العراق في كبد الحرب الإقليمية: التداعيات وحدود النأي بالنفس

لم يكن مفاجئًا أن يصبح العراق أحد ساحات المواجهة الرئيسية ومسرحًا مباشرًا في الحرب الإقليمية الدائرة اليوم، فالغزو الأمريكي سنة 2003 والتغوّل الإيراني وحجم التدخلات الخارجية وتشابك الفاعلين المحليين والإقليميين على أرضه، حوّلت العراق إلى ميدان صراع وساحة لتصفية الحسابات، ومع كل أزمة داخلية وإقليمية تخضع البلاد لامتحان عملي حول أسئلة سيادة الدولة واستقلالية الموقف الخارجي والابتعاد عن التمحور وسيادة القانون وضبط السلاح، ليكشف من خلالها حجم محنة النظام السياسي في إدارة الملفات الحساسة، وتحديدًا في وقت الأزمة، وقدرته على ضبط التوازنات بين حسابات الداخل وتعقيدات الخارج.

لربما إن إرهاصات الحرب الإقليمية، الأمريكية الإسرائيلية من جهة وإيران من جهة أخرى، بدأت في العراق منذ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب رفضه عودة نوري المالكي لمنصب رئاسة الوزراء، واضعًا بذلك المشهد السياسي العراقي أمام اختبار معقد أدخلته في مرحلة الفراغ الدستوري منذ نهاية يناير/كانون الثاني العام الجاري، مع استمرار تعنّت المالكي الذي يبحث عن مخارج لأزمة مسيرته السياسية، ليبقى العراق -حتى اللحظة- بلا رئيس جمهورية ولا رئيس وزراء، وليس مستبعدًا انتظار النخبة الحاكمة ما ستؤول إليه الحرب القائمة لتحسم بعد ذلك هذين المنصبين، وتفضيل الإبقاء على حكومة تصريف أعمال منقوصة الصلاحيات في هذا الظرف الحساس، رغم أن ملامح قرار التجديد لرئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني بدأت تتضح بعض الشيء.

في خضم المشهد الحالي، بدت الأراضي العراقية في مرمى الاستهداف الممتد من شماله إلى جنوبه ومن جميع أطراف الصراع، ففي الوقت الذي تستهدف إيران مناطق في شمال العراق لإيوائها جماعات تنتمي للمعارضة الكردية الإيرانية، وقاعدة حرير العسكرية التي تستضيف قوات أمريكية في أربيل، تشن الولايات المتحدة ضربات جوية على مواقع تابعة للفصائل المسلحة ومقرات للحشد الشعبي في مختلف مدن ومحافظات العراق أودت بحياة قيادات عسكرية وعشرات العناصر، في الوقت الذي تُتهم فيه الأخيرة -الفصائل المسلحة- بمهاجمة مواقع نفطية تعمل فيها شركات أجنبية إلى جانب السفارة الأمريكية ومعسكر الدعم اللوجستي وقاعدة فيكتوريا العسكرية في العاصمة بغداد، بالإضافة إلى بعض المنشآت المدنية الحيوية، وصولًا إلى توجيه ضربات إلى بعض الدول المجاورة من خلال الطائرات المسيّرة، وقد تبنت الفصائل بعض تلك الهجمات رسميًّا.

لكن واحدًا من المشاهد الخطيرة التي انزلقت إليها الحرب في تداعياتها على العراق تمثّل في استهداف ناقلتي وقود في ميناء الفاو، واستهداف حقل مجنون، أحد أهم وأكبر الحقول النفطية، والذي يتزامن معهتراجع إنتاج العراق النفطي بنحو 70%، الأمر الذي يجعله أحد أكثر الدول تضررًا، إذ يبلغ إجمالي صادراته النفطية من خلال مينائه البحري المطل على مضيق هرمز نحو 90%، وهو ما يشكل خطورة عالية على إيرادات الدولة التي تعتمد ميزانيتها العامة بشكل أساسي على النفط بفضل اقتصادها شديد الريعية.

