من المنبر إلى الكونغرس: كيف يؤثر جون هاجي والإنجيليون الصهاينة في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل

 

في النقاشات التقليدية حول السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إسرائيل، غالباً ما يتركز الاهتمام على الاعتبارات الاستراتيجية أو نفوذ جماعات الضغط التقليدية في واشنطن. غير أن هذا التفسير يبقى ناقصاً دون فهم الدور المحوري الذي تلعبه القاعدة الدينية الإنجيلية في تشكيل البيئة السياسية التي تتحرك داخلها الإدارات الأمريكية. وفي قلب هذا المشهد المعقد، يبرز القس جون هاجي (John Hagee) بوصفه أحد أبرز الشخصيات المؤثرة، ومن القلائل الذين نجحوا ببراعة في تحويل قناعة لاهوتية إلى قوة ضغط سياسية جبارة.

بصفته مؤسساً ورئيساً لمنظمة “مسيحيون متحدون لأجل إسرائيل” (CUFI)، استطاع هاجي أن ينقل المسيحية الصهيونية من إطارها الديني إلى فضاء التأثير السياسي. وتشير تقديرات المنظمة إلى أن عدد أعضائها يتجاوز 10 ملايين عضو، مما يجعلها أكبر منظمة شعبية مؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، متجاوزةً من حيث الحجم الذراع التقليدي والأكثر شهرة؛ لجنة الشؤون العامّة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC). هذا الحضور العددي، المقترن بالقدرة التنظيمية الفعالة، منح هاجي نفوذاً عميقاً في رسم السياسات وتصوير دعم إسرائيل ليس مجرد ضرورة استراتيجية، بل كأمر إلهي.

الإطار اللاهوتي: “سياسة الله الخارجية”

تزداد أهمية فهم المسيحية الصهيونية ليس فقط بوصفها ظاهرة دينية، بل باعتبارها عاملاً مؤثراً في قرارات السياسة الخارجية الأمريكية. ينطلق خطاب هاجي من عقيدة ترى أن قيام دولة إسرائيل الحديثة يمثل تحقيقاً لنبوءات توراتية، وأن الشعب اليهودي له حق إلهي في الأرض.

يستشهد هاجي مراراً بآية من سفر التكوين (12:3) “أُبارك مباركيك، ولاعنك ألعنه”، معتبراً أنها تشكل المبدأ الأساسي لما يسميه “سياسة الله الخارجية”. وفق هذا التصور، لا يُنظر إلى دعم إسرائيل كخيار جيوسياسي، بل كجزء من مُعتقد إيماني يربط بين بقاء الولايات المتحدة وصحتها الروحية والوطنية بموقفها من إسرائيل. كما يمنح هذا الإطار الصراع في الشرق الأوسط بُعداً متعلقًا بنهاية الحياة ويوم القيامة، حيث يُفسَّر قيام إسرائيل واستمرارها ضمن سردية تتعلق بمسار نهاية الزمان، مما يجعل النشاط السياسي بالنسبة لملايين الإنجيليين شكلاً من أشكال العبادة.

من العقيدة إلى التنظيم: صعود منظمة (CUFI)

يُعدّ إضفاء الطابع المؤسسي على هذا الفكر اللاهوتي الإنجاز الأبرز لجون هاجي. تأسست منظمة “مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل” عام 2006 بمشاركة حوالي 400 من قساوسة وقادة الكنائس، بهدف تثقيف وتمكين ملايين الأمريكيين ليتحدثوا بصوت واحد دفاعاً عن إسرائيل.

نجحت المنظمة في بناء شبكة واسعة تشمل مؤتمرات سنوية في واشنطن، وحملات ضغط على أعضاء الكونغرس، وتعبئة رقمية فعالة. يمثل هذا النموذج نمطاً مختلفاً عن جماعات الضغط التقليدية؛ ففي حين تعتمد AIPAC على العلاقات المؤسسية مع النخب السياسية، تعمل CUFI على تعبئة القاعدة الانتخابية الشعبية بنداء واحد للعمل، ما يمنحها تأثيراً غير مباشر لكنه شديد الفعالية على صناع القرار.

التأثير التشريعي المباشر

تحت إشراف وقيادة جون هاجي، ساهمت المنظمة في تمرير أو دعم عدة تشريعات لا تقتصر على دعم إسرائيل فحسب، بل تسعى لجعلها قوة عظمى مهيمنة في الشرق الأوسط. من أبرز هذه التشريعات:

  • قانون تايلور فورس: يهدف لقطع المساعدات الأمريكية المقدمة للسلطة الوطنية الفلسطينية حتى انتهاء سياسة تخصيص مبالغ لعائلات الشهداء والأسرى (التي يصفها القانون بـ”الدفع مقابل القتل”).
  • قانون السلام من خلال القوة في القرن الحادي والعشرين (2024): قدم أكثر من 14 مليار دولار كمساعدات عسكرية طارئة وحيوية لإسرائيل، وقد ضمنت المنظمة دعم الحزبين لهذا القانون.
  • قانون تجميد إيرادات إيران من عائدات النفط (SHIP): يفرض عقوبات قاسية على الكيانات والأشخاص الذين ينقلون أو يعالجون أو يتاجرون في النفط الإيراني، بهدف شلّ الاقتصاد الإيراني.
  • قانون مهسا أميني: يُلزم الإدارة الأمريكية بمراجعة ممارسات المسؤولين الإيرانيين دورياً وفرض عقوبات عليهم لانتهاكهم حقوق الإنسان.

