لبنان من التصعيد العسكري إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية

لم تعد الحرب الدائرة في لبنان قابلة للفهم بوصفها جولة عسكرية محدودة بين إسرائيل و”حزب الله”، ولا حتى باعتبارها امتداداً فرعياً للمواجهة الأميركية–الإسرائيلية مع إيران. فالتطورات الأخيرة تشير إلى انتقال الصراع إلى مستوى جديد، تتداخل فيه الأهداف العسكرية المباشرة مع رهانات أوسع تتصل بإعادة رسم البيئة الاستراتيجية للبنان، وضبط موقعه ضمن الترتيبات الإقليمية التي قد تخرج من الحرب الجارية. بهذا المعنى، لا يقتصر الأمر على معركة ميدانية جنوب الليطاني أو على إدارة ضغط تفاوضي على الدولة اللبنانية، بل يتصل بمحاولة فرض معادلة سياسية وأمنية جديدة على لبنان، قوامها تعديل توازناته الداخلية، وإعادة تعريف وظيفة مؤسساته، وإنتاج وقائع جغرافية وديمغرافية [1]قد يصعب التراجع عنها لاحقاً.

تبدو إسرائيل، بدعم أميركي واضح، في طور استثمار الحرب الإقليمية المفتوحة لتحقيق ما تعتبره فرصة استراتيجية نادرة. فهي لا تنظر إلى الجبهة اللبنانية باعتبارها ساحة ردع متبادل فقط، بل كساحة يمكن من خلالها حسم ملف “حزب الله” أو على الأقل إضعافه إلى حد بعيد، وفرض مسار تفاوضي جديد بشروط مختلفة كلياً عن تلك التي حكمت ترتيبات ما بعد حرب 2006 أو تفاهمات وقف النار اللاحقة.

وهذا ما يفسّر الانتقال من سياسة الضربات المركزة إلى الحديث عن “عملية برية” طويلة المدى[2]، مقرونة برسائل متعمدة إلى الدولة اللبنانية ومؤسستها العسكرية، وباستهداف منهجي للبنى التي تتيح للحزب الحفاظ على خطوط الإمداد والقدرة على الصمود.

في المقابل، لا يبدو لبنان الرسمي قادراً على إنتاج مقاربة موحدة لهذه الحرب. فالتباينات داخل السلطة ليست تفصيلاً سياسياً داخلياً، بل باتت عنصراً مؤثراً في مسار الصراع نفسه، لأنها تقلّص قدرة الدولة على التفاوض، وتضعف صدقيتها أمام الفاعلين الخارجيين، وتفتح الباب أمام ضغوط متزايدة لإجبارها على اتخاذ خيارات تتجاوز قدرتها الفعلية على التنفيذ.

وبينما يربط “حزب الله” مصير الجبهة اللبنانية بمآلات المواجهة مع إيران[3]، تجد الدولة نفسها بين مطلبين متناقضين، احتواء الانفجار الداخلي من جهة، والاستجابة لضغوط دولية متصاعدة لحصر السلاح بالقوة أو ضمن مسار إجباري من جهة ثانية. ومن هنا تكتسب الحرب بعداً كيانياً لا عسكرياً فقط، لأن موضوعها الفعلي لم يعد مجرد وقف النار، بل شكل الدولة اللبنانية وحدود سيادتها ووظيفة نظامها السياسي بعد انتهاء المعارك.

منطق الحرب الإسرائيلية: من الردع إلى فرض واقع استراتيجي جديد

تبدو المؤشرات المتراكمة إلى أن إسرائيل تتعامل مع الحرب في لبنان ضمن إطار يتجاوز الهدف التقليدي المعلن المتمثل في حماية المستوطنات الشمالية أو منع إطلاق الصواريخ. فالمسار التصعيدي القائم، سواء من حيث طبيعة الأهداف أو حجم الحشود أو نوع الرسائل المرسلة إلى الداخل اللبناني، يوحي بأن تل أبيب تسعى إلى تحقيق مكاسب متعددة، عسكرية، جغرافية، وسياسية في آن واحد. وعليه، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت إسرائيل تريد التقدم ميدانياً فحسب، بل ما هو السقف النهائي لهذا التقدم، وما إذا كان الهدف يقتصر على إنشاء حزام أمني واسع جنوب الليطاني، أم يتعداه إلى إعادة إنتاج واقع احتلالي أو شبه احتلالي طويل الأمد، ولو بصيغ محدثة.

