الشرق ما بين “صراع الحضارات، الاستشراق، وما بعد الإسلاموية”: تحوّلات الأسئلة الكبرى في زمن عالمي مضطرب

يشهد العالم في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين حالة انتقالية عميقة تتجاوز التحوّلات الجيوسياسية المألوفة. فإلى جانب صعود القوى الآسيوية وتراجع مركزية الغرب وتفاقم الأزمات العابرة للحدود، تبرز موجة واسعة من إعادة تعريف الهويات، وتسييس الانتماءات الثقافية، وعودة السرديات الحضارية إلى واجهة النقاش الفكري والسياسي. ولم يعد المشهد الدولي محكوما فقط بصراع النفوذ أو الموارد، بل بصراع أكثر تعقيدا على النماذج المعرفية التي تفسّر العالم، وتبني الشرعية، وتحدّد معنى الإنسان والهوية والتقدّم.
وفي هذا الإطار، يستعيد سؤال الشرق والغرب حضوره بوصفه سؤالا معرفيا-حضاريا يتجاوز الثنائية النمطية بين المُستعمِر والمُستعمَر، ويتخطى التبسيط الذي قدّمه أطروحة “صراع الحضارات” باعتبارها نموذجا تفسيريا يعيد إنتاج مركزية الغرب في صناعة المعرفة.[1] فالتحوّلات الجارية لا تعبّر عن مواجهة حضارية بالمعنى الثقافي الضيق، بقدر ما تشير إلى إعادة توزيع للسلطة المعرفية وإعادة تعريف للخيال الحضاري الذي يحدّد موقع كلّ من الشرق والغرب في النظام العالمي.
هنا يبرز سؤال محوري تسعى هذه الورقة إلى معالجته نظريا: كيف يمكن للشرق أن يعيد ترتيب منظومته الفكرية والسياسية في عالم لم يعد صراع القوى هو الإطار الأقدر على تفسيره، بل صراع النماذج والرؤى والخيالات الحضارية؟
تنطلق الورقة من نقد الأساس المعرفي لنموذج “صراع الحضارات” الذي تمّت صياغته ضمن سياق غربي يعيد تأكيد مركزيته، وتعمل على تفكيك التصوّرات السائدة حول الشرق باعتباره مجرد “آخر” حضاري أو جيوسياسي. كما تتناول التحوّل الداخلي في العالم الإسلامي من الإسلام السياسي إلى ما بعد الإسلاموية، بوصفه دليلا على نشوء سؤال شرقي جديد لا يهدف إلى إعادة إنتاج الأيديولوجيا، بل إلى بناء فهم جديد للهوية والدولة والتنمية والكرامة الإنسانية.
لم يعد الصراع في النظام الدولي المعاصر صراعا على النفوذ أو الموارد فقط، بل صراعا على إنتاج المعنى: من يملك تعريف الإنسان، ومن يحدد شرعية الدولة، ومن يصوغ مفهوم التقدّم
وتجادل الورقة بأن الصراع الحقيقي اليوم لم يعد صراعا دينيا أو ثقافيا بالمفهوم التقليدي، بل أصبح صراعا معرفيا-أنثروبولوجيا حول تحديد معاني الإنسان، والشرعية، والمواطنة، والتقدم، والمستقبل. وفي هذا الإطار، ما تزال آثار الاستشراق كما حلّله إدوارد سعيد حاضرة في بنية هذا الصراع؛[2] إذ أنتجت المقاربات الاستشراقية تمثّلات اختزالية للشرق، وجرّدته من agency معرفية، وقدّمته بوصفه موضوعا للفهم والتفسير وليس شريكا في إنتاج المعرفة. ولهذا تُصبح إعادة تعريف الذات الشرقية اليوم جزءا من تفكيك هذا الإرث السعيدي الذي رسّخ علاقة غير متكافئة في تحديد معاني الحداثة والعقلانية. ومن هنا تكتسب النقاشات الدائرة حول ما بعد الإسلاموية أهمية مضاعفة، لأنها تكشف عن محاولة شرقية لإعادة إنتاج ذاتها خارج الإطار الذي فرضته السرديات الغربية والاستشراقية معا، من دون التخلي عن الجذور الثقافية أو الخصوصية التاريخية.
وتفترض هذه الورقة أن الشرق يمتلك اليوم فرصة لإعادة تموضعه كمصدر لإنتاج معنى حضاري جديد يقوم على الهوية والفاعلية والتنمية والأخلاق، بعيدا عن ثنائية التبعية أو المقابلة مع الغرب. فالسؤال لم يعد: كيف يواجه الشرق الغرب؟ بل: كيف يسهم الشرق في إعادة صياغة الأسئلة الكبرى للعالم في زمن يتشكل من جديد؟
تعتمد هذه الورقة منهجا تحليليا-مفاهيميا يستند إلى ثلاثة مستويات مترابطة:
- التحليل البنيوي لتحولات النظام الدولي وصعود القوى غير الغربية؛
- التحليل المعرفي-الخطابي لتمثّلات الشرق في الفكر الغربي ونقد نموذج صراع الحضارات؛
- التحليل الثقافي-الأنثروبولوجي لإعادة تعريف مفاهيم الإنسان والدولة والتقدم داخل كل من الشرق والغرب.
ولا تهدف الورقة إلى تقديم بيانات تجريبية بقدر ما تسعى إلى بناء إطار نظري لفهم طبيعة الصراع الحضاري في القرن الحادي والعشرين
أولا: الشرق في مرآة “صراع الحضارات“ والاستشراق
منذ أن طرح صامويل هنتنغتون أطروحته الشهيرة في منتصف التسعينيات، تمّ تمثيل الشرق-في المخيال الغربي-بوصفه منطقة “توتر حضاري” تتقاطع فيها الهويات الدينية، والصراعات الجيوسياسية، وتحولات القوة. غير أنّ مراجعة نقدية معمّقة تظهر أن هذا التصنيف لم يكن نتاج تحليل موضوعي بقدر ما كان انعكاسا لبنية معرفية غربية تعمل على إعادة إنتاج ذاتها عبر صياغة “شرق” متخيَّل. ويمكن الوقوف عند ثلاث قضايا جوهرية توضّح حدود هذا المنظور.
- الشرق كموضوع للسردية الغربية لا كفاعل معرفي
تميل المقاربات الغربية إلى التعامل مع الشرق بوصفه “ساحة” تُلقى عليها التحليلات، لا بوصفه ذاتا فاعلة تمتلك القدرة على إنتاج المعرفة أو إعادة تعريف موقعها في العالم. ويظهر ذلك في اختزال الشرق ضمن حزمة من الرموز النمطية: الإسلام، الإرهاب، النفط، الصراعات الحدودية، أو الانقسامات الطائفية. وهذه ليست مجرد مفاهيم تحليلية، بل نتاج منظومة معرفية تستمد قوتها من مركزية الغرب وقدرته على صياغة “الآخر” وفق احتياجاته ورؤيته لنفسه.
