أنقرة في التوقيت الحساس: ما الذي يراه الأردن؟

تشهد بنية الأمن في الشرق الأوسط منذ سنوات تحولات عميقة ومتداخلة أعادت رسم ملامح البيئة الإقليمية. فقد أسهم اتساع رقعة الدول الهشة، واستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية بما تحمله من تداعيات على الاستقرار، إلى جانب تراجع الانخراط الأميركي وتآكل فعالية “المظلة الأمنية” التي وفّرتها واشنطن سابقًا، في اهتزاز منظومة الأمن التقليدية. ونتيجة لذلك، أعادت دول المنطقة تعريف إدراكاتها للتهديد واتجهت نحو البحث عن ترتيبات جديدة وأكثر مرونة للتعامل مع واقع يتغير بسرعة.
وفي هذا السياق، فإن قراءة زيارة الملك عبد الله الثاني إلى تركيا باعتبارها خطوة دبلوماسية اعتيادية تُغفل ما يجري فعليًا في الإقليم. فالأردن لا يتحرك بمنطق الاندفاع أو الاستعراض السياسي، بل وفق حسابات دقيقة ترتبط بتغير موازين القوى من حوله. وعندما يتجه إلى أنقرة في هذا التوقيت، فإن الأمر يتجاوز إطار العلاقة الثنائية، ليعكس قراءة استباقية لتحولات أوسع تمس أمن المملكة وحدودها وموقعها داخل إقليم يُعاد تشكيله بهدوء.
تركيا اليوم ليست تركيا التي عرفها الأردن قبل عشر سنوات. لم تعد مجرد دولة تحاول توسيع نفوذها الإقليمي عبر الاقتصاد أو الدبلوماسية. هي لاعب أمني مباشر في ملفات حساسة تمس الأردن من أقرب نقطة ممكنة: سوريا، الحدود، اللاجئون، وحتى الترتيبات القادمة في الجنوب السوري.
ما يقلق عمّان ليس التقارب مع أنقرة، بل التحول التركي نفسه. فأنقرة لم تعد تتصرف كقوة “بعيدة” يمكن التنسيق معها سياسيًا، بل كفاعل ميداني يملك نفوذًا على الأرض في ملفات معقّدة قد تنعكس مباشرة على الأمن الأردني. وهذا يغيّر قواعد اللعبة بالكامل. فالأردن اعتاد إدارة علاقاته مع القوى الإقليمية عبر التوازن، لكن عندما تتحول هذه القوى إلى لاعبين ميدانيين قريبين من حدوده، يصبح التوازن وحده غير كافٍ.
من هنا، لا تبدو الزيارة تعبيرًا عن تقارب بقدر ما تبدو محاولة أردنية لفهم ما يجري قبل أن يتشكّل واقع جديد دون مشاركتها فيه.
الأردن يدرك أن المنطقة تدخل مرحلة إعادة توزيع نفوذ، لا مجرد إعادة اصطفاف سياسي. اللاعبون الكبار يتحركون ميدانيًا، والخرائط الأمنية تُرسم ببطء، والملفات الحساسة – خصوصًا سوريا – لم تعد تُدار سياسيًا فقط، بل أمنيًا وعسكريًا أيضًا. وفي مثل هذا الواقع، لا يمكن لعمّان أن تبقى في موقع المتلقي.
الزيارة، بهذا المعنى، ليست رسالة صداقة بل رسالة استباق. رسالة تقول إن الأردن يريد أن يكون حاضرًا في أي ترتيبات قادمة، لا أن يُفاجأ بها لاحقًا. فالخطر الحقيقي بالنسبة للمملكة لا يكمن في تركيا بحد ذاتها، بل في تحوّل الإقليم إلى ساحة نفوذ متشابكة تتحرك فيها قوى متعددة على الأرض، فيما الدول الصغيرة والمتوسطة تحاول فقط منع تداعيات هذا الحراك من الوصول إلى حدودها. وهذا ما يجعل كل تحرك سياسي اليوم مرتبطًا بالأسئلة الأمنية أكثر من كونه مرتبطًا بالدبلوماسية.
وهنا تحديدًا تصبح الزيارة أكثر حساسية، لأنها تكشف أن الأردن يشعر بأن المرحلة المقبلة لن تُدار فقط عبر القنوات التقليدية التي اعتاد استخدامها، وأن عليه الانخراط بشكل مباشر في فهم التحولات الجديدة بدل الاكتفاء بمراقبتها. فتركيا اليوم ليست مجرد شريك محتمل، بل لاعب لا يمكن تجاهله في ملفات تمس عمّان بشكل مباشر، سواء أرادت ذلك أم لا.
السؤال الذي يحرك عمّان ليس: كيف نتعاون مع تركيا؟ بل: إلى أي مدى ستذهب تركيا في أدوارها الجديدة؟
الحديث عن “إقليم يتغيّر” خطاب عام يمكن استخدامه في أي مناسبة، لكن الحديث عن تركيا كقوة تعيد تشكيل أدوارها في جوار الأردن المباشر هو ما يمنح الزيارة معناها الحقيقي. فالتحدي ليس في العلاقات الثنائية، بل في التحولات التي تقف خلفها.