ضمن هذا الإطار، يمكن فهم الحديث عن مراحل متعددة للعملية العسكرية، تبدأ بالسيطرة على جنوب الليطاني، ثم الانتقال إلى توسيع نطاق الضغط جنوباً، سواء عبر الساحل أو من جهة البقاع الغربي، بما يؤدي إلى فصل الجنوب عن عمقه اللبناني، وصولاً إلى تركيز الجهد العسكري لاحقاً على البقاع [4]بوصفه مجالاً حيوياً لخطوط الإمداد والتمركز.

مثل هذا التصور، يعني أن الحرب لا تُخاض وفق هدف موضعي، بل وفق استراتيجية تفكيك جغرافي متدرج لبيئة الحزب العسكرية والاجتماعية معاً. وهو ما يفسّر أيضاً تنويع بنك الأهداف ليشمل الجسور، المعابر، طرقات الإمداد، محطات الوقود، ومناطق قريبة من مطار بيروت، في سياق أقرب إلى سياسة الأرض المحروقة منه إلى العمليات التكتيكية المحدودة.

ولا ينفصل ذلك عن وجود اتجاهات متشددة داخل الحكومة الإسرائيلية تدفع نحو حسم عسكري واسع، وتعتبر أن اللحظة الإقليمية الحالية تسمح بفرض وقائع لم تكن ممكنة في مراحل سابقة. فالحرب على إيران، وأزمة الطاقة، والانشغال الدولي بارتدادات المواجهة في الخليج، كلها عوامل تمنح إسرائيل هامشاً أكبر للتحرك في لبنان، ولا سيما إذا كانت تحظى بغطاء أميركي مباشر أو بتفهّم دولي ضمني لاستمرار العمليات.

حتى الطروحات التي تقبل، ظاهرياً، بمفاوضات مع لبنان، لا تنطلق من منطق التسوية بقدر ما تستبطن فكرة “التفاوض تحت النار”، أي بعد تثبيت موازين القوى ميدانياً، وبما يسمح لترجمة الإنجاز العسكري إلى ترتيبات سياسية ملزمة.

بهذا المعنى، لا تبدو الحرب الحالية مجرد محاولة لإضعاف “حزب الله”، بل سعياً لفرض معادلة جديدة على لبنان كله، معادلة تقوم على تآكل فكرة الحياد الجغرافي للبنى المدنية، وتراجع قيمة الحدود الفاصلة بين الضغط العسكري المباشر وبين هندسة المجال السياسي الداخلي. وهذا ما يجعل المخاطر الناجمة عن الحرب تتجاوز مسألة الخسائر الميدانية، لتلامس احتمال إنتاج جغرافيا أمنية جديدة، قد تقترن لاحقاً بمحاولات لتكريس تغييرات ديمغرافية أو إدامة مناطق إخلاء واسعة جنوباً.

أزمة الدولة اللبنانية: ضعف القدرة التفاوضية وتآكل الثقة الخارجية

في موازاة التصعيد الإسرائيلي، يظهر أن المعضلة اللبنانية الأساسية ليست فقط في اختلال موازين القوة مع إسرائيل، بل أيضاً في عجز الدولة عن تحويل موقفها السياسي إلى استراتيجية متماسكة. فلبنان الرسمي يتحرك على أكثر من خط، لكن من دون وحدة حقيقية في المقاربة، فرئيس الجمهورية جوزيف عون يدفع نحو التفاوض المباشر ولو تحت النار، فيما رئيس مجلس النواب نبيه بري يتمسك بوقف إطلاق النار أولاً والعودة إلى آليات التفاوض السابقة[5]، وهذا التعدد لا يعكس تنوعاً صحياً في الخيارات، بل يكشف عن غياب مركز قرار موحد قادر على المواءمة بين ضرورات الأمن الداخلي ومتطلبات التفاوض الخارجي.

وقد أدى ذلك إلى تعميق أزمة الثقة الدولية بالدولة اللبنانية، وهي أزمة لا تتصل فقط بضعف المؤسسات، بل أيضاً بالعجز عن تنفيذ التعهدات السابقة أو فرض احتكار فعلي للسلاح. بالنسبة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تعد المشكلة في مبدأ التفاوض نفسه، بل في الجهة القادرة على ضمان تنفيذ أي تفاهم مستقبلي.

