أين علي أكبر ولايتي؟

في البحث عن رجل اختصر زمناً من الدبلوماسية الإيرانية، وقراءة في زمن أقل احتياجاً إلى أمثاله!
هل تذكرون علي أكبر ولايتي؟
ذلك الاسم الذي يكاد يختصر، وحده، طوراً كاملاً من أطوار السياسة الخارجية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أطول وزراء خارجيتها بقاءً في المنصب (نحو 16 عاماً متصلة)، وطبيب الأطفال الذي غادر عيادته مستقراً في قلب الدولة، ليصبح واحداً من أكثر رجالها التصاقاً بمركز القرار، وأقربهم إلى الترجمة السياسية لخياراته الخارجية.
لم يكن ولايتي، لمن يذكره، وزيراً عابراً مرّ على الخارجية، بل كان أحد الوجوه التي تشكلت معها لغة إيران وملامحها السياسية في الخارج، قبل أن يتحول، منذ 1997، إلى مستشار المرشد للشؤون الدولية، وأحد حرّاس الذاكرة الاستراتيجية للنظام.
وحتى في أحدث التعريفات به، ما يزال يُقدَّم، إلى الآن، رسمياً على الأقل، بصفته من الشخصيات الأساسية المحيطة بمركز القرار الإيراني.
كان ولايتي، في أحد أدواره الرئيسة، رجل سردية النظام.
وهذا ما ظهر خصوصاً بعد 2011، حين اندلع ما يسمى “الربيع العربي”، حيث وجدت طهران نفسها أمام حدث إقليمي هائل، يحمل هواجس تهديد محتمل بانتقال العدوى إلى البلاد، بعد انتفاضات شعبية واسعة كانت شهدتها، وجرى قمعُها بالحديد والنار.
حينها، تمخّض دهاء “بيت الرهبر”، باستحداث مؤسسة مستقلة تحت عنوان “الصحوة الإسلامية”، مهمتها الوحيدة إعادة تفسير ما شهدته عواصم عربية، داخل سردية الثورة الإسلامية.
في تلك اللحظة الفارقة، ظهر اسم علي أكبر ولايتي مرتبطاً مباشرةً بـ”المجمع العالمي للصحوة الإسلامية”، أحد الأُطر التي سعت إيران من خلالها إلى تقديم الربيع العربي باعتباره امتداداً لثورتها، لا خروجاً عليها.
هذا الربط بين الرجل ومرحلة “الصحوة الإسلامية” كان جزءاً من اعتباره النوعي، وحاجة النظام الإيراني له، في لحظة عاصفة.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم؛ أين علي أكبر ولايتي الآن؟
ولماذا تغيب عن المشهد الحالي المعقد تلك الشخصية التي كانت، لعقود، من أثقل الأسماء في بنية السياسة الخارجية الإيرانية؟
وبالمناسبة، فإن آخر حضور علني واضح ومؤكد أمكنني العثور عليه، بعد جهد على محركات البحث، كان في 5 شباط 2026، حين نُقل عنه تصريح مقتضب، يقول إن “إيران مستعدة لمواجهة أي تهديدات خارجية”. ومذّاك، لا يظهر اسمه في واجهة إدارة الأزمة الإيرانية الراهنة، ولا يتردد، بخلاف غيره، ممن يمسكون اليوم بمفاصل القرار والتفاوض وإعادة ترتيب المشهد.
هنا، بالضبط، يبدو أفول رجل من هذا الوزن شاناً غير عادي، في لحظة تتزاحم فيها وجوه الصراع وإشارات إعادة التموضع.
هل السبب هو عامل السنّ؟ ربما، هذا احتمال وجيه ومعتبر؛ فعلي أكبر ولايتي، المولود في 24 حزيران 1945، تجاوز الثمانين من عمره. ومن الطبيعي، في حالة رجل قضى أكثر من نصف سنيّ عمره، في قلب العمل السياسي والدبلوماسي، أن يكون التقدم في العمر سبباً يخفف من قدرته على النشاط الكثيف والحضور التنفيذي اليومي.
غير أن الاحتراز واجب هنا؛ فالمعطيات العلنية المتاحة لا تقدّم، في ما اطلعتُ عليه، دليلاً موثوقاً على وضع صحي بعينه يمكن الجزم بأنه سبب هذا الانكماش في الحضور.
وبالتالي، فإن عامل السن يصلح أن يُذكر بوصفه احتمالاً تفسيرياً معقولاً، لا حكماً قاطعاً. وقد لا يكون التفسير الوحيد، ولا المفتاح الكافي بمفرده لفهم ما يجري.
فالرجل ما يزال، رسمياً، جزءاً من الحلقة العليا للنظام، وما يزال اسمه وارداً ضمن الشخصيات المحيطة بمركز القرار.
وهذا يعني أن القضية ليست في “تقاعد” رسمي أو اختفاء كامل، بل في تحول الوظيفة يا وهنا، ربما يكمُن المدخل الأعمق للمسألة، فالجمهورية الإسلامية التي منحت مساحة واسعة لرجل من طراز ولايتي، وزير الخارجية التاريخي، والمستشار الدولي، وصاحب الدور في صياغة السرديات السياسية، ليست بالضرورة هي إيران التي تتشكل اليوم تحت ضغط الحرب والعقوبات وإعادة توزيع الثقل داخل هرم السلطة.
