معضلة التغيير في العراق: ملاحظات قبيل يوم الاقتراع

يُقبل العراقيون يوم غد الثلاثاء إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في الانتخابات البرلمانية السادسة من تاريخ البلاد منذ 2003، وسط توقعات وتقديرات متزايدة تشير إلى احتمالية تسجيل أدنى نسبة إقبال إلى التصويت منذ أول انتخابات أجريت في 2005، في ظل سياق حساس ومعقد من عمر البلاد والإقليم يعكس حجم التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع في العراق.

لا يمكن عد تلك التقديرات المتشائمة وليدة اللحظة، بل هي امتداد لتراكم فجوة الثقة بين المواطنين والقدرة على إحداث تغيير من خلال العملية الانتخابية، فلم تسفر التجارب المتعاقبة عن تغيير ملموس في بنية السلطة قادر على الدفع بتحول في آلية صنع القرار، وهو ما يتجلى بوضوح في الانتخابات العراقية 2021، بعد أن فشل زعيم سياسي بحجم مقتدى الصدر في كسر المعادلة السياسية، وتشكيل الإطار التنسيقي المكون من الأحزاب التقليدية والأحزاب التي انبثقت من فصائل مسلحة وما تزال تحتفظ بهذا السلاح كيانًا لحكم الدولة وتوجيه سياساتها.

من يتتبع سلوك الحكومة العراقية خاصة في الدورة البرلمانية الأخيرة وسلوك الكثير من القوى السياسية في الدعاية الانتخابيّة، يجد أن الفاعلين في النظام السياسي اتخذوا من الزبائنية Clientelism واستحضار الشعارات الطائفية طريقًا لحشد الأنصار وتوسيع القاعدة الانتخابية. فقد شهدت السنوات الأخيرة إطلاق رئيس الوزراء محمد شياع السوداني مئات الآلاف من الوظائف على نحو غير مدروس، رغمالتحذيرات المتكررة التي قدمها صندوق النقد الدولي من تبعات التمادي بشعور النشوة نتيجة ارتفاع أسعار النفط. لكن توظيف المال العام لمصالح خاصة بدا سلوكًا متكررًا من غالبية القوى السياسية التي تمتلك نفوذًا في مؤسسات الدولة.

وبالتوازي مع الزبائنية، يطفو الخطاب الطائفي على السطح مرة أخرى في الدعاية الانتخابية، مع أن التنافس السياسي اليوم في العراق بدا دائرًا داخل كل مكون وليس في الإطار الوطني وبين المكونات، لكن على ما يبدو أن بعض تلك القوى رأت في دمج الزبائنية مع التعبئة الطائفية، أو اتخاذ كل واحد منهما على حدة وسيلةً فعّالة إما للحفاظ على نفوذها أو لزيادة حصتها من المقاعد النيابية بعد فشل ذريع طالها في الانتخابات الأخيرة.

شيعيًّا، يدخل الإطار التنسيقي متفرقًا بعد سنوات شهدت انقسامًا داخليًّا، أبرزها الخلاف بين نوري المالكي رئيس الوزراء الأسبق وزعيم ائتلاف دولة القانون ورئيس الوزراء محمد السوداني الذي يمني النفس للحصول على ولاية ثانية استنادًا إلى الزخم السياسي وشبكة الزبائنية التي استطاع تكوينها، دون تجاهل التحركات الخارجية التي يجريها في الفترة الأخيرة والتي أراد الظهور من خلالها بوصفه قائدًا لعراق منسجمٍ مع السياسيات الإقليمية ينأى ببلاده عن المحاور ويتجنب الصراعات، لكن ذلك لم يترجم مثلًا في القمة العربية التي شهدت مشاركة خجولة من القادة العرب شأنها شأن القمة التي انعقدت في 2012 زمن حكومة المالكي.

رغم دخولها بقوائم منفردة إلا أن غالبية القوى الشيعية التي شابها الانقسام قررت الدخول في عدة قوائم موحدة في المدن المختلطة وذات الأغلبية السنية، مثل تحالف الحدباء الوطني، وتحالف صلاح الدين الموحد، ونينوى أولاً. يٌشار إلى أن هذه القوى تمارس في تلك المدن ما يمكن تسميته بزبائنية مرتبطة بالنفوذ الأمني والاقتصادي.