من هنا يمكن فهم الإصرار الأميركي والإسرائيلي على أن يتضمن أي وفد تفاوضي تمثيلاً شيعياً يحظى بموافقة فعلية من البيئة المعنية، باعتبار أن الاتفاق الذي لا يشمل من يمتلك القدرة على التعطيل لن تكون له قيمة عملية. لكن هذا المطلب يصطدم بالبنية السياسية اللبنانية نفسها، وبموقف رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي لا يريد الذهاب إلى صيغة تُفهم بوصفها إقراراً مسبقاً بشروط تفاوضية جديدة أو تجاوزاً للإطار السابق.

المشكلة هنا أعمق من خلاف على تركيبة وفد أو على شكل المفاوضات. فهي تتعلق بكون الدولة اللبنانية تحاول التفاوض فيما هي غير متفقة داخلياً على تعريف المشكلة نفسها، هل الأولوية هي وقف الحرب بأي ثمن، أم منع الانزلاق إلى صدام داخلي حول السلاح، أم الحفاظ على ما تبقى من تماسك المؤسسة العسكرية، أم الانخراط في تسوية جديدة تفرضها موازين القوى؟ هذه الأسئلة غير المحسومة تجعل أي مبادرة دبلوماسية عرضة للتعطيل، وتحوّل العمل الخارجي إلى إدارة أزمة لا إلى مسار حل.

كما أن الرسائل الإسرائيلية المباشرة إلى الجيش اللبناني، عبر استهداف عناصره أكثر من مرة[6]، لا يمكن قراءتها إلا في سياق محاولة دفع المؤسسة العسكرية إلى موقع أكثر اشتباكاً مع ملف سلاح “حزب الله”. إلا أن هذا الخيار، على الرغم من وجود أصوات أميركية مؤيدة له، يصطدم بحسابات داخلية شديدة الحساسية.

فالجيش ليس في موقع يسمح له بخوض مواجهة مفتوحة من هذا النوع من دون مخاطر عميقة على السلم الأهلي، وعلى تماسكه الداخلي، وعلى بنية الدولة نفسها. وهذا ما يفسر الحذر الفرنسي في هذا الملف، ومحاولة باريس [7]منع انزلاق واشنطن إلى الضغط المفرط على المؤسسة العسكرية في توقيت الحرب.

ترابط الجبهات وتآكل هامش التسوية

يزداد المشهد تعقيداً لأن الجبهة اللبنانية لم تعد مستقلة في منطق إدارتها عن الجبهة الإيرانية. فـ”حزب الله” لا يخوض المعركة باعتبارها حرباً منفصلة على لبنان، بل يربطها استراتيجياً بمصير إيران وبطبيعة التسوية أو اللا-تسوية التي ستخرج من الحرب الإقليمية الأوسع. وهذا الربط لا يقتصر على المستوى الخطابي، بل يترجم نفسه في قرار مواصلة القتال، وفي اعتماد استراتيجية استنزاف برية هدفها منع إسرائيل من تحويل التوغل إلى إنجاز سريع وحاسم.

ومن هنا، فإن قدرة الحزب على القتال في الخطوط الأمامية، أو على إدامة الإمداد العسكري والبشري إليها، لا تحمل معنى عسكرياً فقط، بل تؤثر أيضاً في طبيعة التوازنات الداخلية اللبنانية بعد الحرب.

في المقابل، فإن تل أبيب وواشنطن تبدوان أقرب إلى مقاربة تعتبر أن إنهاء الحرب في لبنان لا يمكن أن يتم بصيغة جزئية أو مؤقتة، وأن التجارب السابقة أثبتت، من وجهة نظرهما، أن وقف النار من دون معالجة جذرية [8]لملف السلاح لا ينتج استقراراً دائماً. لذلك تتراجع فرص الحلول المرحلية، وتزداد النزعة إلى ربط أي مسار تفاوضي بترتيبات أعمق تمس بنية القوة داخل لبنان. هنا تحديداً يصبح لبنان كله موضوعاً للحرب، لا الجنوب وحده، لأن أي محاولة لإنتاج “حل نهائي” لسلاح الحزب ستنعكس حكماً على معادلات الحكم، وعلى توازن الطوائف، وعلى العلاقة بين الدولة وبيئاتها الاجتماعية.

