كيف لعبت الجالية السورية دور “اللوبي” في واشنطن؟

ترجع جذور جماعات الضغط (Lobby) في الولايات المتحدة إلى أواخر القرن الثامن عشر، حيث برزت منذ البدايات الأولى للنظام الدستوري محاولات منظّمة للتأثير في العملية التشريعية عبر التواصل المباشر مع أعضاء الكونغرس. ومع تطور النظام السياسي الأميركي، اكتسب هذا النشاط شرعية قانونية مستندة إلى التعديل الأول للدستور، الذي يكفل حرية التعبير وحق المواطنين في التماس الحكومة والتأثير في قراراتها. وتضطلع جماعات الضغط بدور محوري في ربط المصالح بمراكز صنع القرار، سواء عبر التفاعل المباشر مع السلطتين التشريعية والتنفيذية أو من خلال شبكات علاقات وخبرات مؤسسية، بما يجعلها أحد الفاعلين المؤثرين في صياغة السياسات العامة في الولايات المتحدة.

وتتمثل الأدوار الأساسية لجماعات الضغط في التواصل المباشر مع صانعي القرار داخل السلطتين التشريعية والتنفيذية، والمشاركة غير المباشرة في صياغة السياسات العامة، إلى جانب توظيف الموارد المالية والشبكات الاجتماعية لتحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية. ويبرز في هذا السياق مفهوم “الباب الدوّار”، الذي يشير إلى انتقال المسؤولين الحكوميين السابقين للعمل في جماعات الضغط أو المؤسسات المرتبطة بها بعد انتهاء خدمتهم العامة، مستفيدين من خبراتهم المؤسسية وعلاقاتهم الواسعة داخل دوائر صنع القرار.تُظهر البيانات زيادة مطردة في الروابط المهنية السابقة بين جماعات الضغط والجهات الحكومية؛ ففي عام 2023، كان لدى 20٪ من جماعات الضغط علاقة عمل سابقة مع الحكومة، كما أن 80٪ من أعضاء مجلس الشيوخ و60٪ من أعضاء مجلس النواب لديهم على الأقل جماعة ضغط نشطة ترتبط بهم من خلال عمل سابق. كما تعتمد جماعات الضغط على استراتيجيات متقدمة تشمل حملات إعلامية موجهة، وتمويل الأبحاث والدراسات الداعمة لمواقفها، وبناء تحالفات مع مراكز التفكير ووسائل الإعلام، الأمر الذي يجعلها فاعلًا محورياً في النظام السياسي الأميركي، رغم ما يثيره ذلك من نقاشات نقدية حول تأثير المال والنفوذ على جودة العملية الديمقراطية وعدالة تمثيل المصالح العامة.

عقب اندلاع الاحتجاجات في المدن السورية عام 2011 التي شكّلت نقطة تحوّل في عمل الجالية السورية في الولايات المتحدة أدّت إلى نشوء منظمات جديدة واتساع نطاق عمل القائم منها. في مراحلها الأولى، تمحورت أدوار هذه المنظمات حول الاستجابة الحقوقية والإنسانية للأحداث، من خلال العمل الإغاثي، وتوثيق الانتهاكات، والنشاط الإعلامي الهادف إلى نقل صورة القمع الذي تعرّض له المدنيون السوريون إلى الرأي العام وصنّاع القرار في الولايات المتحدة. غير أن تعقّد المشهد الميداني، وصعوبة العمل الإنساني داخل سوريا، وتفاقم حجم الانتهاكات خلال السنوات الأولى من الصراع، دفع هذه الجهود تدريجيًا إلى مسار مختلف، تمثّل في البحث عن أدوات تأثير سياسية داخل البيئة الأميركية نفسها.

