إسرائيل بعد نتنياهو: تغيير الوجوه أم استمرار المشروع؟
حين تبحث “إسرائيل” عن مخرج من نتنياهو… لا عن مخرج من أزمتها

أحيانًا لا تتحالف الأحزاب لأنها اتفقت على المستقبل، بل لأنها خافت من الماضي. وهذا تقريبًا ما يحدث اليوم مع نفتالي بينيت ويائير لبيد تحت اسم “بيَحاد/معًا”. فالرجلان، اللذان جمعتهما تجربة قصيرة في الحكم عام 2021، لا يعودان اليوم بمشروع سياسي جديد بقدر ما يعودان بمحاولة لإعادة ترتيب معسكر إسرائيلي واسع يريد الخروج من ظل بنيامين نتنياهو.
بحسب صحيفة تايمز أوف إسرائيل، أعلن بينيت ولبيد خوض الانتخابات المقبلة ضمن قائمة موحدة تحمل اسم “Together – Led by Naftali Bennett”، بعد دمج حزب Bennett 2026 مع حزب يش عتيد الذي يقوده لبيد، على أن يتصدر بينيت القائمة الجديدة. كما أعلن بينيت أن الباب مفتوح أمام غادي آيزنكوت، رئيس حزب Yashar، للانضمام إلى هذا الاصطفاف.
اللافت هنا أن لبيد، الذي كان حتى وقت قريب زعيم المعارضة الإسرائيلية الأبرز، اختار التراجع خطوة إلى الخلف لصالح بينيت. ووفقًا لتقرير نشرته Ynet، أبدى لبيد استعدادًا للانتقال إلى الموقع الثالث في القائمة إذا قبل آيزنكوت الانضمام واحتلال الموقع الثاني، هذه ليست مجرد تفصيلة تنظيمية؛ هي إشارة إلى حجم المأزق داخل المعارضة الإسرائيلية.
لبيد يعرف أن صورته وحدها لم تعد كافية لاختراق معسكر اليمين. وبينيت يعرف أن عودته وحده قد لا تكفي لبناء بديل حكومي حقيقي. لذلك جاء التحالف وكأنه صفقة باردة بين الطرفين: لبيد يمنح بينيت بنية حزبية وقاعدة وسطية منظمة، وبينيت يمنح لبيد فرصة لمخاطبة اليمين الغير المنتمي لنتنياهو.
لكن خلف صورة “الوحدة” تظهر التناقضات سريعًا. بينيت يريد تقديم نفسه كيميني ليبرالي صهيوني، بينما يمثل لبيد التيار الوسطي العلماني. وبحسب تايمز أوف إسرائيل، شدد بينيت عند إطلاق القائمة على أنه سيعتمد فقط على الأحزاب الصهيونية في تشكيل الحكومة، في رسالة واضحة مفادها أنه لا يريد تكرار تجربة حكومة 2021 التي اعتمدت على دعم حزب عربي.
وهنا تبدأ العقدة الحقيقية. الأحزاب العربية قد تكون، حسابيًا، المفتاح الضروري لإسقاط نتنياهو. لكنها سياسيًا تتحول إلى العبء الذي يخاف منه بينيت ولبيد. فقد أظهر استطلاع للقناة 12، نقلته تايمز أوف إسرائيل، أن قائمة بينيت–لبيد قد تحصل على 26 مقعدًا، متقدمة على الليكود، وأن أحزاب المعارضة الصهيونية بقيادة بينيت قد تصل إلى 60 مقعدًا، مقابل 50 لمعسكر نتنياهو، مع بقاء الأحزاب العربية حول 10 مقاعد.
رقم 60 هنا مهم جدًا. هو قريب من الحكم، لكنه ليس حكمًا. في النظام الإسرائيلي، لا يكفي أن تكون الأول، ولا يكفي أن تكون قريبًا من الأغلبية. المطلوب هو 61 مقعدًا. ولهذا قد يجد تحالف بينيت–لبيد نفسه أمام السؤال نفسه: لا يريد العرب سياسيًا، لكنه قد يحتاجهم حسابيًا.
نتنياهو يعرف هذه النقطة جيدًا، وسيحاول استخدامها كسلاح انتخابي. فهو يدرك أن ذاكرة حكومة 2021 لا تزال حاضرة داخل اليمين الإسرائيلي، خصوصًا لأنها اعتمدت على دعم القائمة العربية الموحدة/راعم بقيادة منصور عباس. لذلك سيحاول تصوير التحالف الجديد على أنه إعادة إنتاج للحكومة التي أسقطته سابقًا، لا بوصفها حكومة وحدة، بل بوصفها حكومة “هشة” تعتمد على من يعتبرهم اليمين خارج الإجماع الصهيوني.
أما بينيت، فيحاول الهروب من هذا الفخ عبر خطاب “الحكومة الصهيونية الواسعة”. في مقابلة حديثة مع جيروزاليم بوست، تحدث بينيت عن رغبته في تشكيل حكومة واسعة تضم عشرات أعضاء الكنيست من الأحزاب الصهيونية، وطرح ما سماه خطة “النهضة الإسرائيلية”، بما في ذلك استقطاب مليون مهاجر يهودي جديد خلال عقد.
لكن الخطاب الواسع لا يلغي ضيق الحسابات. إسرائيل اليوم لا تعاني فقط من أزمة قيادة، بل من أزمة معنى سياسي. معسكر نتنياهو لم يعد قويًا كما كان، لكنه ما زال متماسكًا حول الخوف والهوية والأمن. ومعسكر المعارضة لم يعد مشتتًا كما كان، لكنه حتى الآن لا يملك سردية واضحة تتجاوز عبارة: “ليس نتنياهو”.
