أنقرة تحت ظلال الأطلسي: لماذا تشتعل المظاهرات الآن؟

في شتاء عام 1950، أرسلت أنقرة فرقة من خمسة آلاف جندي إلى شبه الجزيرة الكورية، في حرب لم تكن حربها، لسبب واحد لا غير: أن تُقنع حلفًا غربيًا ناشئًا بأنها تستحق عضويته. دفعت تركيا وقتها ما يقارب سبعمئة قتيل من أبنائها ثمنًا لتذكرة دخول لم تُمنح لها إلا بعد عامين من الانتظار. اليوم، وبعد أربعة وسبعين عامًا بالتمام، يخرج آلاف الأتراك إلى ميدان كيزيلاي في قلب العاصمة نفسها التي احتفت يومًا بتلك التذكرة، ليطالبوا بالانسحاب من الحلف.
حين تستضيف أنقرة قمة حلف شمال الأطلسي يومي 7 و8 تموز/يوليو 2026، فهي تستضيف أكثر من اجتماع عسكري رفيع: تركيا دولة عضو في الحلف منذ 1952، صاحبة ثاني أكبر جيش داخله، وموقع يتحكم بمداخل البحر الأسود، وسلطة تريد تحويل القمة إلى شهادة دولية على الشرعية والاستقرار، وشارع يساري وقومي ومعارض يرى في الحدث تكثيفًا قديمًا لعلاقة تركيا الملتبسة بالغرب العسكري. لهذا تبدو المظاهرات في أنقرة وإسطنبول وإزمير أقل من انتفاضة واسعة، وأكثر من مرآة سياسية مكثفة: من يحتج على الناتو يحتج أيضًا على شكل الدولة التركية وهي تدير علاقتها بالخارج عبر الأمن، وتدير الداخل عبر القضاء والشرطة والخطاب السيادي. تستند هذه الورقة إلى الأوراق الثلاث السابقة حول “من يحتج ولماذا الآن”، و“انتقام الجغرافيا”، و“معضلة أنقرة”، وتعيد صوغها في تحليل واحد يقرأ الحدث عبر ثلاثة مستويات: الداخل التركي، الإقليم، والنظام الأطلسي الدولي.
مؤتمر أنقرة هو القمة السادسة والثلاثون لحلف شمال الأطلسي، وهي اجتماع لقادة دول الحلف على مستوى رؤساء الدول والحكومات داخل مجلس شمال الأطلسي، أي أعلى مستوى قرار سياسي في الناتو. يوضح الحلف أن القمم تُعقد في لحظات مفصلية لتحديد اتجاهات استراتيجية، إطلاق مبادرات، توسيع الشراكات، أو تثبيت سياسات الردع والدفاع. قمة أنقرة تأتي بعد قمة لاهاي في 24 و25 حزيران/يونيو 2025، وتُعقد في تركيا للمرة الثانية فقط؛ فقد استضافت إسطنبول قمة 2004 بعد أكبر موجة توسع في تاريخ الحلف حين انضمت سبع دول من شرق أوروبا والبلطيق. بذلك تحمل قمة أنقرة ذاكرة مزدوجة: ذاكرة 2004 حين استخدمت تركيا موقعها بوابةً للحلف نحو الخليج عبر “مبادرة التعاون الإستانبولي”، وذاكرة 2026 حين يعود الحلف إلى تركيا في ظل حرب أوكرانيا، اضطراب الشرق الأوسط، صعود الصناعات الدفاعية التركية، وتراجع مركزية الضمان الأمريكي التقليدي.
سبب المظاهرات المباشر هو رفض استضافة قمة الناتو، وقد نظّم الحزب الشيوعي التركي مسيرات في أنقرة وإسطنبول وإزمير، واعتُقل أكثر من مئة مشارك في احتجاج أنقرة وفق بيان الحزب، بينما هتفت الجموع بشعارات ضد الحلف، منها “الناتو القاتل اخرج من البلاد”. لكن السبب الأعمق يتجاوز حدث القمة. اليسار التركي يحمل ذاكرة طويلة ضد القواعد الأمريكية والوجود العسكري الأجنبي منذ الحرب الباردة، ويرى في الناتو منظمة إمبريالية حربية ترتبط بكوريا، والانقلابات، والقواعد، والتبعية الأمنية للغرب. لذلك جاءت قمة أنقرة كفرصة لإعادة تنشيط خطاب قديم في لحظة مناسبة، أكثر من كونها سببًا وحيدًا لولادة الاحتجاج.