- التوظيف السياسي لمفهوم الصراع الحضاري
سرعان ما تحوّلت أطروحة “صراع الحضارات” من إطار أكاديمي جدلي إلى أداة سياسية فاعلة في صياغة السياسات الغربية. فقد استُخدمت لتبرير التدخلات العسكرية، وإعادة هندسة سياسات الهجرة، والتحكم بالوجود الإسلامي داخل المجتمعات الغربية، بل ولترميم الهوية الغربية نفسها بعد نهاية الحرب الباردة. وفي هذه السردية، يصبح الشرق “آخرا وظيفيا” يساعد الغرب على استعادة تماسكه عبر تحديد ذاته في مقابل كيان حضاري مُفترض يهدّد منظومته القيمية والسياسية.
- أزمة البدائل الحضارية في الشرق
رغم الثقل التاريخي والثقافي للعالم العربي والإسلامي، لم ينجح الشرق خلال القرن الماضي في بلورة سردية حضارية بديلة قادرة على مجاراة السردية الغربية أو منافستها معرفيا. فقد تعاقبت مشاريع قومية ويسارية وإسلامية، دون أن ينتج أي منها نموذجا معرفيا متماسكا لإدارة الدولة والمجتمع والحداثة. ومن هنا تبرز أهمية التحولات التي يمثلها مفهوم ما بعد الإسلاموية بوصفه محاولة لإعادة صياغة سؤال الهوية والدولة خارج الأطر الأيديولوجية التقليدية.
لم تكن أطروحة “صراع الحضارات” توصيفًا لواقع قائم بقدر ما كانت إعادة إنتاج لبنية معرفية غربية احتاجت إلى “آخر حضاري” جديد، بعد نهاية الحرب الباردة، لتثبيت ذاتها وإعادة تعريف هويتها
وتتعمّق حدود هذا المنظور أكثر عند استحضار نقد إدوارد سعيد للاستشراق، الذي كشف كيف أنتجت الأكاديميا والسياسة والإعلام في الغرب تمثّلات متخيلة للشرق، تقوم على ثنائية التفوق/الدونية، والمعرفة/الجهل، والحداثة/التخلّف. فالشرق في الخطاب الاستشراقي ليس حقيقة تاريخية أو اجتماعية، بل بناءٌ خطابي representation يستمدّ معناه من حاجات الغرب إلى تعريف ذاته عبر “آخرٍ” ثابت ومؤدلج. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة أطروحة “صراع الحضارات” بوصفها امتدادا تحديثيا للاستشراق الكلاسيكي؛ إذ تُعيد إنتاج الشرق كفضاء تهديدٍ حضاري، لا كذات فاعلة تمتلك agency معرفية أو قدرة على صياغة مشروع حضاري مستقل. كما يفسّر نقد سعيد كيف تحوّلت التصنيفات الحضارية إلى أدوات سياسية لترتيب العالم وفق مركزية غربية تجعل من الشرق موضوعا للمراقبة والضبط والتفسير، لا شريكا في إنتاج المعرفة أو إعادة تعريف مفاهيم الدولة والهوية والحداثة. وهكذا يصبح فهم التحولات الراهنة-ومنها ما بعد الإسلاموية-محاولة لتحرير الشرق من تمثّله الاستشراقي، واستعادة موقعه كفاعل تاريخي ومعرفي قادر على إنتاج سرديته الخاصة.
ثانيا: نقد إطار “صراع الحضارات”- من سردية غربية إلى تحليل معرفي
عندما طرح صامويل هنتنغتون أطروحته عام 1993، كان هدفه تفسير العالم بعد نهاية الحرب الباردة عبر إطار يقوم على الصدام بين الحضارات. وقد لقيت هذه الأطروحة انتشارا واسعا، إلا أن حضورها اللافت لم يحجب ما فيها من إشكالات عميقة تقوّض قدرتها على تفسير الواقع الدولي.
فقد بُني النموذج على ثنائية مُبسّطة تختزل الشرق في الإسلام، وتقابل الغرب بالليبرالية، وكأن كلّا منهما كتلة حضارية متجانسة لا تعرف التعدد أو التناقض الداخلي. وبهذا التجريد المفرط، يغيب التعقيد التاريخي والسياسي والاجتماعي الهائل الذي يميّز الشرق، وتُلغى تباينات التجارب التي يصعب جمعها في إطار واحد.
النقطة الهامة الأخرى هي إنتاج “الآخر” كشرط للذات الغربية، لم يكن هنتنغتون يصف واقعا ماثلا، بل كان يعيد تأسيس بنية معرفية تجعل الغرب بحاجة إلى “خصم حضاري” جديد بعد انتهاء الحرب الباردة. وهكذا يصبح الشرق ضرورة إبستيمية للغرب،[3] لا موضوعا مستقلا للتحليل.
كما أن أطروحة “الصراع الحضاري” تُهمل جملة من التحولات البنيوية التي تعيد رسم ملامح النظام العالمي بصورة جذرية، وهو إهمال يكشف محدودية قدرتها على تفسير العالم الراهن. فالمشهد الدولي اليوم يتشكل تحت تأثير ثورة رقمية غير مسبوقة، قلبت معنى المعرفة والسلطة والتواصل، وأعادت تشكيل الاقتصاد والحياة العامة بطرق تتجاوز التفسيرات الثقافية التقليدية. وفي ظل هذه التحولات، لم يعد نموذج الدولة-الأمة هو الإطار الحاكم للعلاقات الدولية، بعدما صعدت شبكات عابرة للحدود-تكنولوجية، مالية، اجتماعية-باتت أكثر تأثيرا من المؤسسات السياسية الكلاسيكية.
إلى جانب ذلك، فقد تغيّرت علاقة الإنسان بالتكنولوجيا بصورة عميقة، إذ أصبح الفرد محاطا بأنظمة ذكية تعيد تشكيل إدراكه لذاته ولمحيطه، وتطرح أسئلة وجودية حول معنى الحرية والخصوصية والهوية. هذه التحولات، في مجموعها، تُظهر أن العالم يتحرك في مسارات لم يعد فيها العامل الثقافي أو الديني وحده كافيا لتفسير التفاعلات الكبرى، ما يجعل نموذج “الصراع الحضاري” عاجزا عن استيعاب التعقيد البنيوي الذي يميز القرن الحادي والعشرين.
وكلها عوامل تجعل النموذج عاجزا عن تفسير تعقيد القرن الحادي والعشرين. وإذا كان نقد نموذج صراع الحضارات يكشف محدوديته الخارجية، فإن فهم التحولات الراهنة يستلزم النظر إلى الأزمة الداخلية التي يعيشها الغرب نفسه
ثالثا: التحوّل البنيوي في الغرب- من مركزية كونية إلى هوية دفاعية
- أزمة المشروع الليبرالي
يعيش الغرب اليوم حالة ارتباك داخلي تمتد إلى المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية معا. فعلى الصعيد السياسي، شكّل صعود الشعبوية وتآكل المؤسسات الديمقراطية التقليدية علامة فارقة على انكفاء داخلي غير مسبوق. أحداث مثل البريكست، وصعود ترامب، والموجات المتلاحقة لليمين القومي في أوروبا، ليست مجرد ظواهر انتخابية، بل مؤشرات على ضعف القدرة الغربية على تقديم نموذج سياسي مقنع أو عالمي كما كان يُروَّج سابقا. فالنظام الليبرالي الذي شكّل الركيزة الأساسية للنظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية بات يواجه تحديات تمس جوهر آلياته ومؤسساته[4].
اقتصاديا، تعيش المجتمعات الغربية اتساعا متسارعا في الفجوة الطبقية وتراجعا واضحا في دور الطبقة الوسطى التي كانت تمثل عمود الاستقرار الاجتماعي. وعلى المستوى الثقافي، تبرز أزمة الهوية الفردانية التي أدت إلى تآكل الروابط الاجتماعية الجامعة وصعود تصورات متباينة للذات والحرية. وفي سياق كهذا، تبدو الليبرالية وكأنها تفقد قدرتها على إنتاج سردية أخلاقية موحدة أو نموذج حضاري مقنع، الأمر الذي يضع المشروع الليبرالي أمام أزمة داخلية بنيوية تتجاوز السياسة والاقتصاد إلى عمق البنية القيمية للمجتمعات الغربية، وكأنه يفقد مبرراته الأخلاقية وقدرته على إنتاج معنى مشترك للحياة العامة.
- انتقال الغرب من “مشروع كوني” إلى “هوية مهددة”
أمام هذا التآكل الداخلي، لم تعد الليبرالية تطرح نفسها باعتبارها مشروعا كونيا موجّها للعالم، بل باتت تُصاغ اليوم كهوية هجينة تسعى إلى حماية ذاتها. الغرب الذي كان يرى في قيمه نموذجا عالميا بات ينظر إلى محيطه بعين الريبة، وإلى الداخل بشعور متزايد بالهشاشة. وهذا التحول ينعكس بوضوح في تشدد سياسات الهجرة، وارتفاع الخطابات العدائية تجاه المسلمين، وتنامي القلق من الصعود الصيني بوصفه تحديا للنموذج الغربي، بالإضافة إلى الميل المتزايد نحو العزلة الاستراتيجية وتقليص الانخراط العالمي.
هذه المؤشرات مجتمعة تكشف أنّ الغرب لم يعد يتعامل مع الليبرالية كمشروع للتصدير، بل كحدود ينبغي الدفاع عنها. وهنا تتبدل وظيفة المفاهيم الكبرى؛ فبدل أن تكون الليبرالية إطارا نظريا للعالم، أصبحت مظلة دفاعية تحتمي من التحولات التي باتت تتجاوزها.
جرّد الاستشراق الشرق من كونه فاعلًا معرفيًا، وقدّمه بوصفه موضوعًا للفهم والتفسير والضبط، لا شريكًا في إنتاج المعرفة أو في صياغة مفاهيم الحداثة والعقلانية
في ضوء هذا التحول، لم يعد مفهوم “الصراع الحضاري” يُستخدم كأداة تحليلية لفهم العالم، بل بات أقرب إلى ردّ فعل نابع من فقدان السيطرة. فهو يمنح الغرب رواية تبسيطية تُعيد إنتاج صورة “الآخر المهدِّد” وتفسّر التحولات العميقة التي يمر بها بوصفها نتيجة صراع حضاري خارجي، لا بوصفها أزمة داخلية بنيوية. وهكذا يتحوّل الصراع الحضاري إلى سردية دفاعية أكثر منه إطارا معرفيا قادرا على تفسير العالم؛ سردية تهدف إلى حماية هوية مأزومة أكثر مما تهدف إلى فهم الديناميات العالمية الجديدة.
شهدت العقود التي تلت نهاية الحرب الباردة لحظة استثنائية من الثقة الغربية بالنموذج الليبرالي، إلى الحد الذي دفع بعض المفكرين إلى إعلان “نهاية التاريخ” وقدرة الغرب على صياغة مسار البشرية بأكمله.[5] غير أن العقد الأخير تحديدا وجّه أربع ضربات بنيوية لهذا الوهم، أسهمت في تفكيك أسس المركزية الغربية التي حكمت العقل الإنساني طوال خمسة قرون:
- فقد صعدت الصين بوصفها نموذجا متمايزا يجمع بين الدولة والحضارة،[6] وتمكّنت من إعادة تعريف القواعد الاقتصادية والسياسية العالمية.
- وفي الوقت نفسه، ضربت الديمقراطيات الغربية أزمات داخلية عميقة تجسدت في ظواهر الشعبوية والبريكست وصعود اليمين القومي، ما كشف هشاشة النموذج الديمقراطي الذي طالما قُدّم باعتباره معيارا عالميا.
- أضف إلى ذلك فشل الليبرالية الاقتصادية في خلق عدالة داخلية مع اتساع الفوارق الطبقية وتآكل الطبقة الوسطى،
- ثم جاءت الثورة الرقمية لتقوّض احتكار الغرب للمعرفة والمعلومة والفضاء الاتصالي. هذه التحولات مجتمعة لم تُضعف قوة الغرب فحسب، بل زعزعت شرعيته الفكرية، وأعادت العالم إلى لحظة تتعدد فيها النماذج ولا يعود الغرب معيارها الأوحد.
في سياق هذا التراجع، تحوّل الغرب من قوة كونية تسعى إلى تصدير نموذجها للعالم، إلى قوة هويّاتية قلقة تركز على حماية ذاتها وحدودها. فالمخاوف من تراجع الطبقة الوسطى، ومن موجات الهجرة، ومن الإسلام بوصفه “آخر” ثقافيا، ومن الانفلات التكنولوجي، ومن الصعود الصيني، أصبحت هواجس مركزية في تشكيل الخطاب السياسي الغربي. وهكذا انتقل الغرب من خطاب عالمي يدّعي القدرة على قيادة البشرية، إلى خطاب دفاعي يهدف إلى صون هويته وصلاحياته. وتكمن أهمية هذا التحول في أثره المباشر على طبيعة الصراع بين الشرق والغرب؛ فهذا الصراع لم يعد صراعا على الأرض أو الموارد، بل صراعا على السردية، وعلى القدرة على إنتاج معنى للعالم وللمستقبل.
غير أن التحوّل في الغرب وحده لا يفسّر ملامح الصراع الجديد؛ فثمة تحوّل موازٍ يحدث داخل الشرق، خصوصا في العالم الإسلامي، وهو ما تعكسه مرحلة ما بعد الإسلاموية
رابعا: من العالمية الليبرالية إلى الإقليميّة الحضارية – تحوّل النظام لا تفكّكه
لا تشير التحوّلات الجارية في النظام الدولي إلى انهياره بقدر ما تكشف عن إعادة هيكلته على أسس جديدة تتجاوز الثنائية التقليدية بين الفوضى والهيمنة. فالعالم لا يعيش لحظة «ما بعد النظام»، بل لحظة ما بعد الكونية الليبرالية؛ أي نهاية الادعاء بوجود نموذج عالمي واحد قادر على تنظيم العلاقات الدولية، وتحديد معنى التقدّم، وصياغة تعريف كوني للإنسان والدولة والشرعية. وفي هذا السياق، تبرز الإقليميّة بوصفها الإطار البنيوي البديل الذي يعيد تنظيم العالم على نحو أقل مركزية وأكثر تعددية.
لقد قامت الكونية الليبرالية، منذ نهاية الحرب الباردة، على فرضية أساسية مفادها أن العولمة ستقود إلى تآكل الهويات المحلية، وأن الدولة-الأمة ستتراجع أمام السوق العالمية، وأن الإنسان سيتحوّل إلى كائن كوني محرّر من الروابط الثقافية والتاريخية. غير أن العقدين الأخيرين كشفا هشاشة هذه الفرضيات؛ إذ لم تؤدِّ العولمة إلى توحيد العالم بقدر ما عمّقت الفجوات بين المجتمعات، ولم تُضعف الدولة بل أعادت تسييسها، ولم تُنتج إنسانًا كونيًا بقدر ما فجّرت أزمات هوية حادّة في قلب المجتمعات الغربية نفسها.
الصراع الحقيقي اليوم ليس دينيًا ولا ثقافيًا بالمعنى التقليدي، بل صراع معرفي–أنثروبولوجي حول معنى الإنسان، وحدود الحرية، ومصادر الشرعية، وشكل المستقبل
في ظل هذا التآكل، لم يعد النظام الدولي يُدار من مركز واحد، ولا وفق سردية واحدة، بل بات يتحرك عبر أقاليم كبرى تمتلك من الخصوصية الحضارية والقدرة الاقتصادية والأمنية ما يسمح لها بإدارة شؤونها ضمن منطق شبه مستقل. وهنا لا تعني الإقليميّة عودة إلى الانغلاق أو القطيعة مع العالم، بل تعني إعادة توطين العولمة داخل أطر ثقافية وجغرافية محددة، بحيث تُدار التفاعلات العالمية عبر وحدات إقليمية متمايزة، لا عبر مركز كوني مهيمن.
وتختلف الإقليميّة الجديدة جذريًا عن القومية التقليدية أو الأحلاف الأيديولوجية القديمة. فهي لا تقوم على رابطة عرقية أو دينية مغلقة، ولا على مشروع أيديولوجي شمولي، بل على تداخل أربعة عناصر رئيسية: أمن مشترك، ذاكرة تاريخية متقاربة، مصالح اقتصادية متشابكة، ورؤية ثقافية متقاربة لمعنى الاستقرار والإنسان والتنمية. بهذا المعنى، تصبح الإقليميّة إطارًا وظيفيًا لإدارة التعدّد، لا أداة لإلغائه.
تتجلّى هذه التحوّلات بوضوح في صعود أقاليم شبه مكتفية استراتيجيًا. فشرق آسيا، بقيادة الصين، أعاد تنظيم سلاسل التوريد والتكنولوجيا والتمويل ضمن فضاء إقليمي متماسك، لا يلغي التفاعل مع الغرب لكنه يقلّل من التبعية له. وأوروبا، في مواجهة أزمات الأمن والطاقة والهجرة، بدأت تتحوّل من مشروع كوني ليبرالي إلى كتلة دفاعية–أمنية تسعى لحماية نمط حياتها وحدودها. وحتى الولايات المتحدة نفسها، التي شكّلت عمود النظام الكوني، باتت تتصرّف بمنطق إقليمي موسّع، يركّز على حماية المجال الأطلسي–الهادئ بدل إدارة العالم بأسره.
في هذا الإطار، لا يمكن فصل صعود الإقليميّة عن عودة الهويات الحضارية إلى واجهة السياسة الدولية. فالهوية هنا لا تُستعاد بوصفها خطابًا ثقافيًا رومانسيًا، بل كأداة تنظيمية تمنح الشرعية، وتوفّر المعنى، وتعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. لقد أظهرت التجربة أن الإنسان لا يستطيع العيش طويلًا داخل نموذج كوني مجرّد، منفصل عن تاريخه وثقافته وروابطه الجماعية، وأن محاولات فرض هذا النموذج أدّت، paradoxically، إلى صعود الهويات الدفاعية والشعبويات والانغلاق.
وهنا تكتسب الإقليميّة بعدًا أنثروبولوجيًا عميقًا؛ فهي تعبّر عن بحث الإنسان المعاصر عن مستوى وسيط للانتماء، لا هو ضيّق كالعائلة أو الطائفة، ولا هو مجرّد كالإنسان الكوني. الإقليم، بهذا المعنى، يصبح فضاءً يمنح الفرد شعورًا بالأمان والمعنى، ويتيح للدولة أن تستمد شرعيتها من توافق ثقافي–اجتماعي أوسع، لا من نماذج مفروضة من الخارج.
بالنسبة للشرق الأوسط، يكتسب هذا التحوّل دلالة مضاعفة. فالمنطقة، التي كانت لزمن طويل ساحة مفتوحة للتدخلات العالمية وصراعات الكتل الكبرى، تجد نفسها اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف موقعها داخل نظام إقليمي ناشئ. فبدل أن تكون «طرفًا تابعًا» في نظام كوني متداعٍ، يمكن للشرق الأوسط أن يتحوّل إلى إقليم فاعل يعيد ترتيب أولوياته حول الاستقرار، والتنمية، والسيادة، وإدارة التنوّع، بعيدًا عن الاستقطابات الأيديولوجية الحادّة التي حكمته طوال القرن العشرين.
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم التحوّلات الجارية في المنطقة-من إعادة تعريف دور الدولة، إلى تراجع الأيديولوجيات الشمولية، إلى صعود خطاب الكفاءة والتنمية-إلا بوصفها جزءًا من هذا الانتقال نحو الإقليميّة. فالدولة في الشرق الأوسط لم تعد تُقاس بمدى اندماجها في النموذج الليبرالي العالمي، ولا بمدى تبنّيها خطابًا أيديولوجيًا معيّنًا، بل بقدرتها على إدارة الأمن، وتوفير الخدمات، والحفاظ على التماسك الاجتماعي، والتفاعل البراغماتي مع البيئة الإقليمية.
العالم لا يعيش لحظة “ما بعد النظام”، بل لحظة ما بعد الكونية الليبرالية؛ أي نهاية الادعاء بوجود نموذج عالمي واحد قادر على تنظيم الإنسانية وتعريف التقدّم
وهنا تتقاطع الإقليميّة مع مرحلة ما بعد الإسلاموية التي يشهدها العالم العربي والإسلامي. فكلتاهما تعبّران عن انتقال من منطق المشروع الكوني-سواء كان ليبراليًا أو إسلاميًا-إلى منطق الدولة الواقعية ذات الجذور الثقافية. لم يعد السؤال المركزي هو: أي أيديولوجيا تحكم الدولة؟ بل: كيف تُدار الدولة داخل إقليم مضطرب؟ وكيف تُصاغ هوية جامعة قادرة على احتواء التنوّع دون الانزلاق إلى التفكّك أو الاستبداد؟
وعليه، فإن الإقليميّة لا تمثّل تراجعًا عن العالمية بقدر ما تمثّل إعادة عقلنتها. إنها محاولة لإعادة تنظيم العالم على نحو يسمح بتعدّد النماذج، وتنوّع مسارات التقدّم، واختلاف تعريفات الإنسان والدولة، دون السقوط في الفوضى الشاملة. وفي عالم فقد ثقته بالسرديات الكونية الكبرى، تبدو الإقليميّة أقل طموحًا نظريًا، لكنها أكثر قابلية للاستمرار تاريخيًا.
بهذا المعنى، يصبح التحوّل نحو الإقليميّة أحد المفاتيح الأساسية لفهم الصراع الفكري والسياسي في القرن الحادي والعشرين. فهو ليس صراعًا بين حضارات متصادمة، بل بين نماذج تنظيم للعالم: نموذج كوني فقد شرعيته وقدرته على إنتاج المعنى، ونماذج إقليمية تسعى إلى ملء هذا الفراغ عبر إعادة ربط السياسة بالثقافة، والدولة بالمجتمع، والإنسان بجذوره. وفي هذا الفراغ تحديدًا، تتحدد ملامح النظام العالمي الجديد.
خامسا: الشرق في مرحلة ما بعد الإسلاموية
تدخل المجتمعات العربية والإسلامية اليوم مرحلة يمكن تسميتها بـ”ما بعد الإسلاموية”، وهي لحظة انتقالية لا تلغي حضور الدين في المجال العام، لكنها تعيد صياغته ضمن علاقات أكثر تعقيدا مع الدولة والمجتمع والحداثة. وفي هذه المرحلة، يبدو الشرق وكأنه يقف أمام ثلاثة مسارات فكرية وسياسية تعيد تشكيل رؤيته لذاته ولموقعه في العالم.[7]
أول هذه المسارات يتجلى في إعادة تعريف الدولة. فالشرق لم يعد ينظر إلى الدولة من زاوية معيارية تقاس بمدى “إسلاميتها” أو قربها من خطاب أيديولوجي محدد، بل من قدرتها على الأداء والكفاءة. الدولة الناجحة، في هذا المنظور الجديد، هي تلك القادرة على تقديم الخدمات، وإدارة الاقتصاد بفعالية، وتوفير الاستقرار، والتجاوب مع التحولات العالمية، وبناء علاقة صحية ومتوازنة مع المجتمع. وهذا التحول ينسجم مع الاتجاه العالمي نحو تراجع مركزية الأيديولوجيا وصعود نموذج “دولة الكفاءة”، حيث يتقدم معيار الفاعلية والحوكمة على معيار الشرعية الأيديولوجية.
المسار الثاني يتمثل في بروز خطابات هوياتية جديدة داخل الشرق. فالهوية لم تعد محصورة في الانتماء الديني التقليدي أو في الرموز القومية القديمة، بل باتت تتخذ أشكالا أكثر مرونة وديناميكية. أصبح الشرق يُقدَّم أحيانا كفضاء ثقافي متعدد الطبقات، وأحيانا كفلسفة في أسلوب العيش، أو كاقتصاد صاعد يتشابك مع القوى الآسيوية، أو حتى كهوية شبابية متمردة تنتمي إلى العالم الرقمي وتعيد تعريف علاقتها بالسلطة والمعنى والمجتمع. هذا “الشرق الجديد” لا يشبه شرق القرن العشرين؛ إنه شرق يتشكّل داخل شبكات رقمية، وفي فضاءات ثقافية هجينة، وفي أنماط استهلاك ورموز اجتماعية تختلف جذريا عن النماذج السابقة.
أما المسار الثالث فهو العودة إلى الأسئلة الحضارية الكبرى. فالسؤال المطروح اليوم لم يعد: “هل يوجد صراع حضارات؟” بل أصبح أكثر تعقيدا: ما طبيعة هذا الصراع؟ من يضع شروطه؟ وكيف يمكن للشرق أن يتحول من موضوع في سرديات الآخرين إلى منتج لسرديته الحضارية الخاصة؟ هذا التحول يعكس إدراكا متزايدا بأن الشرق لن يستعيد دوره الحضاري بمجرد الدفاع عن الهوية أو استحضار الماضي، بل من خلال طرح مشروع معرفي جديد يتجاوز الثنائيات التي كبّلته طويلا: ثنائية الشرق والغرب، الدولة الدينية والدولة العلمانية، الهوية التقليدية والهوية الحديثة. المطلوب رؤية أوسع تدمج بين الحضارة والعدالة، وبين التنمية والعلم، وبين حقوق الإنسان والروابط الروحية-الثقافية، في محاولة لبناء مشروع حضاري قادر على مخاطبة الإنسان المعاصر بلغته وهواجسه وتطلعاته.
سادسا: ما بعد الإسلاموية – انتقال الصراع من الدين إلى المعنى
في الوقت نفسه، كان الشرق يشهد تحولا داخليا عميقا تجلّى في ما يُعرف بمرحلة “ما بعد الإسلاموية”، وهي لحظة تكشف عن تحوّل جوهري في الأسئلة التي يطرحها الجيل الجديد. فبعد ثلاثة عقود من تجربة الإسلام السياسي، بدا واضحا أنّ هذا المشروع أخفق في بناء نموذج شامل للدولة أو الاقتصاد أو العلم، ولم ينجح في إنتاج منظومة أخلاقية قادرة على منافسة النموذج الغربي أو تجاوزه. ومع مرور الوقت، تحوّل خطاب الإسلام السياسي إلى خطاب احتجاجي أخلاقي، فاقد لبرنامج الدولة ومؤسساتها. وهذا الفشل لا يُختزل في السياسة وحدها، بل يمتد إلى البنية الحضارية للمشروع نفسه، إذ لم يعد الجيل الجديد يسأل: كيف نسقط الدولة؟ بل: كيف نبني حياة ممكنة داخل دولة؟
ومن هنا يمكن القول إن ما بعد الإسلاموية ليست خروجا من الدين، بل خروجا من الدين كأيديولوجيا سياسية مغلقة. إنها محاولة للبحث عن معنى يتجاوز النموذج الديني التقليدي دون أن يذوب في الحداثة الغربية. فالشباب اليوم لا يريد دولة دينية، ولا يريد نسخة غربية مصغّرة، بل يسعى إلى نموذج ثالث: دولة حديثة، ذات جذور ثقافية واضحة، لا تقوم على الاستبداد، ولا تتبنى مشروعا تغريبيا يقتلع الهوية من جذورها. إنّها محاولة لإعادة تموضع الثقافة المحلية داخل إطار حديث لا يتناقض مع العلم والحقوق والتنمية.
ما بعد الإسلاموية ليست خروجًا من الدين، بل خروجًا من الدين كأيديولوجيا سياسية مغلقة، وبحثًا عن معنى جديد يدمج الهوية بالحداثة دون الذوبان فيها
ومع هذا التحول، يتغير مركز الصراع الفكري في الشرق والغرب على حد سواء. لم يعد الصراع بين الإسلام والعلمانية، ولا بين الشرق والغرب بوصفهما كيانين مغلقين، بل أصبح صراعا على القدرة على إنتاج خطاب يمنح الإنسان معنى لحياته في عالم شديد الاضطراب. هنا تحديدا يمكّن للشرق أن يعيد صياغة دوره، لا من خلال استعادة الماضي أو تقليد الغرب، بل من خلال بناء سردية معرفية جديدة تعطي معنى للوجود وتفتح أفقا للعدل والتنمية والكرامة والروح.
كما أن هذه التحولات الفكرية في الشرق تفتح الباب أمام سؤال أعمق يتعلق بجوهر الصراع العالمي: من يملك تعريف المفاهيم المؤسسة للحضارة المعاصرة؟
سابعا: جوهر الصراع الفكري اليوم – من يملك تعريف “الإنسان“ و“الدولة“ و“التقدّم“؟
عند هذه النقطة يتّضح أنّ الصراع بين الشرق والغرب لم يعد صراعا أيديولوجيا بالمعنى التقليدي، ولا دينيا بالمعنى السطحي الذي روّجته أطروحات “الصدام الحضاري”. إنّ لبّ المسألة اليوم يدور حول من يمتلك القدرة على صياغة التعريفات الكبرى التي تقوم عليها الحضارة المعاصرة: تعريف الإنسان، وتعريف الدولة، وتعريف التقدّم. فالجهات التي تتحكم بهذه المفاهيم تتحكم تلقائيا بمسار المستقبل، وبالمعايير التي يُقاس بها نجاح الأمم.
- الصراع على تعريف الإنسان
يتجه الغرب اليوم نحو تصور جذري للإنسان يقوم على الفرد الحرّ بوصفه وحدة مستقلة، منفصلة عن الجماعة، ومخوّلة بإعادة تشكيل ذاتها باستمرار وفق اختياراتها الفردية، حتى لو كان ذلك على حساب الروابط الأخلاقية والاجتماعية. هذا التصور يعكس ذروة الحداثة الغربية، حيث تمّ تحرير الفرد من كل سلطة تقليدية: العائلة، الدين، الجماعة، بل وحتى من مكوّنات الهوية الثابتة.
في المقابل، يقدّم الشرق-بمعناه العربي والإسلامي والآسيوي-تصورا مختلفا للإنسان. فهو كائنٌ يتشكّل داخل الجماعة، متصلٌ بالذاكرة والتاريخ والقيم، ويحمل هوية تتجاوز نزوات الفرد ورغباته الآنية. وبالتالي، لا يكون الإنسان مشروعا فردانيا صرفا، بل نتاج شبكة معقدة من العلاقات التي تمنحه معنى وكرامة وانتماء.
من هنا يصبح الصراع صراعا أنثروبولوجيا في جوهره: ماذا يعني أن تكون إنسانا؟ ما حدود الحرية؟ وما الإطار الأخلاقي الذي يجعل الحياة البشرية ممكنة؟ هذه الأسئلة تتجاوز الدين والسياسة، وتمسّ قلب المشروع الحضاري ذاته.
- الصراع على تعريف الدولة
ينظر الغرب إلى الدولة بوصفها إطارا قانونيا محايدا يفصل بين المجالين العام والخاص، وتقوم شرعيتها على سيادة القانون بغضّ النظر عن الهوية الثقافية. أما الشرق، فيرى الدولة كجسد ثقافي-اجتماعي يجسّد الأمة وتاريخها وقيمها، ولا يمكن فصل شرعيتها عن هويتها.
هذا الاختلاف الجوهري يفسّر لماذا تفشل النماذج الليبرالية للدولة عندما تُنقل إلى الشرق من دون مراعاة سياقه الثقافي، ولماذا تنشأ موجات مقاومة سياسية واجتماعية ضد النسخة الغربية من الدولة الحديثة، ولماذا تبحث شعوب المنطقة عن دولة قوية ولكن غير قمعية، حديثة ولكن ليست متغرّبة، قانونية ولكن غير منفصلة عن عمقها الاجتماعي.[8]
- الصراع على تعريف التقدّم
يربط الغرب مفهوم التقدّم بالحرية الفردية، والسوق المفتوحة، والقيم الليبرالية، بل وحقوق “ما بعد الإنسان” في ظل التحولات البيوتكنولوجية والذكاء الاصطناعي. أما الشرق، فيطرح رؤية مختلفة تجعل التقدّم مرتبطا بالتنمية والعدالة والاستقرار والهوية الثقافية والكرامة الجماعية.
وهكذا يتبيّن أن الصراع الحقيقي لا يدور حول الدين، بل حول أي نموذج للتقدّم ينبغي أن يحكم القرن الحادي والعشرين: نموذج السوق والحرية المطلقة، أم نموذج العدالة والهوية والتنمية.
ثامنا: الصراع الفكري الحقيقي بين الشرق والغرب
إذا، ما يواجهه الشرق والغرب اليوم ليس صراع عقائد، بل صراع معانٍ ونماذج. فالغرب يطرح إنسانا فرديا حرا بلا جذور، في حين يرى الشرق الإنسان داخل شبكة من القيم والعلاقات. والغرب يروّج لحرية بلا قيود، بينما يربط الشرق الحرية بالأخلاق والمسؤولية الاجتماعية. والغرب يُعرّف الدولة بوصفها منظومة قانون محايدة، في حين يراها الشرق امتدادا للهوية والثقافة. أمّا التقدّم، فبينما يختزله الغرب في الفردانية والليبرالية والسوق والحقوق المتقدمة، يعيد الشرق تعريفه بالعدالة والتنمية والكفاءة والانتماء وتماسك المجتمع.