كما أن الزيارة لا يمكن فهمها فقط من زاوية القلق أو إدارة المخاطر، لأن هناك بالفعل تقاطعًا متزايدًا في السياسة الخارجية بين عمّان وأنقرة خلال السنوات الأخيرة. الطرفان يقتربان من قراءة مشتركة لعدد من ملفات الإقليم، خصوصًا في ما يتعلق بضرورة الاستقرار، وتجنب الانهيار الشامل للدول، والتعامل البراغماتي مع الأزمات بدل الانخراط الأيديولوجي فيها.
الأردن لا يرى في تركيا خصمًا إقليميًا، بل لاعبًا يتقاطع معه في كثير من المصالح، الأهم من ذلك أن عمّان لم تدخل أصلًا في نقاش “التمدد العسكري التركي”، ولم تتعامل معه كتهديد مباشر، كما فعلت أطراف أخرى في الإقليم. وهذا يكشف أن الأردن يقرأ الدور التركي بطريقة مختلفة: ليس من زاوية القوة العسكرية، بل من زاوية السلوك السياسي العام.
بمعنى أدق، الأردن يتعامل مع تركيا كدولة ذات سياسة خارجية متحركة، لا كقوة عسكرية توسعية. وهذا فارق مهم.
فالسياسة التركية قد تكون حاضرة ميدانيًا في عدة ساحات، لكن الأردن لم يضع نفسه في موقع المواجهة معها، ولم ينخرط في اصطفافات ضدها، بل حافظ على قناة مفتوحة معها حتى في أكثر اللحظات الإقليمية تعقيدًا، وهذا ما يجعل الزيارة أيضا أقرب إلى امتداد لمسار تقارب سياسي هادئ.
لكن هذا لا يعني أن العلاقة تحولت إلى تحالف استراتيجي. فالأردن لا يدخل عادة في شراكات عميقة مع أي قوة إقليمية، ويفضّل الاحتفاظ بمسافة مرنة تسمح له بالحركة مع الجميع. وهنا تحديدًا يتقاطع مع تركيا، التي هي الأخرى لا تتحرك ضمن تحالفات صلبة، بل ضمن شبكة علاقات متغيرة.
لهذا، الزيارة تعكس شيئًا أدق من كل ما سبق: ليست قلقًا من تركيا، وليست اصطفافًا معها، بل اعترافًا متبادلًا بأن هناك تقاطعًا في المسار السياسي بين الطرفين، حتى لو اختلفت أدوات كل منهما في التعبير عنه.
تركيا تتحرك بأدوات عسكرية ودبلوماسية واقتصادية معًا، والأردن يتحرك بأدوات سياسية وأمنية هادئة، لكن الاتجاه العام في ملفات الإقليم بدأ يقترب بينهما أكثر مما يبتعد، وهذا هو الجديد الحقيقي في العلاقة، وليس مجرد فكرة أن “الإقليم يتغير”.
يمنح ملف التوسع الإسرائيلي في الضفة الغربية واحتمالات الضم مساحة حقيقية لتكامل الأدوار بين الأردن وتركيا، وليس فقط لتقارب المواقف. فالأردن يملك موقعًا جغرافيًا وسياسيًا مباشرًا في المعادلة، إذ يشكل الضم تهديدًا مباشرًا لأمنه الحدودي وتركيبته الديموغرافية واستقراره الداخلي، خصوصًا مع احتمال زيادة الضغوط المرتبطة باللاجئين وعدم الاستقرار في الضفة. وفي المقابل، تمتلك تركيا قدرة أكبر على التحرك الدبلوماسي والضغط السياسي في المحافل الدولية والإسلامية، ما يمنح الأردن عمقًا سياسيًا خارجيًا لا يستطيع توفيره وحده. هذا التوزيع في الأدوار يخلق صيغة منفعة متبادلة: الأردن يوفّر شرعية الجغرافيا والملف الأمني، وتركيا توفّر مساحة التأثير الدولي والإقليمي.
خاصة أن التوسع الاستيطاني والاتجاه نحو الضم لا يمثل تهديدًا فلسطينيًا فقط، بل خطرًا على استقرار المنطقة بأكملها، ويقوّض أي مسار سياسي مستقبلي. وهنا تتقاطع مصلحة البلدين بصورة عملية: الأردن يسعى لمنع انتقال تداعيات الضم إلى الداخل الأردني، بينما ترى تركيا أن انفجار الضفة سيعيد إنتاج حالة عدم الاستقرار الإقليمي ويحدّ من قدرتها على لعب دور سياسي في المنطقة. لذلك، يمكن لكل طرف أن يستفيد من الآخر عبر تنسيق الضغوط السياسية والدبلوماسية، وتبادل التقديرات الأمنية، وتشكيل موقف إقليمي أوسع يمنع تحويل الضفة إلى ساحة أمر واقع. هذا لا يشكل تحالفًا تقليديًا، بل شراكة وظيفية قائمة على تقاطع المصالح في ملف واحد شديد الحساسية للطرفين.
في النهاية، زيارة الملك إلى أنقرة لا تعكس سعياً لتحالف جديد بقدر ما تعبّر عن إدراك لتقاطع سياسي متزايد بين الطرفين في ملفات الإقليم، رغم اختلاف أدوات الحركة بينهما. فهي خطوة لتعزيز هذا التقاطع وفهم مساراته مبكرًا، استعدادا لواقع يتشكل بهدوء.