سياسيًّا وأمنيًّا، يمكن القول إن التباين بينموقف الحكومة العراقية الداعي إلى الحياد واحترام “سيادة العراق” وبين القوى التي تنشط في الداخل وتعمل خارج إطار الدولة هو نتيجة أضحت طبيعية في ظل تعددية الأطراف والقوى التي تتحكم بالمشهد العراقي بشكل عام، والذي يتجدد معه مأزق الحكومة -في كل مرة- في خلق معادلة توازن بين المصالح الخارجية للدولة واعتبارات الأطراف الداخلية السياسية والمسلحة، وظهر ذلك -على سبيل المثال لا الحصر- في موقف الحكومة الذي حاول النأي بالنفس بعد أحداث “السابع من أكتوبر” في ظل الرغبة الإسرائيلية بتوسيع الصراع إقليميًّا، إلا أن فصائل عراقية مسلحة اختارت حينها الانخراط عبر قصف قواعد أمريكية في العراق وسوريا، ولم تتوقف عن ذلك إلا بعد أن استهدفت الولايات المتحدة 85 موقعًا على إثر إقدام الفصائل على مهاجمة قاعدة أمريكية واقعة على الشريط الحدودي السوري-الأردني بطائرة مسيّرة أسفرت عن مقتل 3 جنود أمريكيين في يناير/كانون الثاني 2024، كذلك التهديد الإسرائيلي في جلسة لمجلس الأمن بحق “الدفاع عن النفس” من هجمات الفصائل في كانون الأول/ديسمبر في نفس العام.

إلا أن المشهد اليوم بدا أكثر خطورة بعد أن اختارت الفصائل المسلحة، أو ما تُعرف بـ”فصائل المقاومة الإسلامية”، أن تكون أكثر انخراطًا ونشاطًا من خلال ضرب أهداف دبلوماسية وحيوية مدنية ومنشآت اقتصادية داخل العراق وخارجه، إلى جانب استهداف قواعد عسكرية تستضيف قوات أجنبية أمريكية وفرنسية، وآخرها إعلان مسؤوليتها عن تحطيم طائرة تزويد الوقود خلّفت مقتل 6 جنود أمريكيين، والذي قابله رد أمريكي أسفر عن استهداف مقرات تابعة للحشد الشعبي في مختلف المناطق على امتداد الجغرافيا، وتحديدًا المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية مثل جرف الصخر ومدينة القائم، وبعض تلك الأهداف داخل أحياء سكنية في العاصمة بغداد، الأمر الذي يوقع العراق في مشهد متجدد عنوانه عدم القدرة على ضبط إيقاع المشهد الأمني أو تحييد البلاد عن ساحة الحرب، ليتلقى على إثر ذلك سلسلة ضربات مستمرة ومن جميع الأطراف.

على الرغم من أن أكثر الجهات العراقية المتورطة في الدخول بالحرب هي التابعة إلى ما تُعرف بـالمقاومة الإسلامية، إلا أن الضربات بدت تستهدف العديد من الألوية التابعة للحشد الشعبي حتى تلك غير المنخرطة في الحرب -رغم غموض حقيقة عدم انخراط بعض الألوية- وبعضها استهدف مقرات للجيش العراقي، وهذا عائد إلى هيكلة الجهاز الأمني والعسكري في العراق ولمعضلة الهوية الثنائية (الحشد-المقاومة)، ففصائل المقاومة الإسلامية جميعها تتبع رسميًّا للحشد الشعبي الذي اندمج في القوات المسلحة العراقية في 2016، وجميعها يتقاضى رواتب من خزينة الدولة، وثمة شخصيات من هذه الفصائل تتولى مناصب رفيعة في قيادة الحشد الشعبي، وهنا الحديث عن كتائب حزب الله العراق وحزب الله النجباء وكتائب سيد الشهداء وأنصار الله الأوفياء وغيرها، إلا أنها في المقابل تجد نفسها غير ملزمة بأوامر القائد العام للقوات المسلحة، ويقر بعضها علنًا بولائها العقائدي للمرشد الأعلى في إيران.