البعد الانتخابي والتأثير على الإدارة الأمريكية

لا يمكن فهم هذا النفوذ دون النظر إلى الوزن الانتخابي للتيار الإنجيلي، خاصة في ولايات متأرجحة وحاسمة مثل فلوريدا وبنسلفانيا وأوهايو. وبينما كانت علاقة هاجي بإدارة ترامب تعاونية بشكل واضح، فإن تأثيره يمتد بقوة ويفرض قيوده على أي إدارة أخرى، بما فيها إدارة بايدن-هاريس.

واجهت الإدارة الحالية تحديات في بيئة سياسية يرتكز فيها الإجماع المؤيد لإسرائيل على قاعدة هاجي. ورغم بعض الخلافات التكتيكية حول المخاوف الإنسانية، حافظت الإدارة إلى حد كبير على المبادئ الأساسية المؤيدة لإسرائيل. تدرك الإدارات المتعاقبة أن قدرة منظمة (CUFI) على تصوير أي خفض في المساعدات العسكرية على أنه خيانة حليف رئيسي و”خطيئة” في حق الله، ستُكبّد أي إدارة ثمناً سياسياً وانتخابياً باهظاً.

حرب غزة والتشدد تجاه خصوم إسرائيل

شكّلت الحرب على غزة بعد السابع من أكتوبر لحظة إعادة تعبئة كبرى للتيار الإنجيلي. تم تأطير الصراع بخطاب حازم من هاجي على أنه “معركة وجودية بين الخير والشر”. هذا التأطير جعل الدعم العسكري غير المشروط واجباً أخلاقياً لا يحتمل التردد.

يتجلى نفوذ هاجي أيضاً في توجيه السياسة الأمريكية نحو مواقف متشددة ضد خصوم إسرائيل، لا سيما إيران، التي يصفها بلغة تنذر بنهاية العالم. لطالما انتقد هاجي السياسات الدبلوماسية “الضعيفة” مع طهران، وبرزت دعوات نهج “استباقي” بدعمه للعمليات العسكرية الإسرائيلية المحتملة ضد المنشآت النووية الإيرانية، موفراً الغطاء الأخلاقي والسياسي للولايات المتحدة لدعم مثل هذه الخطوات عالية المخاطر.

“يجب على الولايات المتحدة أن تقف إلى جانب إسرائيل، لأن ذلك هو السبيل الوحيد لضمان أمننا القومي ونيل رضا الله. إن إدارة ظهورنا لإسرائيل هي إدارة ظهورنا لله.” – القس جون هاجي

خاتمة

تكشف تجربة جون هاجي أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب لا تتشكل فقط في أروقة المؤسسات الرسمية والمصالح الاستراتيجية، بل ترتكز بقوة على شبكة واسعة من المتدينين الإنجيليين الممتدين عبر الولايات المتحدة.

من خلال تحويل ملايين المؤمنين إلى قوة سياسية منضبطة، ضمن هاجي أن “العلاقة الخاصة” بين البلدين هي رابطة مقدسة تُحدد الهوية الأمريكية على الساحة الدولية. ومع استمرار حضور التيار الإنجيلي—وتولي عائلة هاجي (زوجته ديانا، وابنه مات، وزوجته كندال) مواقع قيادية في المنظمة لضمان استمرار نهجها—يبدو مؤكداً أن هذا البعد الديني سيظل عاملاً حاسماً في صياغة السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط في المستقبل المنظور.

 

المصادر:

  1. Christians United for Israel, About CUFI, Official Website.
  2. Stephen Spector, Evangelicals and Israel: The Story of American Christian Zionism, Oxford University Press, 2009.
  3. Daniel G. Hummel, Covenant Brothers: Evangelicals, Jews, and U.S.–Israeli Relations, University of Pennsylvania Press, 2019.
  4. Victoria Clark, Allies for Armageddon: The Rise of Christian Zionism, Yale University Press, 2007.
  5. Congressional Research Service, U.S. Foreign Aid to Israel, Updated Reports.
  6. Pew Research Center, America’s Changing Religious Landscape, Washington D.C.
  7. Bellah, Robert N. “Civil Religion in America.” Daedalus, 1967
  8. Clark, Victoria. Allies for Armageddon: The Rise of Christian Zionism. Yale University Press.
  9. Hummel, Daniel G. Covenant Brothers: Evangelicals, Jews, and U.S.–Israeli Relations. University of Pennsylvania Press.
  10. Pew Research Center. America’s Changing Religious Landscape.
  11. Spector, Stephen. Evangelicals and Israel. Oxford University Press.
  12. Congressional Research Service. U.S. Foreign Aid to Israel.
  13. https://www.jhm.org/about
  14. https://cufi.org/about/policy/policy-accomplishments/

 

زر الذهاب إلى الأعلى