لم تعد الدولة في الشرق تُقاس بمدى “إسلاميتها” أو أيديولوجيتها، بل بقدرتها على الأداء، والكفاءة، وإدارة الأمن، وبناء علاقة متوازنة مع المجتمع
وهكذا يتَّضح أن الصراع اليوم ليس على الأرض، بل على المعنى؛ ليس على السلطة، بل على تعريف الإنسان؛ ليس على الموارد، بل على النموذج الذي سيحكم المستقبل. وفي هذه المساحة بالذات يمتلك الشرق فرصة تاريخية لإعادة التموضع، إذا استطاع أن ينتج سرديته الخاصة التي تمنح الإنسان معنى، وتمنح الدولة شرعية، وتمنح التقدّم روحا تتجاوز ضيق الفردانية وتكرار الماضي.
يقف الشرق اليوم، ولأول مرة منذ قرن كامل، أمام فرصة حقيقية لإعادة صياغة ذاته وموقعه في العالم، وهي فرصة جاءت نتيجة ثلاثة تحولات أساسية تعيد تشكيل بنية النظام الدولي:
- فالتحول الأول يتمثل في صعود التعددية العالمية؛ إذ لم تعد الحضارة الغربية النموذج الوحيد أو المرجعية المطلقة، بل ظهرت قوى جديدة مثل الصين والهند وتركيا ودول جنوب شرق آسيا، إلى جانب التجارب الإفريقية الصاعدة وشبكات المعرفة اللامركزية، ما أعاد رسم موازين القوة والمعنى في العالم.
- أما التحول الثاني فيتعلق بانتقال المعرفة من مركزيتها الغربية إلى فضاء لا مركزي، إذ لم تعد المعرفة تُنتج في العواصم الغربية وحدها، بل أصبحت الجامعات ومراكز التفكير والمنصات الرقمية فضاءات مفتوحة تقلل من مركزية الغرب وتتيح للشرق أن يكون مشاركا في إنتاج المعنى.
- والتحول الثالث هو بروز جيل ما بعد الأيديولوجيا في العالم العربي، جيل ليس إسلامويا ولا قوميا ولا يساريا، بل جيل براغماتي، رقمي، يبحث عن الفرص والكفاءة والمعنى والأمن والمستقبل المستقر، وهو ما غيّر موقع الدين والسياسة والحضارة في وعيه، وفتح الباب أمام إعادة تصور جذري لمستقبل الشرق.
وانطلاقا من هذا التحول، يصبح سؤال: ماذا يريد الغرب؟ وماذا يريد الشرق؟ سؤالا مركزيا لفهم لحظة التحول الراهنة. فالغرب يريد الحفاظ على ريادة التكنولوجيا وضمان التفوق الاقتصادي وضبط الهجرة ومنع صعود قوى حضارية منافسة، كما يريد فرض معايير ليبرالية على العالم في مسائل الجندر والهوية والسوق المفتوحة. في المقابل، يريد الشرق تنمية مستقلة وسيادة غير مرهونة وهوية غير قابلة للتذويب ودولة قوية غير استبدادية ومكانة داخل النظام الدولي الجديد. وهكذا يتضح جوهر الصراع الحقيقي اليوم: من يمتلك الحق في تعريف معايير العصر؟ هل يكون الإنسان كونيا أم هوياتيا؟ هل تكون الدولة محايدة أم ثقافية؟ هل يكون السوق عالميا أم محليا؟ وهل تُفرض القيم أم تتنوع؟ إن هذا المستوى من الأسئلة يحدد طبيعة الصراع الفكري الجديد بين الشرق والغرب.
ولفهم الحاجة إلى إعادة تموضع الشرق، يجب أولا إدراك أنه أمضى قرنين كاملين في موقع “الردّ”: يرد على الاستعمار، يرد على الحداثة، يرد على العولمة، يرد على النموذج الليبرالي، يرد على الإسلاموفوبيا، يرد على اتهامات العنف، ويرد على خطاب التخلّف. هذه الوضعية الدفاعية جعلته مفعولا به معرفيا، يتحرك داخل فضاء معرفي صاغه الآخر. أما اليوم، فهناك فرصة حقيقية للخروج من هذا القيد.
ويتطلب إعادة إنتاج الشرق لنفسه إطارا منهجيا يقوم على أربعة مستويات. المستوى الأول هو بناء نموذج تنموي-حضاري، وليس مجرد نموذج اقتصادي، يدمج العدالة الاجتماعية مع الابتكار وحماية الهوية وتعزيز القوة الناعمة الثقافية وأخلاقيات التكنولوجيا وخطابا روحيا متصالحا مع العلم. أما المستوى الثاني فهو تطوير خطاب معرفي ينافس ولا يكرر، خطاب يتجاوز الاستشراق والإسلام السياسي والتبعية الثقافية والتبشير الليبرالي، ويقوم على مدرسة فكرية عربية جديدة تُحاكي التجارب الآسيوية التنموية، مدرسة تستند إلى السيادة والكفاءة والأخلاق والمعرفة والهوية. المستوى الثالث هو بناء قوة ناعمة ثقافية شرقية لا تُنتج عبر الدين فقط، بل عبر السينما والأدب والجامعات ومراكز الأبحاث والترجمات والمنصات الرقمية واقتصاد الابتكار، بحيث يصبح الشرق مشاركا في صياغة “خيال العالم”. أما المستوى الرابع فهو التحول من رد الفعل إلى صياغة الأجندة، أي الانتقال من سؤال “كيف نرد على الغرب؟” إلى سؤال “ما هي أولوياتنا نحن؟ وما هي رؤيتنا للعالم؟” وهنا ينعقد التموقع الحضاري الجديد.
الشرق لا يحتاج اليوم إلى مواجهة الغرب، بل إلى الانتقال من موقع الردّ إلى موقع الفعل، ومن استهلاك المعرفة إلى إنتاجها، ومن الدفاع عن الذات إلى صياغة الأجندة
وهكذا يتضح أن الصراع بين الشرق والغرب لم يعد صراعا على الدين أو الاستعمار أو الحدود أو “صراع الحضارات” القديم، بل على سؤال أعمق: من يقدم سردية للعالم تتسع لإنسان القرن الحادي والعشرين؟ فالغرب فقد قدرته على تقديم سردية كونية موحدة، بينما يمتلك الشرق فرصة تاريخية-وربما الأولى منذ خمسة قرون-لتقديم بديل حضاري جديد، ليس بديلا إسلامويا ولا قوميا ولا اشتراكيا، بل بديلا يقوم على الهوية والكفاءة والأخلاق والتكنولوجيا والتنمية.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال الأهم: كيف يعيد الشرق تموضعه في النظام المعرفي العالمي؟ ويتطلب ذلك أولا الانتقال من رد الفعل إلى الفعل؛ فعلى مدى قرنين كانت علاقة الشرق بالغرب قائمة على ردود أفعال وتبعية معرفية واستيراد نظريات جاهزة، لكن التموضع الجديد يقتضي إنتاج المعرفة لا استهلاكها. يجب علينا الانتقال من فهم الصراع كصدام ثقافات إلى فهمه كصراع على إنتاج المعنى والخيال الحضاري. فالتحولات البنيوية في الغرب، وتراجع سرديته الكونية، وصعود التعددية العالمية، بالتوازي مع تشكّل مرحلة ما بعد الإسلاموية في الشرق، تبيّن جميعها أن المنظومة الفكرية العالمية تعيد تشكيل قواعدها، وأن الشرق لم يعد مُطالَبا بالدفاع عن ذاته فحسب، بل بإعادة تعريف دوره داخل هذه المنظومة الجديدة.