على أرض الواقع، وفي إطار استراتيجيا الحرب، يبدو أن الأطراف تنظر إلى انخراط العراق بوصفه أمرًا حتميًّا، لاعتبارات عديدة منها جيوسياسية ومنها ما هو متعلق بوجود الوكلاء وبشبكة النفوذ والمصالح، إذ ترى إيران العراقَ معقلًا أخيرًا لمشروعها الاستراتيجي وبوصفه الشريان الحيوي الذي يغذي العلاقات مع الحلفاء والوكلاء في الإقليم والمساند لها في وقت العزلة والحصار الاقتصادي، وفي نفس الوقت تضم الأراضي العراقية قواعد أمريكية وفصائل كردية إيرانية مسلحة لوّح الأمريكيون والإسرائيليون في الآونة الأخيرة بدعم نشاطهم والاستعانة بهم، هذا إلى جانب استثمار إيران الطويل في العراق سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا.

في المقابل، وعلى ما يبدو تدرك الولايات المتحدة، التي تمارس تأثيرها السياسي والاقتصادي الحساس، أهمية الحدود بين البلدين -العراق وإيران- التي يبلغ طولها أكثر من 1500 كم، وأن تحييد إيران إقليميًّا يتطلب تفكيك حضورها داخل العراق، والذي في الواقع لا يقتصر على السياسة والسلاح بل امتد إلى تكوين نفوذ داخل مؤسسات الدولة وبناء شبكات اقتصادية واسعة ومعقدة استطاعت من خلالها بناء قواعد اجتماعية، بعضها قائم على الأيديولوجيا وبعضها الآخر يستند إلى “الزبائنية”.

ثمة تداعيات كبيرة على العراق، لكن أشكال تلك التداعيات وأحجامها وصورها سيحدده مسار الحرب، بيد أن حصيلة المشهد هو أن النخبة السياسية الحاكمة لم تسعَ أو تستطع أن تنأى بنفسها عن الأزمات الإقليمية أو كبح من يريد أن يزج بالعراق في سياسات المحاور، وهذا يعود إلى ما راكمته العملية السياسية طيلة السنوات السابقة، والتي أنتجت نظامًا يغيب عنه صورة “الدولة” ومصالحها الاستراتيجية وإدراك خطورة الانزلاق إلى ساحة المواجهة واتباع توجيهات عابرة للحدود.

يشير المشهد الحالي إلى أن رقعة الاستهداف داخل العراق ومن جميع الأطراف آخذة بالاستمرار والاتساع لاعتبارات متعلقة بمواصلة الحرب وبتموضع العراق في الاستراتيجية الإيرانية ودور إيران الإقليمي الذي تهدف الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تحييده، وهذا يعني أن دور الفصائل العراقية المسلحة سيتخذ مسارًا تصاعديًّا داخل العراق والمنطقة. اقتصاديًّا، يواجه العراق مأزقًا قابلًا للتفاقم في ظل انقطاع التصدير عبر مضيق هرمز، وهو ما قد يتسبب بإشكاليات متعلقة بتأمين الرواتب وحركة العجلة الاقتصادية رغم محاولات الحكومة البحث عن منافذ بديلة لتصدير النفط. أمّا اجتماعيًّا، فثمة مخاوف من أن طول أمد الحرب قد يؤدي إلى حالة استقطاب تغذّيها تطورات الميدان ومشهدية الحرب التي قد تستثمر فيها بعض القوى السياسية والمسلحة لغايات متعلقة بالدعاية والتحشيد، ولاعتبارات مرتبطة بدور إيران العابر للحدود وطموحات إسرائيل الإقليمية الساعية إلى الهيمنة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى