتاح الدبلوماسي وحدها.
[1] Barak Ravid, “Scoop: Trump Administration Drafting Post-War Middle East Plan,” Axios, September 4, 2026 https://www.axios.com/2026/09/04/trump-middle-east-iran-post-war-strategy
[2] Yonah Jeremy Bob, “Nuclear Kill Zones: How Eisenkot Would Contain Iran if He Manages to Beat Netanyahu, Exclusive,” The Jerusalem Post, September 3, 2026, https://www.jpost.com/israel-election-2026/article-907531
[3] لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، “تقرير الانتخابات العامة 2021 (المؤجلة)”، سبتمبر/أيلول 2021، https://www.elections.ps/Default.aspx?TabId=1083&ArtMID=9183&ArticleID=2788
[4] إيتي غيل ليف، “الاحتمال الأكبر أن توقف إسرائيل الانتخابات في السلطة الفلسطينية”، دافار، 5 سبتمبر/أيلول 2026، https://www.davar1.co.il/695947/