عملت الجالية السورية في أمريكا “كلوبي” محاولة إبقاء الملف السوري حاضراً في النقاش السياسي والتشريعي. وقد تمثل هذا الدور في توثيق الانتهاكات، وتنظيم حملات مناصرة، وتقديم شهادات مباشرة لصنّاع القرار ضمن منظومة أوسع ضمّت منظمات حقوقية دولية، ووسائل إعلام، وعددًا من أعضاء الكونغرس من الحزبين. ومن أبرز هذه الأنشطة تنظيم جلسات استماع في الكونغرس الأميركي، شاركت في تنسيقها منظمات سورية-أميركية، حيث أدلى مصوّر الشرطة العسكرية المنشق عن النظام فريد المذهان المعروف باسم «قيصر» بشهادته عارضاً آلاف الصور التي وثّقت مقتل معتقلين تحت التعذيب في سجون النظام السوري، إلى جانب شهادات أخرى من معتقلين سابقين وشهود، من بينهم حفّار القبور في المقابر الجماعية التي كان يتم فيها دفن المعتقلين الذين قضوا تحت التعذيب أو حالات الاعدام الجماعي التي كان يقوم بها النظام. أسهمت هذه الصور التي وثّقت وفاة معتقلين تحت التعذيب في السجون السورية في نقل الانتهاكات من مستوى روايات يصعب التحقق منها إلى مواد بصرية موثوقة قابلة للاستخدام القانوني والسياسي. وقد أدّى ذلك إلى تعزيز مصداقية الخطاب الحقوقي أمام المشرّعين الأميركيين، وشكّلت، إلى جانب اعتبارات سياسية وأمنية أميركية أوسع، أحد العوامل المساندة التي مهّدت لبلورة الإطار التشريعي الذي أفضى إلى فرض عقوبات على النظام السوري .“وبدأت بتقديم  طلبات مساعدة من أعضاء الكونغرس بطرح القانون أولًا والتصويت عليه تاليًا؛ إلا أن جهودها لم تثمر آنذاك؛ وفي إدارة ترامب تلاقت مصالح تلك المجموعات مع مصالح إدارة ترامب وتم إصدار القانوننهاية عام 2019.

وعلى المستوى العملي، أسهم توسيع استخدام هذه العقوبات في تعميق العزلة السياسية والاقتصادية المفروضة على النظام السوري، من خلال استهداف شبكات التمويل، والمؤسسات المرتبطة بالأجهزة الأمنية، والجهات الداعمة له داخليًا وخارجياً. ورغم أن هذه الإجراءات لم تُفضِ إلى تغيير مباشر في سلوك النظام أو بنيته، فإنها قيّدت قدرته على إعادة الاندماج في النظام الدولي، ورفعت كلفة التعامل معه بالنسبة للشركات والدول وكذلك جعله عبء على حلفائه، كما جعلت أي نقاش حول إعادة الإعمار أو التطبيع مشروطًا بقضايا المساءلة والانتهاكات، بما أعاد ترسيخ البعد الحقوقي كعنصر مركزي في مقاربة المجتمع الدولي للملف السوري.

من قيصر إلى إعادة الإعمار

لعبت الجالية السورية في واشنطن دوراً فاعلاً في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، من خلال المساهمة في ترتيب زيارات ولقاءات لوفود من مسؤولين ومشرعين أمريكيين إلى دمشق، شملت اجتماعات مع الرئيس السوري أحمد الشرع وعدد من مسؤولي الإدارة السورية الجديدة. وهدفت هذه اللقاءات إلى فتح قنوات حوار مباشر بين دمشق وواشنطن، ولا سيما مع شخصيات أمريكية أبدت تحفظات مسبقة إزاء خلفيات الحكم الجديد في سوريا مثل ستيتزمان وميلز وكذلك براين ماست الذي التقاه خلال زيارة الشرع لواشنطن. وأسهم هذا الانخراط المباشر في إعادة تشكيل بعض التصورات داخل الأوساط السياسية الأمريكية، وتهيئة مناخ أكثر تقبلًا للتعامل مع الإدارة السورية الجديدة، بما ساعد على فتح مسار تدريجي لإعادة صياغة السياسة الأمريكية تجاه سوريا.

في هذا السياق، ركزت الجالية السورية الأمريكية، عبر منظماتها وشخصياتها الناشطة، على إبراز جملة من الحجج السياسية والاقتصادية التي رأت أنها تشكل أساساً واقعياً لإعادة النظر في نظام العقوبات المفروضة على سوريا. ومن بين هذه الحجج التأكيد على أن إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية تشكل شرطًا ضرورياً لأي انتقال سياسي مستدام، وأن استمرار العقوبات الاقتصادية من شأنه إعاقة الاستقرار الداخلي، بما ينعكس سلبًا على فرص عودة اللاجئين وإعادة دمج سوريا في محيطها الإقليمي. كما جرى التأكيد على أن الأسباب الموجبة لفرض العقوبات، والتي ارتبطت بسلوكيات وسياسات نظام الأسد، قد انتفت بسقوطه، وأن سوريا الجديدة تسعى إلى تبني سياسة خارجية متوازنة قائمة على الانفتاح والتعاون الإقليمي والدولي، بما يجعل استقرارها عنصراً أساسياً في معادلة الاستقرار الإقليمي الأوسع.