أما المعطى الإضافي الذي يزيد انسداد الأفق، فهو أن الفاعلين الإقليميين الآخرين لا يبدون مستعدين للدخول في ترتيبات تُخرج لبنان سريعاً من دائرة النار. فالمعلومات المتداولة [9]عن طلب أميركي من دمشق التدخل عسكرياً ضد مواقع حزب الله قرب الحدود اللبنانية–السورية، حتى لو جرى نفيها علناً، تعكس توجهاً داخل بعض الدوائر الأميركية للبحث عن أدوات ضغط إضافية. غير أن التحفظ السوري، والرفض التركي لأي انخراط من هذا النوع، يظهران أن توسيع الجبهة اللبنانية شرقاً ليس قراراً سهلاً، لأن كلفته الإقليمية لا تزال مرتفعة، ولا سيما في ظل هشاشة الوضع السوري نفسه. وهذا يعني أن الحرب ستبقى، في المدى المنظور، تدور أساساً داخل الجغرافيا اللبنانية، مع ما يحمله ذلك من أعباء مباشرة على الدولة والمجتمع.

خاتمة: الحرب بوصفها أزمة كيان لا مجرد أزمة جبهة

تكشف التطورات الراهنة أن لبنان يواجه لحظة تأسيسية شديدة الخطورة. فالحرب لم تعد مجرد مواجهة حدودية أو نزاعاً حول قواعد الاشتباك، بل تحولت إلى مسار مفتوح على إعادة تشكيل الدولة ووظيفتها وموقعها الإقليمي. إسرائيل تسعى إلى استثمار اللحظة لفرض وقائع ميدانية وسياسية جديدة، و”حزب الله” يقاتل باعتبار المعركة وجودية ومرتبطة بمصير إيران، بينما تقف الدولة اللبنانية في منطقة رمادية بين العجز عن الحسم الداخلي والعجز عن التأثير في القرار الخارجي.

الخطر الأكبر لا يكمن فقط في احتمال اتساع الاحتلال أو استمرار التهجير أو انهيار البنى التحتية، بل في أن تنتج الحرب تسوية غير متوازنة أو فوضى ممتدة تُدخل لبنان في طور جديد من التفكك السياسي والاجتماعي. فسواء انتهت الحرب بتراجع الحزب، أو بصموده، أو بانفجار إقليمي أوسع، فإن كل سيناريو يحمل في داخله عناصر أزمة داخلية لبنانية عميقة. وإذا لم تتمكن السلطة من بلورة مقاربة وطنية موحدة تتجاوز الانقسامات التكتيكية الراهنة، فإن البلاد قد تجد نفسها بعد الحرب أمام صراع على معنى الدولة نفسها، لا على شروط وقف النار فقط.

لذلك، فإن القراءة البحثية الأجدر بالاهتمام ليست تلك التي تكتفي بتتبع مسارات العمليات العسكرية، بل التي تنظر إلى الحرب باعتبارها لحظة اختبار قصوى للكيان اللبناني: حدوده، ديمغرافيته، مؤسساته، وعلاقته بموازين القوة الإقليمية. وفي هذا المستوى تحديداً، تبدو الأزمة اللبنانية الراهنة أكثر من حرب؛ إنها صراع على شكل لبنان الذي سيخرج من تحت الأنقاض.


[1] المدن – مفاجآت كاتس: قطع الجسور والرؤوس ومصادر الغاز

[2] الشرق – الجيش الإسرائيلي يعلن بدء عملية برية “محدودة” في جنوب لبنان

[3] الشرق الأوسط – لبنان: مفاوضات وقف الحرب بين المصلحة الوطنية والتسوية الإقليمية

[4] نداء الوطن – كماشة الشرق والجنوب: سيناريو الإطباق الكبير على «حزب الله» ومعه لبنان

[5] الأنباء – بري: لديّ شرطان… للقبول بالتفاوض

[6] العربية – القوات الإسرائيلية تتوسع في جنوب لبنان.. وتستهدف جنوداً من الجيش

[7] لبنان 24 – التحرك الفرنسي بين إدارة الأزمة وحدود التأثير

[8] المدن – لبنان يسارع لوقف الحرب.. وأميركا تريد تطبيقاً تحت النار

[9] رويترز – أمريكا تشجع سوريا على المساعدة في نزع سلاح حزب الله ودمشق مترددة

زر الذهاب إلى الأعلى