في المقابل، تعاملت السلطة مع الاحتجاج كجزء من ملف أمني أشمل. قبل القمة، فرضت ولاية أنقرة حظرًا عامًا على التجمعات واللافتات والمنشورات من 28 حزيران/يونيو إلى 10 تموز/يوليو، وسبقت ذلك موجة اعتقالات واسعة شملت 225 شخصًا، أُرسل 178 منهم إلى الحبس الاحتياطي، وفق تحديث هيومن رايتس ووتش. المنظمة قرأت هذه الإجراءات كدليل على تعصب السلطات تجاه حرية التعبير والتجمع، وربطت بين استخدام قوانين الإرهاب وبين تهيئة المدينة لقمة دولية كبيرة. هذا يجعل المظاهرات حلقة واحدة داخل مشهد أوسع: احتجاج يساري ضد الحلف، حملة أمنية ضد جماعات ونشطاء، ضغط على الإعلام المستقل، وتقييد سياسي للمعارضة.
الأهم هنا هو التمييز بين فاعلين مختلفين لا ينبغي خلطهم: الحزب الشيوعي التركي يحتج على الناتو من موقع أيديولوجي؛ المعارضة الكردية واليسارية الأوسع تندد بتوسيع مفهوم الإرهاب؛ حزب الشعب الجمهوري يعيش مواجهة قضائية وسياسية تتصل بمستقبل المنافسة على السلطة؛ والسلطة التركية تجمع هذه المسارات كلها تحت عنوان “الأمن العام”. هذه النقطة هي مفتاح التحليل: القمة لم تصنع الأزمة الداخلية التركية، لكنها منحت الدولة ظرفًا مثاليًا لإدارتها بكلفة دولية منخفضة. فالزعماء الغربيون جاءوا إلى أنقرة لمناقشة الإنفاق الدفاعي، أوكرانيا، مستقبل الردع، والصناعات العسكرية، بينما انزاح ملف الحريات إلى هامش جدول الاهتمام. رويترز أشارت بوضوح إلى أن حلفاء الناتو باتوا أكثر صمتًا تجاه سجل تركيا الحقوقي منذ غزو روسيا لأوكرانيا، وأن العلاقة مع أنقرة أصبحت أكثر تركيزًا على الأمن والدفاع.
من زاوية أردوغان، قمة أنقرة تمنح ثلاث فوائد مترابطة. الأولى شرعية رمزية: استقبال قادة 32 دولة أطلسية داخل العاصمة يرسل رسالة داخلية بأن تركيا دولة مركزية، وأن الرئيس قادر على جمع الغرب في عاصمته. الثانية فائدة تفاوضية: تركيا تسعى إلى صفقات دفاعية ونقل تكنولوجيا وعودة جزئية إلى دوائر التسليح الغربي بعد سنوات من التوتر حول إس-400 والسويد وشرق المتوسط. الثالثة فائدة سياسية داخلية: كل احتجاج في أيام القمة يسهل تصويره كتهديد لصورة الدولة، لا كحق مدني مستقل. بهذا المعنى، يصبح الأمن خطابًا جامعًا: يحمي القمة، يضبط الشارع، ويعيد تعريف المعارضة بوصفها عبئًا على الاستقرار.
لكن المعادلة لا تعمل من طرف واحد. المحتجون بدورهم يستثمرون القمة رمزيًا. فهم يدركون أن الاحتجاج على الناتو داخل أنقرة، قبل يومين من حضور قادة الحلف، يحمل قيمة إعلامية لا تمنحها مسيرة عادية في وقت عادي. لذلك تختلط في الشعارات ثلاثة مستويات: رفض الحلف، رفض التبعية الأمريكية، ورفض استعمال الدولة للقمة كذريعة لتقييد المجال العام. من هنا تكتسب المظاهرات معناها: ليست قوتها في عددها فقط، بل في توقيتها ومسرحها السياسي.