المراجع
Acharya, Amitav. The End of American World Order. 2nd ed. Cambridge: Polity Press, 2018.
Bayat, Asef, ed. Post-Islamism: The Many Faces of Political Islam. New York: Oxford University Press, 2013.
Fukuyama, Francis. The End of History and the Last Man. New York: Free Press, 1992.
Huntington, Samuel P. The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order. New York: Simon & Schuster, 1996.
Mounk, Yascha. The People vs. Democracy: Why Our Freedom Is in Danger and How to Save It. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2018.
Roy, Olivier. Globalized Islam: The Search for a New Ummah. New York: Columbia University Press, 2004
Said, Edward W. Orientalism. New York: Vintage Books, 1978.
Said, Edward W. Culture and Imperialism. New York: Vintage Books, 1993.
Zakaria, Fareed. The Post-American World. New York: W.W. Norton, 2008.
[1] يقصد بمفهوم “صراع الحضارات” الإطار النظري الذي طرحه صامويل هنتنغتون عام 1993، والذي يرى أن ما بعد الحرب الباردة سيشهد انتقال مركز الصراع العالمي من التنافس الأيديولوجي والسياسي إلى الصراع بين الوحدات الثقافية-الحضارية الكبرى، مثل الحضارة الغربية والإسلامية والكونفوشية. ويقوم هذا الطرح على افتراض أنّ الهوية الحضارية والدينية هي المحدّد الرئيسي لسلوك الدول والمجتمعات، وأن خطوط التماس بين الحضارات ستكون البؤر الأساسية للتوتر في النظام الدولي.
[2] يشير مفهوم الاستشراق، وفق تحليل إدوارد سعيد (1978)، إلى منظومة معرفية-خطابية أنتجها الغرب عن الشرق، تقوم على تمثيله بوصفه عالما ساكنا، متخلفا، ولا عقلانيا، مقابل غربٍ عقلاني وحداثي ومتفوّق. ويرى سعيد أن هذه التمثّلات ليست وصفية فحسب، بل أدوات قوة وظيفتها تبرير الهيمنة الاستعمارية وضبط الشرق معرفيا وسياسيا، بحيث يصبح موضوعا للفهم والسيطرة لا ذاتا فاعلة في إنتاج المعرفة.
[3] إبستيمية الغرب Western Episteme هي البنية المعرفية التي يحدد من خلالها الغرب معايير الحقيقة والعقلانية والتقدّم، وتشكّل الإطار المهيمن لإنتاج المعرفة في العلوم الإنسانية والاجتماعية. يشير إلى المنظومة المعرفية والفكرية التي يُنتج الغرب من خلالها رؤيته للعالم-أي الإطار الذي يحدد ما يُعدّ معرفة، وكيف تُفهم الحقيقة، وما هي معايير العقلانية، وكيف تُعرَّف القيم والحداثة والتقدّم. هذه الإبستيمية لا تُمارس فقط عبر الجامعات والعلوم، بل عبر اللغة، والتمثيلات الثقافية، والعولمة، والمنظمات الدولية، وحتى عبر المناهج الأكاديمية السائدة في العلاقات الدولية والعلوم الاجتماعية. على سبيل المثال: رواية الحداثة الأوروبية بوصفها معيارا عالميا للتطور، مركزية الإنسان الفرد كنموذج معرفي، البنية الكولونيالية للمعرفة التي تفترض تفوقا معرفيا للغرب على غيره. لمفكرين يشيرون إلى أن العالم يخرج تدريجيا من احتكار الإبستيمية الغربية مع صعود الصين والهند وإفريقيا، المعرفة اللامركزية، و نقد الحداثة الأوروبية. أي أن العالم يتحرك نحو تعددية إبستيمية وليس تعددية سياسية فقط.
[4] تشير بيانات مركز Pew Research لعام 2024 إلى أن نسبة الثقة بالمؤسسات الديمقراطية في الولايات المتحدة تراجعت إلى أقل من 30%، فيما ارتفعت شعبية الأحزاب اليمينية في أوروبا إلى أعلى مستوياتها منذ 1945، كما في فرنسا وإيطاليا وألمانيا. هذه المؤشرات الميدانية تدعم فرضية الارتداد الداخلي الذي يعيشه الغرب. https://www.pewresearch.org/politics/2024/06/24/americans-trust-in-federal-government-and-attitudes-toward-it
[5] مفهوم طرحه فرانسيس فوكوياما عام 1989 ويقصد به أن الصراع الإيديولوجي العالمي قد انتهى بانتصار الديمقراطية الليبرالية بوصفها النموذج السياسي النهائي للتطور الإنساني، وأن الأنظمة الأخرى لم تعد تملك مشروعا بديلا قادرا على منافستها.
[6] إذ أصبحت ثاني أكبر اقتصاد عالمي من حيث GDP الاسمي بقيمة تقارب 17.8 تريليون دولار عام 2023 وفق بيانات البنك الدولي (World Bank, 2024). كما شكّل مشروع الحزام والطريق (Belt and Road Initiative) أحد أكبر برامج البنية التحتية العابرة للحدود، حيث شاركت فيه أكثر من 150 دولة بحجم استثمارات تراكمية تجاوز 1.1 تريليون دولار. وتشير تقديرات IMF (2023) إلى أن الصين تسهم بنحو 30% من النمو الاقتصادي العالمي السنوي، ما يجعلها مركزا محوريا في إعادة تشكيل موازين القوة الاقتصادية.
[7] تُظهر التجربة التونسية بعد 2011، وتجربة حزب العدالة والتنمية في المغرب، أن الإسلام السياسي انتقل من خطاب الهوية إلى خطاب الأداء والكفاءة، ما يدعم أطروحة ما بعد الإسلاموية الساعية إلى إعادة تعريف علاقة الدين بالدولة بعيدا عن الأيديولوجيا.
[8] يمكن رصد هذا التحوّل بوضوح في النقاشات الأوروبية حول الهوية والاندماج، حيث تصاعدت القوانين المرتبطة بإعادة تعريف الحدود الثقافية للمواطنة، مثل قانون الحجاب في فرنسا وقوانين اللجوء المتشددة في بريطانيا