وإذا كان ولايتي قد مثّل، في لحظة معينة، صورة الدولة التي ما تزال تؤمن بقوة الوسيط الدبلوماسي الثوري، فإن اللحظة الراهنة تبدو أكثر ميلاً إلى رجال الضبط المؤسسي، والأمن، والتنفيذ، والربط المباشر بين مؤسسات القوة الصلبة.
ولكي تتضح هذه النقلة، يجدر التوقف عند نوع المدرسة التي مثّلها ولايتي داخل النظام. فهو لم يكن من أبناء الحرس الثوري بالمعنى التنظيمي المباشر، كما هي حال شخصيات مثل لاريحاني، قاليباف أو رضائي، بل كان أقرب إلى مدرسة الدبلوماسية الثورية المحافظة، المرتبطة ببيت المرشد، وبالخط الاستراتيجي الأعلى للنظام. وكانت وسائل إعلام عالمية وصفته، في سياق ترشحه الرئاسي عام 2013، بأنه “محافظ مخلص” من معسكر الأصوليين، مع ميل إلى خطاب أقل تصادمية من نهج أحمدي نجاد، دون مغادرة جوهر السياسات الإيرانية.
وهذا توصيف بالغ الدلالة، لأنه يضعه في موقع وسيط، لا هو رجل الحرس العضوي، ولا هو رجل التسويات الليبرالية، بل رجل خامنئي والدبلوماسية الصلبة التي تعرف كيف تتحدث إلى الخارج من غير أن تتنازل للداخل.
ومن هنا، تحديداً، تأتي قيمة السؤال عن محدودية ظهوره اليوم.
ذلك أن ولايتي لا يبدو شخصية “سقطت” من حسابات السلطة، بقدر ما يبدو شخصية تبدلت مكانتها الوظيفية داخلها. فهو ما يزال، في الظاهر، جزءاً من المشهد الأعلى؛ لكن المشهد نفسه لم يعد يُدار، في ما يبدو، بالأدوات ذاتها أصلاً.
لقد انتقل، إذا صح التعبير، من مواقعه السابقة في قمة سلم تراتبية النظام السياسي إلى “الذاكرة السياسية”، حتى لا أقول “إلى الأرشيف” الرسمي. وهذا نمط مألوف لدى الأنظمة الشمولية التي تحتفظ ببعض رجالها الكبار بوصفهم رصيداً رمزياً وتاريخياً، لكنها لا تبقيهم بالضرورة في نقطة التشغيل الأولى.
وولايتي، في ضوء المتاح علناً، يبدو اليوم أقرب إلى هذا النموذج من أي وقت مضى.
لكن، ثمة سؤالاً آخر لا يقل إثارة؛ لماذا لا يظهر اسم علي أكبر ولايتي الآن، في اللحظة نفسها التي يبدو فيها النظام الإيراني عائداً، تحت ضغط الحرب، إلى بعض دفاتره القديمة، مستدعياً شخصيات من الطبقة الصلبة أو من جيله السياسي الأمني الأقدم؟
فإذا كانت التغطيات الحديثة تُظهر بروز وجوه من المدرسة الأمنية والتنفيذية، أو عودة أسماء ثقيلة من أرشيف الدولة العميقة، فإن غياب ولايتي النسبي عن هذا المشهد يطرح احتمالين متقابلين؛ الأول، أن الرجل فقد بالفعل بعض بريقه الوظيفي لأسباب متراكبة، من بينها السن، وتحول البنية، وتراجع المدرسة التي كان يمثلها، وانحسار الحاجة إلى نمط “المستشار الدبلوماسي التاريخي”. أما الاحتمال الثاني، فهو أن غيابه النسبي لا يعني خروجه من الحساب، بل قد يشير إلى أنه ما يزال واحداً من الأوراق التي يحتفظ بها النظام أو المرشد الجديد لطور آخر من أطوار الحرب أو ما بعدها؛ طورٍ قد يتطلب لغة مختلفة، أقل عسكرية وأكثر قدرة على التأطير أو التهدئة أو إعادة وصل الداخل بالخارج.
لا يمكن الجزم بأي من الاحتمالين استناداً إلى المعلومات المتاحة وحدها، لكن مجرد قيام السؤال يكشف أن مسألة ولايتي لا تتعلق فقط برجل خفّ ظهوره، بل بطريقة توزيع الأدوار داخل نظام يبدّل وجوهه بحسب مقتضى اللحظة.
باعتقادي، فإن التفسير الأكثر توازناً لغياب علي أكبر ولايتي اليوم يقوم على ثلاثة مستويات متراكبة؛
أولها، عامل السنّ، وما قد يترتب عليه من تقلص طبيعي في القدرة على الحركة والظهور، دون وجود دليل علني كافٍ للجزم بأكثر من ذلك.
وثانيها، تحوّل وظيفة الرجل نفسه من دور تشغيلي استشاري ثقيل إلى دور أكثر رمزية وتأطيراً وهدوءاً.
وثالثها، وهو الأهم، أن بنية القرار الإيراني لم تعد تعمل بالأدوات نفسها التي صنعت وزن ولايتي أصلاً، بل باتت أكثر التصاقاً بمنطق الأمن والتنفيذ والحرب.
وهنا يصبح السؤال مدخلاً لفهم النظام نفسه؛ هل نحن أمام أفول شخصية، أم أمام أفول نمط كامل من رجال الدولة في إيران؟ وعلى الأرجح، فإن الإجابة الأقرب هي أننا أمام الاثنين معاً، ولكن بدرجات متفاوتة.