إقليميًا، تقف تركيا في لحظة صعود وظيفي. الحرب في أوكرانيا جعلت البحر الأسود مركزًا حاسمًا للردع الأوروبي، واتفاقية مونترو تمنح أنقرة سلطة قانونية على مرور السفن الحربية عبر البوسفور والدردنيل. شرق المتوسط يضعها في تماس مع اليونان وقبرص ومصر وإسرائيل. سوريا والعراق يمنحانها عمقًا أمنيًا يوميًا، من ملف قسد إلى الحدود إلى الطاقة والمياه واللاجئين. القوقاز يفتح لها امتدادًا نحو أذربيجان وآسيا الوسطى. الخليج يراها شريكًا دفاعيًا وصناعيًا محتملًا. هذه الجغرافيا هي ما يجعل تركيا عضوًا صعبًا داخل الناتو، لكنها عضو لا يمكن تجاوزه. كما صاغت إحدى الأوراق السابقة: نفوذ تركيا يتمدد كلما تجاوزت الضرورة الاستراتيجية كلفة الإزعاج السياسي.
العامل الإسرائيلي يدخل هنا بوصفه محورًا بالغ الحساسية. بعد غزة، وبعد تبدل البيئة الإقليمية حول سوريا وإيران، بدأ خطاب إسرائيلي يرى تركيا تهديدًا طويل المدى. يشير تحليل بروكينغز إلى أن التخطيط الأمني الإسرائيلي أصبح يتعامل مع تركيا كخصم محتمل، وأن لجنة ناغل في كانون الثاني/يناير 2025 حذرت من أن سوريا المتحالفة مع تركيا قد تتحول إلى خطر أشد من التهديد الإيراني. كما تصاعد خطاب “تركيا هي إيران الجديدة” في تصريحات ومقالات إسرائيلية، خصوصًا مع نفتالي بينيت.
غير أن هذا الخطاب الإسرائيلي يصطدم بواقع أطلسي مختلف. إسرائيل تستطيع التأثير إعلاميًا وسياسيًا في واشنطن وبعض العواصم، لكنها تواجه بنية مؤسسية ترى تركيا ركيزة في البحر الأسود، وحاجزًا أمام روسيا، وصاحب صناعة دفاعية متقدمة، وجسرًا نحو الشرق الأوسط. لذلك تبدو قمة أنقرة رسالة غير مباشرة: الحلف يأخذ مخاوف إسرائيل بجدية ضمن حسابات المنطقة، لكنه يرتب أولوياته وفق منطق الجغرافيا العسكرية، لا وفق الخطاب الإسرائيلي وحده. هذا لا يعني تقليل خطورة التوتر التركي الإسرائيلي؛ بل يعني أن إسرائيل لم تنجح حتى الآن في تحويل سردية “الخطر التركي” إلى سياسة أطلسية لعزل أنقرة.
على المستوى العربي، تحمل القمة معنى إضافيًا. قمة إسطنبول 2004 أطلقت مبادرة التعاون الإسطنبولي التي فتحت باب الشراكة الأمنية بين الناتو وبعض دول الخليج. قمة أنقرة 2026 تعيد طرح السؤال نفسه بصيغة جديدة: هل تصبح تركيا مرة أخرى بوابة الحلف إلى جنوبه؟ الفارق أن الخليج اليوم أكثر استقلالية مالية وعسكرية، والسعودية والإمارات وقطر تطور علاقات موازية مع واشنطن وبكين وموسكو وأنقرة. مصر تحاول ترميم نفوذها الإقليمي. باكستان تدخل في المخيلة الإسرائيلية كجزء من “محور سني” محتمل بسبب قوتها النووية وصلاتها بأنقرة والدوحة. الأردن يقف في موقع أكثر حساسية، لأنه يرتبط بالغرب والخليج وإسرائيل وتركيا وسوريا والعراق في وقت واحد، ويحتاج إلى إدارة توازناته بحذر شديد في ظل إعادة رسم خرائط الممرات والنفوذ.
دوليًا، تأتي قمة أنقرة في لحظة انتقال داخل الناتو من “تقاسم الأعباء” إلى “نقل الأعباء”. قمة لاهاي 2025 رفعت سقف الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي بحلول 2035، بينما تشير النقاشات الأمريكية والأوروبية إلى رغبة واشنطن في تقليص بعض التزاماتها المباشرة، ودفع أوروبا إلى تمويل أكبر للدفاع وأوكرانيا. هنا تزداد قيمة تركيا: جيش كبير، صناعة مسيّرات، موقع بحري حاسم، علاقة مع روسيا تسمح بالتواصل والمساومة، وحضور في أوكرانيا وسوريا والقوقاز. هذه الصفات تجعل أنقرة شريكًا لا غنى عنه، لكنها تجعلها أيضًا شريكًا يملك قدرة على الابتزاز الاستراتيجي: تعطيل قرارات، رفع سقف التفاوض، ربط ملفات التسليح بالسياسة، واستثمار الحاجة الغربية لتمرير أجندات داخلية.