وقد شكّل اللوبي السوري في واشنطن أداة محورية في فتح قنوات التواصل مع صانعي القرار الأمريكيين في المرحلة الأولى من تسلّم الإدارة السورية الجديدة مهامها، مستفيداً من خبرة تراكمية امتدت لسنوات من العمل داخل أروقة الكونغرس والمؤسسات الأمريكية. فالمنظمات والشخصيات ذاتها التي لعبت دوراً مهماً في الدفع باتجاه فرض العقوبات على نظام الأسد، ولا سيما قانون قيصر، كانت قد راكمت معرفة معمّقة بآليات صنع القرار في الولايات المتحدة، إلى جانب شبكات علاقات واسعة مع مشرعين ومسؤولين أمريكيين، وقدرة على استخدام أدوات مناصرة فعّالة للتأثير في السياسات العامة. وإلى جانب ذلك، أسهم هذا السجل الطويل من العمل المنظم في بناء مستوى معتبر من الثقة لدى عدد من الساسة والمشرعين الأمريكيين تجاه هذه المنظمات والشخصيات، بوصفها جهات فاعلة تتمتع بالمصداقية والخبرة.

ساعدت هذه العوامل مجتمعة اللوبي السوري في أداء دور الوسيط غير الرسمي بين دمشق الجديدة وواشنطن، من خلال نقل الرسائل السياسية، وتقديم المشورة حول أساليب التخاطب الدبلوماسي مع المؤسسات الأمريكية، بما أتاح للإدارة السورية الجديدة فهماً أفضل لمفاتيح التأثير في السياسة الأمريكية وإعادة توجيهها. وأسهمت الخبرة التي اكتسبها اللوبي السوري على مدى سنوات في تزويد الدبلوماسية السورية بأدوات عملية لإعادة طرح الملف السوري داخل واشنطن، ليس بوصفه أزمة أمنية فقط، بل كفرصة للاستقرار وإعادة البناء.

إلى جانب الدور الذي لعبته الإدارة السورية الجديدة بدعم من الجالية السورية في الولايات المتحدة، شكّل الدعم الإقليمي أحد العوامل الأساسية التي ساعدت الحكومة الجديدة على تعزيز شرعيتها واستعادة مكانتها على الساحة الإقليمية والدولية. فقد أدركت دول المنطقة، بعد سنوات من عدم الاستقرار الذي ساد سوريا نتيجة سياسات النظام السابق، التأثير السلبي لهذه الأوضاع على الأمن والاستقرار الإقليمي، ما دفعها إلى استثمار التحولات السياسية التي شهدتها سوريا لإعادة إدماجها ضمن محيطها العربي. وساهم هذا الدعم، إلى جانب الجهود التركية، في تعزيز الشرعية الدبلوماسية للحكومة السورية الجديدة وفتح قنوات اتصال مع الولايات المتحدة وأوروبا. ويعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي بالرياض في أيار/مايو 2025 عن رفع العقوبات عن سوريا أبرز مؤشر على نتائج هذا الدعم الإقليمي.

في الوقت نفسه، بدأت الولايات المتحدة في رفع مجموعة من العقوبات المفروضة على سوريا بموجب أوامر تنفيذية، شملت قيوداً على المعاملات المالية وإعفاءات محددة، مع استمرار الدور التشريعي لقانون قيصر الذي يتيح تعديل أو إلغاء بعض القيود عبر الكونغرس. وعليه، بادرت الجالية السورية في الولايات المتحدة بتنظيم لقاءات متعددة مع مشرعين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري لدمج مشروع قانون إلغاء “قانون قيصر” ضمن حزمة قرارات ميزانية الدفاع لعام 2026.” عقدت الجالية السورية أكثر من 40 اجتماعاً مع مشرّعين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، في خطوة وصفت بأنها واحدة من أكثر التحركات المنظمة تأثيراً في ملف سوريا على مستوى الجالية“، وأسهمت هذه الجهود في تمرير القانون بأغلبية مجلس الشيوخ بعد موافقة مجلس النواب، ليوقعه الرئيس ترامب في 18 ديسمبر/كانون الأول 2025.

على الصعيد الدولي، أظهرت السياسة الخارجية للإدارة السورية الجديدة انفتاحاً ملحوظاً على المستويين الإقليمي والدولي، حيث تراجع الحذر الذي ساد مواقف بعض الدول في المرحلة الأولى بعد سقوط النظام تدريجياً مع تعزيز الثقة في الدبلوماسية السورية الجديدة. وأسهمت الطريقة التي أُديرت بها العلاقات الخارجية، بالتزامن مع الدعم الإقليمي، في تعزيز الاعتراف الدولي بسوريا الجديدة وكسر حالة العزلة التي طبعت علاقاتها الخارجية في ظل النظام السابق، ما أتاح بيئة سياسية أكثر ملاءمة لإعادة إدماج سوريا في محيطها الإقليمي والدولي واستعادة دورها في الملفات الإقليمية المشتركة.

زر الذهاب إلى الأعلى