لهذا، يبدو تحالف بينيت–لبيد أقرب إلى تحالف ضرورة، لا تحالف رؤية. هو محاولة لإقناع الإسرائيليين بأن هناك بديلًا، لكنه لم يثبت بعد أن هذا البديل مختلف فعلًا. قد ينجح في تهديد حكم نتنياهو، وربما في إسقاطه، لكنه لا يقدم بالضرورة إجابة جديدة عن أسئلة الاحتلال، والحرب، والفلسطينيين، والدين والدولة، وموقع إسرائيل في المنطقة.
برأيي، لا يجب قراءة هذا التحالف باعتباره بداية نهاية مؤكدة لنتنياهو. الأدق أنه بداية مرحلة يصبح فيها بقاؤه أصعب. فالمعادلة لا تشير حتى الآن إلى انهيار كامل لمعسكر نتنياهو، لكنها تكشف تآكلًا واضحًا في قدرته على احتكار اليمين واحتكار صورة “رجل الدولة الوحيد”.
السيناريو الأكثر واقعية هو أن ينجح تحالف بينيت–لبيد في أن يصبح الكتلة الأكبر، أو واحدة من الكتل الكبرى، وأن يقترب من عتبة تشكيل الحكومة. لكنه سيصطدم سريعًا بسؤال الأغلبية. فإذا بقيت المعارضة الصهيونية حول حدود الستين مقعدًا، فإنها ستحتاج إما إلى انضمام شخصية وازنة مثل غادي آيزنكوت، أو إلى اختراق داخل اليمين غير النتنياهوي، أو إلى دعم عربي خارجي لا تريد الاعتراف به سياسيًا.
وهنا تكمن المشكلة: التحالف قد يكون قويًا بما يكفي لإضعاف نتنياهو، لكنه قد لا يكون متماسكًا بما يكفي لإنتاج حكومة مستقرة بعده.
لذلك، فإن الاحتمال الأقرب ليس انتقالًا سلسًا للسلطة، بل معركة طويلة على الشرعية والكتل والتحالفات. نتنياهو سيحاول تحويل الانتخابات إلى استفتاء على “الخطر العربي” و”حكومة اليسار المقنّعة”، بينما سيحاول بينيت ولبيد تحويلها إلى استفتاء على فشل نتنياهو وإرهاق الدولة. وبين الخطابين، قد تدخل إسرائيل مرحلة رمادية: نتنياهو أضعف من أن يحكم بثقة، والمعارضة أقوى من السابق لكنها لم تثبت بعد أنها قادرة على الحكم.
هذه المنطقة الرمادية قد تكون الأخطر. لأنها لا تعني نهاية الأزمة، بل استمرارها بشكل آخر. وقد تفتح الباب أمام مساومات جديدة، وانشقاقات، وربما انتخابات إضافية إذا فشل أي طرف في تشكيل حكومة مستقرة.
إقليميًا، الخطر في تحالف بينيت–لبيد لا يكمن في أنه قد يغيّر إسرائيل كثيرًا، بل في أنه قد يجعلها تبدو وكأنها تغيّرت. فالمشكلة ليست في نتنياهو كشخص فقط، بل في البنية السياسية التي جعلت التوسع خيارًا عابرًا للحكومات، لا نزوة مرتبطة بزعيم واحد. لذلك، فإن خروج نتنياهو، إن حدث، قد يخفف الضجيج، لكنه لا يضمن تغيير الاتجاه.
بكلمات أبسط: قد لا نكون أمام إسرائيل أقل خطورة، بل أمام إسرائيل أذكى في تقديم الخطر. قد تنتقل من توسع صاخب يتحدث بلغة سموتريتش وبن غفير، إلى توسع أكثر هدوءًا ومؤسسية، وأكثر قابلية للتسويق دوليًا. توسع يرتدي ربطة عنق بدل اليافطة الدينية، ويتحدث بلغة الأمن والإدارة والاستقرار بدل لغة الضم العلني.
وهنا تصبح الخطورة مضاعفة. ليس لأن المشروع تراجع، بل لأنه قد يصبح أكثر قدرة على الحركة تحت سقف الشرعية الدولية.
بالنسبة للمنطقة، سقوط نتنياهو لا يجب أن يُقرأ تلقائيًا كبداية مسار سلام جديد. فبينيت، في جوهره السياسي، ليس خروجًا من اليمين. ولبيد لا يمثل قطيعة عميقة مع العقيدة الأمنية الإسرائيلية. قد نرى إسرائيل أقل استفزازًا في الصورة، لكنها قد تكون أكثر تنظيمًا في تثبيت الوقائع: في الضفة عبر الاستيطان والتحكم الأمني، وفي غزة عبر إعادة هندسة المجال السياسي والإنساني، وفي الإقليم عبر محاولة استعادة قنوات التطبيع من دون دفع ثمن سياسي حقيقي للفلسطينيين.
ولهذا، على العواصم العربية أن تتعامل مع هذا التحالف ببرود استراتيجي، لا بانطباع إعلامي. السؤال ليس: هل سيغادر نتنياهو؟ السؤال الأهم: هل سيغادر معه منطق التوسع؟
إذا كانت الإجابة لا، فنحن قد لا نكون أمام إسرائيل جديدة، بل أمام نسخة أكثر هدوءًا من المشروع نفسه؛ نسخة تعرف كيف تخفف الصوت، لا كيف تغيّر المسار.