سنيًّا، فمن أكثر ما يمكن ملاحظته في السنوات الأخيرة هو تلاشي وزن القوى التقليدية مقابل تصدر نخبة جديدة تتمثل غالبيتهم من رجال الأعمال، مما أدى إلى أن يقتصر التنافس على من يستحوذ على حصص “المكون” الثابتة إلى حد كبير وفق العرف السائد داخل العملية السياسية، بيد أن الطموحات التي يبديها حاليًا زعيم حزب تقدم للحصول على رئاسة الجمهورية من الكرد بغية أن يأخذ السنّة مكانهم الحقيقي من العملية السياسية، حسب ادّعائه.

كرديًا، حافظ الحزبان الرئيسيان على قواعد اللعبة بينهما طيلة السنوات التي مضت ولا تشكل الأحزاب الأخرى رقمًا بالمقارنة معهما رغم المحاولات المستمرة لفك الحصار عن المعادلة السائدة من قبل حركة الجيل الجديد التي يقودها شاسوار عبدالواحد وحزب الجبهة الشعبية الذي انتهى برئيسها لاهور الشيخ جنكي المطاف ليكون رهن الاعتقال.

على صعيد الأحزاب المدنية، يحظى اليوم حزب البديل بدعم طيف من المثقفين والمحسوبين على احتجاجات “تشرين” الذين اختاروا المشاركة هذه المرة في الانتخابات بعد مقاطعتها في المرة الماضية، مثل البيت الوطني الذي قرر المشاركة وتقديم حسين الغرابي الأمين العام الذي انطلق حزبه من مدينة الناصرية وتأسس في البداية كمشروع واعد، لكن سرعان ما تعرض لأزمات من الداخل.  وعلى ما يبدو فإن الأداء النيابي والمواقف السياسية الناقدة للفصائل المسلحة والتدخل الإيراني التي سجلها النائب سجاد سالم اكسبته وتحالفه زخمًا لدى هذا الطيف.

أما فيما يتعلق بنسب المشاركة في الانتخابات، فمن المتوقع أن تشهد المحافظات في الفرات الأوسط والجنوب ذات الأغلبية الشيعية إقبالًا متدنيًا، بالمقارنة مع المناطق المختلطة وذات الأغلبية السنية ومحافظات إقليم كردستان؛ ولربما أن ذلك يعود إلى تجربة الإطار التنسيقي في الحكم الذي سبقه تمركز حركات الاحتجاج في تلك المناطق، إلى جانب موقف التيار الصدري القاطع بالمقاطعة والذي كان قد حصل في الانتخابات الأخيرة على 73 مقعدًا بواقع أكثر من 800 ألف صوت.

لربما أكثر ما يثير القلق اليوم، أن هذه الانتخابات تأتي في مرحلة والمنطقة كلها على مفترق طرق بعد التحولات التي انطلقت شراراتها في “السابع من أكتوبر”، في الوقت الذي لا تظهر فيه القوى السياسية رؤية موحدة لهذه التحولات ولا قدرة على حساب معدلات المنفعة والتكلفة، مما يجعل العراق دائمًا ساحة إقليمية مفتوحة محتملة للحرب، يسبقه ضعف الدولة في القدرة على ضبط السلاح المنفلت داخل البلاد واحتكار العنف ومجابهة ظاهرة “اللادولتيّة” التي أخذت منذ سنوات تتجذر مؤسسيًّا.

ذلك القلق مصحوب بالحيرة وغموض المصير، ففي ظل الامتعاض من قوى النظام السياسي وبنية السلطة بشكل عام والنموذج التوافقي المعمول به وما يتمخض عنه من أحزاب وانتخابات وحالة الانهاك التي سيطرت على الشارع منذ احتجاجات تشرين، فإن هنالك تساؤلات معقدة ما تزال تبحث عن إجابة عنوانها ما المخرج؟ وكيف يمكن الوصول إلى بديل عن الوضع القائم؟

زر الذهاب إلى الأعلى