ما يحدث في أنقرة اليوم، إذن، ليس احتجاجًا على قمة فقط. إنه صدام حول تعريف الأمن: السلطة تقول إن الأمن هو ضبط المدينة وحماية القمة وتثبيت صورة الدولة القوية؛ المحتجون يقولون إن الأمن لا يستقيم مع حلف عسكري أجنبي وقمع داخلي؛ المعارضة تقول إن الأمن الحقيقي يبدأ من قواعد المنافسة السياسية؛ الحلفاء يقولون ضمنيًا إن أمن أوروبا والبحر الأسود يتقدم على ملف الديمقراطية التركية؛ إسرائيل تقول إن صعود تركيا خطر إقليمي يحتاج إلى احتواء؛ العرب يتابعون لأن صعود أنقرة قد يعيد ترتيب ملفات سوريا والعراق والخليج وشرق المتوسط.
النتيجة إذا أن تركيا لا تعود إلى قلب الناتو لأنها أصبحت أكثر توافقًا مع قيمه، بل لأنها أصبحت أكثر ضرورة لوظائفه. هذا هو جوهر المفارقة: كلما زادت انتقادات الغرب للداخل التركي نظريًا، زادت حاجته إلى تركيا عمليًا. وكلما زادت حاجة تركيا إلى التكنولوجيا الغربية، زادت قدرتها على مساومة الغرب بموقعها وجيشها ومضائقها وصلاتها الإقليمية. هنا تظهر “معضلة أنقرة”: دولة تسعى إلى استقلالية استراتيجية، لكنها تحتاج إلى محركات وتقنيات غربية؛ حلف يحتاج إليها، لكنه ينزعج من سياستها؛ إسرائيل تحاول توصيفها كتهديد، لكنها ترى الحلف يستقبلها كمركز؛ معارضة تركية تريد فضح القمع، لكنها تواجه لحظة دولية تمنح السلطة غطاءً غير مباشر.
لهذا ستكون قمة أنقرة حدثًا يتجاوز يومي 7 و8 تموز/يوليو. إنها اختبار لترتيب جديد داخل الحلف: أوروبا تدفع أكثر، أمريكا تفاوض أكثر، تركيا تساوم أكثر، وملف القيم يصبح أكثر هشاشة أمام حسابات الردع. أما المظاهرات، فهي الصوت الذي يكشف ما يحاول البروتوكول الدبلوماسي إخفاءه: أن المدينة التي تفتح أبوابها لقادة العالم تغلق بعض شوارعها أمام مواطنيها، وأن الحلف الذي يتحدث عن الحرية والأمن يجد نفسه ضيفًا على دولة تستخدم الأمن لتقييد الحرية. في هذا التناقض تحديدًا تكمن أهمية أنقرة اليوم؛ فهي ليست مكان انعقاد قمة، بل مختبر حي لعالم جديد تتقدم فيه الجغرافيا على الخطاب، والضرورة على القيم، والصفقات على المبادئ.
المصادر:
- أوراق المستخدم الثلاث: “أنقرة: من يحتج ولماذا الآن؟”، “انتقام الجغرافيا في أنقرة”، و“معضلة أنقرة: اقتصاد الشرعية والقوة في اللحظة الأطلسية 2026”. 2. NATO, “NATO Summits,” updated 22 June 2026.
- NATO, “Overview — 2026 NATO Summit in Ankara,” including reference to Istanbul 2004.
- Reuters, “More than 100 detained as leftist groups hold anti-NATO protests in Turkey,” 5 July 2026.
- Human Rights Watch, “Türkiye: Crackdown Ahead of NATO Summit,” 25 June 2026.
- Reuters, “NATO allies have grown silent on rights concerns in Turkey,” 1 July 2026.
- Brookings, “Turkey’s search for a Middle East order,” June 2026.